الفصل

الفصل

13 0

تَدَلَّتْ قَطْرَةُ ماءٍ مِنْ صَدْعٍ يَشُقُّ الجدرانَ، عَكَسَتْ ضَوْءَ النِّيرانِ لجزءٍ من الثانية، ثم هَوَتْ خلالَ لَطْخَةٍ من الدَّمِ اللزجِ بجوارِ الحَطَبِ المشتعلِ، وضياءٌ مُصْمَتٌ من شُقوقِ بابٍ مُهْتَرِئٍ أَطْبَقَ على الجدرانِ، يَصْدُرُ حَفيفاً خافتاً متقطعاً.'

أمعنَ ماثيو النظرَ في الصدعِ فتقلصتْ حدقتاهُ خلالَ التشققاتِ، وضياءُ الشمسِ اكتسحَ كلَّ ثنايا الغرفةِ حتى جفَّ الظلامِ ،نقرَ بأصابعِه على ركبتيهِ، فسرى وخزٌ خفيفٌ خلالَ أطرافِه، حدّقَ في راحةِ يديهِ فارتجفتْ بشكل متقطعٍ.أطلقَ زفيراً ثقيلاً، أغمضَ عينيهِ لحظةً ثم فتحهُما ببطءٍ، مالَ برأسِه نحوَ صديقِه ماسمو وهمسَ بنبرةٍ مرتابةٍ مخنوقةٍ:

"لقد تلاشتِ الأصواتُ... تماماً. ."

ظل وجهُ ماسمو جامدًا، وملأت قطراتُ العرقِ الباردِ ملامحَه ، أخذ نفس متقطع .​كان يراقبُ البابَ بحدقتينِ مرتجفتينِ، يخشى الرمشَ.. كمنْ يرى الموتَ واقفاً أمامه.​ارتعشتْ شفتاه عندَ كلماتِ ماثيو، وشعر بنبض قلبه يتسارع حتى ملأ سمعه ضمَّ ركبتيهِ إلى جسدِه، وسندَ ذقنَه عليهما، ثم همسَ بنبرةٍ مخنوقةٍ:

'​'أشعرُ بوجودِهم.. ولكنْ لا أراهم"

أخذَ جادينُ نفساً عميقاً ثم كتمَه،خشية أن يسمعه أحد.وشعرَ بغصةٍ حادةٍ في حلقِه.​جحظتْ عيناهُ عندما التقطَ حفيفَ البابِ، تعالت دقات قلبه حتى آلم صدره.

وضعَ يديهِ على وجهِهِ ثم أغمضَ عينيهِ بشدةٍ، وعضَّ على شفتيهِ بقسوةٍ يمنعُ صرختَهُ من الخروجِ.

​ذلكَ الصوتُ...

نعم هو.

​ابتسامةُ أمهِ التي كانت تغمرُه بالدفءِ والحنانِ، تلاشتْ بعدَ سماعِ نفسِ الصوتِ.​اضطربتْ أنفاسُهُ ، ارتجف وهو يكتم بكاءه.​احتضنَهُ ستيف الذي كان بجوارِه، وربتَ على كتفيهِ بلمساتٍ خفيفةٍ محاولاً أن يطمئنَهُ..

وهو أشدُّ الناسِ حاجةً للاطمئنانِ.

​شددَ جادينُ من عناقِ ستيف، وأفرجَ عن دموعِهِ لعلَّ الألمَ في صدرِهِ يخفُّ أو يزولُ.

​تأملَ ستيفُ أصابعَ جادين الباردةَ بينَ يديهِ، ألقى برأسِهِ للخلفِ وأغلقَ عينيهِ ببطءٍ، وظلَّ يمررُ يدَه الحرةَ على ظهرِ جادين.

حدق ستيف إلى لطخةِ الدمِ التي لم تجفَّ بعدُ، فاجتاحته الذكريات... كان هذا الحطامُ بيتَهُ، ملاذَهُ الوحيدَ يوماً ما.​وتلكَ الألواحُ الممزقةُ المتناثرةُ كانتْ تخصُّ عائلتَهُ.​رفعَ عينيهِ نحو السقفِ بينما التمعتْ مقلتاهُ بالدموعِ، وهو يناجي نفسَهُ بأسى:

'أينَ هم الآن؟'..

والسؤالُ الأشدُّ رعباً الذي يخشى إجابتَهُ:

'هل ما زالوا أحياء؟'.

​لم يدرِ أيحزنُ على فراقِهم الذي طالَ، أم يسعدُ لكونِهم لم يشهدوا هذا الهلاك المطبق.

​هوتْ دمعةٌ حارةٌ من عينيهِ.سند بجبينه فوقَ رأسِ جايدن. رفعَ جادينُ رأسَهُ ببطءٍ عندما شعرَ بدموعِ ستيفَ تسقطُ على جبينِهِ،

وعندما تلاقتِ الأعينُ تلاشى التحديقُ بهِ أكثرَ من ثانيةٍ واحدةٍ، أخفضَ رأسَهُ وضمَّ كتفيهِ لصدرِهِ، وفركَ يديهِ ببعضهما، وهمسَ بنبرةٍ مكسورةٍ متوترةٍ:

"أنا آسفٌ"

رفعَ عينيهِ ببطءٍ بينما ظلَّ رأسُهُ منخفضاً، ابتسمَ ابتسامةً مرتجفةً وهمسَ بنبرةٍ حاولَ قدرَ الإمكانِ جعلها هادئةً:

"لا تحزنْ"

لمعتْ عينا ستيفَ بدموعٍ متحجرةٍ، يجاهدُ على البقاءِ هادئاً وصامداً.

هزَّ رأسَهُ بحركةٍ بطيئةٍ، ثم وضعَ يدَهُ الأخرى على يدِ جادينَ يُربِّتُ عليها بحنانٍ واهٍ. أخذَ شهيقاً عميقاً وزفيراً أطولَ، أغمضَ عينيهِ محاولاً كبتَ ألمِهِ.

كانتِ الغرفةُ ضيقةً، صمتٌ مطبقٌ يخيمُ على المكانِ يجعلُ الهمسَ يترددُ في المكانِ.

على الجهةِ المقابلةِ، كان إيرينُ يجلسُ قبالتَهم على وسادةٍ صغيرةٍ عثرَ عليها في الزاويةِ. أسندَ ظهرَهُ إلى الخلفِ، ويداهُ مضمومتانِ إلى صدرِهِ، بينما قدماهُ مفرودتانِ يضعُ إحداهُما فوقَ الأخرى، كان رأسُه مائلاً لأسفلَ قليلاً، وهو مغمضُ العينينِ، شاردُ الذهنِ في ملكوتِهِ الخاصِّ. ظلَّ على حالِهِ تلكَ حتى التقطتْ أذناهُ كلماتِ جايدن لستيف.

​فتحَ عينيهِ ببطءٍ، وحدَّقَ نحوهما لثانيةٍ، ثم رفعَ حاجبَهُ وهو يميلُ بذقنِهِ نحو عنقِهِ. ارتسمتْ على شفتيهِ ابتسامةٌ ملتويةٌ ساخرةٌ عندما رأى دموعَ ستيف المحبوسةَ.​رفعَ رأسَهُ للأعلى يراقبُ سقفَ المنزلِ المتهالكِ، رَمَشَ ببطءٍ، ثم همسَ في سريرتِهِ :

​'محاطٌ بمجموعةٍ من الضعفاء'."

عندَ مايا.. كانت متكوّرةً في زاويةِ الغرفةِ، عيناها تمسحانِ كلَّ شبرٍ في المكانِ بوجل.​وضعتْ يديها على رأسِها وأغمضتْ عينيها بقسوةٍ وهي

تهمسُ في سرِها:

'لماذا هدأَ المكانُ فجأةً؟'

​نظرتْ إلى دفترِها الصغيرِ، وأخذتْ شهيقاً طويلاً ثم زفيراً أطولَ، وكررتِ الأمرَ لعدةِ مراتٍ لتهدئةِ روعِها.أمستْ تمسكُ القلمَ بأناملَ مرتعشةٍ، وبدأتْ ترسمُ حدودَ المنزلِ:

بهِ بابٌ واحدٌ مهترئٌ،

ونافذةٌ بزجاجٍ مكسورٍ.

​ابتلعتْ ريقَها على مضضٍ، ورفعتْ عينيها قليلاً لتتحركَ حدقتاها بسرعة ترصدُ كلَّ شقٍ في الجدارِ، ثم دونتْ:

'منزلٌ ضعيفٌ.. ضربةٌ قويةٌ نسبياً وسينهارُ كلياً'.

​نظرتْ إلى موضعِ جلوسِها، فوجدتْ أنَّها الأقربُ إلى النافذةِ؛ إنِ اقتحمَ الوحشُ المنزلَ من البابِ فلدَيها فرصةٌ للهربِ، وإنْ خالفَ توقعَها وظهرَ عندَ النافذةِ ستكونُ في موقفٍ حرجٍ

استرقَ إيرينُ النظرَ خلالَ النافذةِ تارةً، ونحو البابِ تارةً أخرى. نقرَ بأصابعِهِ على الأرضِ بإيقاعٍ سريعٍ ومتوترٍ، بينما عبثتْ يدُه الحرةُ بأزرارِ قميصِهِ بملل.

​أطلقَ تنهيدةً طويلةً، ولوى رقبتَهُ بعشوائيةٍ لتصدرَ صوتاً خفيضاً، بينما تثاقلتْ أجفانُهُ قليلاً. زمَّ شفتيهِ، ثم نطقَ فجأةً بنبرةٍ عاديةٍ جهيرة:

​'إلى متى سنظلُّ في هذا الوضع؟ لقد حفظتُ كلَّ شبرٍ في هذا الحطام!'.

​

حينَ اخترقَ صوتُ إيرين الصمتَ الثقيلَ، تحرَّكَ جسدُ ماسمو مغيرًا وضعيتَهُ؛ حيثُ سندَ بركبةٍ واحدةٍ على الأرضِ والأخرى أمامَ وجهِهِ، صوَّبَ عينيهِ لثانيةٍ واحدةٍ تجاهَ إيرين، ثم أعادَ بصرَهُ ناحيةَ البابِ وهمسَ بنبرةٍ منزعجةٍ حذرة:

'اصمتْ.. فصوتُكَ قد يجذبُ مَنْ في الخارج'.

​حكَّ إيرين ذقنَهُ قليلاً ثم ابتسمَ نصفَ ابتسامةٍ وهو يرمقُ ماسمو بطرفِ عينيهِ لجزءٍ من الثانيةِ، متجاهلاً الردَّ عليهِ.

​أما جايدن، فقد وقفَ على ركبتيهِ ومالَ برأسِهِ للأمامِ، وسندَ يديهِ على الحائطِ الباردِ جوارَهُ، فلم ترتعشْ يداهُ.. بل كانتا أكثرَ برودةً من الحائطِ نفسِهِ. سقطتْ حبةُ عرقٍ من فوقِ حاجبيهِ على رمشِهِ، لكنَّهُ لم يغمضْ عينيهِ، ولم يشعرْ بها حتى؛ فكلُّ ما كان يدورُ داخلَ ذهنِهِ هو فكرةٌ واحدة: كان صوتُ إيرين عالياً.. عالياً جداً وكارثياً! ربما سمعَهُ أحدٌ في الخارجِ الآن.

​وفي تلك الأثناء، اتجهتْ مايا ناحية الطاولة المكسورة؛ كانت تتحركُ على أطرافِها بحذرٍ شديدٍ، وعيناها لا تفارقانِ البابَ إلا لثوانٍ معدودةٍ. أمسكتِ النصلَ بأناملَ مرتعشةٍ واستقرَّ جسدُها في مكانِهِ الجديدِ، بحيثُ غدتْ في المنتصفِ تماماً بينَ البابِ والنافذةِ.

​أما ستيفُ، فاتسعتْ عيناهُ قليلاً، تجمدتْ يداهُ على يدِ جادينَ، أطبقَ على ثغرِهِ بقوةٍ، وعدَّلَ وضعيةَ جلوسِهِ.

​انقطعتْ أنفاسُهُ لثانيةٍ، أطبقَ على جفونِهِ بقوةٍ، ثمَّ فتحهما مجدداً، قبضَ على يديهِ حتى ابيضَّتْ مفاصلُهُ، سدَّدَ نظرةً قويةً نحو إيرينَ، ثمَّ همسَ بنبرةٍ خافضةٍ:

​"أغلقْ فمكَ، صوتُكَ خطرٌ علينا جميعاً"

​لم يعجبِ الوضعُ ماثيو إطلاقاً؛ إذ شَعَرَ من رؤيةِ انقباضِ قبضةِ إيرين أنَّهُ مستعدٌ للانقضاضِ على ستيف، وهذا آخرُ ما يريده.. شجارٌ بينهم يجذبُ كلَّ ما في الخارجِ إليهم.

​حاولَ ماثيو إخراجَ صوتِهِ هادئاً وطبيعياً:

'نحنُ الآن فريقٌ.. إنْ تصرَّفَ أحدٌ بشكلٍ متهورٍ فسيتضررُ الجميعُ. عليكَ الحذرُ ، لسنا في لعبة يا إيرين. خطؤك لا يؤذيك وحدك، بل يؤذينا جميعًا."

​

قلبَ إيرين عينيهِ وزمَّ شفتيهِ لثانيةٍ، ثم ابتسمَ ابتسامةً مقلوبةً. رفعَ كتفَهُ الأيمنَ قليلاً، وهزَّ رأسَهُ مرتينِ بسرعةٍ، ثم صفقَ ببطءٍ ثلاثَ مراتٍ بعدَ سماعِ حديثِ ماثيو، وهتفَ بنبرةٍ متعاليةٍ:

'أنا.. معكم في فريقٍ واحد!'.

​احمرَّ وجهُ ستيف وامتلأتْ عيناهُ بشعيراتٍ دمويةٍ، وارتعشتْ يداهُ من شدةِ كتمانِهِ لغيظِهِ، ثم همسَ من بينِ أسنانِهِ:

'ارحلْ من منزلي.. الآن'.

​ارتجفَ كتفا إيرين بضحكةٍ مكتومةٍ، وغطَّى فمَهُ بيدِهِ وهو يتأملُ الحطامَ.. أو ما كانَ يُسمَّى بمنزلِ ستيف.

​رفعَ حاجبيهِ ببطءٍ لستيف، ونهضَ من على الأرضِ ومن دونِ حديثٍ اتجهَ ناحيةَ الباب.

​ذلكَ الفعلُ جعلَ

ماثيو عدل وضعيته

و ماسمو إستقام واقفاً

مايا شددت على النصل بين يديها

و جادين تراجع للخلف قليلاً

ستيف عض على شفتيه حتى سال خيط رفيع من الدم

. همسَ ماثيو بنبرةٍ مرتجفةٍ محذراً:

'إيرين.. يكفي حماقةً! عُدْ لمكانِك، هذه ليستْ مزحة'.

​ولكنَّ إيرين لم يكترثْ لهُ. قبضتْ يداهُ على المقبضِ الباردِ فانتقلتْ إليهِ برودتُهُ الشديدةُ، وأصدرَ البابُ أنيناً خافتاً يمزقُ الصمت.

مرَّت ثوانٍ قليلةٌ حتى أصبحَ البابُ مفتوحاً بالكاملِ.

​حدقَ إيرين بالضبابِ الكثيفِ الذي يملأُ المكانَ؛

شيءٌ غيرُ مريحٍ ،

لكنَّهُ غيرُ مرئيّ.

لا يستطيع تحديد ما هو

الدخانُ المتصاعدُ من أثرِ احتراقِ المنازلِ لم يزلْ بعدُ. أخذَ إيرين نَفَسَهُ بصعوبةٍ بالغَة..

لقد كانَ الهواءُ ملوثاً،

ومُشبعاً برائحةِ الهلاك.

كانتْ عينا إيرينَ جامدتينِ، تحدقانِ في الجثةِ الملقاةِ على الأرضِ بإهمال.

​أخذَ نفساً عميقاً ثم حبسَهُ في رئتيهِ عندما رأى ارتعاشَ أصابعِ الجثةِ..

أو ربما لم يكنْ صاحبُها قد ماتَ بعد!

​تساءلَ في سريرتِهِ :

كيف؟!

​حولَهُ بركةٌ صغيرةٌ من الدماءِ،

وبالطبعِ هو ليسَ حياً..

ولكنَّ السؤالَ الأشدَّ إرباكاً الذي طرحَهُ على نفسِهِ:

الدماءُ تبدو حارةً! أي أنَّ هذا الشخصَ قد قُتِلَ للتوِّ وهم في الداخلِ،

فكيفَ لم يشعروا به؟!

​لم يكنْ هناكَ أيُّ صوتٍ..

لا حركةٌ.

. ولا حتى صدى لخطواتِ هذا الرجل.

أخذَ إيرين يراقبُ كلَّ زاويةٍ في المكانِ محاولاً اكتشافَ أيِّ مكيدةٍ، لأنَّهُ حتى لو سقطَ هذا الرجلُ من السماءِ، لكانوا سمعوا صوتَ ارتطامِهِ بالأرض.

​كان ماسمو أولَ مَنْ تحرَّكَ خلفَهُ؛ تردد في الخروج أغمض عينيه لثانية ثم خطى الخطوة الأولى لخارج الحطام.

هو لم يعدْ يشعرُ أنَّ هذا المكانَ آمنٌ، وصدرُهُ يضيقُ كلما مرَّتِ الثواني. رمقَ إيرين بنظرةٍ سريعةٍ عابرةٍ تنم على ضيقه بسبب فعلته، ثم انتقلَ بعينيهِ يمسحُ المكانَ بحذرٍ شديد.

​مالَ برأسِهِ نحو الأمامِ، وضيَّقَ عينيهِ يركزُ على المنزلِ الذي يقعُ قبالتَهم؛ كان يبدو سليماً مقارنةً بالمنازلِ المحطمةِ حولَهُ، لكنَّ ثمةَ حفيفاً خافتاً يصدرُ عن بابِهِ، وآثارَ مخالبَ حادةٍ غائرةٍ على الجدرانِ جعلتْ حلقَ ماسمو يجفُّ تماماً.

شروخ واسعة في منزل حجري، ترى عمقها بوضوح."

​إنْ كانتْ مخالبُ الوحوشِ وحدَها قادرةً على اختراقِ الحائطِ الحجريِّ الصلبِ..

فماذا ستفعلُ بأجسادِهم البشريةِ الضعيفة؟!

تحركتْ مايا خلفَ المجموعةِ إلى الخارجِ، وفي ظنِّها أنَّ الخطرَ مهما عظمَ، سيكونُ أقلَّ وطأةً بوجودِ رفاقٍ كُثرٍ حولها.

وهذا صحيحٌ

.. ربما!

​قبضتْ بكفّيها على النصلِ حتى ابيضَّتْ مفاصلُها، وخطتْ أولى خطواتِها نحو الخارجِ، وعيناها تمسحانِ كلَّ شبرٍ في الميدانِ الممتدِّ أمامها.

​فجأةً، لفتَ انتباهَها جثةٌ...

​محترقةٌ!

​مالتْ برأسِها إلى الجانبِ قليلاً، ثم أمعنتِ النظرَ فيها. كان شكلُ الجثةِ يبعثُ القشعريرةَ في الأوصالِ ويجعلُ قلبَها ينقبضُ بعنفٍ؛ كانتْ في وضعيةِ زاحفٍ على الأرضِ، يدٌ ممدودةٌ للأمامِ منبسطةٌ كأنَّها تستنجدُ، ويدٌ أخرى تقبضُ على الترابِ بقوةٍ مستميتةٍ، وفمٌ مفتوحٌ على وسعِهِ، وأعينٌ متسعةٌ بشدةٍ هلعاً.

​لكنَّ الشيءَ الأشدَّ غرابةً والذي أثارَ حيرتَها، هو وجودُ ماءٍ غزيرٍ حولَ الجثةِ، وعلى الأرجحِ.. فوقَها أيضاً!

​في تلك اللحظةِ، التفتَ ماثيو برأسِهِ ناحيةَ اليسارِ، عندَ زاويةِ منزلٍ يقعُ بعيداً قليلاً. ضيَّقَ نظراتِهِ يثبتُها في العتمةِ، فأبصرَ رجلاً يقفُ هناكَ ساكناً.

​همسَ لزملائِهِ دونَ أنْ يشيحَ بصرَهُ عن الهدفِ، وهو يشيرُ بإصبعِهِ:

'انظروا هناك..'.

​

​التفتَ الجميعُ دفعةً واحدةً نحو إشارتِهِ.

​

هنا، ابتسمَ جادينُ ابتسامةً صغيرةً، وهمسَ بنبرةٍ هادئةٍ رغمَ توترهِ، محاولاً التمسك بأيِّ خيطٍ. ضيَّقَ عينيهِ بين الضبابِ، ملاحظاً أنَّ ملابسَ الرجلِ النظيفةَ تشبهُ ملابسَ الجنودِ، أو ربما هو يتوهمُ:

​"ربما هو أحدُ جنودِ الطبقةِ الثانيةِ.. أظنُّ أنَّهُم سمعوا بما حدثَ وجاءوا لتفقدِ الوضعِ."

​هدأتْ دقاتُ قلبِ جادينَ قليلاً، وأخذَ نفساً عميقاً، فارتختْ عضلاتُهُ المتوترةُ وهبطَ كتفاهُ للأسفلِ، بينما تدلتْ يداهُ بشكلٍ مستقيمٍ بجانبهِ. وكادَ أنْ يخطوَ للأمامِ متردداً.

​، اتسعتْ عينا ستيف وتجمدَ جسدُهُ لثانيةٍ، وتقاطعَ حاجباهُ بشكلٍ حادٍّ. حركَ يدَهُ بسرعةٍ وقبضَ على كتفِ جايدن، ثم هتفَ وهو يضيقُ عينيهِ :

'إلى أينَ تظنُّ نفسَكَ ذاهباً؟! هل أنتَ مستغنٍ عن حياتِك؟!'.

​أزاحَ جايدن يدَ ستيف بهدوءٍ، وهتفَ بنبرةٍ وادعةٍ:

'إنه يرتدي ملابسَ الحراسِ يا ستيف..'.

​تحركَ جسدُ جايدن للأمامِ بخطواتٍ شبه هادئة ، وتبعهُ ستيف بترددٍ يحملُ بعضَ الأملِ في داخلهِ، قبضاً بين يديهِ على عصاً خشبيةٍ عثرَ عليها على الأرض.

​تبادلَ ماثيو وماسمُو النظراتِ بتوترٍ صامتٍ، أما إيرين فباغَتَهم بدفعِهم إلى الأمامِ بقوة.

التفتا إليهِ في نفسِ الوقتِ يسددانِ لهُ نظراتٍ قاسيةً، وهتفَ ماسمو بنبرةٍ مختنقةٍ غاضبة:

'كنتُ سأقعُ على الأرضِ أيها الأحمق.. انتبهْ!'.

​أما ماثيو، فضربَ جبينَهُ بكفِّهِ ولم يعلقْ، بل سارَ خلفَ الآخرينَ سريعاً

ابتسمَ إيرين ابتسامةً ملتويةً ساخرة

سبق مامسو الذي وجدَ نفسَهُ بمفردِهِ للحظةٍ فركضَ ليلحقَ بركبِهم.

​تقدمَ جايدن خطوةً... ثم تراجعَ ذاتَ الخطوةِ. فركَ رقبتَهُ من الخلفِ بقلقٍ، وفتحَ ثغرَهُ ليتكلمَ... ثم أطبقَهُ مرةً أخرى دونَ أن ينطقَ بحرف.

زفرَ إيرينُ مطولاً، ثم تقدمَ بخطواتٍ ثابتةٍ ناحيةَ الرجلِ ، ، وأردفَ بينما عيناهُ تتفحصانِ هيئتَهُ بفضول:

'ماذا تفعلُ هنا؟!'

​خيَّمَ الصمتٌ لثانيةٍ...

​ثم استدارَ الرجلُ نحوهم ببطءٍ شديد. كانتْ ملابسُهُ الرماديةُ مثاليةً ونظيفةً بشكلٍ مزعجٍ وسطَ هذا الخراب؛ كفاهُ ملطختانِ بدماءٍ دافئةٍ تقطرُ قطراتٍ لزجةً، وعيناهُ حمراوانِ قانئتانِ بغرابة. شعرهُ الفضيُّ مرتبٌ، وبشرتُهُ بيضاءُ صافيةٌ بشكلٍ فائق.

​كانتْ حدقتاهُ مركزتينِ على إيرين الذي بدأَ الحديثَ، بينما رأتْ مايا أنَّ رأسَهُ مالتْ بزاويةٍ بسيطة، ووضعيةُ جسدِهِ لم تتغيرْ.. ظلتْ ثابتةً ومملوءةً بثقةٍ مريبة.

​ظلَّ صامتاً..

​رفعَ إيرين حاجبَهُ، وجزَّ على أسنانِهِ لثانيةٍ، ثم رفعَ يدَهُ إلى ذقنِهِ وتحركَ مقترباً منهُ خطوةً أخرى، هاتفاً بنبرةٍ يملؤها الغيظ:

'هل أنتَ أصم؟ فاقدٌ للنطقِ أم ماذا؟! أنا أتحدثُ معَك.. أجبني!'.

​حركَ الرجلُ عينيهِ نحو ماسمو، دونَ أنْ يعيرَ أدنى اهتمامٍ لإيرين الذي أزعجَهُ برودُ هذا الكائن. انشقَّ ثغرهُ كاشفاً عن ابتسامةٍ ملتويةٍ جعلتْ إيرين يرتدُّ إلى الخلفِ خطوةً واحدةً دونَ وعي.

لأول مرة...لم يجد كلمة يقولها.

​في تلك الأثناء، شدتْ مايا على نصلِها وهي تراقبُ هيئةَ الرجلِ المريبة؛

كانتْ مؤمنةً أنَّ المثاليةَ المبالغَ فيها تخفي خلفَها كوارثَ بشعة.

​نطقَ الرجلُ بعدَ صمتٍ دامَ طويلاً، لكنَّ الصدمةَ كانت في الصوتِ... صوتٌ لم يكنْ غريباً عليهم إطلاقاً، :

"أشعر بوجودهم... ولكن لا أراهم."

تجمد ماسمو.

لم تكن الكلمات فقط هى ما شلته ..

بل الطريقة التي خرجت بها.

نفس النبرة.

نفس الوقفة بين الكلمات.

نفس صوته تمامًا.

رمش ببطء ،ثم همسَ بنبرةٍ مرتجفةٍ :

"هذا... هذا صوتي."

​

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الصراع الأبدي

المؤلف Wolf
2026/09/18 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة