الفصل الثاني — الجزء الرابع
---
قبل عدة دقائق من تصدع السماء وهجوم أفواج الشياطين على استيريا، كان الهدوء يسود أحد الأسطح البعيدة عن أعين العامة.
نزل رجل يرتدي عباءة سوداء على ركبتيه، وطأطأ رأسه بوقارٍ تام أمام قائل الأوامر؛ شخصٍ يلفه الغموض، يرتدي عباءة مماثلة ويخفي ملامحه خلف قناع أبيض أملس خالٍ من أي نقش.
"لقد نجحتُ في تنفيذ ما طلبتَهُ مني يا سيدي."
قالها التابع بصوتٍ خافض يملؤه الاحترام. ظل الشخص المقنع واقفاً في صمتٍ ثقيل لبرهة، قبل أن يكسره متسائلاً بنبرة يملؤها البرود:
"كيف جرى الأمر؟"
ردّ التابع بثقة: "جرى الأمر كما خططت يا سيدي؛ بعد أن سرقتُ تلك القطعة من يدي الفتاة الزرقاء، سحبتُها إلى مكان بعيد عن أعين العامة وأعضاء نقابة «شمس الليل». هناك أضعفتُ قوتها كثيراً وتصنعتُ الهزيمة أمامها، لأدفعها إلى استنشاق ضباب الاستحواذ الطيفي. الآن أستطيع تتبع موقعها بدقة أينما كانت، بينما يستمر الضباب في امتصاص آناها حتى الموت."
أدار المقنع جسده بهدوء، وشخصت نظراته عبر فتحتي القناع نحو الاتجاه الممتد إلى الساحة البعيدة، ليستحضر في ذهنه تفاصيل مواجهة ميساكي ضد المقنع الحديدي.
"أحسنت صنعًا... فتاةٌ في مثل عمرها، تستطيع التحكم بآنا ملك البحار ليڤيان، لا يجب تركها لنقابة شمس الليل بهذه السهولة."
اتسعت عينا التابع بشدة تحت عباءته، وصاح بصدمة لم يستطع كبحها:
"ملك البحار؟! كيف لقروية أن تكون المختارَة من قبل وحش الآنا الأسطوري؟ هذا مستحيل!"
ردّ المقنع دون أن يلتفت إليه، وبصوت خالي من الاكتراث:
"لا يهم هذا الأمر الآن، نحنُ نقابة الفرسان الملكية أولى بالحصول على هذه الجوهرة من أي نقابة أخرى."
رمش التابع بذهول واستنكار لمكانة نقابته النبيلة، متسائلاً بنبرة مترددة:
"هل أنت متأكد من ضم قروية نتنة إلى نقابتنا الملكية يا سيدي؟!"
التفت المقنع إليه ببطء ثقيل، وانخفض صوت نبرته الحادة ليكتسي بحضورٍ مرعب:
"وهل تظن أني مخطئ بشأن ذلك؟"
ارتعد التابع وارتجف صوت أنفاسه، ليتراجع فوراً متلعثماً بخوفٍ شديد:
"بـ..بالطبع لا! إن كنت قد اتخذت القرار بضمها يا سيدي فأنت أعلم، وأنا سأكون مع أي قرار تتخذه!"
اقترب المقنع منه بخطوات بطيئة ومتزنة، وصدى وطأته يخترق صمت المكان.
"على أية حال، أحسنت صنعًا يا تابعي المخلص... والآن، هناك أمرٌ أخير أريده منك."
سرّت قشعريرةٌ في جسد التابع، لكنها هذه المرة كانت مزيجاً من الراحة لزوال غضب سيده، والنشوة بالثناء. رفع رأسه وعلامات الارتياح تظهر على ملامحه، ليرد بلهفة:
"أمرك يا سيدي العظيم!... سأنفذ أي شيء تطلبه فوراً."
توقف المقنع على بعد ذراع واحدة فقط منه، وقال بصوت خفيض وخالٍ من أي عاطفة: "قِف."
قبل أن يستوعب عقل التابع الأمر، انتصب جسده واقفا بشكل آلي امتثالاً للهيبة التي تفرضها شخصية سيده.
"حاضـ—"
لم تسعفه الشفتان لإكمال الكلمة؛ إذ اخترقت يد المقنع المجهول صدره بلمح البصر، ممزقةً الجسد والأنفاس في ضربة غادرة واحدة.
همس المقنع في أذنه بينما الدم يقطر من بين أصابعه:
"مُت لأجلي."
سال الدم من ثغر التابع، ويد سيده لا تزال في أعماق صدره الغارق بالدماء. تحولت حشرجة أنفاسه المتألمة إلى ابتسامة باهتة مشوبة بالولاء التام والجنون، ليرد بصوت متقطع:
"سـ..سأكون... سعيداً بذلك... أيضاً... يا سـ..سيدي..."
وانتهت كلماته الأخيرة في اللحظة التي انتزع فيها المقنع قلبه من بين أضلاعه بقسوة، ليمسكه في كفه والدم يتقاطر منه، بينما انهار جسد التابع هامداً على السطح.
رفع يده الأخرى ببطء وأزال القناع الأبيض عن وجهه، لم يتكشف وجهه بالكامل تحت ظلال العباءة؛ كل ما ظهر هو انفراج شفاهه عن أنيابٍ حادة كالخناجر يقطر منها اللعاب.
تعالت منه ضحكات مكتومة وشيطانية اهتزت لها أعطاف ردائه، قبل أن يرفع القلب المبتل بالدماء إلى فمه المفتوح ويبدأ بأكله بشراهة وتوحش.
مع كل قضمة، كانت تتصاعد من جسده هالة سوداء أرجوانية كثيفة تضج بالشر والتشاؤم الخالص، محولة الأجواء حوله إلى كابوسٍ مظلم... لقد أصبحت الحقيقة جليّة الآن: لم يكن هذا المقنع سوى شيطانٍ خبيث يتخفى تحت رداء السادة.
مسح الشيطان فمه بكفه الملوثة بالدماء، وتنفس ببطء وهو يشعر بآنا التابع تدفق في عروقه كالحمم، لتتأجج هالته المظلمة أكثر. اتسعت ابتسامته الخبيثة وشعر بنشوة عارمة وشبعٍ ولذة لا تُوصف، وكأن طعم الولاء الممتزج بالدم قد أروى جوعه الشيطاني لفترة طويلة.
"آه... كم هذا منعش! والآن تبقت الخطوة الأخيرة لتنفيذ خطة السيطرة على هذه المملكة."
لكن متعته تلك لم تدم طويلاً...
"يا للشناعة... تقتل تابعاً وفيًا لك حتى الموت وتأكل قلبه هكذا؟ كم هو متوقع من شيطان على أية حال~"
التقط الشيطان قناعه الأبيض بلمح البصر وثبته على وجهه مجدداً ليخفي أنيابه ودماءه، ثم التفت ببطء وهدوء شديد نحو مصدر الصوت، ونظراته المظلمة تخترق الظلام عبر فتحتي القناع.
كان الصوت قادماً من حافة السطح العالية؛ نبرة طفولية ساخرة، ممتزجة بتنهيدة ملل واضحة تدل على عدم الاكتراث مطلقاً. هناك جلس شخص قصير القامة يرتدي عباءة سوداء فضفاضة تغطي معظم جسده ولا تظهر غير ابتسامته، يرجّح قدميه في الهواء بتسلية وهو يلقي بنظراته نحو جثة التابع الملقاة على الأرض.
ودون سابق إنذار، اختفى الشخص من المكان كأنه لم يكن، ليعاد ظهوره خاطفاً خلف الشيطان على بعد مترين فقط.
التفت الشيطان مباشرة إلى الخلف، وسأله بنبرة يملؤها البرود والتهديد:
"من تكون؟"
وضع الفتى سبابته على ذقنه بنبرة معربدة متصنّعة التفكير:
"همممم... من أكون يا ترى؟ هممم... آها! يمكنكَ بمناداتي بـ "X" سأكشف عن هويتي بعد أن تفعل أنت أولاً، أعدك بذلك فلا تقلق~"
أطلق الشيطان ضحكة خفيفة ساخرة من فهم مقصد الشخص الذي أمامه وقال:
"هكذا إذن... مثيرٌ للإهتمام. تظن أنك ستستطيع قتلي بمجرد أن تفعل ذلك؟ يا لها من ثقة عمياء تمتلكها أيها الطفل السخيف."
اتسعت ابتسامة الشخص تحت ظلال عباءته ليقاطعه بنبرة واثقة وهادئة:
"عذراً عذراً... لكنك مخطئ في أمرٍ واحد."
توقف لبرهة ثم أكمل بنفس النبرة لكنها تخفي خلفها خطورة مرعبة:
"أنا واثقٌ بأني استطيع قتلك الآن قبل أي شيء... لكن سيكون من المزعج حقاً أن ننهي الأمر دون أن نتعرف على بعضنا البعض أولاً، أليس كذلك؟"
بقي الشيطان ينظر إليه بهدوء.
'هذا القصير غير عادي تمامًا... لم أستشعر اي حضور له من قبل، أما الآن الشيء الوحيد الذي يثبت بأنه موجود أمامي هي عيناي.'
ظهرت ابتسامة خبيثة على وجه الشيطان من خلف القناع.
'إن قمت بأكل قلبه فستزداد قوتي كثيرا حتى استطيع تنفيذ خطتي بتدمير هذه العاصمة والسيطرة عليها لتحكم بمملكة إيريديان بالكامل... لكن لسوء الحظ لا أملك الوقت لذلك الآن.'
قطعت أفكاره خطوات الفتى التي تقترب بهدوء نحوه.
"هل أكل القط لسانك؟ إن كنت لا تريد إظهار نفسك فسأجبرك على فعل ذلك أيها الكائن المقزز."
"أتعلم يا فتى؟... ليس لدي الوقت للعب معك الآن لكن ليس لدي مشكلة بإخبارك من أكون."
توقف "X" متفاجئًا قليلًا من تغير الموقف.
"نادني بـ "Y"... يسرني اللعب معك لاحقًا أيها الشقي."
فجأة، انبعثت هالة مجنونة ومرعبة من جسد الشيطان، موجة عاتية من الطاقة الظلامية جعلت الهواء يتكاثف والرياح العنيفة تعصف بالسطح بجنون، مهتزةً لها أطراف عباءة "X" وشعره.
ومن قلب هذه الهالة الشيطانية، بدأ يتدفق ضبابٌ كثيف وسام ينبثق بكثافة من جسد "Y". كان هذا الضباب شبيهاً بضباب الاستحواذ الطيفي الذي استخدمه اللص ضد ميساكي، لكنه هذه المرة جاء ممزوجاً بطبقات داكنة من اللون الرمادي، الأسود، ونبضات أرجوانية خبيثة توحي بفتكٍ وموتٍ محقق.
في غمضة عين، ابتلع الضباب السطح بأكمله، حاجباً الرؤية تماماً ومُعدماً للحواس، ليتيح للشيطان فرصة الخروج والفرار في خضم الموقف.
لكن "X" لم يترك له مجالاً لنيل مأربه.
بعينين تلمعان بالحدّة والتسلية، انطلق الفتى مسرعاً كالبرق مخترقاً حجب الظلام. وفي لمح البصر، شحن كفه بـ "آنا" نارية متوهجة ذات طاقة هائلة، ليشكّل كرة نارية ضخمة متوهجة بالحرارة والسطوع، ثم قذفها بضراوة مباشرة نحو موضع الشيطان.
انفجرت الكرة النارية بدويٍّ عاصف، لترسل موجة صدمة حرارية عاتية شتتت طبقات الضباب المظلم وتبددت في الأرجاء كأنها لم تكن، كاشفةً السطح مجدداً.
لكن الشيطان "Y" لم يكن ينوي الهرب... كان هذا مجرد طعم.
من بين شظايا الضباب المتلاشي، انبثقت سلاسل شيطانية سوداء كالأفاعي الملتوية، حفرت طريقها في الفضاء وتشبثت بأطراف "X" بقوة خاطفة. كُبلت يداه وقدموه في كسر من الثانية، وثُبت في مكانه بأصفادٍ من الطاقة المظلمة.
اتسعت عينا "X" من المفاجأة، بينما ارتفعت قهقهة الشيطان:
"تظن أنك تلاحقني أيها الصعلوك؟ لقد وقعت في الفخ! الآنا المتضخمة التي تملأ أرجاء العاصمة الآن... كلها كانت الوقود الذي أردته لفتح بوابة الشياطين!"
رفع الشيطان "Y" يديه الملطختين بالدماء نحو السماء المشرقة، وصاح بنبرة ملحمية تقشعر لها الأبدان، تجلجلت كأنها صوت الرعد المكتوم:
"باسم الدماء السافكة والظلال الخالدة... أعينوني يا أسياد الهاوية! انشقّي يا سماء استيريا، واستقبلي حكامك الجدد!"
تضخمت الهالة الأرجوانية من جسد الشيطان كبركانٍ يفرغ حممه في الفضاء. انطلقت شعاع بؤري مرعب من الطاقة المظلمة من كفيه الصاعدتين نحو الأعلى، ليرتطم بقبة السماء مباشرة.
في تلك اللحظة... حلّت الكارثة الكبرى.
تصدعت السماء بصوتٍ مزلزِل كأنها لوح زجاجي يتهشم فوق العاصمة "استيريا". انفتحت دوامة طاقة ضخمة ذات لون أرجواني واسود، بوابة عبور شيطانية هائلة الأبعاد تُطل على أعماق الممالك التي إحتُلت من قبل الشياطين.
من قلب البوابة المفتوحة، تصاعدت صرخات وزئير مئات الشياطين جائعة للدماء، وبدأت الأفواج المظلمة تتساقط من السماء كالمطر الأسود، مهشمةً مباني العاصمة، ومحولةً ساحات اختبار تجنيد الصيادين إلى ساحة جحيم ودمار شامل.
التفت الشيطان نحو "X"، وبصوتٍ يملؤه التشفي والغرور مطلقاً ضحكة شيطانية هائجة:
"شاهد الآن يا "X"... شاهد كيف ستتحول مدينتكم وصيادونكم إلى حطامٍ وجثث، والآن أخبرني! مالذي ستفعله بشأن ذلك."
"أمال "X" رأسه بهدوء، ورغم السلاسل المكبلة لجسده، اتسعت عيناه بفكرٍ فضولي وعفوية تامة خالية من أي خوف أو توتر، ليتساءل ببراءة واهتمام:
"لا أقصد الإساءة... لكن، هل أنت متأكد حقاً أن بوابة كهذه قادرة على تدمير استيريا؟"
توقفت ضحكة الشيطان، وانخفضت نبرته بتوجس واستغراب من ردة فعله:
"ما الذي تقصده؟"
طرف الفتى بعينيه ثم هز كتفيه بخفة مكملاً بتلقائية شديدة:
"أقصد... الأمر ليس وكأن هذه الشياطين الضئيلة قادرة حتى على هزم صيادٍ من الرتبة B، أليس كذلك؟"
تجهّم وجه الشيطان خلف قناعه، وصدرت منه حشرجة غضب مكتومة وهو ينظر إلى عفوية الفتى بازدراء:
"يبدو أنني بالغت في تقييم ذكائك أيها الطفل... أنت أجهل من أن تدرك كيف يعمل هذا الجحيم؛ تضخم الآنا في المدينة ليس مجرد وقود للعبور، بل هو الغذاء الذي يجعل البوابة تكبر وتزداد قوة في كل ثانية. كل قطرة آنا تستنزف، وكل طاقة مظلمة تتجمع، يغذيان البوابة لتستدعي ما هو أعظم بكثير من مجرد شياطين عادية... قريباً جداً، لن تجد في استيريا من هو قادر على الصمود."
ارتسمت على وجه "X" ملامح إدراك، وهز رأسه ببطء وهو ينظر إلى السماء الأرجوانية المشتعلة.
"آه... هذا سيء."
تفوه بتلك الكلمات بنبرة هادئة وخالية تماماً من الذعر، وكأنه يعلق على طقسٍ سيء لا أكثر.
ثم ابتسم بخفة، وشخصت عيناه بنظرة هادئة نحو السلاسل الشيطانية التي تطوقه وتعتصر طاقته.
"لكن تدري؟ السيء حقاً هو أنك ظننت أن هذه الأغلال ستوقفني ولو للحظة."
وفي أجزاءٍ من الثانية، تغيّر بريق عينيه كليًا؛ انقبضت حدقتاه، وظهرت في عينيه دائرة حمراء تتوهج داخلها رموز دقيقة، تحيط حول ببؤبؤه كأنها نقشٌ حيّ، كاشفةً عن تقنيته البصرية الخاصة.
لم يفعل شيئًا سوى تثبيت نظره على السلاسل الشيطانية بتركيزٍ تام.
وفجأة، بدأت الطاقة المظلمة التي تتغذى عليها تلك الأغلال بالاضطراب والاهتزاز، كأن قوةً خفيةً تفكك بنيتها وتلغيها لحظةً بلحظة، حتى أخذت السلاسل نفسها تفقد استقرارها تحت تأثير نظرته.
اختفت الطاقة الشيطانية منها بالكامل، لتتحول من أصفاد طاقية فتاكة إلى مجرد معدنٍ هشٍّ وميت. وبحركة بسيطة ومسترخية من كتفيه، شدّ "X" جسده ليتكسر المعدن الخاوي ويتناثر في الهواء كقطع زجاجية متناثرة.
'كيف استطاع؟!'
تصلّبت وقفة الشيطان وتراجع خطوة إلى الخلف بذهولٍ، وشخصت نظراته المصدومة خلف فتحتي قناعه نحو فتات المعدن المتناثر عند قدمي "X".
حرّك "X" معصميه بخفة ملقياً بنظرة تسلية نحو الشيطان، وسأله بنبرة ساخرة:
"ما بالُك؟ ألم تتوقع أن تتلاشى لعبتك بهذه السهولة؟"
لم ينتظر رد الشيطان، بل رفع يده اليمنى ببطء وأشار بسبابته مباشرة نحو منتصف صدره.
تجمعت عند طرف أصبعه نقطة برتقالية صغيرة متوهجة بحرارة جحيمية فائقة، لم تستغرق سوى أجزاء من الثانية لتنطلق كشعاعٍ حارق ومكثف للغاية.
اخترق الشعاع النار صمت المكان، ليمزق الهواء وينفذ مباشرة من قلب الشيطان، مكملاً طريقه بضراوة ليرتطم بالسطح خارقاً الأرضية والمبنى بأسفله بعمقٍ مرعب.
توقف الشيطان في مكانه، وصدرت منه حشرجة ألمٍ، بينما انثقبت عباءته وقناعه من المنتصف بدخانٍ أسود متصاعد.
ولكن، بدلاً من أن يترنح ويسقط هامداً، بدأت شفتَا الشيطان تتقلصان خلف القناع المخرق عن ابتسامة عريضة ومشوهة تفيض بالاستمتاع والشر.
"ههه... يا لك من ممتع حقاً يا "X"... تذكر اللعبة الحقيقة لم تبدأ بعد."
مع آخر نبرة من صوته المتردد، بدأ جسده يذوب ويتفكك كالشمع المحترق، متحولاً إلى مادة سوداء لزجة وكريهة الرائحة، انسابت على الأرضية وتبخرت بسرعة في الهواء دون أن تترك أي أثر لدم أو جثة.
تنهد "X" بقلة حيلة وهو يراقب المادة المتبخرة على السطح.
"نسخة مزيفة إذًا... يبدو أنه استطاع الهرب أثناء تقييدي."
تنهد «X» بقلة حيلة وهو يراقب المادة المتبخرة على السطح.
«نسخة مزيفة إذًا... يبدو أنه استطاع الهرب أثناء تقييدي.»
التفت بهدوء.
"على أية حال..."
رفع بصره نحو السماء، التي غرقت في ظلامٍ دامس، بينما راحت الشياطين بمختلف أشكالها وأحجامها تتدفق تباعًا من الصدع، ناشرةً الفوضى في أرجاء المدينة.
وفي تلك اللحظة، هبّت رياح قوية من الأعلى، فانتزعت غطاء رأسه وكشفت عن شعره البرتقالي الذي أخذ يتطاير مع الريح، بينما انعكس ضوء الصدع على عينيه البرتقاليتين المتوهجة...
كان المسمى "X" هو نيرامارو نفسه.
ظل يحدق في السماء بصمتٍ لثوانٍ.
ثم تذكر كلماته السابقة.
«لقد قال سابقًا بأن تضخم الآنا الذي يغذي هذا الصدع يزداد قوة كلما استمر الصيادين بإستزاف الآنا مما يوسعها لشياطين اقوى بعدة مرات كل مرة...»
ضاقت عيناه قليلًا.
"إذًا، كل ما عليّ فعله هو القضاء على جميع هذه الشياطين بأسرع وقت ممكن قبل حدوث ذلك..."
قبل أن يتحرك خطوة واحدة، انزلاقت نظراته بهدوء نحو أرضية السطح، لتستقر على جثة التابع الملقاة في بركة دماء جافة، مفرغة الصدر بلا قلب.
توقف نيرامارو لثوانٍ، واستحضر في ذهنه السجلات العميقة التي عكف على دراستها حول أشهر صيادي مملكة إيريديان ونقاباتها العظمى.
'فاليريان ايراولا... صيادٌ نخبوي من الرتبة A.'
طاف الاسم في ذهنه بمرارة؛ كان الرجل يُعرف بسجلٍ حافل وشجاعة في الميدان، لكن انتهى به المطاف مجرد أداة مسلوبة الإرادة، استغل الشيطان ولاءه وأغرقه في ضباب السيطرة حتى سفك دمه وأكل قلبه بلا رحمة.
زفر نيرامارو أنفاسه بأسى خفيف، ثم رفع كفه الأيمن ونقر بأطراف أصبعه في الهواء.
"حتى بعد رحيلك، لن أترك جثتك لتكون طعاماً لمسخٍ آخر... ارقد بسلام يا فاليريان."
انبعثت شرارة نارية دقيقة من طرف أصبعه، وما إن لامست الجثة حتى اشتعلت بها ألسنة لهبٍ برتقالية دافئة، أحاطت بها وسرعان ما حولتها خلال لحظات خاطفة إلى رمادٍ ناصع تبدد مع نفحات الرياح القوية.
أعاد نيرامارو الغطاء على رأسه، وشخصت عيناه النارية من جديد نحو البوابة المفتوحة في أوج السماء، حيث بدأت الشياطين تغزو شوارع استيريا.
"والآن... حان وقت التطهير."
وفي كسرٍ من الثانية، اختفى من السطح كأنه لم يكن، مخلفاً وراءه شريطاً خاطفاً من الضوء البرتقالي.
Abood Obidat