غياب

غياب

11 1



بعد هذا التأمل، كان لا بد من الرحيل. هيا تعود إلى عملها، وأنا لا أعرف...


قبل أن نفترق، عهدتُ لها أني سأأتي مجددًا إلى المقهى للقائها، فهزّت رأسها موافقة، وركبت حافلة، وتبعتُ أنا المسير إلى البيت.


ورتميتُ إلى الكنبة كسائر الأيام، لكن كان شعور فرح ونشوة كاسحة، حتى أغراض لم أعر لها أي اهتمام.


استدركتُ إثر اليوم التالي الموعد الذي سأستيقظ فيه بكل حزم.


هذا الصباح لن ألج المقهى خائفًا مختبئًا، بل لألقى...


أخطو بخطوات سريعة نحو المقهى.


سأدخل إذًا، وأتجه إلى نفس مقعدي المعتاد، أنتظر وصولها.


مرت أول أربع دقائق ولم تظهر بعد.


لعل ضيق الطريق يؤخرها بضع دقائق أخرى وتظهر.


مضت ساعة... ساعتان... ساعتان ونصف.


خفت من أعين أناس محدقة، بأن يتساءلوا عن سبب جلوسي ساعتين ونصف، رغم أنهم لن يوافوني بأسئلتهم، ولكني تكهنتُها في أنفسهم.


فقمتُ متوجهًا نحو البرمان، لأسأله عن سبب غيابها، إلا أنه لم يوافني سوى ببعض تفاصيل سطحية.


واعتلاني إحساس بالخوف والقلق من أنها... من أني بدأت أكنّ لها مشاعر حب، قد تعتبرها هيا علاقة صداقة عابرة بين شاب وفتاة التقيا بصدفة.


على مشارف المقهى، ألقيتُ آخر نظرة، أمني بها نفسي أن أجدها قادمة مسرعة، فأبتسم لها بابتسامة صافية، بعيدة عن ابتسامة مسودة خائبة.


كانت هذه آخر حالي حين لم أبصرها بين كل البشر الذين يبدون مشتتين، وأنا في مكاني ألتف حول نفسي.


أردتُ زيارة حديقة، ولم أدرك حتى الدروس التي تلقيتها في القسم.


بدوتُ فيها جسدًا مجسدًا على كرسيه، وتركيزي كيانًا يطفو في البعيد.


استوعبتُ كلمات متفرقة:


«يقبع... هناك... تركيز... أنصت... تركيب...»


عند انتهاء الحصص، وأثناء طريقي، دلفتُ المقهى لألقي نظرة، لعلها جاءت متأخرة في الصباح.


لكن دون جدوى، غير موجودة.


أكملتُ طريقي وأنا أسائل عن سبب غيابها اليوم، حتى توقفت عند أنها قد تكون مريضة.


وقلت: لماذا أتشاءم عليها بمرض؟ قد تكون متعبة ونسيت الموعد.


قبل ثوانٍ من استلقائي على الكنبة، شعرتُ أن لا حاجة لي بالنوم، لأن...


فنزلتُ إلى أحد المطاعم الشعبية، وشرعتُ أنظر إلى الطريق.


كنتُ طلبتُ عند مجيئي كأس عصير وصحنًا من اللحم، لا يتجاوز ثمنهما عشرين درهمًا.


أثناء أكلي لهذه الوجبة، سمعتُ شخصًا ينادي من بين المارة.


تمعنتُ في ملامحه، فإذا به أحمد، ذاك الصبي الذي التقيته في محطة بنزين.


رفعتُ يدي لأناديه لمشاركتي مأدبتي.


فتوجه نحوي، إلى أن اقترب ووصل إليّ.


ثم قال:


— أهلًا، لم أرك منذ مدة.


أجبته قائلًا:


— اجلس، شاركني هذا العشاء المتواضع.


استأسف، فقد ترك والديه ينتظرانه.


قال:


— إنه مر من هنا، فلمحني، فلم يرد مغادرة المكان قبل المرور بي.


شكرته.


فابتسم وقال:


— أشكر لك.


وودعني ورحل بين الناس، يركض ويدفع.


هذا وذاك... ابتسمتُ ابتسامة خفيفة عندما كان سيسقط، ثم أعدتُ بصري إلى الصحن لأكمل أكلي.


رغم تركيزي في الصحن، ما زالت تشوشني أصوات تحرمني من الراحة.


مع بلوغ منتصف الليل، دفعتُ ثمن الوجبة، وعدتُ أدراجي لأستلقي على الكنبة.


في هذه الليلة، ألقيتُ تحية على كل خشبة من أحد عشر...


صحوتُ في اليوم التالي على الساعة الرابعة، أخذتُ معطفي، ونزلتُ الدرج إلى الشارع أتمشى، وأنا لا أكف عن التفكير في رتاج.


وبعد تردد، ذهبتُ إلى البرمان لأسأله:


— هل ستأتي اليوم؟


قال:


— لا أعلم. أنتظرها، لا أعرف أي خبر عنها منذ ليلة أمس.


قلت له:


— شكرًا. حسنًا، أحضر لي كوب قهوة من فضلك.


فمقعدي!


ثم بدأ يحضر طلبي، وأخذتُ نفس مقعدي، وضجيج لا يتوقف.


لم يكن صداع الناس أو المارة، بل كان تطارب أفكار في رأسي.


بعد دقائق، لم يسعني سوى أن أنهض وأسأل البرمان عن مكان إقامتها.


لكنه رفض بشكل غريب، فبتُّ في نفسي أتساءل عن سبب رفضه.


وقلت في آخر محاولة مني:


— من فضلك، وافني بأي جديد عنها، وإذا أمكنك أن تسأل لي عن مكان إقامتها، سأكون ممتنًا.


قال لي حينها:


— سأوافيك إن وردتني عنها معلومة، ولكن لا أعدك بشيء.


شكرته وعدتُ إلى كرسيي، وما لبثتُ حتى سمعته يقول:


— تعال وخذ قهوتك.


قبل نطقه بـ«قهوتك»، اهتزت نفسي، ظانًّا أنه سيوافيني بجديد بعد شفقته عليّ.


فنهضتُ وأحضرتُ القهوة، والخيبة تأكل كل شبر من ذاتي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحد عشر

المؤلف عبد الرحمان لشكر
2026/09/20 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة