اغنيه الشتاء

اغنيه الشتاء

18 0

كانت السماء تمطر...

وأنا واقف هناك، أطالع قطرات المطر وهي تنزل فوق شوارع طوكيو، والنيون ينعكس على الإسفلت المبلل وكأنه يرسم لوحة ما منها تنتهي.

كنت أمشي وحيدًا.

أنا... راي أماميا.

شاب ياباني في السابعة عشرة.

بدين.

شعري فوضوي.

وحقيبتي معلقة على كتفي.

عائد من المدرسة.

بصراحة؟ ما عندي أصدقاء تقريبًا.

ولا مستقبل واضح.

مجرد شاب فاشل يقضي أيامه بين المدرسة وغرفته.

كنت أسير وهو عقلي شارد...

وفجأة سمعت صراخًا.

— ساعدوني!

رفعت رأسي.

على الجانب الآخر من الشارع، كان هناك تجمع من الناس.

رجل يصرخ.

وفتى صغير يبكي.

وعلى الأرض...

شخص آخر ملقى وسط الشارع.

ينزف.

حادث مروري.

توقفت.

ما أعرف ليش.

لكن ظليت أطالع.

صوت الناس صار بعيدًا.

المطر اختفى من حولي.

وكأن العالم كله توقف.

كنت أحدق في الرجل المصاب.

وقلت في نفسي:

"هل سيموت؟"

خطيت خطوة إلى الأمام.

وبعدها خطوة ثانية.

عقلي كان غارق في المشهد.

لدرجة إني نسيت شي واحد...

إني واقف وسط الطريق.

سمعت صوتًا.

بوق سيارة.

وبعدها صرخة:

— انتبه!

رفعت رأسي.

كانت أضواء السيارة تقترب مني بسرعة.

تجمدت مكاني.

ما كدرت أتحرك.

وبعدها—

اصطدمت بي السيارة.

ارتفع جسدي في الهواء.

وسطعت على الإسفلت.

اختفى كل شيء.

الصوت.

المطر.

المدينة.

والألم.

آخر شي فكرت بيه كان:

"يا لها من طريقة غبية للموت..."

وبعدها...

📖 أغنية الشتاء

الفصل الأول — بين الحياة والموت

— ماذا يحدث...؟

فتحت عيني بصعوبة.

كل شيء كان أسود.

لم أستطع رؤية أي شيء.

حاولت تحريك يدي، لكنني لم أشعر بجسدي.

— أين أنا؟

سمعت صوتًا بالقرب مني.

— لا تتكلم.

تجمدت.

— من أنت؟

لكن لم يصلني أي جواب.

حاولت فتح عيني مرة أخرى.

ثم شعرت بأن الظلام يبتلعني.

وفقدت وعيي.

ثم...

سمعت صوتًا.

صوت نار.

أصوات أقدام.

صرخات.

ثم صوت فتاة تبكي بحرقة:

— سايتو! سايتو! لا تتركني!

فتحت عيني بصعوبة.

لكنني لم أرَ شيئًا.

كان العالم ضبابيًا.

قلت بتعب:

— ماذا...؟

ثم سمعت صوتًا آخر.

— سايتو؟

ابتلعت ريقي.

— أنا راي...

صمت للحظة.

— هل أخطأتم في المريض؟

لم يجبني أحد.

بدأ الصوت يبتعد.

شيئًا فشيئًا.

حتى أصبح مجرد همسات بعيدة.

ثم اختفى.

لكن بقي صوت آخر.

صوت فتاة تبكي.

— آسفة، سيدتي رينيس...

توقفت للحظة.

ثم قالت:

— لكنه مات.

جاءها صوت فتاة أخرى.

هادئ...

لكنه محطم.

— أعرف.

ثم بدأ صوتها يرتجف.

— آسفة يا رين...

صمتت.

ثم:

— آسفة لأنني لم أنجح مرة أخرى.

اتسعت عيناي.

لم أفهم شيئًا.

من سايتو؟

من رين؟

ومن رينيس؟

ولماذا كانت أصواتهم تبدو وكأنها قادمة من مكان بعيد جدًا؟

قلت في داخلي بانزعاج:

"ماذا يحدث هنا؟"

ثم أضفت:

"أنتم مزعجون... اسكتوا."

لكن البكاء لم يتوقف.

وبينما كنت أحاول فهم ما يحدث...

بدأ شيء غريب يحدث.

الصوت لم يعد بعيدًا.

بل أصبح أقرب.

وأقرب...

حتى شعرت وكأن هناك حياة كاملة تحدث خلف ذلك الظلام.

حياة لا أعرف عنها شيئًا.

ثم سمعت صوتًا آخر...

صوت رجل يقول:

— لقد عاد إليه النبض.

توقفت عن التفكير.

النبض؟

ثم سمعت:

— إنه يستيقظ.

وفجأة...

فتحت عيني.

لكن هذه المرة...

لم أرَ شوارع طوكيو.

لم أرَ سيارة.

ولا المطر.

رأيت سقفًا خشبيًا غريبًا

📖 أغنية الشتاء

الفصل الأول — جسد جديد

فتحت عيني ببطء.

كان كل شيء ضبابيًا.

حاولت التركيز...

ثم ظهرت أمامي فتاة.

شعرها ذهبي طويل، وعيناها زرقاوان، والدموع تملأ وجهها.

كانت تنظر إليّ وكأنها رأت شخصًا عاد من الموت.

وبجانبها وقفت فتاة أخرى بشعر بني.

قالت الفتاة ذات الشعر البني:

— سيدتي... فتح عينيه.

اقترب الرجل الذي كان يقف خلفهما.

كان شعره أسود وعيناه خضروتان.

قال بصدمة:

— حقًا؟

ثم نظر إلى الفتاة ذات الشعر البني.

— إيلي، ماذا تقولين؟

قالت إيلي بسرعة:

— أنا لا أكذب! فتح عينيه!

اقتربت الفتاة ذات الشعر الذهبي مني.

كانت رينيس.

وضعت يدها قرب وجهي، وبدأت تبكي.

— حي...

ثم ضحكت وسط دموعها.

— إنه حي!

قال رين بذهول:

— لكن...

ثم نظر إلى الطفل.

— كيف؟ لقد كان ميتًا.

فتحت عيني أكثر.

"ميت؟"

"من الميت؟"

حاولت الكلام.

— ماذا...

لكن صوتي خرج ضعيفًا جدًا.

توقفت.

"لحظة..."

نظرت إلى يديّ.

صغيرتان.

ناعمتان.

ثم حاولت تحريك جسدي.

"ماذا؟"

رفعت رأسي بصعوبة.

"لماذا أنا صغير؟"

ثم تذكرت حياتي السابقة.

"أنا كنت أزن 167 كيلو..."

نظرت إلى جسدي الجديد.

"كيف حملوني أصلًا؟!"

حاولت تحريك ساقيّ.

لا شيء.

حاولت رفع يدي.

ارتفعت بصعوبة.

نظرت إليها.

كانت يد طفل.

بدأ الذعر يتسلل إليّ.

"لا... لا، مستحيل."

ثم حاولت أن أتذكر آخر شيء حدث.

طوكيو.

المطر.

السيارة.

الاصطدام.

ثم الظلام.

فتحت عيني فجأة.

"هل... مت؟"

نظرت إلى الفتاة التي تبكي أمامي.

"وهل أنا الآن... طفل؟"

في تلك اللحظة اقتربت رينيس أكثر.

وضعت يدها على رأسي.

وقالت بصوت مرتجف:

— طفلي...

تجمدت.

"طفلي؟!"

ثم نظرت إلى رين.

— رين...

ابتسمت وسط دموعها.

— ابننا حي.

نظرت إليهما.

ثم إلى جسدي الصغير.

وفجأة أدركت الحقيقة التي لم أكن مستعدًا لسماعها:

لقد مات راي أماميا.

والشخص الذي فتح عينيه الآن...

لم يعد هو نفسه تمامًا.

لقد ولدت من جديد.

باسم جديد، في عالم جديد، ومن أبوين جديدين.

📖 أغنية الشتاء

الفصل الثاني — اسم جديد

في مهدٍ دافئ، فتحت عينيّ الصغيرتين على دنيا جديدة تمامًا، أستشعر ثقل جسدي الغض كطفل حديث الولادة.

فوقي مباشرة، كانت تبسط رينيس نظراتها؛ أمي التي انهمرت خصلات شعرها الذهبي كالشمس، وتلألأت عيناها الزرقاوان بدموع الذهول وهي تتأمل المعجزة التي بين يديها... الطفل الذي أُخرج من أحشائها قبل لحظات بلون الموت، يبتسم للحياة الآن.

وإلى جوارها، وقف رين بشعره الأسود الفاحم وعينيه الخضراوين اللتين تشعان ببريق دافئ، ينظر إليّ بذهول لا يقل عن زوجته.

كنت حكاياتٍ ممتزجة من أصلين؛ حظيت بشعر أبي الأسود الليلكي، وحملت في عينيّ صفاء زرقاء أمي.

كسرت رينيس همس الصمت وهي تداعب خدي الناعم:

— عزيزي... ماذا سنسميه؟

أجابها رين بنبرة واثقة، وهو يمرر أصابعه على شعري:

— سنسميه... آرثر.

اتسعت عينا رينيس قليلًا وقالت باستغراب:

— آرثر؟ هل أنت متأكد؟

هز رين رأسه بابتسامة رصينة:

— نعم، تكريمًا للأمير آرثر إسرَهان.

عدّلت رينيس جلستها وقالت بنبرة لا تخلو من المداعبة:

— حسنًا، حسنًا... آرثر سيكون.

📖 أغنية الشتاء

الفصل الثالث — عالم غريب

مرّت السنة الأولى بسرعةٍ لم أكن أتوقعها، تسهلت فيها الأمور بالقدر الذي سمح لجسدي الرضيع بالتحرك أخيرًا... بدأت أزحف.

استكشفت كل شبرٍ في هذا البيت، زاحفًا من زاوية إلى أخرى. إنه منزل صغير ومتواضع، لكنه يبدو غريبًا وبدائيًا للغاية؛ لا وجود لمقابس كهرباء، لا أدوات طبخ حديثة، لا معدات منزلية، وبالتأكيد... لا إنترنت!

"تبًا... كيف سأعيش في عالم كهذا؟"

خلال رحلات استكشافي هذه، استطعت التقاط بعض التفاصيل؛ اكتشفت أن اسمي الكامل هو "آرثر سانفاير" أو شيء من هذا القبيل... اسم عائلة غريب بعض الشيء. أمي اسمها "رينيس"، وأبي اسمه "رين".

لكن، ثمة أمر واحد يُكدر صفو يومي ويُثير حنقي... الخادمة "أميلي".

تبًا لها! نظراتها نحوي مليئة بالشك والريبة، تستغرب تصرفاتي طوال الوقت لمجرد أنني لا أبكي كبقية الرضع ولا أحدث أي ضجة.

على أية حال، مع بلوغي عامي الأول الآن، بدأت أفهم لغتهم وكلامهم بشكل ممتاز تقريبًا، وحان الوقت لأفهم طبيعة هذا العالم الذي وُلدت فيه من جديد.

📖 أغنية الشتاء

الفصل الرابع — القبضتان

تسلل صوتها القلق عبر أروقة المنزل الخشبي، يتردد بصدىً مألوف يكسر سكون الظهيرة:

— آرث... أين أنت؟ آرث!

كان هذا صوت رينيس، أمي التي لا تمل من تتبع أثري في كل زاوية. من موقعي الخفي، راقبت تحركاتها بصمتٍ بالغ. رأيتها تنحني بخفة، تسترق النظر أسفل طاولة الطعام الخشبية، خصلات شعرها الذهبية تلامس الأرض بينما تتفحص الظلال باحثةً عن طفلها المفقود.

في تلك اللحظة بالذات، استغللت انقطاع مجال رؤيتها. حركت أطرافي الصغيرة بمهارةٍ وتسللٍ لا يناسبان طفلًا بالكاد أتم عامه الأول، وزحفت بسرعة من خلف ظهرها تمامًا، متجاوزًا إياها كشبحٍ ضئيل لا يُصدر صوتًا.

— آرث! أين أنت يا آرثثث؟

عادت لتنادي مرة أخرى، وقد ارتفعت نبرة القلق في حنجرتها وهي تلتفت يمنة ويسرة.

توقفت للحظة بجوار الجدار، أزفر أنفاسي ببطء وأنا أتمتم في سري بضجرٍ بالغٍ محبوسٍ في جسد رضيع:

"إنها مزعجة قليلًا... ألا يمكنني الاستمتاع ببعض الهدوء لاستكشاف هذا العالم؟"

لكن، وقبل أن أستكمل خطتي التكتيكية للهروب نحو الرواق المجاور، انقطع اتصالي بالأرض فجأة. شعرت بقبضتين محكمتين تحيطان بخصري وتنتشلانني من الخلف. ارتفعت في الهواء بسرعة حتى تدلت قدماي الصغيرتان بلا حول ولا قوة، وتلاشت كل خططي للفرار.

ومن فوق رأسي، دوى ذلك الصوت المألوف الذي أمقته، بنبرةٍ تحمل انتصارًا باردًا:

— سيدتي... لقد وجدته.

التفتت رينيس نحونا لتطلق تنهيدة راحة عميقة، بينما رفعت أنا عينيّ لأرمق صاحبة القبضتين بنظرةٍ حانقة. لقد كانت هي؛ أميلي، الخادمة ذات العيون المتشككة التي تتربص بي دائمًا وكأنها تدرك أنني لست طفلًا عاديًا. أغمضت عينيّ باستسلام تام للواقع المرير، وصرخت في أعماقي بغيظٍ مكتوم:

"تبًا لكِ يا أميلي... تبًا لكِ!"

📖 أغنية الشتاء

الفصل الخامس — النافذة الخشبية

تقدمت رينيس ومدت ذراعيها نحو الخادمة:

— هاتِ هذا الصغير.

التقطتني من يدي أميلي بحركة سريعة، وضمّتني إلى صدرها وهي تبتسم بحنان:

— حسنًا، حسنًا... حان وقت النوم.

انتفضت من الداخل بضجرٍ شديد:

"تبًا! أي نوم هذا وما زال النهار في أوله؟"

ولكي أُسمعهم اعتراضي، أطلقت صوتًا طفوليًا حادًا ومفتعلًا:

— عواااا!

نظرت إليّ رينيس بنزعاج طفولي ممتزج بالدهشة:

— ما بك؟ هل أنت منزعج هكذا؟

أدرت وجهي عنها بحدّة مبالغ فيها، محاولًا التعبير عن رفضي القاطع، لكنها قابلت ذلك بابتسامة حازمة وهي تحكم السيطرة عليّ:

— حسنًا، ستأكل أولًا ثم تنام... ولا مجال للنقاش هنا.

أطلقت تنهيدة حارة من أعماقي:

"تبًا..."

أجلستني رينيس أمام النافذة الخشبية بينما انصرفت لتحضير الطعام. من خلف الزجاج، امتد أمامي منظر ريفي هادئ وواسع؛ حقول شاسعة تفترسها الخضرة، وبيوت ريفية بسيطة مبنية من الخشب تتناثر بانتظام وسط الطبيعة.

تأملت المشهد بعينين ثاقبتين وأنا أحدث نفسي بفضول مشوب بالحيرة:

"يبدو أنني في بلدة أوروبية قديمة من العصور الوسطى أو ما شابه... لكن، أين أنا بالتحديد في هذا العالم؟"

رفعتني رينيس بسرعة بين يديها الضيئلتين، ونظرات القلق تغمر عينيها الزرقاوين وهي تفحصني بخوف:

«آرث! ماذا بك يا حبيبي؟»

وضعتُ يدي الصغيرتين على رأسي من شدة الذهول والألم الخفيف، فبدأت تهزني بخفة وتهمس حنونة:

«يوشي.. يوشي، لا تقلق، ماما هنا..»

من خلفها، اقتربت إيلي وتطلعت نحوي بعينيها المتشككتين، ثمتمت بنبرة مليئة بالريبة:

«غريب.. حتى بعد هذه السقطة لم يبكِ بمرارة، اكتفى بصيحة واحدة!»

جاهلت رينيس شكوكها وقالت:

«حسناً، لا بأس..»

وضعتني بحذر على الطاولة الخشبية، ثم أغمضت عينيها وركّزت طاقتها، وتبدلت ملامحها للجدية وهي تتمتم بكلام غريب:

«يا أيها الأم.. امنحينا من حنانكِ الذي لا يخفى عليه شيء.. شفاء!»

راقبتها من موقعي، وصرختُ في داخلي بسخرية وعجب:

«ما هذا؟ هل هذه تعاويذ وخرافات قديمة؟ للعلم يا سيدتي، أنا إنسان بالغ بعقل مكتمل ولست طفلاً تنطلي عليه...»

لكن جملتي لم تكتمل في عقلي!

انفجر فجأة شعاع ضوئي باللون الأخضر الزمردي من كفي رينيس، يسطع بوهج دافئ ومذهل!

اتسعت عيناي لآخرهما، وفتحت فمي بذهول تام:

«ها؟ هـاااااا!»

تسلل الضوء الأخضر بسلاسة ليدخل إلى رأسي، وفي لحظات معدودة اختفى ألم السقطة تماماً، وشعرت بطاقة لطيفة تسري في جسدي. مسكتُ رأسي بيدي الصغيرتين وأنا غير مصدق لما حدث، تضرب الأفكار عقلي كالصاعقة:

«ماذا؟! سحر؟ سحر حقيقي!»

ابتسمت رينيس بتفاخر وهي تمسح على رأسي بخفة:

«للعلم فقط يا آرث.. بهذا السحر أنقذتُ أباك من الموت المحقق ذات مرة!»

في تلك اللحظة، فُتح الباب بحدة ودخل رين وعلى وجهه علامات التأهب، وهو يمسح المنطقة بعينيه الخضراوين:

«ماذا حدث؟ سمعتُ صوت صراخ من الداخل!»

أجابته رينيس بابتسامة هادئة:

«عزيزي، لا تقلق.. آرثر سقط فقط.»

تنهد رين براحة وعدّل وقفته قائلاً ببرود:

«حسناً.. ظننتُ أن هناك خطراً ما.» ثم استدار وليبتعد وكأن الأمر طبيعي للغاية!

تراجعتُ إلى الخلف وأنا أنظر لإيلي، ثم لرينيس، ثم لـرين الذي يستطيع التنقل عبر الظلال واستخدام السيف...

تجمعت الشظايا في عقلي لتشكّل الحقيقة المرعبة والمثيرة في آن واحد، وصرختُ في أعماقي بكل ما أوتيت من ذهول:

«ماذاااا؟! سحر.. سيوف.. انتقال عبر الظلال! أنا لستُ على كوكب الأرض بالأساس! أنا... أنا في عالم آخر تماماً!»

رفعتني رينيس بسرعة بين يديها الصغيرتين، ونظرات القلق تغمر عينيها الزرقاوين وهي تفحصني بخوف:

— آرث! ماذا بك يا حبيبي؟

وضعت يديّ الصغيرتين على رأسي من شدة الذهول والألم الخفيف، فبدأت تهزني بخفة وتهمس حنونة:

— يوشي... يوشي، لا تقلق، ماما هنا...

من خلفها، اقتربت أميلي وتطلعت نحوي بعينيها المتشككتين، ثم تمتمت بنبرة مليئة بالريبة:

— غريب... حتى بعد هذه السقطة لم يبكِ بمرارة، اكتفى بصيحة واحدة!

جاهلت رينيس شكوكها وقالت:

— حسنًا، لا بأس...

وضعتني بحذر على الطاولة الخشبية، ثم أغمضت عينيها وركّزت طاقتها، وتبدلت ملامحها للجدية وهي تتمتم بكلام غريب:

— يا أيها الأم... امنحينا من حنانكِ الذي لا يخفى عليه شيء... شفاء!

راقبتها من موقعي، وصرخت في داخلي بسخرية وعجب:

"ما هذا؟ هل هذه تعاويذ وخرافات قديمة؟ للعلم يا سيدتي، أنا إنسان بالغ بعقل مكتمل ولست طفلًا تنطلي عليه..."

لكن جملتي لم تكتمل في عقلي!

انفجر فجأة شعاع ضوئي باللون الأخضر الزمردي من كفّي رينيس، يسطع بوهج دافئ ومذهل!

اتسعت عيناي لآخرهما، وفتحت فمي بذهول تام:

"ها؟ هـاااااا!"

تسلل الضوء الأخضر بسلاسة ليدخل إلى رأسي، وفي لحظات معدودة اختفى ألم السقطة تمامًا، وشعرت بطاقة لطيفة تسري في جسدي. مسكت رأسي بيدي الصغيرتين وأنا غير مصدق لما حدث، تضرب الأفكار عقلي كالصاعقة:

"ماذا؟! سحر؟ سحر حقيقي!"

ابتسمت رينيس بتفاخر وهي تمسح على رأسي بخفة:

— للعلم فقط يا آرث... بهذا السحر أنقذت أباك من الموت المحقق ذات مرة!

في تلك اللحظة، فُتح الباب بحدّة ودخل رين وعلى وجهه علامات التأهب، وهو يمسح المنطقة بعينيه الخضراوين:

— ماذا حدث؟ سمعت صوت صراخ من الداخل!

أجابته رينيس بابتسامة هادئة:

— عزيزي، لا تقلق... آرثر سقط فقط.

تنهد رين براحة وعدّل وقفته قائلًا ببرود:

— حسنًا... ظننت أن هناك خطرًا ما.

ثم استدار ليبتعد وكأن الأمر طبيعي للغاية!

تراجعت إلى الخلف وأنا أنظر لأميلي، ثم لرينيس، ثم لرين الذي يستطيع التنقل عبر الظلال واستخدام السيف...

تجمعت الشظايا في عقلي لتشكّل الحقيقة المرعبة والمثيرة في آن واحد، وصرخت في أعماقي بكل ما أوتيت من ذهول:

"ماذاااا؟! سحر.. سيوف.. انتقال عبر الظلال! أنا لست على كوكب الأرض بالأساس! أنا... أنا في عالم آخر تمامًا!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اغنيه الموعود

المؤلف lux
2026/09/23 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة