***
قبل ساعات، وتحديداً عند الساعة العاشرة صباحاً...
انعكست أشعة الشمس على سطح المشرط الطبي وهو يتحرك أفقياً بدقة، سالخاً الجلد البشري بسرعة شبه خيالية. كان المشهد مهيباً ومخيفاً، حيث يُعامل الجسد الآدمي بلا أي حرمة أو إنسانية.
ثم وُضع المشرط جانباً، لتحل محله أيدٍ بشرية ترتدي قفازات طبية، تحركت ببرود لتكمل ذلك العمل الموحش في وضح النهار، وكأنها يد اعتادت على هذا الجرم منذ زمن طويل...
………..
***
وكعادة العمل المزدحم ليلاً داخل البارات، بدأت ميشيل نوبتها في توزيع المشروبات على الزبائن، والتقاط الكثير من أسرارهم وحكاياتهم.
"ميشيل، أوصلي طلب الطاولة السابعة لو سمحتِ".
قالها سام، زميل ميشيل الأكبر سناً في العمل، وهو يقدم لها صينية عريضة ممتلئة بمجموعة متنوعة من المشروبات والكؤوس. زفرت ميشيل بهدوء، ثم تقدمت بابتسامة عملية اعتادت أن ترتديها بمجرد دخولها من باب عملها.
تجمعت مجموعة من سبعة أشخاص حول الطاولة السابعة، وبمجرد نظرة سريعة عليهم، عرفت ميشيل أنهم زوار من خارج البلدة. التقطت أذنها مع وصولها بجانبهم صوت أحدهم وهو يتحدث بحماس شديد: "لم أستطع أن أفهم لما كانوا هناك!".
ضحك آخر ورد عليه: "هل تمزح؟ ذلك كان منزلهم، أنت المتطفل في تلك اللحظة".
تلقى منها الشخص نفسه المشروبات وهو يتابع حديثه مجدداً: "حسناً، ليس كأنني لص".
ابتعدت ميشيل فلم تعد تسمع ضجيجهم العالي، وتوجهت نحو طاولة أخرى لتستلم طلباتها، مستمرة في عملها وسط صخب ينافي تماماً هدوءها الداخلي.
بعد ساعة من بداية نوبتها، فُتح الباب مستقبلاً زائراً مختلفاً عن البقية، تسبب دخوله في تهدئة صخب أغلب الزوار. تقدم الرجل نحو البار حيث يقف الشاب "سول جين" معد الكوكتيلات، وقال بصوت أجش شديد الخشونة: "مرحباً سول".
استغرب سول بمجرد أن ميز هوية الزائر، ورد قائلاً بتوجس: "الضابط جيف! كيف يمكنني مساعدتك؟ هل هناك مشكلة؟".
• "لا، لا تقلق.. لدي بعض الأسئلة فقط".
• "أوه، حسناً.. تفضل".
التقط الضابط، وهو رجل في منتصف الأربعينات، كأساً صُبّ فيها مشروب غازي، وقال وعيناه تتفقدان المكان بدقة: "هل تعرف مارك سريجووت؟".
تابع الشاب عمله مقلباً الكؤوس بمهارة وخفة وهو يجيب عاقداً حاجبيه: "الحارس مارك؟ بالطبع، فهو نزيل في فندقنا. ما الأمر؟".
• "صحيح، ومتى كانت آخر مرة رأيته فيها؟".
توقف سول عن الحركة للحظة ثم قال: "قبل ليلتين، كان يحتسي مشروبه المفضل هنا".
• "إذن، هلا تخبرني ماذا تعرف عنه؟".
تسلل التوتر إلى سول فتوقف تماماً عن عمله، وسأل الضابط بنبرة قلقة: "سيدي، ما الأمر؟ هل هناك مشكلة مع الحارس مارك؟".
أجاب الضابط وهو ينظر في عينيه مباشرة: "أجل.. لقد عُثر عليه صباح اليوم ميتاً".
تفاجأ سول بل صُدم بشدة قائلاً بنبرة غير مصدقة: "هل تقصد أن الحارس مارك... مات؟!".
في الوقت الذي دار فيه هذا الحوار داخل البار، كانت ميشيل تقف في الزقاق الخلفي يدفعها الفضول، تدخن سيجارتها قرب سلة المهملات مستمتعة بدقائق استراحتها المعدودة.
شردت في تفاصيل حياتها، وتحديداً علاقتها المتصدعة مع شقيقتها الكبرى ساشا، خاصة بعد انتقالهما إلى هنا. كان هدفها الوحيد حالياً هو التخرج بأمان، ثم الالتحاق بجامعة التكنولوجيا والعودة إلى العاصمة، فقد ملت تماماً من روتين هذه البلدة القاتل.
أخيراً، زفرت آخر أنفاس سيجارتها، وسحقت عقبها أسفل حذائها وعادت إلى الداخل، حيث قابلت "ألان"، زميلتها الفتاة الوحيدة في هذا المكان، والتي تبسمت بسعادة قائلة: "خذي الطاولة السادسة، الطلب ينتظركِ هناك".
حملت الصينية وهمت بالتحرك، إلا أن خطواتها تجمدت وهي تسمع كلمات سول الموجهة للرجل الجالس على البار: "هل تقصد أن الحارس مارك مات؟!".
تصلبت أصابعها لثوانٍ معدودة قبل أن تستأنف عملها متظاهرة بالطبيعية، بينما كان الضابط جيف يسأل: "هل تعرف إن كان له عائلة؟ أو هل لديك أي شيء تخبرنا به عنه؟ أعداء مثلاً، أو أصدقاء مقربون؟".
صمت سول لبعض الوقت يفكر، ثم قال: "آسف، لا أعرف عنه شيئاً. فهو نادراً ما يأتي إلى هنا، وأغلب ذلك الوقت يقضيه جالساً يحتسي مشروبه صامتاً إلى أن يغمى عليه. حتى إنه، وعكس بقية الزوار، لا يثرثر بعد السكر بل يفقد الوعي تماماً. لا أعرف عنه سوى أنه نزيل في الفندق، وأعتقد أن العمال هناك سيفيدونك أكثر منا".
همهم الضابط متابعاً شربه، إلى أن وقع نظره على إحدى العاملات. ورغم انشغالها الظاهري بالعمل، إلا أنه التقط نظراتها المختلسة والمراقِبة، فقال سائلاً: "لديكما موظفة جديدة هنا؟".
تتبع سول إشارته، وبمجرد أن رأى أنه يقصد ميشيل قال: "أوه نعم، الآنسة ميشيل. تعمل هنا منذ شهر بعد أن رشحتها زميلة لها، وقد قبلنا توظيفها بسبب نقص النادلين".
• " إذن ميشيل... حسناً، ليلة سعيدة".
تحرك خطوتين ثم توقف للحظة ملتفتاً وسأل: "هل لاحظت أي تفاعل أو حديث بينها وبين الحارس مارك خلال فترة وجودها هنا؟".
استغرب سول السؤال بشدة، إلا أنه أجاب باختصار: "لا".
تابع الضابط جيف طريقه وخارجاً من المكان. وفي الداخل، تقدمت ميشيل نحو البار وهمت بالتحدث مع سول، ولكن بعد تفكير سريع فضلت الصمت وتابعت عملها.
انتهت نوبة عمل ميشيل بعد منتصف الليل بساعة كاملة، فودعت زملائها وانطلقت عائدة بدراجتها النارية. في هذا الوقت، كانت الشوارع قد فرغت تماماً إلا من بعض السيارات العابرة على الطريق.
في منتصف طريقها إلى الشقة، أطفأت ميشيل محرك دراجتها وتوقفت. كان كلام سول والضابط يتردد في عقلها، فرفعت رأسها تفكر في خياراتها بحذر. وبعد دقائق من التردد، غيرت مسارها وانطلقت متوجهة نحو مركز شرطة البلدة.
حلّ السكون والظلام في المكان شبه الفارغ، باستثناء ضوء خافت ينبعث من داخل مبنى الشرطة. دخلت ميشيل، فلمحت خلف أحد المكاتب رجلاً يرتدي نظارة طبية، والذي رفع رأسه بمجرد دخولها قائلاً: "أهلاً بكِ، كيف يمكنني مساعدتكِ؟".
• "مرحباً.. أنا هنا للاستفسار عن شخص ما".
رفع الرجل يده نحو ملف أمامه وقال: "تفضلي، أعطني تفاصيل هذا الشخص ووضعه".
جلست ميشيل تنظر حول المكان بتوتر واضح، ثم قالت بنبرة خافتة: "يدعى مارك سريجووت.. سمعت أنه توفي اليوم".
توقف الضابط عن الكتابة ناظراً إليها بتفاجؤ، ثم نهض قائلاً: "حسناً، انتظري هنا للحظة".
تحرك من أمامها واختفى خلف أحد الأبواب لعدة دقائق، قبل أن يعود ويقول: "تفضلي من هنا يا آنسة، المفتش جيف المسؤول عن القضية سيتحدث معكِ بنفسه".
توجهت ميشيل نحو الباب الذي أشار إليه شاكرة إياه، فدخلت إلى مكتب فوضوي تغمره الأوراق والملفات، بالإضافة إلى صناديق متناثرة في كل زاوية، بحيث لم تترك مساحة سوى لكرسيين وضِعا خلف طاولة مكتب ممتلئة هي الأخرى.
وهناك، خلف المكتب، جلس نفس الرجل الذي رأته في البار قبل قليل ممسكاً بملف في يده، والذي تركه بمجرد رؤيتها، مرحباً بها بابتسامة غامضة: "أهلاً بكِ يا آنسة.. تفضلي بالجلوس هنا"، مشيراً إلى الكرسي القريب منه في ذلك المكتب الخانق.
***