ولادة الوحشين: النازية و الشيوعية . . . عندما انتهت الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر 1918، لم تكن النهاية سوى بداية لسلسلة من التحولات العنيفة التي أعادت رسم خريطة أوروبا والعالم. خرجت القوى الأوروبية من الحرب منهكة، بينما كانت ألمانيا تتلقى الضربة الأقسى. معاهدة فرساي، الموقّعة في 28 يونيو 1919، فرضت عليها شروطًا قاسية شلّت اقتصادها وأذلت كبرياءها القومي. لم يكتف الحلفاء بإجبارها على التنازل عن أراضٍ شاسعة في الشرق والغرب، بل فرضوا عليها دفع تعويضات هائلة، وتجريدها من جزء كبير من قوتها العسكرية، وتحميلها المسؤولية الكاملة عن اندلاع الحرب. كل ذلك خلق مناخًا من الإحباط والغضب، أصبح تربة خصبة لظهور الحركات المتطرفة، وعلى رأسها الحزب النازي الذي قاده أدولف هتلر. صعود هتلر إلى السلطة عام 1933 كان نتيجة مباشرة لهذا الغضب الشعبي. النازيون لم يقدّموا أنفسهم فقط كقوة سياسية، بل كمشروع نهضة قومية يعيد لألمانيا "مجدها المفقود". لكن ذلك المجد كان مشروطًا بنظرية عنصرية تعتبر العرق الآري أسمى من بقية الأعراق، وترى أن السلاف واليهود والغجر يشكلون تهديدًا وجوديًا للدولة الألمانية النقية. هتلر، في كتابه كفاحي، أعلن بوضوح عداءه للشيوعية واليهودية، وأكد أن ألمانيا لن تستعيد عظمتها إلا بالتوسع شرقًا، على حساب الشعوب "الدونية" في نظره. ومنذ اللحظة التي تولّى فيها منصب المستشار، شرع في إعادة تسليح البلاد، مخالفًا بنود معاهدة فرساي، وسط صمت دولي مريب. في البداية، احتلّ منطقة الراين منزوعة السلاح عام 1936، ثم ضم النمسا عام 1938 في ما عُرف بالـأنشلوس، دون إطلاق رصاصة واحدة. وفي نفس العام، فرض على تشيكوسلوفاكيا التنازل عن منطقة السوديت ذات الغالبية الألمانية، بدعم ضمني من بريطانيا وفرنسا اللتين اختارتا سياسة التهدئة بدل المواجهة. لكن طموح هتلر لم يكن له حدود. كان يخطط لتوسيع "المجال الحيوي" لألمانيا نحو الشرق، وكانت بولندا والاتحاد السوفيتي في قلب هذا المشروع. وعلى الرغم من عدائه الشديد للشيوعية، فاجأ هتلر العالم حين وقّع مع الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين اتفاقية عدم اعتداء في 23 أغسطس 1939، عُرفت باسم "معاهدة مولوتوف-ريبنتروب"، سُمّيت بذلك نسبة لوزيري خارجية البلدين. تضمنّت الاتفاقية بنودًا سرية لتقسيم أراضي أوروبا الشرقية بين ألمانيا والاتحاد السوفيتي، وأطلقت يد الطرفين في غزو بولندا. في الأول من سبتمبر 1939، اجتاح الجيش الألماني بولندا من الغرب، مستخدمًا تكتيك الحرب الخاطفة (Blitzkrieg)، وهو هجوم مباغت يجمع بين الطيران والمدرعات والمشاة. بعد 17 يومًا، دخل الجيش الأحمر السوفيتي من الشرق، وأُجهز على الدولة البولندية. هذا الحدث كان الشرارة الرسمية للحرب العالمية الثانية، إذ أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا بعد يومين فقط من الغزو. ومع تقدم الحرب، استطاعت ألمانيا السيطرة على معظم أوروبا الغربية خلال عام 1940، من فرنسا وبلجيكا وهولندا إلى النرويج والدنمارك، في سلسلة انتصارات مذهلة. لكن رغم توقيع الاتفاق مع ستالين، كان هتلر لا يزال يرى في الاتحاد السوفيتي عدوه الأيديولوجي الأكبر. في صيف عام 1941، قرّر هتلر كسر الاتفاق، وأطلق عملية بربروسا، وهي أكبر عملية عسكرية برية في التاريخ، في 22 يونيو 1941. شارك فيها ما يقارب أربعة ملايين جندي ألماني ومحورهم، عبر جبهة تمتد من بحر البلطيق إلى البحر الأسود. الهدف من العملية لم يكن فقط غزو الاتحاد السوفيتي، بل القضاء عليه بالكامل، والاستيلاء على موارده الزراعية والصناعية، وإخضاع شعبه. كان المخطط الألماني يهدف للوصول إلى موسكو قبل الشتاء، لكنه قوبل بمقاومة شرسة، خصوصًا مع بداية معركة موسكو أواخر 1941، التي كانت بداية أول انتكاسة كبيرة للقوات النازية. الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي مثّل انتقال الحرب من صراع استراتيجي إلى صراع وجودي بين قوتين تمثلان نقيضين أيديولوجيين: الفاشية والنازية من جهة، والشيوعية الستالينية من جهة أخرى. كما تحوّلت الجبهة الشرقية إلى مسرح لأبشع الجرائم ضد الإنسانية، إذ ارتكبت القوات الألمانية فظائع لا تُعد بحق المدنيين الروس، من مذابح جماعية، وعمليات تجويع ممنهجة، إلى المعسكرات والسجون التي كان يُزج فيها بالأسرى والمدنيين على حد سواء. رأى النازيون في السوفييت تجسيدًا لأعدائهم العرقيين والأيديولوجيين، وطبقوا عليهم سياسات الأرض المحروقة والإبادة، خصوصًا في أوكرانيا وروسيا البيضاء وغرب روسيا. لكن الهجوم الخاطف تعثّر تدريجيًا، ولم تحقق القوات الألمانية أهدافها في الوقت المخطط له. مع دخول الشتاء القاسي، ومع اتساع خطوط الإمداد، بدأت الماكينة النازية تتراجع أمام ضخامة الأرض الروسية وقسوة مناخها، وقبل كل شيء، أمام التصميم الحديدي للجيش الأحمر والشعب السوفيتي. ومعركة ستالينغراد، التي اندلعت في أغسطس 1942 وانتهت في فبراير 1943، مثّلت نقطة التحول الكبرى في الحرب، حيث تكبّدت ألمانيا خسائر هائلة، وبدأت من بعدها في التراجع المستمر حتى سقوط برلين عام 1945. لكن في لحظة الاجتياح الأولى، قبل أن تتغيّر المعادلات، كانت المدن تسقط الواحدة تلو الأخرى: مينسك، كييف، خاركيف، سمولينسك، وحتى بريانسك، المدينة الروسية المحورية الواقعة بين موسكو والحدود الغربية. تحت شعارات النقاء العرقي من جهة، وتحت راية الثورة البروليتارية من الجهة الأخرى، لم تكن الحرب سوى مسرحية دموية أدارتها أنظمة استبدادية، لا تختلف كثيرًا في جوهرها؛ كلاهما استعبد شعوبه، وقتل خصومه، وسحق الأبرياء في طموح أعمى للسيطرة. وما كان بين النازية والستالينية إلا اختلافًا في الزي، لا في طبيعة القمع.
kawtar khaouani