أحببتك... كما يُحب الندى وردةً لم تتفتح بعد كما ينتظر المساء قمرًا لا يجيء كما تكتب الريحُ اسمًا في التراب وتنساه بعد لحظة لم أطلب الكثير... فقط أن تبقى لكنك كنت دائمًا عاشقًا للعتمة لا تقيم طويلًا في قلوب تُضيء ________________________________ حين كنت صغيرة دوما ما تسائلت عن سبب حب أمي لأبي بتلك الطريقة رغم وفاته منذ زمن كيف لها أن تعيش على ذكراه هكذا حتى قبل موتها لم تنساه أتذكر إبتسامتها الأخيرة لأدراكها أنها ستراه... إبتسمت وكأن موتها خلاصها... رافقتني تسائلاتي للعديد من السنين...لحين تزوجت... أدركت أنّ الحب الحقيقي لا يموت أبد وأن من يسكن القلب والروح بحق لا تخرجه الايام ولا تنسيه السنين ولا يُزاحِمه فيه أحد أدركت أن أمي لم تكن تعيش على ذكراه بل كانت تعيش معه...رغم غيابه فالحب حين يكون صادقا لا يحتاج إلى جسد يكفيه ان هنالك قلب لا يخونه بالنسيان أرى حب أمي لأبي فيّ وأرى عشق أبي لأمي في عيني زوجي اهتمام أمي لأبسط أمور أبي يشبه تمامًا اهتمامي به اهتمام خفي...لا يُقال...لكنه يُستشعر... لا أتذكر أنني قلت له يومًا: أنا أهتم بك لكنني كنت أفعل...دون أن أقول يكفيني أنني أستيقظ كل صباحٍ باكر لأرتب البيت كما يحب وأعدّ له طعامه المفضل...حتى وإن لم يطلبه أضع له منشفة دافئة قرب الحمام قبل أن يستيقظ.... وأحرص على أن تكون جواربه مرتبة دائمًا في الدرج الأول أبدّل وسادته كل ثلاثة أيام...فقط لأنه يحب رائحتها أن تبقى ناعمة وطازجة أعيد وضع زهورٍ جديدة فوق الطاولة....لأنه يبتسم كلما رآها أنشر في البيت عطر زهوره المفضلة وأرتب كتبه...مع نظارته في مكانه المحبب وأمسح عدساتها برفق...دون أن يعلم أطفئ الضوء في الغرفة عندما يغفو في المساء وأترك الباب مواربًا قليلًا...كما يحب تمامًا أحيانًا أضع له بطاقته البنكية في سترته لأنه ينسى وأحرص على أن أرسل له في منتصف اليوم رسالة قصيرة... فقط لأقول: "لا تنسَ أن تأكل" كل هذه التفاصيل الصغيرة... كانت لغتي كذلك لا أذكر يوما أنه صرح لي بمدى إهتمامه وحبه لي..هو شخص هادئ بطبعه لا يقول الكثير ولا يجيد تزيين الكلمات لاكنه لا ينفك يظهر لي هذا في تفاصيله الصغيرة...في تعامله معي في صمته المحب...وفي حضوره المطمئن.. قطع الشوكولا المفضلة التي أجدها كل مساء في زاوية الثلاجة...يضعها دون أن يذكر الأمر...دون أن ينتظر شكرًا أو حين يُعد لي كوبًا من الشاي بصمته المعتاد...ويضعه قرب كتبي دون أن يُقاطعني أو حين يغيّر مكاني من السرير ليرتّب الغطاء حولي في ليالي الشتاءويكمل نومه... بهدوء كما هو معتاد هو لا يقول أحبك لكنه في كل مرة كنت أتألم فيها بصمت...كان يشعر بي أولًا...كأنه يقرأ قلبي دون أن أنطق ذلك النوع من الحب... الذي لا يُقال... بل يُعاش... ذلك الصباح لم يكن مختلفًا كثيرًا... استيقظت كعادتي قبله...أعددت القهوةوضعت له السكر كما يحب...وقطعت شريحة الخبز المحمّص بنصفين دون أن يسألني لماذا أفعل ذلك كل مرة وضعت منشفته على الكرسي قرب الحمام...وأغلقت نافذة المطبخ بعد أن شعرت بالبرد يتسلل إلى أصابعي... مررت بيدي على الزهور التي جلبتها البارحة....كانت ما تزال نضرة.. رششت العطر في الأركان...ذاك الذي قال مرة إنه يذكره بي... وتركت نظارته على الطاولة الخشبية بجوار كتابه المفتوح...كما أفعل دائمًا... كان صباحًا عاديًا... بكل تفاصيله الصغيرة التي نكررها دون أن ننتبه لثِقلها إن غابت.... دخل وهو يفرك عينيه نظر إليّ، لم يقل شيئًا... لكنه ابتسم... وقتها لم أكن أعلم أن تلك الابتسامة سأفتقدها كثيرا جلس على الطاولة بأبتسامة على ثغره ناظر فطوره المفضل بعيون تلمع ككل مرّة يكتشف بصمت لغتي في تصرفاتي...جلست بجانبه بهدوء دون إصدار إي إزعاج...زوجي لا يحب الأصوات الصاخبة...أخذت أول اللقمات في فمي وتلتها أخريات.. طوال وقتي كنت أناضر زوجي...إنه باهت على غير العادة هاته الأيّام...لم يخبرني ما به وهذا ما يقلقني لم يعهد زوجي على إخفاء الأشياء عنّي أدرك أنّ أمرا ما طرأ له لاكنني أجهله لم أنطق..رغم إدراكي للأمر...تركته يخبرني بما يريد دون أن أتدخل أو أطرح سؤالًا واحدًا... ليس لأنني لا أملك الفضول..بل لأنني لم أعد أحتمل معرفة الحقائق قبل أوانها رغم أنني أمقت هذا الجهل الذي ألبسته نفسي عمدًا... إلا أنني الآن لا أملك خيارًا سوى الصمت... تشاركنا بعض الأحاديث الخفيفة حدثني عن جدوله... عن يومه... عن الأماكن التي سيزورها...وما سيفعله أخبرني أنه لن يعود قبل المساء... فأوصيته على نفسه.. وأكدت عليه ذلك بصرامةٍ ناعمة قلت له: "لو علمتُ أنك خالفت أمري...فلن يمرّ الأمر مرار الكرام أبدًا" ولأنه يعرفني إبتسم فقط... ها هي شمس الصباح تشرق بعد غياب طويل ما كنت أعلم أن شمس حياتي...ستغرب قريبًا وإلى الأبد...لم أكن أدري أن ابتسامتي ستغرب بعده... أن لحظة عابرة ستسرق العمر كلّه... تترك وراءها صمتًا لا صوت يعلو فوقه كنت أراقبه وهو يغادر من طرف عيني، كأنني أحاول حفظ ملامحه في ذاكرتي قبل أن يرحل _____ مرّت الساعات بطيئة، مترددة، كأنها تعرف ما يُخبئه الزمن ولا تجرؤ على إخباره... مع كل دقيقة تمر، كان قلبي يضيق أكثر، شعور غامض يجثم على صدري، وكأنني أتنفس من ثقب إبرة حاولت الاتصال به، مرة، مرتين... لا رد أرسلت رسالة: "أين أنت؟" ولا إجابة.... في ظهيرة اليوم ذاته...رنّ هاتفي بنغمةٍ لم أحبها يومًا.... ولا أضنني سأفعل يوما كانت قصيرة..حادّة...تحمل في ذيلها قشعريرة رددتُ...لم أُفكر...لم أبتلي بشعور القلق ذاك جاء الصوت من الطرف الآخر باهتًا: - "نعتذر... لكنه لم ينجُ" - "مَن؟" سألت، رغم أني كنت أعلم ربما كنت أ أمل أن تنفي أفكاري - "السيارة انفجرت قبل وصوله إلى المكان... يبدو أنها كانت مُفخخة" سقط الهاتف من يدي...كما تسقط الحقيقة الثقيلة على قلوب لا تملك استعدادًا لاستقبالها... كان يذهب للمكان ذاته الذي حذرته منه بالأمس... المكان الذي فقدتها فيه نفسه فقدته فيه... وكأن التاريخ يعيد نفسه وكنت أعلم...كنت أعلم أن هناك شيئًا، لكنني اخترت الصمت، لأمنحه راحته... هو لم يخبرني... وكان يعرف، بطريقةٍ ما...أن النهاية تقترب... و...وإبتسامته الأخيرة لم تكن وداعًا مؤقتا فقط ألم أقل له لا تخالف أمري... فلماذا لم يسمعني؟ _____ منذ ذلك اليوم... لم أعد أنتظر أحدًا ولم أعد أؤمن بالشمس حين تشرق لأن الذين يغربون مرة... لا يعودون أبدا مرت أيام بعدها... وأنا معلّقة بين اليقظة والغيبوبة لا طعم لشيء... كنت أعيش على أطراف الحياة لا أنتمي لها ولا أملك الشجاعة لأغادرها.... ______ في إحدى الليالي.... قررت أن أذهب إلى المكان الذي رحلا فيه... أين قالوا إن الحادث وقع له... كانت هناك طفلة...تشبهها تماما...بل هي إبنتي التي فقدتها منذ عامين... تقف على الرصيف...تنظر إليّ بعينين واسعتين تقدّمت منها..لكنها لم تتحرك اقتربت أكثر فأكثر... فاختفت... إختفت كأنها لم تكن هناك... شعرت بقشعريرة تتسلّل في ظهري استدرت لأغادر...بعد أن تجمعت الدموع في عيني وغشت ناظريّ... وسمعت صوته.. صوته! استدرت بجنون...نظرت حولي...لم أجد شيئًا...مسحت عيني بكم سترتي بهستيرية...لعلّ الدمع ما يخفيه عني... ولا الدمع ذاته حتى ما يخفيه عني ثم...ظهرت سيارة... قادمة نحوي بسرعة لا تصدق.... لم أصرخ....لم أهرب الزمن توقّف.... وكل شيء أصبح أبيض بعدها... ______ حين استيقظت كنت بجانبه وبجانب ستيلا لم أكن حية...ولم أكن ميتة... كنت فقط... معهما نظر إليّ تلك النظرة التي كنت أعرفها، وقال: - تأخرتِ... فابتسمت، وأجبته: - ما كنت لأدعك ترحل وحدك... بك العمر يبدأ ولا ينتهي... ____ "الذين يغربون لا يعودون...إلا إذا أحببناهم بما يكفي" the end