بِـســمِ اللَّهِ الرَّحْـمَــانِ الـرَحِـيـم
✶ ألهُـمَّ مِـثْـلَ مَـا أَنـعَـمتّ عَـلـيَّ بِـكِـتَـابَتِـهَـا قَـدِرنِــي عَـلَـى إِنهـاءِهَـا ، فَـمَـا كَـانَـت وَ لا وُجِـدَّت إلَّا بِـنِـعـمَـتِـك عَـلَـيَّ ✶
صَـلِـي عَلى خَـيـرِ الخَلقِ رَسُـول اللَّهِ ﷺ
﴿ لا تَـدعِ الرِّوايات تَـشغلك عن عـبـاداتـك ﴾
-------------------------------------------
『 حُلمٌ تَافِه لِيومٍ بَائِس 』
𝕭𝖑𝖔𝖔𝖉𝖞 𝕭𝖚𝖙𝖑𝖊𝖗
-01-
✶
جَسدِي يرتجفُ دون توقف ؛ أشعُرُ بِـبرُودٍ شَدِيد يخدِرُ أطرافِي فـلا أقوَى عَلى تحرِيكِها .. عداه لا يِمكنني إدرَاكُ شيء .
فراغٌ كـصَحراء قاحلةٍ لا وَقع فيها إلَّا ذَلِك السَّرَابُ الَّذي يأسِرُ الظّامِئ رغبةً في الإرتواء .
أنا مِثلُه لَكِن باتُوا هُم سَرابِي .
مَلقِيةً على الأرضٍ جاثيةً ، قد تَبلل كفُ يدِي المُلامِسِ للأرضيةَ شديدِة البياض إثرَّ مَأقيَّ الفَائِضةِ بـدُّموع .
أَنفاسِي قد بَلغت حدَّ الإنقطاع ، كَأنَّني أتنفس حُمماً لا هواء . خافقِي رنَّ صوتهُ في أذني كـدقاتِ ساعةٍ متسارعةٍ .
كابوسٌ أسود يُلاحقُني و لا أستَطيع نسيانهُ البتَّة .. لِمَا !؟ .
لِما أصفهُ بـالسَّوادٍ أنا الَّتي لطالما أحببتُ من تَزين به ؟ .
الأصحُ أن أنعتَه بـالقرمزِي كَـلون الدِماءِ النقيةِ الَّتي لوَّثَت يداهُ ذَلِکَ اليوم .
هِي .. هِي خُطُوبٌ تَتالت عَليَّ فَـأَفنت كُلَّ ما أَلفتُ وَ مُهجَتِي .. صَغيرِي ... إصْفَح عَنِي .
_ لَيتَنِي .. لَيتَنِي أدرَكتُ ذَلِکَ سَلفاً ، هل کـان لِـيُتَاح لِـي تدارُكه ؟! .. أَجِيبِينِي !! ، لو علمتُ هل كنتُ لِأدفعهُ لِلبُكاء ؟ ... أكان قلبهُ الصغيرُ لِـيستريحَ فـلا يُقدِم عَلى فِعلته؟ ؛ حينَ حَسِبتُ أَنِّي حافظتُ على عَالمِي و أيقظتُ شَيءاً كَان قد ضُمِرَ فِي ذلکَ الشَخص .. قَتلتهُ بِـشكلٍ ضَارٍ .. وحشي ...
صَرختُ بِـأَعلى صوتِي إِلى درجةِ أن شعرتُ أنِّي قد بُحت ، أرمُقها بِـنظراتِ سخطٍ أو يأسٍ أو تأنِيبٍ وَ عِتابٍ لـنفسي الثَاکِلةِ .
لم أعُد أجزِم أيُّها رُسمَت عَلى مَحيَاي , و لا أدرِي أيصِحُ التأنيبُ أو تذكيرُ في كلامِ لـمثل هَذا الكَيان .
_ لِمَا تصرُخِين بِـهذا الشَكل ؟! ، لن يعُود ما ذهب بِـمجردٍ النَحِيب .
باحَت بـِهذا الكَلام و هي تدنُو خطواتٍ ناحيّتِي ، و ما إن أصبَحَت قريبةً مني ، إذْ أمسَكَت بِـأنامِلها طَرَفَ فُستَانِها الطوِيل ذُو رونَقِ الثَلجِ الِّذِي اكتَسَى الدِّماء ، ترفعهُ مظهِرةً سَافِل سَاقِها جَاثِيَةً مُتَخذةً مِن الأرض مجلساً لها .
أَعلَت يديها تُلامِس وجنتيَّ بـرفقٍ ، ترفعُ رأسي فَـيُحاذي عَينيهَا الساحِرتين ، تُحرِکُ أَنَامِلها بِـرِفقٍ تَمسحُ الدموع عن مَأقِيَّ .
ألقَت إبتسَّامةً خفِيفةً مِن ثغرها هامسةً بـصوتٍ خافت :
_ هَل رَضَختِ للحَقِيقةِ ؟ ، أم تُريدِينَ فرصةً ثانيةً للقائِهم ؟
إِتَسعَت جُفوني بِـغَيرِ فَهم ، خَرجت مِنِي كَلمةٌ غَيرُ مُصدقة :
_ کَـيف ؟!!
ردَّدَت كَلامها بـلهجةٍ أشد قوةً و حَزم :
_ أتُريدِين فرصةً ثانِيةً للقَائِهم ؟! ، لَا شَأنَ لَکِ بِـکَيف ؛ فَقَط تَيَقَنِي أنَّ المُرادَ عَظِيمٌ فَـالثَمنُ أَبهَض .. كَـحَياتِكِ أو رُوحِکِ الضَّريرةِ هَذِه .
لِقَائُهُم .. فرصَةٌ ثَانِيَّة !؟ ، أهُو بِـمُمكِنِ أساساً ؟! . ماليّ أعجبُ مِن ذَلکَ بعدَ ما مررتُ بِهِ وَ أينَّ حَللتُ بِـسَببِه ؛ فـنَحن البشرُ قَليلوا الحِيلةِ عَكس غَيرِنا .
أيمكِننُي رُأيتُ السَيْسب مبتسِّماً و فرقُد مُضِيءاً في غَيرِ اللَّيل ثانِيةً .. هنا سَـيُمسِي أيُّ ثمن زهيداً .
أومَئتُ بـرأسي إَيجاباً عَن كَلامِها ، حينَئِذٍ ترَكَت مَجلِسَها ، تَسِيرُ خُطوَتَينِ للأَمَام ثُم تَابعت القَول :
_ لكن عَدا مَا قُلت ، بُلوغُه لن يَتِمَّ إن لَم تَرتَضِي الدِّماء وَ مَا أَعتم مِن الكَوابيس ، فَـأنتِ أَعلمُ بِـطَبعِ ذَلکَ الكَيان ... أَمَّا نِسبةُ الغَرق فَـهِي عَالية .. التضحِية هَل سَـتُقدمينها ؟ .
مَسَحتُ مَا تَبقى مِن الدُمُوع عَن جَفنَي ثُمَّ رَفعتُ نَفسِي مُحاولةً النُهوض وَ مَعِي تِلکَ الذِكرَياتُ وَ الهَمسات تُثَبِتُنِي حَتَّى أَستَقيم وَ أنبِس :
_ أنا .. مُستعدة ، وَ لا نِيةَ لِي فِي تَردُّدِ ثَانيةً أو فقدان أيَّ شيءٍ هَذه المرة ؛ دماءُکَ لن تراق أمَام عينيَّ مرةً أخرَى .. حَتَى وَ لَوْ كَانَ الثَمَنُ رُوحِي سَـأُقَدِمُهَا بِـسُرُورٍ
سَـأَجِدُک أَينمَا کُنت ، فَلا غَيرِ أو غَيرکَ يَعلمُ مَن نَکون يَا دِيجُورِي الأَثِم .
-------------------------------
إستَيقظت من النومِ تفتحُ جفُونها بـتثَاقلٍ وكسلٍ عارم . تُمَدِّدُ يدَيها فَيستقيم جِذعُهَا بعد نومٍ غَير مريحٍ على المكتبِ إثرَّ قضَاءِها ليلتَها تُطَالِعُ حتَّى الفَجر .
تتَثاءبُ بينمَا ترفعُ يدهَا اليُسرَى مرتِبةً خُصُلاتِها السَّودَاء البَّاهِتة كـليلةٍ غَائمةٍ ، ثُمَّ إذْ أَزاحَت طَرفَ بُؤبُؤَتِها تنظُر لذَلکَ الكِتابِ ذِي الغِلاف المُميز .
مكتسياً السَّواد ، رُسِمَت على واجِهَتِه فتاةٌ فَاتِّنةٌ ، بَارزتٌ بِـملامِحٍ طفوليةٍ صَاغتهَا نَظَراتٌ جَليدية . تخللتهُ شُعَيراتٌ رفيعةٌ عشوائِيةٌ مُحمَرةٌ مِن الدِّمَاء .
أمسكَت الكِتَاب ترفَعهُ ، تُمَحلقُ فِيهُ ثم قائلةً بـحَنق :
_ هذا كلُه بـسَببِک ، لم أحظَى بـحُلمٍ جيد منذ قراءتِك .
راحَت ترمُقهُ بـسخَطٍ ثَوانِي معدُودَةٍ ثم أَعادَت فَتحهُ باحثةً عن فاصِلة القراءة لاستِكمَالِه .
هذهِ هِي طبِيعتُها ، فتاةٌ فضوليةٌ لا تهتَم بِـمَدى الأذَى الَّذي سَـيلحَقُ بِها مِن أجل إشبَاعِ فضُولها . فـجشع البشر لا حدُودَ له .
وهذهِ الرِّواية ليسَت الإستِثنَاء الوحِيد فقد مرَّت عليها غيرُها الكثير ، الِّتي لم تحظى إثرها بـأحلام جيدة ، لكن فِي سبيل المُتعة يمكنها دفع ثمن أكبر من مجرَدِ كابُوس متكرر ؛ فـهي تودُ أن ترَفِه عَن نفسِها و تَتنَاسى المَلل المُزينَ لِـرفُوفِ حَياتِـها ، تَأمَلُ أن يَطرأ شيء يغَيرُ حَياتَها .. و يا ليتَها لم تَفعل .
رَاحت تُقَلبُ الصَفَحاتِ بـخُمول ، ترمُقُ الكلماتِ بـأعينٍ شِبه مفتوحةٍ سُرعَان ما تَغير إيقاعها فَـتعدِل جلستها و تقرأ بـتمعنٍ تَام ، بعد أن حان موعِدُ ظُهورِ شخصيتها المفضلة .
السَّبب الوحِيد الِّذي يدفعُها لإقتناءِ أيِّ شيء يتعلقُ بِـهم رغمَّ رفضِ والدتها القاطعِ له .
المهنة الِّتي لا تَرى أسمَى مِنها فِي المبادئ و الإخلاص .
ما حُفر في جوفِها بـعمقٍ و ظلَّ صداهُ يتكررُ على مسمَعَيها منذُ ذلکَ اليوم .
شخصٌ ساحر يطفي حُضورهُ فِي أيِّ روايةٍ أو مسلسل كان جواً من الإثارةِ لا يُماثله به أحد ، ملتزماً بـأدابه الساميَّة و هندامهِ المرتب . لطالما تجده إمَّا الظِل المُرافِق لسيدهِ و حاميه أو المُرشد الناصح الحكيم مع الغير .
ما كان بدايتهُ بِـالقَرنِ السَّابِع عَشر فِي بريطانيا وَ فرنسا فَـيزدَّهر في القرنِ التَّاسع عشر و أوئل العشرين ، لِـيليهِ تفرعُ عدةِ مهنٍ منهُ إنتَشرت على نطاقٍ واسع :
❞ كَـبيرُ خَدم مِثالِيّ ، شَخْصٌ ذُو مَواهِبَ اِسْتِثْنائِيَّةٍ ❝ .
تفاجَأت ؟! ، أليس غريباً حقاً أن تُحبَ مثل هذه المهنة وَ تَغضَّ بَصرکَ عَن مَا يَراهُ غَيرک أَجدر بِـالسَعي .
هُوَ كذَلک .. بـالنسبةِ لها ليس مجرد حبٍ عَابرٍ أو إعجاب بلـ إنتماءٍ كامل لها .
لا ترى نفسها بـمهنة سِواها .
أدرکُ أنَّک قد افتَرَرْتَ ضاحكًا سَلَفاً حَتَّى قَبل تَتِمت الحَديث ، لَکن صدقنِي لو تَنفُضُ تِلک الصورةَ النَمطيةَ عَن عَقلک وَ تَقبلت مَعرفةَ الحقيقة ؛ لكنت منحتها أعذارً شَتى لِمِثل هَذا الهَوس إن صَح التَعبير .
مَن يَدري لَعلَّ الأتِي يُغويکَ فَـتُصَرِحُ عَن رَغبتِک فِي إِتباعِ مَسارها ؛ عَدى أَنِّي لا أَنصَحُ بـذَلک ... فـلا أُحبُ اللونَ الوَردي أتَعلم ؟ .
کَثيراً ما إستهوَتها شخصيةُ كبير الخدم الفَاتِن بـحضورهِ الملفت الأَسِر .
المعطفُ الفَحمِي الطَويل ذو الذَيل ، المَنسوج مِن التويد المُرصع بِـأزرار فِضيةٍ خِيطة عَلى طُوله . القفازات الثَلجية و الصِينِية الفضية ، منشفةٌ بيضاءُ أعلَى يدهِ اليسرى .. هو فقط ما ترغبُ به .
رغمَّ أنَّهُ「 خادمٌ 」لَفظاً إلَّا أنَّ عملهُ يمتلك تفرداً عن غيرهِ و تميزاً لا يجاريه فِيه أحد .
سـيطبخُ و يرَتِب ، يعدُ الشَاي و يحدد المواعيد ، يَنصَحُک و يُرشِدک بِـخِبرته إن تَطلبَ الأمر . في بعض الأحيان يتَحَول إلى حارسٍ شخصي لك يحمِيک و يتخلص مما يهددك ، عمله يشمُلُ كلَّ شيء بـإختِصار .. طَباخ ، مُدرب ، حَارس ، إسعافي ، مُعلم ... قَاتِل .
لَم تَكُفَّ تُقَلبُ صَفحاتِ الرِوايةِ شَوقاً للأَتِّي ، عدا أنَّ لا دوامَ للحظات السعيدة حتَّى و إن كانت مجَردَ أفكار ؛ لأنَّه تم مقاطعَتُها من طَرفِ صوتٍ عالٍ يُنادِي إسمها بـنبرةٍ من السخط و الإنزعاج أيقظها لـواقعها المرير .
لا تقلق لم تكُن بـزمجرةٍ وحش ، فقَط هو صَوتُ والدتِها المعتَاد تُنادِيها مِن المَطبَخ .
-----------------------
زفَرتُ بـضِيقٍ مدركةً أيَّ نَوعٍ مِن الكلمَات سَـأَتَلَقَاهَا وأيَّ نظراتٍ سـتَستَقبِلنِي . قد إِعتَلت رجفةٌ طَفيفةٌ يدي رغمَّ إعتيادي على الأمر .
لا أستَطيع حتَّى أن أحلُمَ بـالحُريةِ فِي مثلِ هذا المكان ؛ يا لهُ من شيءٍ مقيت أن يكون هذا روتينك اليومي .
ثبَتُ الفَاصِل عَلى أخِرِ صفحَةٍ وصَلت لها بـالقراءة دُونَ أن أنسَى تَحدِيدَ لحظات ظُهور كَبير الخَدم بـالمظَلِّل السَّمَاوِي خَاصَتِي .
رفعتُ الكِتاب ، أتَقدم صَوبَّ السرير أخفيه أسفله بـحذرٍ شديد مع رفاقه ؛ لا أريد أن أفسد غِلافِه .
كما أنَّه لَو تَمَّ إيجَادهُ مِن قِبل وَالدَتي أقل مَا سـيحدُث أنَّها سـتُمزقهُ أمام ناظري و توبخني إن كانت فِي مزاجٍ حَسن .
في الأساس إشتريتُهُ خفيةً بِـمالٍ قدمتهُ لي أحد المعلمات لتفَوقِي فِي أخرٍ إمتحان ، مُطَالِبَةً إيَّايَ بِـشراءِ روايةٍ أرفه بها عن نَفسي .
أنا مُوقِنةٌ أنَّ السَبَب دِرايتُها بـحَالي لا تفوقِي ؛ فـأنا ممنوعةٌ من تكلم أو مُصادقَةِ أيِّ فتاةٍ أقل من مستَواي الدراسي خِشيةَ أَن أتأَثر فَـينخَفض مُستواي ، حَتَّى إن وُجِدَت سيتم تَوبِيخِي بـسَبب أن هناك من تفوق عليَّ وَ عليه لا أمتلك أصدقاء غالباً .
الجميع يظنُ أنِّي متعَاليةٌ إثر إجتِنابهم وَ لم أضمِر لأحَد أيَّ حِقدٍ أو غَل ؛ أُحاول أَن أجتنب المَشاكل فَحسب .
أمَّا خارج المدرسة ، فَـاللعب مِن المحرمات بـإعتبارِه مضيعَةً للوَقت ، عليَّ أن أدرس أو أقوم بـالأعمال المنزلية . أهتم بِـشكلي و هندامي بـشكلٍ مفرط حَتَّى لا يجدَ أيُّ شَخص زلةً أو عيباً و إلَّا فـسأستقبل ندوباً جديدةً بـسافل ساقي .
يجبُ أن أتكلم بِـلباقةٍ و صوتٍ أنثاوي رقيق ، أن أُزَخرِفَ حَدِيثِ بِكلماتٍ مِن لغاتٍ مختلفة لأظهر مَدى تثقفي للأخرين .
حتَّى وجَبَاتِي يَومِية يَتِمُ تَحديد مُحتَواها ؛ ذلك سـيتَسَبب بـتسوسِ أسنانك و الأخرُ سـتظهرُ البثور فِي بَشَرتِکِ عَنه ، و هذا قَد يترکُ رائحة سيئةً فِي فَاهِک .
زُبدَةُ القول يتم تحديدُها ليسَ حِفاظاً على صحتِي فَـهي ممتازة بلـ تَجنباً برُوزَ أيِّ عيبٍ قد يخلُ بـمظهري المُتقن .
لَا رأيَّ لِي في حَياتِي ؛ فَقط أَلعب دَور المُستَقبلِ و المُنَفذِ الضَرير أَمَّا القَرار فَـهُو لِوالدَتِي ..
قد ارتَسمت الحَيرةُ عَلى مَعالِمک أَعلم ، و قد لا تصدقُ وجودَ شخص يعيشُ حياةً أشبه بـدميةٍ فعليةٍ . لكن أنا ممتنةُ لـشيء واحد ؛ الجحيم الَّذي أعيشُ فِيه كان أحد عوامل حُبِي لِمهنة كَبير الخدم أَو بِـالأصح التَفاهة كَـمَا تُلقبُ والدَتِي كُلَّ مَا أُحبُه .
الأغلب يَخَالُهم دُمى فِي أيدِي أسيادِهم إِثر مَا تَمَّ تَنَاقله عَلَى ألسِنت النَاس مِن هُراء ، وَ ذَلک بَاطِلٌ ، إنْ صَحَ فَـكُلُّ المِهن سَواء ؛ فَـكُلنا نَخدمُ غَيرنا سِوا أنَّ الطَريقةَ تَختلف .
لکِنَهم مُختلِفون ؛ يمتلكون طموحاً و أهداف خاصةً بـهم ، نمطُ حياة مميز متفرد عن الكلِّ عكسَ حياتِي الَّتي يتم تسييرها مثل الدمية بـخيوط لعينة .
زَفرتُ الهَواء بِـقِلةِ حِيلة تَلتها أن رفعتُ خصلاتِي الأَشبه بِـشَعرِ عَجوزٍ مِن بُهتِ لَونِها على شكلِ ذيل حصان . تأكدتُ مِن عدم وجود أيِّ شُعيرةٍ شاردةٍ خارج تسريحتي .
أخذتُ نظرةً خاطفةً على المرأتي الصغيرة ؛ أتأكدُ أنَّ وجهي خالٍ مِن أيِّ دلالة على سهرِي و أنَّ غرتي مرتبة ، لم يأخُذ مِني سِوا دقَائق مَعدودة تأكدتُ فِيها من كلِّ تفصيلةٍ بـعنايةٍ شديدة .
يجبُ أن لا تَجِدَ عيباً بِي و التأخر حين مناداتي غيرُ مسموح ؛ قد أعَاقبُ إن أتَت لِـمكانِ تواجدي ، فَـهذا غدا رُوتيناً مُنذُ سَنواتٍ لمسايرةِ هوس والدتِي بـالمثَالية .
إتجهتُ إِلى المطبخ بِـخطوات هادئة ، حينَ بَلغتُ بابهُ أخذت نفساً أسمح للهواء أن يداعب جوفي لعله يقلل توتري هذا . ما إن أعتبتُ بابه إذْ وَاجَهَتِني نظراتُ والدتِي مصوبةً نحوي .
تَرمقُني بـعُيونٍ صَارمةٍ و منزعجةٍ كـطَبعِها ، حتَّى من يراها سـيحسِبَنَّها رَأت مَن تَكرهُ لا إِبنتَها .
لم تُزَعْزِع رأسها لكن كنتُ قادرةً على رأيتِ قرنيتِها تَتَمحصُنِي من سافلي إلى أعلاي ؛ تتَقَصَّى وجود أيِّ خللٍ تـجادلني حوله ، ثم و إن حاولتُ التبرير سـيُضرمُ غضبها لتهمَ بِـصُراخ عَلي ثُمَ حجزي فِي غرفتي .
لا تعجب ، قد إعتدتُ عَلى ذَلک ؛ لم تعتبرنِي ابنتها قط رغم أنِّي وحيدتها ، لا تملك سوايَّ إلّا ذكر أصغر مني لكن تم إستثنائه من كلٍ هذا بِـبساطة لأنَّه ذكر و ليس بِـأُنثى .
لم أجرُء على النبسٍ بِـحرفٍ واحد ، أمَّا هي فَـاكتفَت بِـالصمت ، تُمحلِقُ فِيَّ بِـشكلٍ تود لو تُشق الأرض و تدفنك فِي جَوفها و لا تلتقطه عيناکَ البتة .
مَا أستذكرُ منها حِضنًا أو حَتَّى عطفًا ، لا ينطق فاهُها سوى بِـالانتِقادَاتِ المتكررة و الكلام الجارح الكفيل بِـتَهشِيم روحِکَ و تمزيقِها .
لم أستشعِر منها أيَّ من تِلکَ الأَحاسيس المَنسُوبةِ للأُم فَقط :
الكُرْهُ ... المَقَّت... اللامُبالاةُ
لما وُلِدتي ؟! ..
ما الفائدة من عديمة نفع مثلك ..
عليكي أن تكوني شاكرة أنِّي لم أتخلى عنک .
و غيرها الكثير الَّذي لم يغادر صداه عقلي و ترکَ ندبةً لن تشفى ما حييت .
هَذا مَا داعَب جَوَّ حياتي منذُ أوَلِ ذِكرى لي .
أخيراً أشاحت نَاظِرها عنِي فَـتَنفَست روحي طُمَأْنينة ، لقد أطالت التحديق على غير العادة ممَّا بث في جوفي الرعب عمَّا تفكر به .. خِلتُ أنَّها علمت عن قرأتي للرواية خفيةً ، أو أتَت في ذِهنِها فكرةٌ ما تجعلُ بِها جحيمي أكثر تعاسه .
فجأةً قررت أن تكسر الهَواء الثَقيل بِـالقَولِ بينما تقلب الحساء بِـملعقة خشبية :
_ لما تأخرتِي حين ناديتک ؟ ماذا كنت تفعلين ؟ .
رفعتُ رأسي بِـتَوتر لأجيبها :
_ كنت منشغلةً بمُذَاكرة لذلکَ تأخرت .
أدعوا أن لا تكتشف كذبتي و إلًا سَـأكون في ورطة .
سكتت لبرهة ، إذْ لا تزال تقلبُ الحساء دون إلتفات ، لكن قرَنِيتها اليسرى تحدقُ بي بِـوضوح ثم أَردفت قائلةً :
_ جيد ؛ لأنَّه لو قدمتُ لمكانك يا « ليونيل لايزا » و وجدتُک تقومين بِـشَيءٍ تافه أخر لما كان الأمر لـينتَهِي على خير مثلما تَعلمين .
إرتَجفَت أوصَالي للحظة و كأنَّ المشهد مر بين عيني .
كيف سَـتمزقُ رِواياتي الثمينة ، سَبيلي و ملاذِّي الواحيد لتخفيفِ وحدتي ، أو تقوم بـإضرامِ النارِ في أغراض و الزيِّ كبير الخدم الِّذي إقتنيته خفيةً ، كيفَ سَـتشد شعري بـقوةٍ إلى حدِّ أن أشعر أنَّها سَـتقتلعُه من فروتهُ غير أبهتٍ بِـصراخي أو بـكائي .
و لَعلها تكتفي بـضربي بـالعصة في ساقي كي لا تفسد مظهري ، تاركةً إثرها كدمَات مزرقة و نندوباً لا يمكن لأحد رؤيتها سواي و لن يشعر بـألمي أحد كذلکَ .
فـمُجرب الشيء أدرى بـطعمِه .
ربَّما سَـأظل وحيدةً طيلةَ عمري إن لم أقدم على تغيير . فِي سَاعَتِي هَذه أَنا عَلى مَشارف إتمام السابعة عشرة من عمر لَکن لَم أُحرز أيَّ تَقدم ، فَـشَخصيتي ضَعيفة وَ مُطيعة لا تَستَطيعُ فرضَ رأيِّها . سَـتَنتَهِي الثَانوية قَريباً وَ لم أَحصل حَتَّى عَلى صَديقةٍ واحدة .. کطِفل تَماماً .
لكن لا يمكنني إخفاء غيضي .. لما تنعتُ أيَّ شيءٍ أُحبه بِـتَفاهة ؟!
هل كان شأنُ رغباتِي البسيطة زهيداً لـهذا الحد دوماً ؟! .
مجردُ أن أكون كأيِّ فتاة في سني هو أمر تافه ! ؛ لَم أُعاتبها لِعدم لَعبِي أو رَکضِي فِي صِغري لكن أودُ أن أقرأ الكُتُب و روايات كـغيري و أحاكِي شخصياتها ، أن أتعرفَ على الأشخاص أشاركهم إهتماماتِي وَ حياتِي . كلُّ ذلک عُينَ بِـالإستحالة بـسببک .
لم أطلُب الكثير ، فقط أن لا تحرمني مما أحب ، فقط فلـتترکِ ذلک العالم دون محوه . أريدُ أن أَلتقِي بِهِ ثانِيةً و أُخبره :
حَتَّى أنا يُمكنُني أن أصنَعَ السِحرَ مِثلک لَكن دُونَ أرانِب أو زُهورٍ من قبعة بِـل كـقِصتِي وَالدي و مِثلک ، سَـأختَارُ تِلک التَفاهة. وَ أجعلُ كلَّ الأَعينِ مِلکاً لي .
كَـشخصٍ مثالي ينفذُ أيَّ أمرٍ بـإتقان وَتفاني ، متحلٍ بـأدَابَ راقية لا مثِيل لها يُخفِي خلفها من السواد والدهاء ما لا يدركه عقل إنسان أو يوافق منطق أيِّ أمة .
هذا ما أريده ، أَتفهُ وَ أغبى شيء أن أصبح كبيرة خدم و أعيش حياة لم يسبق لأحدٍ أن عاش مثيلتها لا غَيْر .
ألَن أَصبح تَافهةً بِـالقَدرِ الكَافِي لِتَركِي وشأنِي ؟ .. الأمرُ يَستَحِقُ التَجربة إن كان كَذلکَ .
لَم نُخلق لِنُسَيَّر بِل لِنُسَيِّرَ حَياتَنا .
مرةً أُخرى ذَهبت نَفسي للإعتِراض وَ شَتمِ دونَ بَوح . كَلمةٌ إلَّا أنَّها كانَت كفيلةً بـتهشيمِي كَعادتها ، دُموعِي تَحجرت فِي مأقيَّ رَافضةً الإختفاء أو الإنهمار تَتَرنمُ بِـالحِياد .
البكاء ممنوع .. تذكري يا نفسي السابقة .
كَـطَفرةٍ نَادرة تركتُ قَرنِيتِي تتصِلُ بِـخَاصتِها مُباشرةً ، البُرودُ و انزعاج عَكستهُ قزحيتي الرمادية كـلون عَالمِي .
أفلَتَت الملعقة من يدِها ؛ تَتَحقَقُ إذْ كَان مَا تَراهُ صَحيحاً ، لكن لم أهمِس بـحرفٍ فـأنا مطيعةٌ لا أقترفُ مَا دون رغبتها كما أشَرتُ سلفاً . لازلتُ أضعفَ مِن أن أصرِحَ بـرغباتي بـكلِّ أنانية .
خفضتُ رأسي فِي تِلکَ اللَحظة و أومأتُ إيجاباً .. أنا خائفةٌ لا يمكنني قول شيءٍ لها .
أمتلکُ الكثير لقوله و لا أقدِر ؛ أخشى عتابها و قسوتها .. هي الَّتي لم أعنِي لها سوى وَسيلة للمنفعةِ و تفاخر . سمعةٍ تخفي عارهم .
تمتدِحُني و تتعالى حين نلتقي أيَّ شخصٍ بـغرورٍ بـصفتِي < إبنتها > و أنَّ ما أنا عليهُ كله بـفضلها لا غير ثم ما إن ننفرد لتهمَّ في ذمي و استخراج أيِّ عيبٍ حتَّى إن اضطرت لإختراقه لأرضاء هوسها المريض .
مقيدةٌ بـأوزار الحاضرِ وثقل الماضي وطموح المستقبل ، مُستَعدتٌ لأخذِ أيِّ خُطوةٍ مِن شأنها أن تغيير واقعي مهما كانت .
لكنِي مَا حَسبتُ أن الَّذي سَـأقدِم عليهِ مستقبلاً سَـيفتحُ عليَّ باباً لَن يُغلق حَتَّى إن أردتُ ذلک .
_ لايزا .. أَتستَمِعين إلى مَا أقوله .
إِستَيقظتُ مِن أَفكارِي بَعد مُناداتِي عَدةَ مرات ، قَد سَهوتُ أَكثر مِن المُعتاد لِسببٍ ما :
_أسفه .. لقد سَهوتُ للَحظة ...
إِرتَسمَ الغَضبُ عَلى مَلامِحها الجامدة ، عَادت تُتِم ما فِي يدها بَينمَا تُخاطِبنِي قائلةً :
_ فتاة غبيةٌ دونَ أيِّ فائِدةٍ كـعادتک ، لقد تركتُ الغسيل في الفناء قومي بـتعليقِه ليجف قبل أن يتغير الجَو فلا يمكن أن أتنبأ بِـالجوِّ في ديسمبر .
أسكتُ في تلکَ اللحظة كلَّ أفكاري و هلوساتي و أجبتها بـإستسلام :
_ حَاضر
---------------------------------
في الفناء كانت ذَاتُ الخُصلات الباهتة منشغلةً بـتجفِيف الملابس ، لكن مُهجتها لم تكفَّ عن وَسوستِ بـأفكارٍ تعصف في كيانها .
أضداد تتنافس على من يترکُ بصمةً في حياتها ، مرادِفاتٌ تَتناسقُ منظِمةً وجدانها و روحها مَشدُودةٌ بِـعِقالٍ مِن الهُموم ، تتمنى مَن يُخَفف عُزلتها فاصِلاً عِناقها للفراغ .
تَغيرت الأصواتُ مِن حولها فجأة ، فَالِس المَلابس مَع نَسمات الشِتاء تَزعزعَت عن ضَوضاءَ عَاليةٍ .
إلتفَتَت للخَلف تَقتصُ مَصدرَ الضَجيج بِـعَينيها .. فَكان مرئِياً . طِفلٌ تَخالهُ فِي العاشرةِ مِن بِنيته الجسدية ذُو شَعرٍ كَستنَائي فَاتح ناعم يَنسدِلُ عَلى جَبينِه ، أَعينٌ نَاعسةٌ واسعة شَارَكتها فِي لونِ الرَماد وَ فارَقتها فِي البَشرةِ الحِنطِيةِ . يَجلسُ مُتكِأً عَلى حافة الباب ، ممسكاً بـيده جهازَ التَحكُم يغيرُ بين القنوات بـعشوائِية دونَ توقفٍ أو خفض صوتِه العالي الِّذي أزعجها بـدوره .
أَلقت لايزا سَلة المَلابس شِبهَ الخَاويةِ من يَدها فَـتَقبض أَنامِلها وَ قد صرَّت عَلى أسنانِها ، ثم إذْ صَرخَت عليه مُخيرةً :
_ إخفِض صوتَه أو أثبت في قناةٍ واحدة ؛ رَأسي يؤلمني بسببک .
لم يُجبها بلـ تابع فعلتهُ وَ قد إرتسَمَت على شَفَتِه إبتسامة ساخرة تُجيبها دون أن يلتَفت :
_ أَكملِي حَديثَکِ مع المَلابس يَا أختِي أمَّا صداعُک ليسَ لهُ علاقةٌ بِي .
_ خَافيير إخفضهُ و إلَّا ...
رَفع خَافيير حَاجبيه يَهز رأسَّه قبل أن يَهم فِي ضحک :
_ ماذا سَـتفعلين ؟ ، أسَتستَعرضِين مهاراتِ الخدم لي أم ماذا ؟ .. صَحيحٌ كان مِن المُمتع قراءة ذلک في دفترک لكن لا أعلم رأيَّ السَيدة کُوزيت حوله .
حَتَّى إن كانا شقيقَينِ فَـهما الأَبعدُ عن الإتفاق ؛ فشكلاً داميير ورثَ ملامح والدتهمَا مِنَ الشَعرِ إلى العُيون بينَما هي أخذت عن والدها خُصلاتِه السَّوداء الباهتة ، الكثيفة مموجة و نَفس عيني والدتها رغمَّ أنَّ كلا الوالدين لهما نفس لون عُيون لَکن شَكل يَختلف ، أمَّا عمراً فـالفارقُ بينهما سبعُ سنوات كاملة اَنتجت تَخالُفاً فكرياً و سُلوكياً مُتَجلياً بوُضوح فِي مناداته لوالدتِه بِـتِلک طَريقة .
تَنهدت لايزا تُقَلبُ عَينيها بِـمَلل عَن سُلوکه ثمَّ خَاطت إبتسامةً جانبيةً في ثغرها ، تلتها أن نزعت نَعْلها و ألقتهُ عليهِ مصيبةً إياهُ فِي رأسه و هي تردف بـسخط :
_ بلـ سـأستعرض مهارات الأخت الكبرى لدا العرب أَيُّها مُتَحذلِق .
_سَـأخبر أمي الأن و لنرى من سينقذک .
باح بـكلامهِ وهو يركض ممسكاً رأسه من الألم إثر الضربة ، أمَّا هي فزفرت بـضيق تُتَمتم :
_ الأن تَذکرت أنَّها وَالدتُک .. الغَبي مُدلل سـأُعاقبُ بِـسَببه .. لكنهُ يستَحِق من طَلبَ مِنهِ العَبث بِـإغراضِي أو كلام عن الخدم و هو قِردٌ لا يصلُ حذَائهم .
إِقترَبت من الباب تَستَعيدُ فَردةَ نَعلِها ، تفكر إن كان سَـيأتي يوم جيد أو أنَّ عليها مزاولة حياتها فـحسب ؛ أمسكَت جهازَ التحكُم قصدَ أن تُطفِئَ التلفاز لكن حَدث مَا جعلها تمْتَنِيع عن فعلتها .
وثائِقي باللغة الانجليزية من نوع آخر لم تتخيل وجودَه ، سرعان ما فَرض عليها اتخَاذ حافة الباب مجلساً لها لتتابعه ... دون أن أقول أعلم إيقانک فحواه ، حول كبار الخدم .
لكن أتدري أيَّ جزء ؟ ، ليس عن عملهم أو لقطات من الأعمال الَّتي ظهر بها بلـ شيءٍ مختلف .. كيف تصبحُ كبير خدم !! .
قوسَت شفتيها إلى الأعلى مثلما لم تفعل قط وهي تتابعه . رَقرقت عيناها بِـبريقِ سعادةٍ تناغم مع حَماسٍ دَفعها للهُتافِ عالياً :
_ أكادميّة مخصصة لكبار الخدم ؟! .. هل هي موجودة من الأساس ؟ .. هذا حلم صحيح .
من حسن حَظِها أنَّ لا أحَد قد سَمعها ؛ فما نطقت به كان محرماً ، أكملَت مُتَابعته كاملاً متجاهلةً ما طلبته منها والدتها لأول مرة و أنَّ شَقِيقَها ذهب ليناديها .
فقط ما تُبصره هو حُلمها الوحيد ، فَـتنبض أول رغبة أنانية بِـجوفها .
----------------------------------
شعرتُ أنَّ الحياة إبتسمت لي لأول مرةٍ منذُ ولادتي فيالها من صدفةٍ جميلة كـنشوة حلوة في كياني، تدغدغ آمالي و تطلعاتي .
لم أُشِح بصَري عن شاشةِ لثانية واحدة ، أستمِع بِـإنصاتٍ تام لما يقولهُ المذيع و هو يعرِضُ لقطاتٍ مختلِفةٍ من الأَكادميات الدُّولية لتدريب كبار الخدم الَّذين سَـيتوجهون لاحقاً للعملِ لدى العوائل الغنية أَو في الفَنادِق و مُنتجَعات العالمية مِنها المُتَمركزة في دول الخليج كالإمارات العربية المتحدة و دول الكبرى كالصين الَّتي تستقبل ما لا يقلُ عن مئة ألف كبير خدم سنوياً و هو رقم لم أتوقعهُ حتَّى أنا .
مع إنتهاءِ الوثائقي كنتُ قد همَمتُ بِـالركض نحوَّ غرفتي قاصدةً مكتبي المنظم ، لأخرجَ دفتر ملاحظاتي أسجلُ كل ما حفظتُه من التلفاز بِـحَذافيره و ما إن تفرغت شغلت الحاسوب و بدأت بِـالبحث بما أملكه من معلومات و هدفي واضح .
ظهرت فرصَتي لتحقيق ما كنت أسرحُ بهِ في خيالي قبل نومي .
أَعلم مَدى تَفاهَة حُلمِي فِي نَاظِرِ الكُلِّ لَكِنه سَبب حُبِي لَهُ ذاته . قد يَروحُ السامِع للضَحکِ و السخرية قَائِلا : هذه المجنونة عَن ماذا تهذي ؟
هل هيَّا في وعيها حقاً ؟
مَن سَـيرغبُ بِـأن يُصبِح كبير خدم ؟
هل هذا حلم يستَحق التضحية من الأساس ؟
هو كَذلک .. صَدقني هو كذلک
فلا تحكُم على الكتاب من غلافه و قصتي خير دليل ؛ فَـفيها من الأمور ما لا يستوعبه الورى ، سواء كان مِن الإنسِ أو غيرهم .
المنطقُ سـيغدُو أكبر كذبة وجدت لِيلقى في قمامة المنتهين . أمَّا المستحيل فـسَـيشكو همهُ لـفقدانهِ قيمته .
فإن سخرتَ كلَّ جوارحک ، و إرتشفت من قصتي .. قد تَتخَطى عَتبةَ الإِدمَان .
فحتَّى و إن أغرقنِي فِي الدِّمَاء القرمزية و غمرني إلى أن ضَاقت أنفاسي ، وبـلغت حدَّ الانقطاع
فهو يجري في دمي حتَّى الوريد
ذٰلِكَ المَلّاكُ الصَغِيرُ وَ اَلْشَيْطانُ المُتَخَفِّي وَجْهانِ لِلعُمْلَةِ ذَتِهَا .. أَنَا مِحْوَرُهَا .
-----------------
إنفصَل عالمُها عنِّ الواقع و انعدمت أَرکانُه ؛ لم تعد تكترثُ سِوى إلى الَّذي تريدُه ، تَغابَت عن والدتِها و كلِّ من حولها ، ما قد تفعله إن علمت بِـنواياها فَـهي تفَتش حَاسُوبها و أغراضِها بِـشكلٍ دورِي ، عدا أنَّها لم تعد تكترثُ فقد سئمت من فُسيفِسائِهَا اللَعِينَة .
إنَّها أوَلُ رغبةٍ أنانيةٍ لها فِي حياتها نبعت من أعماقها ، لم يرسُمها أحدٌ سواها لذلِک لن تسمح لأيِّ مخلوقٍ كان بِـالمَسَاسِ بها .
دقائِقُ مِن البَحثِ و التصفُح تَجمَعُ المَعلومَات من مختَلفِ المصَادر إلى أن إطَلعت عَلى كلِّ ما تحتاجُ معرفته ، من حسن حظها أو بِـالأحرى بِـسبب تفانيها في الدراسة مستواها اللغوي أكثر من مُمتاز ، حيثُ تتقن التحدث بكل من الانجليزية و الفرنسية ، الايطالية و حتَّى العربية - لُغة وَالدِها الأم - و منهُ لَيسَ من الصعب الوصول لما تبحث عنه .
لكن يبدو أنَّه سَـيكُونُ عليها تعلمُ بعض اللغات الأخرى الأن إن أرادت تحقيق ما تُفكر فيه و أظن أنَّ جميعكم قد خمنه سَلَفاً ؛ جهزت قائمة ترشيحاتها لأفضل الأماكن الَّتي سـتُساعدها في أن تغدوا كبيرة خدم .
خَاطَبت نَفسها بِـصوتٍ خافةٍ :
_ يبدوا أنَّ ثلاثة أماكنٍ قد برزة للأفق أولها الكلية الملكية لرؤساء الخدم الواقِعَة فِي قصر بلينهايم في أوكسفوردشاير بِـبريطانيا و مدرسةُ إدوموندي المهنية في مدينة شتاده بِـشمال ألمانيا و أخيرا أكادميَّة الدُولية لكبار الخدم " Black flower " فيِ مَدينة سيمبِلْفِلد جَنُوب هولندا ، هُم الأعلى تَقييماً و شُهرةً .. لکن من ناحية كَفاءة التَدريب و نِسبة التوظيف ، علو الأجور بعد التَخرج فَـأخر خيار هي الأفضل بِـرواتب من خمسين ألف إلَّى مئة و عشرون ألف يورو سنويًا لِكبير الخدم المُعتمد عَلى شهادة الأكادمية فَحسب .. لكن تكلفة الألتحاق تتجاوز خمسة عشر الف يورو .
زَفرت بِـصوتٍ مسموع ، تَسمحُ لرأسها بِـمُلامسةِ الكرسي بينَما تُغَطِي جفُونَ عينيها بِـيسراها ، لا تكلُّ أو تمَلُّ عن التفكير .
خَمسة عشر الف يورو مبلغٌ صَعب الجَمع بِـالنسبة لأسرةٍ مُتوسطة الدخل لكِنها تُغَطي تَدريبَ ستة و عشرينَ أسبوعاً مُتتالياً وَ جَميع الخَدمات .
رفعت زِندَها تَدريجياً تسترقُ النظر إلى شاشة الحاسوب المُظهرةِ للموقع الرسمي للأكادميَّة ذِي الواجهة متقنة و التصميم الفاخر البَسيط ، بِـالتحديد كان يعرضُ شروط التسجيل بها و ما تقدمُهُ من خدمات لطلبتها .
عَلى المترشح أن يَمتلک مستوى دراسي مقبول و متحصل على شهادة نجاح معتبرة لكن لا يهم السن الِّذي يسجِل به و هذا ما راقها .
كما أنَّ الفُرص متساوية ، يُنظر للمترشح من خلال سيرتِه و قدراتهم دون اكتراثٍ للخلفية الأسرية و غيرها ، مع تَقديم العديد من خدمات منَ الاقامة إلى الأكل و غيره لِدورة تدُوم قُرابَة ستةِ أشهر مُخالفةً جُلَّ الأكادميات الَّتي تكتفي بِـشهرين أمَّا العدد الإجمالي لـمُتدربِي كلِّ دورة هو خمسة عشر كحد ثابت لا يَتجاوزه مَع العَديد مِن شُروط الغَريبةِ الأُخرَى .
_ خمسة عشر ألفًا و خمسمائة يورو .. نُطقُه مُتعب ماذا عَن جَمعه !! .. كيف سؤُفره بِـحق مصروفي زهيدٌ جداً فـوالدتي تقتني أشيائي بـنفسها وفق رغبتها ..
سكتَت ثُم تابعَت بـسخرِية :
_ كأن بعض الأوراق الخضراء ستقِفُ بِـوجهِي .. أساساً سـأستردُها فِي أقل من نِصف سنة عمل فـليست بـالرَاتِبِ الزَهيد الَّذي سَـأتقاضاه ، هِي حتَّى تَتفوق عَلى رواتب الأطباء الَّتي لا تتعدى سبعة ألاف يورو كـحد أقصى في القِطاع العام .
أغلقَت المذكرة بعد تسجيل ما أرادتهُ ثُمَ أخفتها بعيداً عن عيون والدتها ، عادت مُسرعةً تحذف جميع سِجلات البحث من حاسوبها إِفْناءً لأيِّ أثر يدلُ على مخططها .
تركت الكرسي وَ نَفسُها تَرومُ الأَنانية ، تقتربُ من خزانَتها بِـخطوات متسارعةٍ و كأنَّها سـتفلت منها إن لم تستعجل .
أمسكت مِقبضَيها تفتَحها على مصرعيها ،ثم إذ بها تنبش بين أغراضها عما أخفته لـتجده . أخرجت بَذلةً كانت قد إشترتها سِراً عن والدتها بِـمال قد إدخرته . مِعطَفٌ فَحمِي طَويل ذُو ذَيل مَحلي الصنع ، سُترةٌ مزدوجةُ الصفَّين بياقة من سَاتان و أَزرار مَعدنية . تَحتها قَميصٌ ثَلجي و رَبطةُ عُنقَ رَصاصية . بِنطال مُستقيم و حِذاءٌ كْلاسِيكي تَتَزحلقُ قَدمُها فِيه لِحجمه ، زيَّ كبير الخدم .
إرتدت فَردةَ القُفاز ثم نظرت للمرأة ، تلتفُ تَتحق إن كَانت الإنثناءات واضحةً منه ، تحاول إخفاء مقاسه غير مناسب متساءلةً إن كانت قادرةً على أن تصبح ما تعكسه المرأة حَقيقةً .
الأحلام تَتَرقرق کجواهر بين عينيها ، تعزف سيمفونية فريدةً تُطرب مسمعها . ترسم مسار دربِها دونَ أن تعلم أنَّها سـتَخُطُه بريشة انقلب حبرها دِّماء فلا أحد مدرکٌ أيَّ جحيم يقبع خلف هذا الجمال .
عادت إلى الواقعِ کشخصٍ أخر مُختلفٍ عن سابق ، تلک من لا تعصي أمر والدتها مُراعيةً هوسها كـدمية بدأت تتلاشى لتحل محلها تلکَ من لا يمس أحد بِـقراراتها ، مستعدةٌ لفعل أيِّ شيء من أجل تحقيق مبتغاها .
لا تدع لمشاعرها مكان ليُدنِس فكرها .
عِقال والدتها سَـيفَک بأيِّ ثمن ، العَقل هو الحَكم و الفضول هو حافزها لإكتشاف كلٍ ما يخفى .. لكنه سيورطها بعجب ما لم يرى .
إِقتربت منَ نَافِذة ، تَفتَحُها تطلُ منها فَـأخذت نسمات اللَّيل تداعب سواد شعرها ، أخذت نفساً طويلاً تُطَهِرُ به جَوفَها ثم تزفره و معه كلُّ أمرٍ سلبي غُرس في روحها .
رفَعَت رأسَها تُحدِقُ فِي السَّماء المُرصعَةِ بِـالنجوم فِي تفاؤل و كأنَّها تُحاول شكرَ من قادها لهذا الطريق و منحها تلکَ الفرصة .
إتَسعت رماديتها وَ إنفرجَ ثِغرها لشيءٍ غير مألُوفٍ فِي السَّماء ، نجمٌ أكثرُ إشراقاً و وميضاً عَن غيره ، سَناهُ أزرقٌ فتان يتباها بـلمعانه بـكلِّ سطوتٍ و علو كـسَوسنَةٍ بَينَ الحُقول .
خَالجها شُعورٌ أنَّ لا أحد سواها يُبصرهُ ، غضّاً لأبصارهم عن إشراقِه كـحلمها تماماً .
مدت يدها نحوَه ، تُحَاول إمساكه مُتَغاضيةً عن بُعد مَسافةِ بينَهما ، متفائلةً تَهدِفُ بِـنَبرةٍ صداهَا العزمُ و الحماس تخيطُ ابتسامةً بريئةً في ثغرها :
_ أُقسِمُ أنِّي سَـأُحَقِقه و إنْ كان بـبعدِ سِيريُوس عَني .
منذُ ذلک اليومِ غَاب ذَلک الفُرقُد عَن لياليَّ الطَويلة ، ظَلت عُيونِي مُشتاقةً له فَـخالت أَنَّه رَقرقَ لِأجلِها .. لَکِنهُ قصدَ مَلاکَها .
بَـعْـد تِـسْـعِ سَـنَـواتٍ وَ قُرابَـةِ العَـشَـرَةِ أَشـهُــر .. کَـانَ لِـقَـائِـي بِـه .
✶ يـُـتـبَـع :
✶ أهلاً بِـقُـرائِـي الأَعِـزَاء أتَـمَـنَـى أنَّ حَـجَـر الأَسَــاسِ بِـرِوايَتِي نَالـ اعجَــابَـكم و اسْتِـحسَـانَـكم .
هَـذِه الـرِوايـة عَـزِيـزَةٌ عـليَّ عـلى نَحـوٍ خَـاص ؛ بِـدَايَـةُ نَـشرِي وَ تَصـرِيحِـي بـذَوقِي الغَـريب .
الفصلُ كَان طويلاً سَابقاً فَـتَم إقتِسامـهُ إلى فَـصلَـينِ وَفـقَ طَلَبِـکُم لَم يَتناول الكَثِير لَكِـنَـه تَـهيدٌ لِجرعَةٍ مِـن الغُموض بِـلَمسةِ فانتَــازيا فَـرِيدَة ٌ لم تَـلتَـقيها قط ؛ فَـعليکَ بـالصَـبر .
فَـأليـس الصَـبر مِـن شِـيم القَارئ الحَقِيـقي كَـما تَعلـمُون .
ما رأيُکَ بِـحلم لايزا الغريـب و هَل سَتُـحَقِقه ؟
مَا تَفسِـيرکَ لهَـوس والدَتهـا بالمِـثالـية حَسبَ ظـنک ؟
و ما الَّذِي سـتمر بِه بَطلتُـنا فِـي الفصُـول القَـادمَـة ؟
أثبت وجودك معنا في رحلتنا هذه .
إرتشف من أحداثها حدَّ الثمالة .
و لا تستخف بِـما لا تعلم فحواه .
كَـانَت معَـكُم الكَـاتِـبة سِيل ميلان نَلتَقـي فِي الفَصل القَادم دُمتم في أمان اللَّهِ وَ حِفظه .
M .C .H
✶ شُـكـراً علـى القِـراءة ✶
✶ Thanks for reading ✶
Ciel milan