ولعَيْنَيْكِ سِحرٌ خاصٌّ جذَبَني نحوَكِ بِقوّةٍ."
________♡__________♡___________♡_______
"كان صوت صراخ أمها لا يغادر أذنها، حتى بعد مرور خمسة عشر عامًا. كانت تلك الليلة الباردة هي آخر مرة ترى فيها والدها. حقيبة صغيرة، يد أمها المرتعشة، وقطعة حلوى خبأتها تحت الوسادة. بعدها فقط، أصبحت كل البلاد تشبه بعضها، بلا هوية... إلا مصر."
_________________________________________
استيقظت وهي تتعرّق وتتنفّس بصعوبة، ذلك الكابوس الذي يلاحقها منذ خمسة عشر عامًا. تنهدت بضيق ثم نهضت متوجهة إلى صالة المنزل لتجلس مع أمها قبل أن تذهب إلى العمل.
خرجت من باب الغرفة وهي تدعك عينيها بنعاس، لتبتسم لها والدتها قائلة:
"كندا يا حبيبتي، صباح الخير."
تحرّكت كندا نحو والدتها وجلست بجانبها، تحتضنها قائلة:
"صباح النور يا ماما، عاملة إيه؟"
ابتسمت شهيرة بحب وقالت:
"بخير الحمد لله يا قلب أمك. إيه، هتروحي الشغل؟"
أومأت كندا برأسها وهي لا تزال تشعر بالنعاس، فمسحت والدتها على شعرها بحنان قائلة:
"خدي راحة شوية يا بنتي، من ساعة ما رجعنا مصر وانتي مش مرتاحة خالص."
قالت كندا بإصرار:
"يا ماما، لازم أشتغل. أومال مين هيصرف على البيت يعني؟"
تنهدت شهيرة وقالت:
"هنزل أشتغل أنا كمان."
نهضت كندا، وتصنّعت وجهًا غاضبًا وقالت بحزم طفولي:
"لا يا شوشو، انتي هترتاحي في البيت مُعزّزة مُكرّمة. أنا اللي هشتغل، أنا بحب شغلي وانتي عارفة كده."
ضحكت شهيرة وقالت بمزاح:
"مش عارفة شغل إيه اللي بتحبيه ده! انتي بتشتغلي في حقوق المرأة!"
أجابت كندا بحماس:
"عشان كده بحبه! أومال هسيب الستات تتظلم في المجتمع المقرف ده؟ ولا إيه؟ ويلا، قومي كده اعملي فطار، عاوزة آكل قبل ما أنزل."
نهضت شهيرة وقالت:
"جهّزي نفسك، عبال ما أكون حضرت الفطار، طيّب."
أومأت كندا، وذهبت إلى غرفتها لتأخذ حمامًا ثم تتجهّز للذهاب إلى عملها.
_♡_♡_
كندا فتاة تبلغ من العمر خمسًا وعشرين سنة، أخذتها والدتها إلى أمريكا حيث أقامتا هناك لمدة خمسة عشر عامًا، ثم عادتا إلى مصر الحبيبة.
تعمل كندا في منظمة حقوق المرأة، إذ تدرك جيدًا أنها تعيش في مجتمعٍ ذكوريٍ قاسٍ، وكان الدافع الأكبر لاختيار هذا الطريق هو والدتها، التي لم ترغب يومًا أن تتكرر معاناة أي امرأة كما عانت هي من زوجها.
كندا فتاة جميلة، رقيقة الملامح، ذات شخصية قوية وجذابة، تتمتع بجسدٍ متناسقٍ ورشيق، وشعرٍ أسودٍ طويل، وعينين عسليتين مرسومتين بجاذبية آسرة، تجعل الناظر إليها يضيع في تفاصيل جمالها.
تعلمت جميع فنون الدفاع عن النفس، لعلمها أن طبيعة عملها ستجعلها تحتك بالكثير من الرجال، وغالبًا ما ينتهي الأمر بضربهم، فهي لا تستطيع التحكم في غضبها منهم، وتحمل في قلبها كراهية شديدة للرجال.
تخرجت كندا في كلية الحقوق، وتخصصت في المحاماة، وهي الآن تعمل محامية ضمن منظمة حقوق المرأة، تدافع بشراسة عن قضايا النساء، وتحمل على عاتقها همّ التغيير في مجتمع لا يرحم.
__♡__♡__
خرجت كندا من غرفتها مرتديةً بدلةً نسائية سوداء، وتحتها قميص أبيض، وانتعلت حذاءً أسود ذا كعب عالٍ، وقد تركت شعرها منسدلًا، واضعةً بعضًا من مساحيق التجميل، ولكن بشكل بسيط جدًّا.
جاءها صوت شهيرة قائلةً:
"يلا يا كندا، تعالي افطري."
تحركت نحو الطاولة وجلست بجوار والدتها لتتناول الإفطار، وبعد أن انتهت، نزلت إلى الشارع، واستقلت سيارتها متوجهة إلى عملها.
استقرت السيارة أمام مبنى ضخم عصري الطراز، يتوسّطه مدخل زجاجي واسع تتدلى فوقه لافتة معدنية أنيقة كتب عليها بحروف بارزة: "المنظمة المصرية لحقوق المرأة".
كانت الواجهة مصنوعة من الزجاج العاكس، تعكس شمس الصباح بشكل يجعلها تلمع كمرآة عملاقة، بينما يزين مدخلها صفان من النباتات الخضراء الموضوعة في أواني حجرية فاخرة.
تحيط بالمبنى حديقة صغيرة مرتبة، بها مقاعد للزوار، وبعض النساء يجلسن في انتظار دورهن، فيما تقف لافتات توعوية منتشرة على جانبي المدخل، تحمل شعارات قوية مثل:
"كرامتك مش قابلة للتفاوض" و"نحميها من العنف.. نحمي المستقبل."
ترجلت منها، ثم ارتدت نظارتها الشمسية السوداء ودلفت إلى المبنى.
كانت تسير بخطى واثقة، غير مبالية بنظرات الآخرين من حولها، ثم توجهت إلى مكتبها وألقت التحية على مساعدتها الخاصة قائلة:
"صباح الخير يا يمنى."
ابتسمت يمنى لها بمحبة وقالت:
"صباح النور يا كندا."
دخلت كندا إلى مكتبها، ولحقت بها يمنى. جلست كندا خلف مكتبها وسألت بجدية:
"ها، قولي بقى، في حاجة جديدة النهاردة؟"
أجابت يمنى بنفس الجدية:
"أيوه، في بلاغ من بيت الشاذلي."
كانت كندا على وشك الرد، لكن قاطعها دخول مراد، زميلها في العمل، وهو يقول:
"صباح الخير يا قمارات."
ابتسمت له يمنى، أما كندا فنظرت إليه وقالت بلهجة شبه منزعجة:
"بتدخل وأنا لسه هعرف البلاغ عن إيه؟"
قال مراد ممازحًا:
"كمّلوا شغلكم، كمّلوا."
نظرت كندا إلى يمنى وقالت:
"ها، كملي. مين الشاذلي دول؟"
قال مراد بدهشة:
"بلاغ من عيلة الشاذلي؟! انتي أكيد مش ناوية تروحي، صح؟"
نظرت إليه كندا بضيق طفيف وقالت:
"ومين الشاذلي دول يعني؟"
أجابت يمنى:
"أنتِ أكيد مش هتعرفيهم، لسه ليكي أربع شهور في مصر بس."
أكمل مراد قائلًا:
"دول يا ستي عيلة الشاذلي، عيلة كبيرة وصعبة، عندهم أكبر مصانع وشركات أثاث في مصر. تقريبًا في كل محافظة عندهم مصنع، وعيلتهم صعبة جدًا. ولو هنتكلم عن الذكورية، فهم أصلها! شباب العيلة عقلهم أكتر من أهاليهم."
نهضت كندا، وأخذت مفتاح سيارتها وملف البلاغ، وقالت بثقة:
"حتى لو كانت عيلة رئيس الجمهورية، هاروح برضه. ده شغلي."
تركتهم وأخذت الملف تقرأه وهي تسير خارج المنظمة، ثم ركبت السيارة بصحبة فريقها، حيث تولّى أحدهم القيادة بينما انشغلت هي بقراءة الملف باندماج.
صُدمت عندما قرأت أن البلاغ من فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عامًا، وسيتم إجبارها على الزواج من رجل يبلغ من العمر خمسةً وأربعين عامًا!
ظهر الغضب على ملامحها، وتنفّست بغضب شديد. يا له من قرار وضيع اتخذه والد الفتاة!
كيف له أن يزوّج ابنته لرجل في عمر والدها؟!
__♡__♡__
استقرت السيارة أمام عمارة كبيرة، وُضعت عليها يافطة مكتوب عليها (عائلة الشاذلي).
نزلت كندا من السيارة وهي تبتسم بسخرية من ذلك الرجل الحقير - من وجهة نظرها - كيف له أن يتخلى عن ابنته بهذه السهولة؟! أقسمت بداخلها أن الأمر لا يخلو من صفقة مالية.
دلفت إلى العمارة يتبعها فريقها الخاص، ثم ركبت المصعد وضغطت على الزر الخامس كما هو مكتوب في العنوان.
عندما خرجت من المصعد، وجدت شقة بابها مفتوح ويخرج منها صوت أشخاص كثيرين.
تقدم أحد الرجال وفتح الباب بقوة ليعم الصمت المكان.
دخلت كندا بثقة، وخلعت نظارتها بنفس الثقة، وقالت:
"هاي يا جماعة، أنا كندا الغول، محامية في منظمة حقوق المرأة، وجالي بلاغ عن زواج إجباري."
نظر لها الجميع بصدمة، فركضت فتاة مراهقة نحوها واحتمت بها.
ابتسمت لها كندا بحنان، وسألتها:
"اسمك إيه؟"
أجابت الفتاة برقة:
"ريم خالد."
ابتسمت كندا، وقالت:
"فين خالد؟"
أشارت ريم إلى والدها، فنظرت له كندا بغضب، ليصرخ خالد قائلاً:
"إنتي إزاي تبلغي عن أبوكي يا عديمة التربية؟"
اتجه نحو ريم وهو يهمّ بصفعها، لكنه توقف عندما أمسكت كندا يده، ودفعتُه للخلف قائلة:
"اتكلم باحترام، عشان والله هخليك تندم ندم عمرك لو لمستها."
نظر لها بغضب، فتدخل محمد الشاذلي، كبير العائلة، قائلاً:
"دي مشاكل عائلية، ومحدش يدخل فيها."
ضحكت كندا بسخرية وقالت:
"معلش والله، بس ده شغلي، وكلامي معاه، مش مع حضرتك."
ثم وجهت كلامها إلى خالد.
جاء صوت شاب قائلاً:
"إنتي إزاي تتكلمي كده مع والدي؟"
كان هذا جاسر، ابن محمد الأكبر.
لكن كندا لم ترد عليه، بل وجهت حديثها مجددًا لخالد قائلة:
"مين العريس هنا؟"
أشار خالد إلى رجل كبير في السن، فوضعت كندا يديها في جيب بنطالها وتنفست بغضب، وقالت:
"هو واضح إن الجوازة دي فيها صفقة فلوس حلوة، وعيب على عيلة كبيرة زيكم تعمل كده.
فعمومًا يا خالد باشا، الجوازة دي مش هتتم."
صرخ خالد:
"مش إنتي اللي هتقوليلي أعمل إيه ومعملش إيه! دي بنتي وأنا حر فيها!"
فقدت كندا صبرها وانفجرت فيه قائلة:
"حر فيها دي لما تكون إنت لوحدك اللي مخلفها! هي ليها أم، وأمها اللي حملت فيها، مش إنت، ولا إنت اللي عانيت من طلق الولادة!
لو عاجبك العريس أوي كده، اتجوزه إنت!"
حاول جاسر كتم ضحكته، فهو في قرارة نفسه كان ضد هذا الزواج ، وبقية شباب العائلة أيضًا كتموا ضحكاتهم.
أما خالد، فقد صُدم من حديثها، وصرخ غاضبًا:
"إنتي إزاي تقوليلي كده؟"
ردت كندا بهدوء يناقض غضبها السابق:
"بص، أنا اتكلمت بأدب. بلاش تخليني أتعامل بقلة أدب، وأحوّل الموضوع للمحكمة، وأكسب القضية، وآخد بنتك دار رعاية."
سخر خالد قائلًا:
"ومين قالك إنك هتكسبِي؟"
فأجابته بثقة:
"اسمي كندا فؤاد الغول. اسأل عني، وهتعرف إني لما أقول هكسب، يعني هكسب.
فهل هتمضي على الورق ده باحترام، ولا تحب أمضيّك أنا؟"
تدخل محمد مستنكرًا:
"ورق إيه ده؟"
فردّت كندا:
"ده عقد بينص على إن ريم مش هتتجوز غصب عنها، ولازم يكون بموافقتها الكاملة،
ولو أُجبرت على الجواز، هرفع قضية وهتكسب، وهيدفع شرط جزائي ٤ مليون جنيه، وهيا هتتطلق وتسافر تعيش بره."
صُدم الجميع من شروط العقد.
نظرت كندا لخالد، ثم أخذت القلم من أحد رجالها، وأمسكت العقد وجلست، قائلة:
"تعالى يا حج خالد، امضي، خليني أروح أكمل شغلي."
قال خالد بإصرار:
"مش هَمضي."
ابتسمت كندا وقالت بهدوء:
"بكل سرور يا حج، تبصم بقى... بس بالإجبار."
تقدم أحد رجالها، وأخذ العقد، في حين قيّد الآخر خالد وجعلوه يبصم على العقد بالإجبار.
صرخ محمد:
"اللي بتعمليه ده اعتداء!"
فردّت كندا ببرود:
"واضح يا حج محمد إنكم عيلة ذكورية بحتة، وشكلي هتعامل معاكم كتير.
وحاليًا، ريم مش هتتجوز غير لما تبلغ السن القانوني، وثانيًا، تتجوز اللي هي تختاره، مش أنتو.
ولو أنتو متمسكين بالعريس ده أوي، اتجوزوه إنتو... بس منصحش بالفكرة."
ثم التفتت لريم قائلة:
"ده رقمي، واضح إن عيلتك صعبة، فكلميني لو حصل أي حاجة... أنا معاكي، متقلقيش."
ألقت نظرة أخيرة على العائلة، فوقع بصرها على جاسر الذي كان ينظر لها بدهشة وإعجاب من قوتها.
ثم نظرت إلى النساء في المكان قائلة:
"أنا موجودة، ولو احتجتوا أي حاجة أو حصل أي بلاغ... هاجي أهدّ البيت على رجّالته."
غادرت، تاركة ريم خلفها تشعر لأول مرة أنها حرة، وسط دهشة وصدمة الجميع من قوة كندا وحزمها.
توجه خالد نحو ريم وهو يهمّ بضربها، لكن جاسر تصدّى له قائلًا:
"كفاية كده يا عمي، اللي حصل حصل... وكندا دي مش هتسكت."
خرج خالد من الشقة متوجهًا إلى شقته، أما جاسر، فنزل خلف كندا مستوقفًا إياها قبل أن تركب السيارة وقال:
"آنسة كندا، استني."
نظرت له وتوقفت، فسألها:
"مين اللي بلغ؟"
أجابته:
"المكتوب في البلاغ إن صحابها اقترحوا عليها تبلغ المنظمة، ويطلبوني أنا مخصوص،
وعلى ما يبدو إني ساعدت حد من صحاب ريم.
عموماً... ياريت تراعوا ربنا في بناتكم."
قالت جملتها، وركبت سيارتها، وانطلقت هي وفريقها.
تركت خلفها "جاسر" الذي ظل ينظر في أثر سيارتها بدهشة من أسلوبها وشخصيتها، ثم توجه إلى منزله مرة أخرى ليرى ما سيحدث بعد تلك المواجهة الشرسة.
دخل الشقة ليجد الجميع جالسين في صمت، و"ريم" تحتمي بـ"سليم" ابن عمها، والذي تعتبره كوالد لها من شدة حنيّته، رغم فارق العمر بينهما، فهي تبلغ من العمر ستة عشر عامًا، بينما هو في الثانية والعشرين.
نظر "جاسر" إلى الشباب والفتيات قائلًا:
"يلا نطلع نقعد على السطح شوية بدل التوتر ده."
أومأ الجميع بالموافقة وتحركوا، تاركين الكبار يجلسون مع بعضهم البعض، فـ"جاسر" كان قد خصّص له ولإخوته جلسة خاصة فوق السطح.
جلسوا جميعًا يتنهدون براحة، فجميعهم يكرهون فكرة الزواج الإجباري.
تحدث "ماجد"، شقيق "سليم"، قائلًا:
"كندا دي إيه؟! يخربيت شخصيتها!"
ضحكت "شهد"، شقيقة "جاسر"، قائلة:
"أنا ما ارتحتش من جوه كده غير لما قصفت جبهة عمك."
ضحك الجميع، حتى أولاد خالهم، فهم لا يوافقون والدهم على تلك الأفكار.
لتُعلّق "ريم" قائلة:
"آه، خصوصًا حتة (اتجوزوا انت دي)."
قال "جاسر" بتفكير:
"هي عرفت إزاي إن الموضوع فيه فلوس؟ وإن عمي هيخدها مقابل جوازك يا ريم؟"
أجابته ريم بصدق:
"والله معرفش، أنا ما قلتش عن النقطة دي، بس أكيد هي استنتجت كده."
لتقول "شهد" مجددًا بحماس:
"شخصيتها تحفة!"
قال "جاسر" بإدراك:
"هي قالت إن اسمها كندا فؤاد الغول."
أومأ الجميع، ثم قال أحدهم بصدمة:
"ينهار أسود!"
_____♡___♡_____
يتبع...
حبيت اغير من الروايات ااي بكتبها وأبعد عن المافيا شويه رأيكو يهمني.
عملت خطأ في اسم البطله هيا أسمها (كِندة) مش (كندا)
ĹĮỖŜẸŤÃŇÃ