مشاهدة ممتعه
.
.
.
.
.
.
.
استيقظت إيزولدي على صوت خرير المياه من نافذة الحمام المفتوحة قليلاً، والنسيم البارد يداعب وجنتيها. نظرت إلى نفسها في المرآة، لم تكن تشبه الفتاة التي تذكرتها قبل لحظة؛ كانت عيناها تحكيان قصة لم تبدأ بعد، لكنها محملة بأثقال من ذكريات لم تعشها بعد.
كانت تتنفس ببطء، تحاول أن تستوعب اللحظة.
كانت في التاسعة عشرة، في ذلك البيت القديم الذي تركته منذ سنوات.
هنا، حيث كل شيء بدأ، وحيث كان بإمكانها أن تُصلح ما تحطم.
لكن شيئًا ما لم يكن على ما يرام.
شعرت بنظرة خفية، كأن هناك من يراقبها من خلف الزجاج. لم ترَ شيئًا، لم تسمع شيئًا، لكن ذلك الشعور لم يرحل.
"لياندر..." همست الاسم وكأنه وردة تذبل بين شفتيها.
كانت تعرف أن ما عليها فعله ليس سهلاً.
إصلاح ما تهدم بينهما، مواجهة الماضي الذي جرّحهما، وربما... مواجهة ذلك الشيء الغامض الذي بات يطاردها في صمت.
كانت البداية فقط، ولم يكن أحد يعرف إلى أين ستأخذها هذه الرحلة.
إيزولدي نهضت ببطء من السرير، رائحة الصباح البارد تعبق في الغرفة، ولكن قلبها كان مشحونًا بمشاعر متضاربة. فتحت النافذة، ودفعت نسمة الهواء الباردة لتلامس وجهها، محاولة أن تفيق أكثر.
خرجت إلى الممر بصمت، وكل خطوة كانت تذكرها بسنوات مرّت، بفجوات لم تعشها مع لياندر، ذلك الأخ الذي صار بعيدًا رغم قرب الدم.
سمعت خطوات خفيفة من الطابق الأسفل، توقفت للحظة، ثم قررت أن تهرب من صمت البيت.
خرجت إلى الحديقة، حيث كانت الشمس ترسل خيوطها الأولى، تُضيء أوراق الأشجار بلون ذهبي.
جلست على مقعد خشبي قديم، وغمضت عينيها للحظة.
لم تكن وحدها. كان هناك إحساس خفي، همسات بعيدة، كما لو أن الزمن يراقبها، ينتظر رد فعلها.
فتحت عينيها بسرعة، ونظرت حولها.
لا أحد.
عادت إلى الداخل، وجدت لياندر يجلس في غرفة الجلوس، يحدق في نافذة بعيدة.
اقتربت منه ببطء، قلبها ينبض بشدة.
"لياندر..." نادت باسمه برقة.
التفت إليها بنظرة مفاجئة، ثم ابتسم ابتسامة ضعيفة.
"إيزولدي... أخيرًا."
كانت تلك البداية.
جلسا مقابل بعضهما في غرفة الجلوس، الصمت بينهما كان أثقل من الكلمات. أخيرًا، كسرت إيزولدي الصمت بهدوء
"لياندر... لماذا ابتعدنا؟ لماذا سمحنا للوقت أن يفرقنا؟"
نظر إليها عميقًا، صوته منخفض لكنه واضح
"لم أكن أعرف كيف أكون بجانبك... كنت أخاف أن أخسرك أكثر مما خسرت."
شعرت بقلبها ينقبض، لكنها حاولت أن تظل قوية
"أنا أيضًا أخطأت، تركتك وحيدًا رغم كل شيء."
اقتربت يده لتلمس يدها، حركة بسيطة لكنها كانت مليئة بالكثير من المعاني.
"ربما هذه هي فرصتنا، إيزولدي. أن نبدأ من جديد."
ابتسمت ابتسامة باهتة، ولكنها حقيقية.
"نعم... لن نجعل الماضي يحدد مستقبلنا."
في تلك اللحظة، لم يكن هناك شيء غير حب أخوي صادق، ورغبة مشتركة في إصلاح ما تهدم.
لكن، خلف الستائر، كانت هناك نظرة تراقب، صامتة، تحمل وعودًا غامضة وخطرًا قادمًا.
بينما كانا يبتسمان لبعضهما في غرفة الجلوس، اختفت الابتسامة عن وجه إيزولدي فجأة، كأنها شعرت بشيء غير مرئي يزحف في أرجاء البيت.
في الظل بعيدًا عن الأنظار، ظهرت عيون تلمع بلون ذهبي غريب، تنظر إليهما بصمت بارد.
همس في الهواء
"لن تسمح لكما الحياة بسهولة..."
ثم تلاشى الظل كما لو أنه لم يكن موجودًا قط.
نظرت إيزولدي نحو لياندر بعينين يملؤهما الحنين، وقالت بصوت خافت يكاد يختنق بين رغبة وذكرى
"لا أعلم ما الذي فرق بيننا، ولا لماذا ابتعدنا... لكنني فقط أريد أن نعود كما كنا، بل... أفضل مما كنا."
ابتسم لياندر، وومضت عيناه الزرقاوان بلمعة دافئة، مظهر غمزتيه يمين "سوف نصبح أفضل."
سكن المكان لحظة، صمتٌ غريب، لا هو ثقيل ولا مطمئن، فقط كأن الزمن توقف لينصت.
لكنه قطعه بابتسامته نفسها، وقال وهو يمد يده
"هيا نطبخ. لقد مضى وقت طويل منذ فعلنا ذلك معًا."
ضحكت إيزولدي ضحكة صغيرة، صادقة، كأنها نبتت من جرح بدأ يُشفى.
ثم مدت يدها إليه، وأمسكت بكفه بإحكام. ومضيا معًا نحو المطبخ...
كأن كل ما بينهما قد بدأ يُعجن من جديد، كما يُعجن العجين في دفء الضوء.
دخل الاثنان المطبخ، وكان الضوء الخافت المتسلل من النافذة يرسم ظلالهما على الجدران.
فتحت إيزولدي الخزانة، أخرجت كيس الطحين، ثم نظرت إليه بابتسامة مازحة
"أتذكر آخر مرة خبزنا فيها؟ قلبتَ الملح والسكر!"
ضحك لياندر وهو يلفوفة أكمامه
"كان ذلك مقصودًا... كنت أريد أن تضحكي."
"وكدتَ تسممني!" قالتها وهي تنثر قليلًا من الطحين في وجهه.
رفع حاجبه وهو يمرر أصابعه فوق وجهه المغبر
"إعلان حرب؟ حسنًا... سأرد."
أخذ حفنة صغيرة من الطحين وردّ لها بالمثل، فتعالت ضحكتهما وسط الغبار الأبيض المتطاير، وكأن الزمن انكمش فجأة ليعود بهما إلى أيامٍ كانت أبسط، وأصدق.
جلسا بعدها عند الطاولة، والفرن يملأ المكان برائحة دافئة.
قال لياندر وهو يراقب العجين المنتفخ
"هل تعتقدين أن البشر يشبهون هذا العجين؟ يحتاجون للوقت والدفء كي ينهضوا من انكساراتهم؟"
أجابته إيزولدي بصوت منخفض
"نعم... وبعضهم لا ينهض أبدًا إن تُرك في البرد."
طال الصمت مجددًا، لكن هذه المرة، لم يكن غريبًا... كان عميقًا، كأن بين قلبيهما حديثًا لا يحتاج للكلمات.
جلسا على الأرض قرب الفرن، بينهما صحن العجين المقلي الساخن، يتصاعد منه بخار خفيف. قطعت إيزولدي قطعة صغيرة، نفخت عليها، ثم تناولتها ببطء.
"ما زلتُ أحب طعمه... تمامًا كما كنا نأكله ونحن أطفال." قالت، وعيناها شاردتان في زاوية من الذاكرة.
لياندر التقط قطعة أخرى، تناولها على مهل، ثم قال وهو ينظر إلى السقف
"أتذكرين عندما اختبأنا تحت الطاولة من صوت العاصفة؟"
ضحكت، وغطت فمها براحة يدها
"وكيف أمسكتَ بيدي وقلتَ: لا تخافي، سأحميك حتى لو كنتُ خائفًا!"
أمال رأسه نحوها، وصوته مشوب بعاطفة دافئة
"كنتُ أصدق ذلك... رغم أنني كنت أرتجف."
هزّت رأسها وهي تأخذ قطعة أخرى
"أنا أيضًا صدّقتك. كنت دائمًا تجعلني أصدق."
سادت لحظة من الصمت، لم تكن بين غريبين، بل بين روحين تعرفان كيف يصغيان دون كلام.
ثم همس لياندر وهو يقلب قطعة العجين بين يديه
"كأن كل ما مرّ... لم يُبعدنا، بل فقط جعلنا نعود بحكمة أكثر، وشوقٍ أعمق."
نظرت إليه إيزولدي، في عينيها دفء يقترب من الدمع
"وها نحن... نأكل الخبز ذاته، ونحكي القصة نفسها... كأن الزمن قد ركع لنا لحظة."
تلاقت نظراتهما، ولم يعد هناك صوت سوى صوت الفرن الخافت... ورائحة الطفولة، والمغفرة.
كانت إيزولدي تمسح يديها بمنديل صغير حين لمح لياندر شيئًا يلمع خلف زجاج النافذة. نهض ببطء، اقترب منها، ثم تجمّد في مكانه.
"ما الأمر؟" سألته إيزولدي وهي تنهض.
أشار دون أن يتكلم. خلف الزجاج، كانت هناك ورقة صغيرة عالقة، لم تكن هناك قبل لحظات، مبللة بعض الشيء كأن المطر تساقط عليها رغم أن السماء لم تمطر منذ أيام. فتحت إيزولدي النافذة، التقطت الورقة بأطراف أصابعها، ونظرت إليها.
كان الخط مألوفًا... خط والدتهما.
"لياندر... هذا مستحيل." همست، وصوتها يرتجف.
أخذ منها الورقة وقرأ بصوت خافت
"الساعة لا تدور إلا إذا عدتما إلى اللحظة التي توقف فيها كل شيء. الطابق الثالث، الغرفة المكسورة."
نظر إليها، ثم إلى الورقة، ثم إلى الموقد الذي ما زال يبث دفئه كأن شيئًا لم يحدث. لكن بين يديه، الورقة ترتجف، ورائحة قديمة تعود... رائحة الخوف، والدهشة، والحنين.
"هل تظنين... أننا حقًا عدنا لننهي شيئًا بدأ منذ الطفولة؟"
قالت إيزولدي ببطء، وعيناها لا تفارقان خطّ الأم
"أو ربما... لنبدأ ما كان يجب أن نبدأه منذ زمن بعيد."
نظرا إلى بعضهما، ثم إلى الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي.
لم يقولا كلمة. لكن الخطوات بدأت بالتحرك.
بصمت... نحو الغرفة المكسورة،نحو لحظة ما تزال تنتظرهم، ربما منذ سنين.
صعدا الدرج بهدوء، خشب السلالم يئن تحت أقدامهما كأن البيت نفسه يتنفس ماضيه.
وصل لياندر إلى الباب المكسور، لم يلمسه، فقط نظر إليه، وكأن الذاكرة تنتظره على الجانب الآخر.
"أتذكر هذه الغرفة؟" سأل، صوته منخفض كأنه لا يريد إيقاظ ما بداخلها.
"أمي كانت تمنعنا من الاقتراب منها دائماً... كانت تقول إنها مخزن قديم." أجابت إيزولدي، لكن نبرة شك بدأت تشوب صوتها.
مد يده، ودفع الباب برفق.
صوت المفصلات صدح في السكون، وانفتح الباب كمن يفتح صدفة قديمة تخبئ لؤلؤة مكسورة.
الغرفة كانت مغبرة، لكن مرتبة بشكل غير متوقع. في الزاوية خزانة صغيرة، وعلى الجدار صورة قديمة بالأبيض والأسود، لرجل يشبه لياندر بشكل مخيف... لكنه لم يكن والدهم.
اقتربت إيزولدي من الصورة
"هذا... ليس أبي، أليس كذلك؟"
رد لياندر، وعيناه لا تفارقان الرجل في الصورة
"لا... لكنه أنا، أو شبيهي... في زمن آخر."
تحت الصورة، كان هناك صندوق خشبي صغير، نقش عليه بالأحرف الأولى اسمان: "ل. أ" و "إ. أ"
فتحه لياندر ببطء... وداخل الصندوق كانت هناك مجموعة رسائل قديمة، مكتوبة بخط الأم، لكنها موجهة إلى رجل يُدعى آدريان.
قرأوا معًا أول رسالة
> "إلى آدريان،
أعلم أن قرارنا بفصل التوأم سيبدو قاسيًا... لكن قدرتهما إن اجتمعت، قد تفتح ما لا يجب فتحه. لا بد أن يعيش كل منهما معتقدًا أن الآخر مثله فقط، لا نصفه الآخر.
سامحني... لكن الزمن لا يحتمل فوضى جديدة."
أسقط لياندر الرسالة ببطء، ثم همس
"نحن... لم نكن مجرد توأم. كنا شيئًا أكبر، وأخطر."
إيزولدي كانت ترتجف، الدموع في عينيها
"أمي... كانت تعرف، وكانت تخفي هذا عنا."
نظر إليها، بصوت هادئ لكنه عميق
"وأبي... ربما لم يكن والدنا."
سكن الليل، كأن البيت ابتلع أنفاسه.
لكن الحقيقة، كانت قد بدأت تنطق.
كان الصمت في الغرفة ثقيلاً... الهواء يزداد برودة، والضوء الخافت بدأ يخبو كأن الزمن نفسه يتراجع.
مدت إيزولدي يدها داخل الصندوق ثانية، ووجدت تحت الرسائل قلادة نحاسية، منقوشة برمزين متقابلين يشبهان قطرتي ماء متداخلتين، يحيط بهما دائرة مكسورة.
حين لمستها... اهتزت الأرض للحظة، خفيفة، كأن أحدهم تنفس من تحتهم.
لياندر، وقد شعر بالاهتزاز، همس
"هل شعرتِ بذلك؟"
"نعم... وكأن شيئًا استيقظ."
نظرا إلى القلادة، ثم إلى الرسائل، ثم إلى صورة الرجل الذي يشبه لياندر.
قالت إيزولدي، وهي تمسك بالقلادة بإحكام
"ماذا لو أن هذا ليس مجرّد ماضٍ... بل باب؟"
اقترب لياندر منها، ووضع يده فوق يدها التي تمسك القلادة.
في اللحظة التي تلامست فيها أيديهما، انبعث نور خافت من القطعة النحاسية، وبدأت الساعة القديمة في الزاوية تدق... مع أنها لم تكن تعمل منذ سنين.
"لياندر..." قالتها بصوت مرتجف،
"الوقت... يتحرك للخلف."
العقارب بدأت تدور بعكس الاتجاه.
الجدران تلاشت تدريجيًا كضباب يتراجع.
والمطبخ، الدرج، الغرفة، وحتى الضوء... أصبحوا ذكريات بصرية تتلاشى في عيونهم.
وفجأة... ظلام.
ثم ضوء ذهبي ناعم.
وجدوا نفسيهما واقفين وسط غابة صغيرة، الهواء نقيّ، وصوت جدول ماء قريب يتردد في المكان.
لكن لم تكن هذه مجرد طبيعة.
كان هناك منزل صغير من الخشب على تلة، تتصاعد منه نار الموقد... وامرأة شابة تقف عند الباب، تشبه والدتهما... لكنها أصغر بعشرين سنة.
قالت إيزولدي بذهول
"هذه... أمي."
همس لياندر
"وذلك..."
وأشار إلى طفلين يلعبان على العشب - توأم صغير، أحدهما يشبهه، والآخر يشبهها.
"ذلك... نحن."
كانت الرحلة قد بدأت.
ليس فقط لفهم الماضي... بل لفهم من هما فعلًا، ولماذا قُسمت روحيهما، ولماذا كانت الحقيقة محجوبة... خلف ستار من الزمن.
وقف لياندر وإيزولدي بين الأشجار، يختبئان خلف ستار الزمن، يراقبان دون أن يُرَوا... كأن الماضي يسمح لهما فقط بأن يشهدا، لا أن يلمساه.
المرأة عند الباب كانت تضحك، تمسك بمنديل أبيض تلوّح به نحو الطفلين
"آدريان! إيليا! لا تبتعدا كثيرًا!"
إيزولدي شهقت بصوت خافت
"آدريان... هذا اسمي الحقيقي؟"
لياندر تمتم
"وإيليا هو أنا..."
ثم خرج رجل من داخل المنزل، طويل القامة، يحمل صندوقًا خشبيًا يشبه تمامًا الذي وجداه في الحاضر. اقترب من المرأة وقال
"ليست مجرّد طاقة، يا إلين. إنهما يفتحان الأبواب... يتنفسان الزمن، ويتحركان فيه كأنه جلدهم."
قالت الأم، إلين، بصوت ثقيل
"أعلم... لكنهما صغيران جداً على هذا الحمل. إن لم نفصلهما، سيخترقان الماضي، المستقبل، وربما لا يعودان أبدًا."
"لكنهما واحد." رد الرجل بنبرة حزن.
"ولهذا السبب بالذات... يجب تمزيقهما."
شهق لياندر، كأن شيئًا انكسر داخله. إيزولدي وضعت يدها على صدرها، تنبض في كفها مشاعر متداخلة... بين غضب، وخيانة، وشفقة.
ثم نظر كلاهما إلى الطفلين...
نسختين صغيرتين منهما، يركضان في العشب دون أن يدركا المصير الذي كُتب لهما في غياب إرادتهما.
لياندر همس
"هل كنا دائمًا نمتلك هذه القدرة... ونحن لا ندري؟"
إيزولدي، والدموع تترقرق في عينيها
"بل عرفوها... وخافوا منها... حتى أقرب الناس إلينا."
ثم بدأ المشهد يتلاشى، يتبخر من حولهم... وأصوات الماضي تبهت، حتى بقي شيء واحد واضح في ذاكرتهما
أنّ حقيقتهما لم تُخلق لتُطفأ... بل لتُشعل شيئًا أكبر.
وعاد الضوء الذهبي...
ومع عودته، لم يعودا كما كانا.
عاد الضوء الذهبي يتلاشى برفق، ووجد لياندر وإيزولدي نفسيهما من جديد في رحلة عبر الزمن، أبعد مما توقعا، في قرية صغيرة تكسوها ضباب الصباح البارد.
وقفا أمام منزل قديم، حيث تجمع بعض القرويين في ساحة صغيرة. صوت بكاء طفل حديث الولادة يخترق الصمت.
اقتربا بصمت، وعيناهما لا تفارقان المشهد الذي أمامهما: امرأة شابة تجلس على فراش بسيط، تحتضن طفلاً يغطيه القماش الأبيض.
تنهدت المرأة، ونظرت إلى الطفل بابتسامة حانية، ثم همست بكلمات لا يسمعها غير السماء
"يا ولدي... أنت لا تعلم، لكنك ولدت محملاً بقوة تغير مجرى الزمن."
لم يكن هذا الطفل سوى والدهم، الذي لم يعرفوه كما هو حقًا.
تقدم رجل طويل، يرتدي عباءة داكنة، يحمل بين يديه رمزًا غامضًا منقوشًا على حجر كريم.
قال بصوت ثقيل ومليء بالرهبة
"لقد وُلدت، يا آدم، حاملًا عبء الأزمان... قدرتك ستنمو معك، لكن عليك أن تحذر. الزمن لا يرحم من يلعب به."
ابتسمت الأم بنظرة حزينة
"هذه القوة التي فيك هي نفسها التي فرّقت بيننا يوماً، وأبعدت التوأم. ولكنك، يا ولدي، ستكون حاملاً لها بشجاعة."
نظر لياندر إلى إيزولدي، وقال
"ها هي البداية، هنا تبدأ كل الحقيقة. قوتنا ليست مجرد هبة... بل إرثٌ من زمن بعيد."
ابتلعوا أنفاسهم، والشعور بالخوف والدهشة يملأ صدورهم. كانت رحلة العودة إلى الماضي قد كشفت لهم الآن جذورهم، وربطت ما بين والدهم وقواهم التي لم يفهموها بعد.
أخذ الضوء يخف، وتلاشت الصورة، ووجدا نفسيهما يعودان إلى الحاضر، لكنهما لم يعودا كما كانا.
كانا الآن على أبواب قوة كبيرة، وعلى أعتاب كشف جديد ينتظرهما.
عادا إلى الغرفة المكسورة... لكن الغرفة لم تعد كما كانت.
كأن الزمن نفسه قد مرّ فوق جدرانها، ترك ندوبه، وغادر.
ارتجّت الأرض تحتهما لحظة الوصول، ثم هدأ كل شيء...
هدأ كل شيء إلا قلبيهما.
سقطت إيزولدي على الأرض كما يسقط غصن يابس من شجرة مثقلة بالخريف.
دفنت وجهها في كفيها، صوتها يخرج ضعيفًا، مختنقًا
"لِماذا... نحن هكذا؟"
تقدم لياندر نحوها ببطء، يحمل في يده الرسالة الأخيرة التي خرجت معهم من الماضي.
كانت أصابعه تضغط عليها بقوة، كأنما يمنع دموعه من السقوط عبر الورق.
ركع قربها، وضع الرسالة جانبًا، ونظر إليها بعينين ممتلئتين بشيء أكبر من الحزن...
العبء.
"يجب أن نعرف قوانا أكثر..." قالها بصوت مكسور، لكنه يحاول أن يكون الجدار الأخير.
رفعت إيزولدي عينيها إليه، نظرة غائمة بالدموع والرهبة
"ماذا لو ضِعنا... في زمانهم؟ ماذا لو لم نستطع العودة؟"
لم يردّ.
نظر إليها... ثم إلى الفراغ... كأنه يفتش عن جواب في جدران المكان.
لكنه لم يجد شيئًا.
فقط صمتٌ... وعبء.
ثم همس أخيرًا، بصوت خافت، يكاد لا يُسمع
"لكننا لم نُخلق لنبقى في مكانٍ واحد... نحن وُلدنا بين الأزمنة."
أغلقت إيزولدي عينيها للحظة، ثم فتحتها، وعيناها تشعّان بضعفٍ صادق... لكنها عقدت يده بيدها، كأنها تتمسّك بالحقيقة الوحيدة الباقية
"إذا ضِعنا... فلنَضِع معًا."
[غرفة إيزولدي]
أغلقت الباب خلفها ببطء، كأن صوت الإغلاق اعتراف، لا فعل.اتكأت على الخشب البارد، ووجهها إلى الأعلى، تُكابر دمعة تحاول أن تهرب من عينيها.
صوت قلبها يعلو... لا بسبب التعب، بل من تلك الأسئلة التي لا تهدأ
"لماذا أنا؟"
"هل كنت مجرّد أداة لشيء أكبر مني؟"
"هل سأخسر نفسي... في زمنٍ لا يعرفني؟"
نظرت إلى مرآتها... فرأت شيئًا غريبًا.
لم يكن انعكاسها فقط... بل ملامحها تداخلت مع وجوه أخرى: وجه الأم، ووجه الطفلة التي كانت، ووجه امرأة لم تولد بعد.
وضعت يدها على قلبها، وهمست
"أنا كثيرة... لكنني لا أعرف أيّ واحدة أكون."
تقدّمت إلى منتصف الغرفة، حيث تساقطت أضواء مغبرة من المصباح المتدلّي.
الهواء أصبح أثقل، كأن الماضي لا يزال عالقًا في الجدران.
"أنا خائفة... من أن أفقدني."
[غرفة لياندر]
جلس على حافة السرير، يُحدّق في الرسالة.
لا يقرأها... فقط ينظر، كأن الحروف ستنبض وتخبره بما لا يجرؤ أن يسأله.
عقله عالق بين صمتين
صمت ما رآه... وصمت ما لم يفهمه بعد.
أغمض عينيه، ورأى نفسه وحيدًا في نهرٍ من الأزمنة.
كل زمن يجذبه، يمزّقه... ويقول له: "اختر."
لكنه لا يريد أن يختار.
هو فقط يريد أن يكون طبيعيًا، أن يعيش عمرًا لا يتحرك فيه الزمن، أن يحب دون أن يفقد، أن يحمي دون أن يتحول إلى ظلّ.
همس بينه وبين نفسه
"أنا لست بطلًا... أنا فقط أخٌ خائف، يحاول أن لا يخسر أخته."
مدّ يده، ورفع الرسالة نحو النور، وسألها كأنها حيّة
"من أنا... من نكون... وهل يمكن أن نعود كما كنا؟"
الليل في الخارج هادئ...
لكن في الداخل، العاصفة بدأت تتحرك.
يتبع....
احب اجواء روايات هيك 😭✨
بطلة هي مسافرة بزمان رجعت الماضي
بسبب الهه حب شجاعة 🫠✨
ترقبوا فصل قادم
وايضا رواية تم نشرها على اوتباد ✨