.عَبقُ البِدايَات|1

.عَبقُ البِدايَات|1

31 0

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

1

كانت السماءُ صافيةً في ذلك الصباح..

والشمسُ تُلقِي ضوءَها الذَّهبيّ على الحقولِ المُمتدةِ أمامي.

الهواءُ كان مُنعشًاو مُحمّلًا برائحةِ الزهورِ البريّةِ والرُّطوبةِ العالقةِ في أوراقِ الأشجارِ التي تتمايلُ بنعومةٍ مع النَّسِيم.

في مكانٍ كهذا...

تبدو الحياةُ أبطأو أكثر هدوءًا وكأنّ الزمنَ نفسهُ يتباطأ ليحفظَ كلّ لحظةٍ قبل أن تنزلقَ من بينِ أيدينا....

منزلُ خالتي ماري كانَ يقفُ هناكَ بثباتٍ كأنهُ قطعةٌ من الذكرياتِ المنحوتةِ في الأرض.

جدرانُهُ الحجريةُ العتيقةُ تُغطّيها نباتاتُ اللبلابِ المتسلّقة

ونوافذُهُ الكبيرةُ مفتوحةٌ لاستقبالِ الشمسِ والنسيمِ في آنٍ معًا.

رائحةُ الخبزِ الطازجِ تملأُ المكان وأصواتُ الضحكاتِ تتسللُ من الداخل...هناك حيثُ اجتمعَ أولادُ خالتي ليتنافسوا على آخرِ قطعةِ كعك...

كنتُ أقفُ في منتصفِ المطبخِ.

هُناك....أنظرُ إلى كلّ تفصيلةٍ صغيرةٍ كما لو كنتُ أُحاولُ تخزينَها في ذاكرتي.

عندها

التفتتْ إليَّ خالتي ماري..

ممسكةً بإبريقِ الشاي بيدٍ وكومةِ أطباقٍ بالأخرى، وقالتْ بابتسامةٍ خفيفةٍ:

"إيلين، توقفي عن التحديقِ وكأنّكِ لن تري هذا المكانَ مجددًا! ستعودينَ إلينا قبلَ أن أتمكنَ حتى من تغييرِ ستائرِ المطبخ."

ضحكتُ وهززتُ رأسي:

"أنا فقط... أُحاولُ أن أملأَ ذاكرتي بهذا المكانِ قبلَ أن أذهبَ إلى المدينةِ الصاخبة."

وضعتْ الأطباقَ جانبًا، ثم جلستْ قبالتي وأسندتْ رأسها إلى يدِها وهي تنظرُ إليَّ بنظرةٍ مزيجها الحنانُ والتسلية:

"المدينةُ ليستْ وحشًا سيبتلعُكِ يا صغيرتي. بل مكانٌ جديدٌ ستصنعينَ فيه ذكرياتِكِ الخاصة."

نعم اعلمُ ذلك.... لكن ....

"لكنّها مختلفةٌ تمامًا عن هنا..."

قُلتها بنبرة ليست حزينة... لكنها لا تبدو بشوشة أيضا...

"بالطبع، مختلفةٌ تمامًا!"

ردت خالتي بينما تمرر يديها بين خصلات شعري البُني.

اردفت بابتسامةٍ دافئة:

"لكن هذا لا يعني أنّها ستكونُ سيئةً."

تنهدتُ بصمت وأنا أحرّكُ ملعقتي في فنجانِ الشاي دونَ أن أشربَ منه.

شعرتُ بيدها تربّتُ على كتفي بلُطف:

"إيلين..، أنتِ أذكى ممّا تعتقدين وستكونينَ بخير. وأيًّا كانَ ما سيحدث، أنا هنا دائمًا."

رفعتُ عيني إليها، وقلتُ بابتسامةٍ خفيفة:

"وإذا لم أكتبْ لكِ رسالةً كلّ أسبوع، ستأتينَ إليَّ بنفسِك، أليسَ كذلك؟"

"بالطبع!" قالتْ بمرحٍ وهي ترفعُ حاجبها،

"وأجرُّكِ من أذنكِ إن لزمَ الأمر!"

قهقهتُ ثم سمعتُ فجأةً صوتًا حادًّا من خلفنا:

"إيليييين! لا تخبريها أن ترسلَ لكِ رسائل، بل قولي لها أن تُرسلَ لنا الحلوى!"

التفتُ لأجدَ تيموثي الصغير واقفًا عندَ الباب عاقدًا ذراعيه بجدّيةٍ زائفةٍ وهو يرمقني بنظرةٍ صارمة.

تبعهُ هاري وهو يتظاهرُ بالعبوسِ أيضًا بينما فيليب  الأخ الأكبر اكتفى بالتنهّدِ وكأنّهُ المسؤولُ عن هذينِ المُشاغبين.

"حسنًا، حسنًا، سأُرسلُ لكم الحلوى!"

قلتُ وأنا أرفعُ يدي استسلامًا.

قفزَ تيموثي بحماسٍ وصفّق ثم اقتربَ مني وهمسَ بجديّةٍ مبالغٍ فيها:

"لكن إذا أصبحتِ مشهورةً، لا تتكبّري علينا، مفهوم؟"

حسنا ... من يريد أن يصبح مشهورا ؟

"تيموثي، أنا ذاهبةٌ لأصبحَ مُعلّمةً، لا ملكةَ إنجلترا!"

قُلت ذلك واضعة يداي حول خصري .

حرك تيموثي رأسه بأن لا،.. ثم قال رافعا حاجبه :

"لكن من يدري؟ قد تُصبِحينَ شيئًا عظيمًا جدًا هناك!"

لا

لن أصبح ... ولا أريد أن أصبح .

"حسنا تيموثي....إن حدَثَ ذلك، فسأقولُ للجميعِ أنني تعلّمتُ الشجاعةَ منكَ، أيها القائدُ العظيمُ تيموثي."

ابتسمَ بفخرٍ وكأنّهُ أنجزَ أمرًا عظيمًا، ثم سحبَ هنري وهو يقول:

"هيا بنا، يجبُ أن نبحثَ عن شيءٍ نُعطيه لإيلين كتذكار!"

ألقى فيليب نظرةً جانبيةً إليّ وقالَ بنبرةٍ أكثر نُضجًا:

"إيلي، المدينةُ مختلفةٌ، لكنّني أعلمُ أنّكِ ستجدينَ طريقكِ فيها. فقط لا تنسي أن تكوني أنتِ دائمًا."

شعرتُ بلمحةٍ من الامتنان..فربّتُّ على كتفِه برفقٍ:

"وأنتَ، لا تدع تيموثي يُورّطكَ في المتاعبِ كثيرًا."

"متأخرٌ جدًا." قالَ وهو يضحك، ثم التفتَ ليتبعَ أخويهِ الصغيرينِ إلى الخارج.

أنا حزينة ، حسنا ؟

حزينة جدا ،

ظللت أُنكِر ذلك في نفسي لِئلاّ أنهار أمام خالتِي ...

لكنني حتما حزينة ،

كيف لي الاّ أراهم ثانيةً ؟

أن أشعر بدفئ روحِهم ؟

وبراءة وجوههم ؟

كيف؟

خالتي ماري أخذتْ نفسًا عميقًا  ثم نظرتْ إليَّ وقالت:

"إيلين، تذكّري شيئًا واحدًا فقط."

اظنُ اني قد فهِمت مشاعِرها ...

هِي خائفة....، علي؟

"ما هو؟"

قُلتُ قاطبة حاجباي.

ثُم ردّت مباشرة دون ايّ تردد:

"أنّكِ تستطيعينَ الذهابَ بعيدًا كما تُريدين، لكن لن يكونَ هناكَ مكانٌ يُحِبُّكِ كما يُحِبُّكِ هذا المنزل."

شعرتُ بدفءِ كلماتِها يتسلّلُ إلى أعماقي فابتسمتُ وأنا أقولُ بلُطفٍ:

"إذًا سأحملُ هذا المكانَ معي أينما ذهبتُ."

شعور أنني لن أراها مجددا يُحرِق صميمي ..

ويُلهب اوردة قلبي ،

مارِي الجميلة ، خالتِي وعزيزة روحي ...

يبدو انيِ سأشتاق إليكِ كثيرًا ،

سأفتقدكِ ...،

سأفتقدكِ بِحقّ.

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  。.:*:・'°☆.

استويتُ في مقعدي داخل العربة

بينما كانت العربةُ تبدأُ بالتحركِ ببطءٍ تُصدرُ بِه خشخشةً خفيفةً معَ دورانِ العجلاتِ فوقَ الطريقِ المرصوفِ بالحجارة.

مع كلِّ مترٍ كانت العربةُ تقطعهُ ...

كنتُ أشعرُ وكأنني أتركُ جزءًا مني خلفي.

المروجُ الخضراءُ بدأت تتلاشى تدريجيًا واستُبدلت بشوارعٍ متربةٍ وأشجارٍ متناثرةٍ تتمايلُ معَ الريحِ في استسلام.

على جانبي الطريق كان بعضُ المزارعينَ يعملونَ في حقولهم ...

وأطفالٌ يركضونَ حفاةً يلوّحونَ لأيِّ عربةٍ تمرّ وكأنّها حدثٌ مثير.

كان الهواءُ مشبعًا برائحةِ القمحِ المحصودِ والسماءُ تتدرجُ بينَ أزرقٍ صافيٍ وأبيضٍ خفيف

كأنها لوحةٌ مرسومةٌ بعنايةٍ.

و مع مرورِ الوقت...

بدأ الطريقُ يُصبحُ أكثرَ ازدحامًا وأكثرَ ضيقًا.

الأبنيةُ الصغيرةُ المصنوعةُ من الطوبِ والخشبِ بدأت تحلُّ محلَّ الأكواخِ الريفيّةِ

والأسواقُ ظهرتْ على جانبي الشارعِ تُعرضُ فيها أكوامُ الفاكهةِ والخضرواتِ الطازجةِ، والأقمشةُ الملوّنةُ التي ترفرفُ معَ النسيم.

أصواتُ الباعةِ كانت تختلطُ معَ صخبِ المدينةِ التي بدتْ وكأنّها لا تهدأُ أبدًا.

العرباتُ تمرُّ مسرعةً وصهيلُ الخيولِ يملأُ الأزقّة ورجالٌ بقبعاتٍ أنيقةٍ يسيرونَ بخطواتٍ سريعةٍ بينما النساءُ يتحدثنَ بصوتٍ منخفضٍ خلفَ أغطيةِ قبّعاتِهنَّ المطرّزة.

مَا اجْملَ هذا!

حينَ توقّفت العربةُ أخيرًا عندَ إحدى الساحاتِ الكبيرةِ

هبطتُ بحذرٍ.. وأنا أُحاولُ استيعابَ المشهدِ الجديدِ من حولي.

كان الهواءُ أثقلَ..

مليئًا بروائحِ الفحمِ المحترقِ والخبزِ الطازجِ والعطورِ النفّاذةِ التي تفوحُ من المتاجرِ الأنيقةِ على أطرافِ الطريق.

لم أستطعْ منعَ نفسي من التحديقِ بانبهارٍ في المباني العاليةِ التي تُزينُ شرفاتُها بأزهارٍ مُلوّنةٍ،

والنوافذِ الكبيرةِ التي تعكسُ أشعةَ الشمسِ فتُشعركَ وكأنّها ترحبُ بكَ بأسلوبها الخاص.

     ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 。.:*:・'°☆

تقدّمتُ عبرَ الأزقّةِ حتى وصلتُ إلى المنزلِ الذي سأقيمُ فيه...

مبنىً حجريٌّ قديمٌ ذو نوافذَ طويلةٍ وإطارٍ خشبيٍّ متهالك

لكنّهُ بدا ثابتًا كأنّهُ شهدَ أجيالًا عديدةً من العابرينَ.

حينَ طرقتُ البابَ،..

فُتحَ بسرعةٍ لتظهرَ أمامي امرأةٌ مسنّةٌ ممتلئةُ الجسدِ، بعينينِ رماديتينِ ثاقبتينِ، ووجهٍ متجهمٍ يحملُ شيئًا من الحزمِ.

"أنتِ الفتاةُ الجديدة؟"

أومأتُ برأسي بسرعة، فزفرتْ قائلةً:

"هيا، ليسَ فِي الوقتِ متّسعٌ لإضاعتِه في الكلام، تعالي خلفي."

قادَتني عبرَ ممرٍّ ضيّقٍ حيثُ تنبعثُ رائحةُ الخشبِ العتيقِ والشاي الأسودِ.

صعدنا درجًا خشبيًا يئنُّ تحتَ وطأةِ خطواتِنا حتى وصلنا إلى غرفتي.

"إنّها ليست قصراً، لكنّها نظيفةٌ."

قالت وهي تُلقي نظرةً سريعةً داخلَ الغرفةِ قبلَ أن تستديرَ مغادرةً.

وقفتُ في منتصفِ الغرفةِ أحدّقُ في السريرِ الخشبيِّ القديمِ...

والطاولةِ الصغيرةِ قربَ النافذة.

وضعتُ حقيبتي ثم تقدّمتُ نحوَ النافذةِ لأفتحها فاندفعَ نسيمٌ باردٌ محمّلٌ برائحةِ المطرِ المرتقبِ.

ثم نظرتُ إلى المدينةِ الممتدّةِ أمامي..

وإلى الشوارعِ التي تعجُّ بالحياة وأدركتُ أنّني الآنَ أقفُ عندَ بدايةٍ جديدة  بعيدةً عن كلِّ ما كانَ مألوفًا لي.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ。.:*:・'°☆

كانت الليلة الأولى لي في لُندن غريبةً بالنسبة لي.

لم أستطع النوم بسهولة..

رغم الإرهاق الذي شعرت به بعد الرحلة الطويلة.

بقيتُ مستلقيةً على السرير الخشبي أحدّق في السقف العتيق الذي تزينه شقوقٌ دقيقةٌ

كأنها خرائط لحكايات قديمة منسية.

كانت أصوات المدينة لا تزال تتسلل عبر النافذة المفتوحة ..عرباتٌ تمر و أصواتُ باعةٍ ينادون  وقعُ خطواتٍ مسرعة على الأرصفة الحجرية وضحكاتٌ متفرقةٌ من بعض المارة.

شعرتُ وكأنني غريبةٌ هنا،

شعُور أقرب إلى الشّعورِ بعدمِ الإنتماء ،

لكنّ هذا الشعور لم يكن مزعجًا تمامًا...بل كان يحملُ نكهة المغامرة وكأنني أقفُ على أعتاب شيءٍ مجهولٍ يوشك أن يبدأ.

          ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ。.:*:・'°☆

استيقظتُ مبكرًا على طرقاتٍ خفيفةٍ على باب الغرفة..

تبعتها نداءٌ حادٌّ من السيدة العجوز التي تدير المكان.

"إن كنتِ تفكرين في النوم حتى الظهيرة، فأنسي الأمر. لن أسمح لأحدٍ أن يكون عبئًا هنا!"

لما كلامُها يبدو لاذِعا هكذا ؟

قفزتُ من السرير على الفور، ..

وتناولتُ بعض الماء البارد من الإبريق الصغير الموضوع على الطاولة فانتعشتُ قليلاً.

ارتديتُ فستاني البسيط بسرعةٍ

ورتّبتُ شعري في ضفيرةٍ فضفاضةٍ قبل أن أخرجَ من الغرفة.

عندما نزلتُ إلى الطابق السفلي ...

كانت الأجواء مختلفةً تمامًا عن الأمس.

المكان يعجُّ بالناس..

نساءٌ يتحدثنَ حول الطاولات

رجالٌ يقرأون الصحف أو يحتسونَ قهوتهم السوداء بصمت.

كان هناك مزيجٌ غريبٌ من اللهجات والأصوات مما جعلني أشعرُ وكأنني دخلتُ إلى عالمٍ جديدٍ تمامًا.

جلستُ عند إحدى الطاولات الفارغة

ولم تمضِ دقائقُ حتى انضمَّ إليّ شابان صغيران ..

لا يتجاوزان العاشرة من العمرو يحملانِ الشبه ذاته بشعرهما الأشقر المبعثر وعيونهما اللامعة بالمكر.

"أنتِ الفتاةُ الجديدة، صحيح؟"

قال أحدهما وهو يضعُ كوعه على الطاولة ويتأملني بفضول.

"أجل..." أجبته بحذرٍ.. فابتسمَ الآخر وقال:

"أنا جاك، وهذا توماس. نحن أولادُ صاحبة هذا المكان، وإن كنتِ تخططينَ للبقاء هنا، فعليكِ أن تدفعينا للحديث معكِ كثيرًا."

مُحاولة جيّدة يا صغيران،

خُدعة جميلة .

لكنكما اخترتما الشخص الخطأ للخِداع اليوم.

ضحكتُ رغمًا عني

فهما يبدوانِ مثل شخصين صغيرين يحاولانِ تقليد الكبار.

"وهل تتقاضيانِ المال مقابل الحديث؟" سألتُهما مازحةً.

"ليس المال، لكنّ قطعةَ حلوى ستكون كافيةً!" قال جاك، ثم أضافَ توماس:

"أو ربما قصةٌ مشوقةٌ قبل النوم!"

كان من الواضح أنهما يحاولانِ إلهائي عن التوتر الذي أشعر به..

فابتسمتُ لهما بلطفٍ وشاركتُهما بعض الخبز الذي كنتُ أتناوله.

حسنا ...اظنّهما سارقانِ صغيران

لكنّهما في النّهاية لطيفين.

هُما ذكراني بأبناء مارِي.

كم افتقدتهم ...

شعرتُ لِلحظةٍ بشيءٍ من الدفء

كأنني بدأتُ أجد لنفسي مكانًا صغيرًا في هذه المدينة الكبيرة.

بعد الإفطار...

قررتُ أن أخرج لاستكشاف المدينة.

كانت الطرقاتُ مزدحمةً بالمارة..

وأصواتُ الحياة تحيط بي من كل جانب.

الباعة ينادون..

والعجلاتُ تصدرُ أصواتَها فوق الأحجار وروائحُ المخبوزاتِ الطازجةِ تختلطُ برائحةِ الفحمِ المحترقِ من المصانعِ القريبة.

مررتُ أمام واجهاتِ المتاجرِ الفاخرة،..

حيثُ انعكسَ وجهي على الزجاجِ المصقولِ

الذي يُظهرُ فساتينَ أنيقةً تتلألأُ تحت ضوءِ المصابيحِ الذهبية.

التفتُ لأنظرَ إلى السيداتِ اللواتي يمشينَ برقيٍّ على الأرصفةِ

كلٌّ منهنَّ ترتدي قبعةً أنيقةً وتتحركُ كما لو أنَّ العالمَ كلهُ مسرحٌ لهنَّ.

لكن لم يكنَ كلُّ شيءٍ مترفًا هنا.

فقد مررتُ أيضًا بأحياءٍ أكثرَ ازدحامًا..

حيث الأطفالُ يركضونَ حفاةً بين الأزقةِ الضيقةِ ورجالٌ متعبونَ يجلسونَ على عتباتِ البيوتِ و يتبادلونَ الحديثَ بصوتٍ خافت.

المدينةُ كانت مزيجًا عجيبًا من الجمالِ والقسوة .

الثراءِ والفقر..

وكأنها عالمانِ متداخلانِ في مكانٍ واحد.

كانَ الهوَاء يلسعُ وَجهي كحدِّ السِكِّين.

حِينَ خَطوت خارِج النُّزُل الصغير الذي أُقيم فِيه منذ وَصُولي إِلى المَدينة.

لُندن..

هذه العَاصمة الضخمَة التِي طَالمَا سَمعتُ عَنها كانت أَكثَر رماديّة وبُرودة مِما تَخَيلت.

بَدا النهَار شَاحِبا.. وَالسّمَاء مُلبَّدة بِالغُيوم الكَثِيفة كَأنهَا تَحجِب الشمسَ عَن قَصد..

كأَنها تتَآمَر مَع مصيرِي وتهمس في أُذُني: 'لَن تَنالي ما تَبحثِين عنه بسهُولَة يا إِلِين.'

رفعتُ وِشاحي الصوفيّ قَليلا،...

محاولةً الاحتماءَ من الرياح القَاسية ثُم مضيتُ في طريقي عَبر الشوَارع الطويلةحيث عَجَّتِ الأَرصِفة بِالمارَّة مِن مُختلفِ الطبقات.

حيثُ السَّادةُ الأَنِيقون يَمشون بثقة

بِأَزياء محكمةِ التَّفصيل

والعُمال المتعبون يسرِعون بخطًى ثقيلة.

وعَربات الخيول تَهدِرُ على الطرقات الرطبَة

تُثِيرُ ضبابا خفيفا من الوحلِ المتنَاثر.

كان صَوت أَجرَاس الكَنائس يرِن في الأَرجَاء

ممتزِجا بِضجيج الباعة الذِين ينادون على بضائعِهم عِند  زوايا الطرُق

فيما كانت رائحةُ الخُبز الطازج تخرج من إِحدى المخابز تتلاعبُ بِحوَاسي الجَائعة.

لكنِّي لم أكن هنا لِلاستمتاع بِجمال المدِينة أو مراقبة تفاصيلها .

كنت هنا بَحثا عَن وظيفة.. وكانتِ المدارس هدفي الأَول.

تابعت طريقي عبر الشوارع المزدحمة...

حتى وصلتُ إلى أول مدرسةٍ في قائمتي.

كانَت بنَاء ضخما من الطُّوبِ الأحمر

تُحيطُ بهِ بوابَة حديدية سوداء..

تَحمِلُ في أعلاها اسمَ المدرَسة بأحرُف ذهبِيَّة باهِتَة بفِعلِ الزَّمَن.

دفَعتُ البوابة الثقيلة...

ودخلت الفناء حيث كانت أصوات الأطفَالِ تتردَّدُ في الأَرجاء مُختلطة بصَوت المُعَلمات وهُنَّ يُلقِين التَّعليمات.

تقدَّمتُ إلى داخِلِ المبنى..

حيثُ استَقبَلتني إحدَى الموظفات بنظرة متفحصة وكأنها تزنني بِعَينَيها قبلَ أن أنطِق بِكلِمَة.

وبعدَ أنْ شَرَحتُ لها رَغبَتي في التَّقَدُّمِ لوظيفة التدريس نظرت إلي بِفُتور، ثم قالت:

"وظيفةُ مُدرسة؟" قالت بلهجةٍ باردةٍ وهي تتفحّصُ ثوبي البسيط.

"لديكِ خطابُ توصيةٍ على الأقل؟"

ترددتُ للحظةٍ..

ثم أخرجتُ الخطابَ الوحيد الذي تمكنتُ من الحصول عليه من قِسِّ قريتنا الصغيرة.

أخذتهُ منها ورأيتُ كيف ضاقت عيناها قليلًا وهي تقرؤه.

بعد لحظات أغلقتِ الورقة  وأعادتها إليّ.

"عذرًا، نحنُ نبحثُ عن مُدرساتٍ ذواتِ خبرةٍ في التدريسِ داخل المدارس، وليس فقط بعض التعليمِ البسيطِ في القُرى. شكرًا لزيارتكِ."

كلماتُها كانتْ قاطعة كأنها تُغلق البابَ في وجهي حتى قبل أن يُفتح تمامًا.

لم أستسلم. كانت هناك مدرسةٌ أخرى على بُعد بضعةِ شوارع أقلُّ مكانةً من الأولى.

لكنني كنتُ على استعدادٍ لقبولِ أي شيء.

هذه المرة

استقبلني مديرٌ مسنٌّ بلحيةٍ بيضاء،...

بدا أكثر ودًّا من المرأةِ السابقة.

جلستُ أمامه في مكتبهِ المزدحمِ بالكتب

وشرحتُ له رغبتي في التدريس.

كان يُنصتُ باهتمامٍ، ثم قال:

"لا أشكُّ في قُدراتكِ يا آنسة هافير، لكننا بحاجةٍ إلى شخصٍ يحملُ شهادةً رسميةً من إحدى أكاديميات لندن. لدينا معاييرُ صارمةٌ هنا."

حاولتُ التوسُّل إليه

أن أُخبره أنني أتعلمُ بسرعة وأنني سأكونُ مجتهدةً

لكنه هزَّ رأسه بأسفٍ وقال:

"لديكِ حماسةٌ واضحة، لكن النظامَ لا يعملُ بهذه الطريقة."

خرجتُ من المدرسةِ وأشعرُ أنني أصبحتُ أكثرَ إرهاقًا

لكنني لم أفقد رغبَتي وامِلِي

لَيسَ بعد.

ذهبتُ إلى مدرسةٍ ثالثة...

كانت تبدو أقلَّ شأنًا وكُنتُ آملُ أن تكونَ فرصتي أكبرَ هناك.

هذه المرة

استقبلني رجلٌ في منتصف العمر ذو نظاراتٍ رفيعةٍ وأنفٍ حاد.

نظرَ إليّ بسرعةٍ ثم قال:

"وظيفةُ تدريس؟ حسنًا، لدينا شُروطٌ واضحة،....يجب أن تكوني متزوجةً أو منتميةً إلى عائلةٍ معروفة. نحنُ لا نُوظّفُ فتياتٍ بمفردهنَّ، فالتعليمُ بحاجةٍ إلى استقرارٍ اجتماعي."

مالهُراء الذِي يُخرجُه من ثغره ؟

ماعلاقة الزواج ؟

حاولتُ إخفاء صدمتي.

وقُلت بصوت سلس:

"لكن... ما علاقةُ ذلك بالتدريس؟"

"إنها القواعد." قال ببساطة.. كأن الأمرَ واضحٌ ولا يُمكنُ الجدالُ فيه.

خرجتُ وأنا أشعرُ أنَّ الأبوابَ كلَّها تُغلقُ واحدةً تلوَ الأخرى في وجهي.

بصيصُ أملٍ في آخر لحظة

عندما كنتُ أبتعدُ عن المدرسةِ أقترب أكثر من بابها الضخم..

لكن  امرأةٌ كانت تقفُ عند إحدى النوافذ نادتني

تبدو وكأنها كانت تُراقبُ ما يحدث.

تقدمتُ نحوها بترددٍ

فقالت لي بصوتٍ هادئ:

"يبدو أنَّ الحظَّ لم يكن في صفِّكِ اليوم، آنسة هافير."

"على ما يبدو." قلتُ بابتسامةٍ مُرهقة.

"أعرِف مكتبةً يديرها عجوز حسن الخصال، وهو يبحثُ عن مساعدةٍ لمكتبته. قد يكونُ الأمرُ بعيدًا عن التدريس...، لكنه سيمنحُكِ فرصةً ريثما تجدينَ منصبًا مناسبًا."

مكتبة؟ لم أفكر أبدًا في العملِ هناك،

لكن... ماذا تبقى لي من خيارات؟.

"أين تقعُ المكتبة؟"قُلت وَقد بدَت على وَجهي ملامِحَ مُتسائِلة .

لا أدري حتى لما اسأل عن مكانها .

أخرجتْ ورقةً صغيرة

كتبتْ فيها العنوان، ثم قالتْ:

"قولي له إنَّ السيدةَ مورغان هي من أرسلتكِ."

حسَنا لنَقل انني لستُ مُتأَكدة انّنِي سأَذهب اليها على كل حال.

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ。.:*:・'°☆

كنتُ قد أمضيتُ اليوم بأكملهِ في البحثِ عن وظيفةٍ دون جدوى...

ولم أكن أعلم إن كنت سأجدُ غدًا بابا آخر أطرُقهُ أم لا.

كانت الرياحُ المسائيةُ تُداعبُ معطفي المُتواضع

والسماءُ قد بدأت تغرقُ في لونٍ رماديٍّ قاتمٍ إيذانًا بقُرب الغروب.

قررتُ العودة إلى النُزلِ الذي أسكنُ فيه

مُحاوِلةً تَناسي التعبِ الذي نَخَرَ عظامي.

كانت لندنُ لا تزالُ تنبضُ بالحياةِ رغم حلولِ المساء الشوارعُ مزدحمةٌ بالمارة والأضواءُ بدأت تتوهجُ خلف النوافذ الزجاجية للمحلاَتِ والمنازل.

لكن وسطَ هذه الفوضى

وبينما كنتُ أحاولُ شقَّ طريقي عبر الأرصفةِ الضيقةِ اصطدمتُ فجأةً بفتاةٍ كانت تسيرُ بالاتجاهِ المُعاكس ولم ألحظها إلا بعد فوات الأوان.

"أوه!" شهقتُ عندما شعرتُ بجسدي يرتدُّ قليلًا إلى الوراء فيما سقطَت قُبعتها على الأرضِ بفعلِ الاصطِدام.

"أوه، أنا آسفة! لم أقصد ذلك!"

أسرعتُ بالانحناءِ والتقاطِ القبعةِ لأُعيدها إليها

لكنَّ الفتاةَ سبقتني

وبحركةٍ سريعةٍ أمسكتها ثم رفعتْ رأسَها ونظرتْ إليَّ بدهشة.

"أنتِ!" قالت الفتاةُ ذات الشعرِ الأحمر الناري وقد اتسعت عيناها الخضراءُ باندهاشٍ واضحٍ.

نظرتُ إليها باستغرابٍ فأنا لم ألتقِ بها من قبل

أو على الأقل.. لا أذكرُ أنني رأيتُها يومًا.

"عذرًا؟"

"رأيتُكِ هذا الصباح!" قالت بحماسة

وهي تُشيرُ بيدها نحو نهاية الشارع.

"خرجتِ من النزلِ الموجودِ هناك، أليس كذلك؟ لقد لاحظتُ أنكِ مقيمةٌ جديدةٌ فيه!"

رمشتُ بعينيّ بدهشةٍ للحظةٍ..

قبل أن أبتسمَ قليلًا وأقول:

"نعم، وصلتُ إلى لندن البَارحة فقط."

ابتسمتْ الفتاة.

وهي تُعيدُ القبعةَ إلى رأسها قائلةً:

"كنتُ متأكدةً من ذلك! أنا أقيمُ في منزلٍ قريبٍ من ذلك النزل، ولهذا رأيتُكِ بالصدفةِ صباحَ اليوم!"

أومأتُ برأسي وأنا لا أزالُ أشعرُ ببعضِ الارتباكِ من حماستها المفاجئة

لكنّها كانت تبدو ودودةً بشكلٍ لا يُمكنُ تجاهله.

"حسنًا، يبدو أنَّ لندن ليستْ كبيرةً كما اعتقدتُ!" قلتُ بنبرةٍ مرحةٍ قليلًا.

ضحكتْ الفتاةُ قائلةً:

"صدقيني، هي كبيرةٌ جدًا! لكنَّ الحظَّ قد يجعلكِ تُصادفين ذات الأشخاصِ أكثر من مرةٍ دون قصد!"

سألتُها وأنا أُحاولُ مَجاراةَ طاقتها المَرِحة:

"وبما أنكِ تعرفينَ أنني مُقيمةٌ جديدة، هل يُمكنُ أن أعرفَ اسمَكِ أيضًا؟"

"بالطبع! اسمي مارغريت هارتفورد، لكن يُمكنُكِ مناداتي بـ 'مارغي' إن أردتِ!" قالت بابتسامةٍ مشرقةٍ

ثم نظرتْ إليّ وكأنها تنتظرُ مني الردَّ بالمثل.

"تشرفتُ بلقائكِ، مارغريت. أنا إيلين هافير."

كرّرتْ اسمي كما لو كانت تتذوقُ وقعهُ ثم أومأتْ بسعادةٍ وقالت:

"إيلين... اسمٌ جميلٌ جدًا!"

ابتسمتُ شاكرةً إياها

لكن قبلَ أن أنطقَ بشيءٍ آخر، تابعتْ بحماسةٍ:

"بالمناسبة، بما أنكِ وافدةٌ جديدة، لمَ لا أُريكِ المدينة؟"

تفاجأتُ قليلاً من عرضِها المُفاجئ

فقلتُ مُترددةً:

"المدينة؟ لكنني..."

لوَّحتْ بيدها مُقاطعةً:

"أوه، لا تقولي إنكِ مُتعبةٌ! اكتشافُ المدينةِ سيكونُ أكثرَ مُتعةً من البقاءِ في النزلِ تُحدّقينَ في الجدرانِ!"

تردّدتُ للحظةٍ.

لكنَّ فكرتَها بدتْ جذابةً بالفعل.

كنتُ بحاجةٍ إلى بعضِ التغييرِ بعد هذا اليومِ الطويلِ

ولِمَ لا؟

هذه فرصةٌ لرؤيةِ لندنَ بعينِ شخصٍ يعرفُها جيدًا.

"حسنًا، موافقة!" قلتُ بابتسامةٍ صغيرة.

صفّقتْ مارغريت بسعادةٍ ثم أمسكتْ بذراعي قائلةً:

"هيا، لنبدأ!"

تجولتُ مع مارغريت في أزقةِ لندن...

ورأيتُ من خلالها ما لم أتمكنْ من رؤيتهِ صباحًا.

كانت المدينةُ مزيجًا من العظمةِ والفوضى..

من الأرستقراطيةِ والأزقةِ الضيقة حيث تتجاورُ القصورُ العتيقةُ مع الأسواقِ الصاخبةِ والمباني المتداعية.

مررنا بساحةِ ترافالغار..

حيث ارتفعتِ التماثيلُ المهيبةُ وسط الضبابِ المتسلّلِ عبر الأضواءِ الخافتةِ للمصابيحِ الغازية.

كانت العرباتُ تجرُّها الخيولُ تمرُّ بسرعة

بينما اصطفتِ المحالُّ الفاخرةُ جنبًا إلى جنبٍ مع الأكشاكِ الصغيرةِ التي تبيعُ الصحفَ والحليَّ البسيطة.

عبرتْ بي مارغريتُ جسرَ وستمنستر

ومن هناك لاح لنا نهرُ التايمز بلونهِ الرماديِّ العاكسِ للسماءِ الكئيبة وجسورُه الممتدةُ كأنها أذرعٌ تربطُ المدينةَ ببعضها.

"هل زرتِ البرلمانَ من قبل؟" سألتني مارغريتُ وهي تُشيرُ إلى المبنى المُهيبِ على الضفةِ الأخرى من النهر.

"لا، لكنني رأيتُ صورهُ في الصحفِ."

"إنهُ ضخمٌ جدًا عن قُرب! لكن للأسفِ، لا يُمكنُ للنساءِ دخولُه، لأن السياسةَ مهنةُ الرجالِ فقط، كما يقولون!" قالت وهي ترفعُ حاجبًا ساخرًا.

ضحكتُ قليلًا

فأكملتْ قائلةً:

"لندنُ ليستْ عادلةً دائمًا، لكنها مَليئةٌ بالمفاجآتِ إن عرفتِ كيفَ تستكشفينها!"

وصلنا إلى سوقِ كوفنت غاردن..

حيث تداخلتِ أصواتُ الباعةِ مع ضحكاتِ الأطفالِ الذين يركضونَ بين العرباتِ المليئةِ بالخضرواتِ والفواكهِ الطازجة.

"هنا آخرُ محطةٍ لنا". قالت مارغريتُ وهي تُشيرُ إلى أحدِ الأكشاكِ المليئةِ بالتفاحِ الأحمرِ اللامع.

"انتظريني هنا، سأجلبُ بعضَ التفاحِ ثم نعودُ إلى النزل!"

أومأتُ لها بينما وقفتُ أراقبُ المدينةَ من حولي...

وقفتُ أمام عربةِ التفاح

حيث تركتني مارغريتُ تنتظرُ بينما هي تُساومُ البائعَ بحماستِها المعتادةِ.

كان السوقُ لا يزالُ صاخبًا..

مليئًا بالأصواتِ المتداخلةِو روائحِ الفواكهِ الطازجةِ والخبزِ المخبوزِ حديثًا تمتزجُ مع رائحةِ المطرِ العالقةِ في الهواءِ

وبخارِ عرباتِ الطعامِ التي تصطفُ على جانبي الطريقِ.

حاولتُ تثبيتَ نظري على شيءٍ محددٍ..

لكنَّ الضوضاءَ حولي كانت تُشوشُ أفكاري.

حركةُ الناسِ المستمرةِ

أصواتُ الخطواتِ المتراكمةِ فوق الأرصفةِ..

الباعةُ الذين يرفعونَ أصواتهمِ لجذبِ الزبائنِ...

كانت لندنَ كما بدتْ لي..

كأنها كائنٌ حيٌّ يتنفسُ الصخبَ والفوضى.

ثم...

في خضمِّ كلِّ هذا... رأيتُ وجهًا لم أتوقعْ أن أراهُ أبدًا.

في البدايةِ.. ظننتُ أنني أتوهم.

هل أنا كذلِك ؟

ربما كان التعبُ يُلقي بثقلِه عليَّ

أو أنَّ الضبابَ المحيطَ جعلَ الأشكالَ تتداخلُ أمامي... لكن لا.

حين رمشتُ لأجلي النظرِ ثانيةً

كان لا يزالُ هناك.

على الجانبِ الآخرِ من السوقِ...

على بُعدِ مسافةٍ ليست ببعيدةٍ وقفَ رجلٌ لم يكنَ مجردَ غريبٍ عابرٍ وسط هذا الزحامِ.

كان شعرُه الأشقرُ الداكنُ مبعثرًا بفوضويةٍ..

وكأن الريحَ لم تتركْ لهُ فرصةً لترتيبهِ

لكنَّ ذلك لم يُخفِ مظهرَهُ. عيناُه الخضراءُ الباهتة.. المألوفةُ بشكلٍ موجعٍ

بدتْ ظاهرةً حتى مع البُعدِ كما لو أنهما تمتلكانِ قوةً غامضةً تخترقُ المسافاتِ.

تجمدتُ في مكاني.

قلبي..

الذي أنهكهُ يومٌ طويلٌ من الإحباطِ

أخذَ ينبضُ بشيءٍ آخرَ تمامًا هذه المرة ..بشيءٍ لم أستطعْ تحديدَهُ.

هل هو...؟

لم أكن واثقةً

لم أكن أريدُ أن أكونَ واثقةً.

كان الأمرُ أقربَ إلى حلمٍ غريبٍ

إلى ذكرى قديمةٍ قفزتْ فجأةً من الماضي ووقفتْ أمامي تُحدّقُ بي بنفسِ الدهشةِ التي كنتُ أشعرُ بها.

ثم... كما لو أنَّ الزمنَ قد توقفَ للحظةٍ عابرةٍ وسطَ هذا الزحامِ، نظرَ إليّ.

نظرَ مباشرةً إليّ.

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اُومُورفِيَـــٰا

المؤلف iris-irii
2025/07/26 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة