” أُحِــبُ دِيـــسَمْـــبَرْ لـــكِــنْ أكْـــرَهُ البَـــرْدْ “
الحَياةُ تَنبضُ بَيْن شَوارِع تَرنْسِفينْيا ، كُل قَلبٍ مِنَ المَارةِ يَحمِلُ خَلف طَياته قصَةً
هُناكَ مَنْ يَحمِلُ قالبَ كعكٍ لأَطْفالهْ أو مَنْ في طَرِيقهِ لمُقابَلةِ عَزيزٍ عَليْه أو مَن فقَط من يريدُ عوْدَة لِلمنْزلَ و حُصولَ عَلى قِسطٍ من الرَاحةِ بعْد هذا يومِ طَويلِ و الشَاقْ
حَتَى لو كانَتْ السَاعةُ حادِيةَ عَشرَ ليلاً مازَلَتْ الحَياةُ تَنْبِضُ في شَوارِعِ البَلدة
كَأي أحد من المَارة ، كانتْ تَمشِي في الشَوارِع أيضًا لكنْ الفَرقُ بَيْنها و بينهُمْ أنها لمْ تَكنْ تَرتَدي تِلك سُترة الثَقِلية لتَحْميها مِنَ البَردْ أو الحِذاءَ المُنَاسبَ للمَشيِ فَوق ثُلوجْ مُتَكدسَة
كَانَتْ تَرتدِي سِرْوالَ جينزٍ و قَميصً أَبيَضًا طَويلاً يَصلُ لفَخِذِها فَضْفَاضًا ذَى أَكمَامٍ طَويِلةٍ
لاَ مَكَانَ تَذْهَبُ إِليهِ ، ليْستْ مَذلُولَة بِما فِيه كِفَاية لِتَعُودَ للمَنزلْ ، وَ ليْستْ شُجاعةً بِما فيهِ كِفايَة لتَذهَبَ لِمَرْكَزِ الشُرطَة ، و ليْستْ فَقيرةً بِما فيهِ كِفاية حَتى تَذهبَ لِملْجَئِ الفُقراءْ
مِثلَ أيِ بلدٍ أُورُوبي لا أحَد يَنظرَ إليهَا كُل واحدٍ مَشغُولٌ بِحَياتهِ
إِسْتوقفَتها نسْمةُ هَواءٍ بارِدةَ أمَام الحَديقةِ العامَة لِتبتَسمَ بِصمتْ ، دخَلت مصَوبةً نفْسَها إلي مَقعَدها المُفضل في الحَديقة الذي يَمنحُها زَوايةٍ مُراقبةً كل منْ فِي الحَديقة
فَركتْ يَديْها بقوةٍ لعَلها تَحضَ ببَعضِ الحَرارةِ ، حَتى هَاتفُها تَركتْهُ في المَنزلِ لَحظةَ هُروبهَا
أرَاحَتْ ظَهْرَها على الكُرْسِيِّ، وبدأَتْ تَغْرَقُ في بَحْرِ أَفْكَارِها؛ ماذا سَتَفْعَلُ الآنَ؟! اقْشَعَرَّ بَدَنُها لُوَهْلَةٍ بِسَبَبِ نَسَمَاتِ هَوَاءٍ بَارِدَةٍ، وَعَادَتْ إِلَى وَعْيِها بِمُحِيطِها
لَفَتَتْ رَأْسَها عِندَ سَمَاعِها لِصَوْتِ فَتًى صَغِيرٍ بَهِيِّ المَنْظَرِ، وَقَالَ لَها وَهُوَ يَتَفَحَّصُها مِنَ الأَسْفَلِ إِلَى الأَعْلَى
« أَلَا تَشْعُرِينَ بِالْبَرْدِ؟ هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ؟ »
نَظَرَتْ نَحْوَهُ وَهِيَ تَعَضُّ شَفَتَها، عَادَةٌ نَاتِجَةٌ عَنْ تَوَتُّرِهَا الْمُعْتَادِ. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ تَرَى صَبِيًّا صَغِيرًا يَمْتَلِكُ عُيُونًا خَضْرَاءَ زَاهِيَةً مِثْلَ هَذِهِ. مِنَ الْغَرِيبِ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهَا شَخْصٌ مِثْلُهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ.
نَظَرَتْ نَحْوَهُ بِعُيُونٍ ذَابِلَةٍ فَقَدَتْ بَرِيقَهَا مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ، وَرَدَّتْ بِعَفْوِيَّةٍ
« نَعَمْ، أَنَا بِخَيْرٍ، لَا عَلَيْكَ، نَسِيتُ سُتْرَتِي فَقَطْ. عَلَيْكَ أَنْ تَعُودَ إِلَى أُمِّكَ، سَوْفَ تَقْلَقُ عَلَيْكَ »
نَظَرَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ نَحْوَهَا بِبَسْمَةٍ بَرِيئَةٍ تَعْكِسُ طُفُولَتَهُ فِي وَجْهِهِ، وَهُوَ يَتَحَقَّقُ مِنْ حَالَتِهَا الْبَدَنِيَّةِ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَة
«......»
« سَوْفَ تَحْتَاجِينَ بَعْضَ الوَقْتِ لِلتَّعَافِي، نِسْيَانَا. لَوْ سَمَحْتِ... عِيشِي دُونَ نَدَمٍ. »
لَمْ تَسْتَوْعِبْ أَخْرَى مَا يَقُولُهُ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ، فَتَرَاجَعَتْ قَلِيلًا عَنْ مَقْعَدِهَا، وَلَمْ تَبْدُ مَعَالِمُ وَجْهِهَا مُبَشِّرَةً بِالْخَيْرِ. أَنْزَلَتْ رَأْسَهَا لُهْنَةً، وَابْتَلَعَتْ رِيقَهَا. فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي أَرَادَتْ فِيهَا سُؤَالَهُ، اخْتَفَى أَمَامَهَا كَأَنَّهُ وَهْمٌ
نَظَرَتْ حَوْلَهَا بِرِيبَةٍ، عِنْدَمَا بَاتَ صَوْتُ لَهَثِهَا مَلْحُوظًا، وَضَاقَتْ أَنْفَاسُهَا فِي صَدْرِهَا
لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مُرَكِّزًا، أَوْ عَلَى الأَقَلِّ لَمْ يُبْدِ أَحَدٌ أَيَّ رَدَّةِ فِعْلٍ. هُنَا أَفْتَرَضَتْ أَحَدَ خِيَارَيْنِ ؛إِمَّا أَنَّهَا أَخِيرًا جُنَّتْ، وَرُبَّمَا سَتُنْقَلُ إِلَى مُسْتَشْفًى لِلْمَجَانِينِ، أَوْ أَنَّهَا تَهْذِي بَعْدَ تَنَاوُلِهَا - بِالْخَطَأِ - دَوَاءً مَا مِنْ أَدْوِيَةِ أُمِّهَا فِي الْمَنْزِلِ
رَفْرَفَتْ حَوْلَهَا تِلْكَ الفَرَاشَةُ الزَّرْقَاءُ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْ مَكَانٍ مَا... مِنَ العَدَمِ
حَاوَلَتْ إِبْعَادَهَا بِيَدِهَا، وَضَرَبَتْهَا فِي الْهَوَاءِ، وَلَكِنْ لَا شَيْءَ يُجْدِي. كَانَتْ كَالذُّبَابِ، كُلَّمَا قَاوَمَتْهَا، زَادَ التِصَاقُهَا بِهَا.
وَقَفَتْ مِنْ مَقْعَدِهَا، وَمَا زَالَتِ الفَرَاشَةُ لَا تَكُفُّ عَنْ الرَّفْرَفَةِ حَوْلَهَا. وَبِسَبَبِ لَفَّةٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، أُعْوِجَّ كَعْبُ قَدَمِهَا، فَوَقَعَتْ عَلَى الثَّلْجِ الْمُتَكَدِّسِ فِي أَرْضِيَّةِ الحَدِيقَةِ، وَاسْتَقَرَّتِ الفَرَاشَةُ فَوْقَ أَنْفِهَا بِكُلِّ هُدُوءٍ وَإِنْسِيَابِيَّةٍ
وَقَفَتْ نِيسْيَانَا، وَبَدَأَتْ تَمْشِي بِخُطًى سَرِيعَةٍ، وَالفَرَاشَةُ مَا زَالَتْ تُرَفْرِفُ خَلْفَهَا. قَرَّرَتْ تَجَاهُلَهَا، وَلَكِنَّ الفَرَاشَةَ اسْتَقَرَّتْ فِي رَقَبَتِهَا.
أَحَسَّتْ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بِوَخْزَةٍ خَفِيَّةٍ، تَحَوَّلَتْ إِلَى أَلَمٍ لَاذِعٍ... الفَرَاشَةُ تَمْتَصُّ دَمَهَا!
تَوَقَّفَتْ نِيسْيَانَا فِي مَكَانِهَا عَلَى رَصِيفِ الحَدِيقَةِ، وَاسْتَقَرَّ بُؤْبُؤُ عَيْنَيْهَا مِنْ رَهْبَةِ مَا حَدَثَ. انْتَزَعَتْهَا فَوْرًا، وَلَكِنَّ الفَرَاشَةَ بَقِيَتْ تُحَوِّمُ حَوْلَهَا.
تَحَوَّلَتْ خُطُوَاتُهَا الْخَفِيفَةُ إِلَى رَكْضٍ، ثُمَّ تَحَوَّلَ الرَّكْضُ إِلَى جَرْيٍ، وَهِيَ تَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتٍ
« ابْتَعِدِي عَنِّي! »
فِي نَظَرِ الْمَارَّةِ، بَدَتْ نِيسْيَانَا فَتَاةً غَرِيبَةَ الأَطْوَارِ، تَجْرِي دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ، بِمَلَابِسَ لَا تُنَاسِبُ هَذَا الطَّقْسَ. وَلَمْ يَمْلِكْ أَحَدٌ مِنْهُمْ الشَّجَاعَةَ لِلِاقْتِرَابِ مِنْهَا أَوْ مُسَاعَدَتِهَا، أَوْ لَعَلَّ أَغْلَبَهُمْ كَانَ مَشْغُولًا فِي دَوَّامَةِ حَيَاتِهِ، وَلَمْ يُلْقِ بَالًا لِمَا يَحْدُثُ حَوْلَهُ.
إِسْتَمَرَّتْ نِيسْيَانَا فِي الرَّكْضِ، وَانْتَبَهَتْ بَعْدَ لَحْظَاتٍ إِلَى أَنَّ الفَرَاشَةَ قَدْ تَوَقَّفَتْ عَنْ مُطَارَدَتِهَا. وَلَكِنَّهَا، فِي الوَاقِعِ، أَدْرَكَتْ شَيْئًا أَكْثَرَ إِرْعَابًا هِيَ لَمْ تَعُدْ فِي البَلْدَةِ بَعْدَ الآن
فَبَعْدَ أَنْ عَبَرَتْ زُقَاقًا مَا، لَمْ تَرَهُ قَطُّ مِنْ قَبْلُ، وَجَدَتْ نَفْسَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ تَمَامًا... طَرِيقٌ ضَيِّقٌ يُفْضِي إِلَى مَكَانٍ مَحْظُورٍ عَلَيْهَا
غَابَةُ لُوزُورْد... غَابَةٌ سَمِعَتْ عَنْهَا شَائِعَاتٍ كَثِيرَةً مِثْلَ مَنْ يَدْخُلُهَا إِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مَجْنُونًا، أَوْ يُصَابُ بِاضْطِرَابٍ نَفْسِيٍّ حَادٍّ يُؤَدِّي بِهِ، دَوْمًا، إِلَى الْمُصَحَّةِ
رُبَّمَا كَانَتْ تَنْوِي الخُرُوجَ مِنْ مَدْخَلِ الغَابَةِ، كَمَنْ يَهْرُبُ خُفْيَةً مِنْ مَنْزِلٍ... وَلَكِنْ، أَنْ تَدْخُلَ غَابَةً يَثْقُلُ اسْمُهَا بِكَمٍّ هَائِلٍ مِنَ الشَّائِعَاتِ وَالأُسَاطِيرِ الَّتِي تَبْلُغُ حَدَّ المَوْتِ—فَتِلْكَ لَيْسَتْ حَرَكَةً ذَكِيَّةً
فِي خُطُوِهَا فِي ذَاكَ الثَّلْجِ السَّمِيكِ، رَأَتْ تِلْكَ الفَرَاشَةَ تُرَفْرِفُ هُنَاكَ. كَانَتْ تَنْوِي تَجَاهُلَهَا وَالابْتِعَادَ عَنْهَا تَمَامًا، عَلَّهَا تُدْرِكُ – حَتَّى الفَرَاشَةُ – أَنَّ دُخُولَ الغَابَةِ خَطِرٌ. لَكِنَّ الفَرَاشَةَ بَقِيَتْ، تُرَفْرِفُ هُنَاكَ، خَارِجَهَا.
أَدَارَتْ نِيسْيَانَا نَظَرَهَا نَحْوَ البَعِيدِ، وَلِلَحْظَةٍ، رَأَتْ شَخْصًا يَتَقَدَّمُ مِنْ خَارِجِ الغَابَةِ... وَالأَسْوَأُ أَنَّهُ يَحْمِلُ بُنْدُقِيَّةً. رَجُلٌ ذُو بِنْيَةٍ عَضَلِيَّةٍ، وَوَشْمٌ جُمجَةٍ بَارِزٌ فِي رَقَبَتِهِ، وَصَلْعَةٌ لَامِعَةٌ تَخْتَفِي جُزْئِيًّا تَحْتَ قُبَّعَتِهِ الصُّوفِيَّةِ
لَمْ تَحْتَجْ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ لِلتَّفْكِيرِ… هَذَا شَخْصٌ تَحْمِلُ خُطُوَاتُهُ رَايَةَ العَلَمِ الأَحْمَرِ. فَلَا أَحَدَ يَأْتِي لِلغَابَةِ وَهُوَ مُسَلَّحٌ بِنِيَّةِ نَشْرِ السَّلَامِ فِي هَذَا العَالَمِ
الْتَفَتَتْ فَوْرًا، وَبَدَأَتْ تُحَرِّكُ سَاقَيْهَا بِكُلِّ مَا لَدَيْهَا مِنْ سُرْعَةٍ، تَهْرُولُ بِجُنُونٍ إِلَى دَاخِلِ الغَابَةِ. كَانَتْ أَنْفَاسُهَا تُخْتَطَفُ مِنهَا كُلَّ ثَانِيَةٍ، وَهِيَ تَنْظُرُ خَلْفَهَا مِرَارًا، تَارَةً تَسْتَجْدِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا حَدَثَ وَهْمًا، وَتَارَةً تَسْتَسْلِمُ لِرُعْبِهِ
وَلَكِنَّ الرَّجُلَ… كَانَ يُرَكِّضُ خَلْفَهَا. فِي لَحْظَةِ يَأْسٍ وَيَقِينٍ بِالخَطَرِ، نَزَعَتْ حِذَاءَهَا الأَبْيَضَ، لِتَتَخَلَّصَ مِنْ عَائِقٍ كَانَ يُبْطِئُ رَكْضَهَا
اِنْعَطَفَتْ نِيسْيَانَا سَرِيعًا، وَزَادَتْ مِنْ وَتِيرَةِ رَكْضِهَا، ثُمَّ ارْتَمَتْ خَلْفَ إِحْدَى الصُّخُورِ العَمْلَاقَةِ فِي تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ الصَّخْرِيَّةِ فِي قَلْبِ الغَابَةِ، بَعْدَ أَنْ مَحَتْ بِسُرْعَةٍ آثَارَ أَقْدَامِهَا عَنِ الأَرْضِ
تَوَقَّفَ الرَّجُلُ الضَّخْمُ عَنِ الرَّكْضِ لَمَّا وَصَلَ إِلَى تِلْكَ النُّقْطَةِ، وَلَمْ يَجِدْ لَهَا أَيَّ أَثَرٍ. ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، يُنَادِيهَا
« يَا فَتَاةُ! اخْرُجِي الآنَ! هَذِهِ غَابَةٌ خَطِيرَةٌ عَلَيْكِ!! »
وَلَكِنَّ نِيسْيَانَا بَقِيَتْ مُلْتَزِمَةً الصَّمْتَ، تَضَعُ يَدَهَا عَلَى فَمِهَا، وَجَسَدُهَا يَرْتَجِفُ... كَانَتْ تُدْرِكُ جَيِّدًا أَنَّ لَهُ الأَفْضَلِيَّةَ فِي قَتْلِهَا، دُونَ أَنْ يَدْرِيَ أَحَدٌ
فَهِيَ سَوْفَ تُسَجَّلُ، عَمَّا قَرِيبٍ، عَلَى أَنَّهَا «هَارِبَةٌ»، لَيْسَتْ «مُخْتَطَفَةً» وَلَا «ضَائِعَةً». وَإِنْ قَتَلَهَا الآنَ، فِي هَذِهِ الغَابَةِ الَّتِي لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ أَعْمَاقَهَا بِبُنْدُقِيَّةٍ، فَلَنْ يَكْتَشِفَ أَحَدٌ مَا حَدَثَ... إِلَّا بَعْدَ أَشْهُرٍ، أَوْ أَكْثَر
تَنَهَّدَ الرَّجُلُ بِقِلَّةِ حِيلَةٍ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ. وَلِسَبَبٍ مَا، كَانَ صَوْتُهُ عَالِيًا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِيَرِنَّ فِي كُلِّ أَرْكَانِ الغَابَةِ
« غَادِرِي الغَابَةَ! هَذَا لَيْسَ مَكَانَكِ! »
كَانَتْ نِيسْيَانَا قَدْ عَزَمَتْ أَنْ تَلْتَزِمَ الصَّمْتَ، عَلَى الأَقَلِّ حَتَّى يُغَادِرَ المِنْطَقَةَ، وَتَسْتَطِيعَ هِيَ الخُرُوجَ مِنَ الغَابَةِ فَوْرًا. وَلَكِنَّهَا، فَجْأَةً، وَقَعَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، وَغَطَّتْ أُذُنَيْهَا بِكَفَّيْهَا...
صَدَى رَنِينٍ قَوِيٍّ دَوَّى فِي أُذُنَيْهَا، نَاجِمٍ عَنْ صَوْتِ طَلْقَةِ نَارٍ أَطْلَقَهَا الرَّجُلُ فِي السَّمَاءِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ إِشَارَةً لِشَيْءٍ مَا...
ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ مُرْعِبٍ
« لَمْ تَتْرُكِي لِي خِيَارًا آخَرَ، يَا فَتَاةُ...»
حَاوَلَتْ نِيسْيَانَا أَنْ تَقِفَ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَكِنْ رُكْبَتَيْهَا خَارَتَا. قُوَّتُهَا تَتَلاشَى، وَأَطْرَافُهَا لَا تَفْتُرُ عَنْ الاِرْتِجَافِ.
وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ، حَتَّى لَفَتَتْ رَأْسَهَا بُفْجَاءَةٍ، عِنْدَمَا سَمِعَتْ زَمْجَرَةً قَادِمَةً مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
ثَلاثَةُ ذِئَابٍ رَمَادِيَّةٍ كَانُوا يُحْدِّقُونَ فِيهَا بِنَظَرَاتٍ عَدَائِيَّةٍ، كَأَنَّهَا دَخِيلَةٌ تَجَاوَزَتْ حُدُودَ أَرْضِهِمْ.
الأَوَّلُ كَانَتْ تَحْتَ عَيْنِهِ نَدْبَةٌ غَائِرَةٌ، وَالثَّانِي قَصِيرَ الذَّيْلِ، أَمَّا الأَخِيرُ فَكَانَ سَلِيمًا مُعَافًى، وَلَكِنَّهُ أَصْغَرُهُمْ حَجْمًا بِقَلِيلٍ.
بدأت تعد حسابات سريعة في رأسها لو ركضت فسوف يرونها فريسة لو لم تركض فسوف يتم التهمها فورا لأنها تبدو ضعيفة يمكنها أن تظهر للصياد الان سوف يركز على قتل ذئاب على أن يركز عليها و يمكنها اغتنام فرصة و هرب لخارج غابة
تحركت بضعة خطوات لتزيل ستار اختبأها خلف صخرة لكن صياد اختفى بالفعل....
أدركت أنا هذه كانت خطته لو لم يستطيع هو إستفادة منها فلا داعي لابقائها حية ، هو مثل أي رجل بعد كل شيئ ...
"ذاك...لعي.."
بَدَأَتْ نِيسْيَانَا تُجْرِي حِسَابَاتٍ سَرِيعَةً فِي رَأْسِهَا... إِنْ رَكَضَتْ، سَيَرَوْنَهَا فَرِيسَةً، وَإِنْ بَقِيَتْ فِي مَكَانِهَا، فَسَيَفْتَرِسُونَهَا فَوْرًا—فَهِيَ تُبْدِي ضَعْفًا لا يُخْفَى
رُبَّمَا... يُمْكِنُهَا أَنْ تَظْهَرَ لِلصَّيَّادِ الآن؛ فَيُرَكِّزَ هُوَ عَلَى قَتْلِ الذِّئَابِ، لا عَلَيْهَا. وَبِتِلْكَ الفَوْضَى، يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَنِمَ الفُرْصَةَ وَتَفِرَّ خَارِجَ الغَابَةِ
تَحَرَّكَتْ بَعْضَ الخُطُوَاتِ، لِتُزِيلَ السِّتَارَ الَّذِي كَانَ يُخْفِيهَا خَلْفَ الصَّخْرَةِ... وَلَكِنَّ الصَّيَّادَ كَانَ قَدِ اخْتَفَى!
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَدْرَكَتْ: هَذِهِ كَانَتْ خُطَّتَهُ. إِذَا لَمْ يَسْتَفِدْ هُوَ مِنْهَا، فَلَا دَاعِيَ لِإِبْقَائِهَا حَيَّةً ، مِثْلُ أَيِّ رَجُلٍ... بَعْدَ كُلِّ شَيْء
تَمْتَمَتْ، وَصَوْتُهَا يَخْتَنِقُ فِي صَدْرِهَا:
« ذَاكَ... لِعِي... »
نَظَرَتْ نِيسْيَانَا نَحْوَ الذِّئَابِ، الَّتِي لَمْ تَزِلْ تُحْدِّقُ فِيهَا، بِنَظَرَةٍ تَثْبِيتِيَّةٍ، كَأَنَّهَا تُقِرُّ لَهَا بِأَنَّهَا لَنْ تَعِيشَ لِتَرَى شَمْسَ اليَوْمِ التَّالِي.
الخُطَّةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي لَدَيْهَا الآنَ: تَفْعِيلُ هُرْمُونِ الأَدْرِينَالِينِ فِي دَمِهَا وَالرَّكْضُ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا تَفْعَلُ فِي العَادَةِ... بَلْ الرَّكْضُ كَمَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الفُرْصَةُ الأَخِيرَةُ لِلْحَيَاةِ. عَلَيْهَا أَنْ تَرْكُضَ كَـ"فَتَاةٍ" تُقَاتِلُ لِتَبْقَى.
نَزَعَتْ جَوْرَبَيْهَا بِسُرْعَةٍ، لِتُحَفِّزَ الإِحْسَاسَ بِالْبُرُودَةِ فِي قَدَمَيْهَا. ثُمَّ رَفَعَتْ إِصْبَعَهَا الأَوْسَطَ نَحْوَ الذِّئَابِ، وَعَيْنَاهَا—رُغْمَ ارْتِجَافِ بُؤْبُؤَيْهَا—لَمْ تَكُونَا مَمْلُوءَتَيْنِ بِالخَوْفِ مِنَ المَوْتِ، بَلْ بِالخَوْفِ مِنَ الأَلَمِ الَّذِي يَسْبِقُهُ.
عَضَّتْ شَفَتَيْهَا، وَانْخَفَضَ حَاجِبَاهَا بِعَدَاءٍ صَرِيحٍ.
فَفِي نِهَايَةِ الأَمْرِ، الشَّخْصِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ... لَا تَظْهَرُ إِلَّا قَبْلَ مَوْتِهِ.
وَعِنْدَمَا ارْتَفَعَ رَأْسُهَا لِلْمُوَاجَهَةِ، تَلَوَّنَتْ عَيْنَاهَا بِلَوْنٍ فَاتِحٍ يُبْرِزُ عَسَلِيَّتَهُمَا كَمَا لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ مِنْ قَبْلُ.
فَكَتْ نِيسْيَانَا أَزْرَارَ "هَرَبِهَا"، وَبَدَأَتْ تَجْرِي، وَالثَّلَاثَةُ ذِئَابٍ يُطَارِدُونَهَا، يُقَلِّدُونَ خَطَاهَا بِشَرَسَةٍ
مَا كَانَ غَرِيبًا، لَيْسَ المُطَارَدَةَ، بَلْ سُرْعَتَهَا... سُرْعَةٌ لَا تَمُتُّ بِصِلَةٍ لِبَشَرٍ، كَأَنَّهَا مُتَسَابِقَةٌ وُلِدَتْ لِتَعْدُو، لِتَنْعَطِفَ بَيْنَ الأَشْجَارِ وَتَقْفِزَ فَوْقَ كُلِّ مَا يَعْتَرِضُهَا، بِفِطْرَةٍ غَيْرِ مَفْهُومَةٍ
فَقَدَتِ الذِّئَابُ أَثَرَهَا، فِي الوَقْتِ الَّذِي كَانَتْ هِيَ فِيهِ، فِي أَعْلَى شَجَرَةٍ، تُرَاقِبُ بِصَمْتٍ، بَعْدَ أَنْ تَسَلَّقَتْهَا بِسُرْعَةٍ كَأَنَّهَا وُلِدَتْ فِي أَغْصَانِهَا
رَفَعَ الذِّئْبُ السَّلِيمُ رَأْسَهُ نَحْوَهَا... وَسَكَنَ الرُّعْبُ أَحْشَاءَهَا
احْتَضَنَتِ الشَّجَرَةَ، وَتَرَقَّبَتْ، تَدْعُو فِي صَمْتٍ، بِكُلِّ ذَرَّةٍ فِيهَا، أَنْ لَا يَعْوِي، أَنْ لَا يُصْدِرَ صَوْتًا، أَنْ لَا يُفْصِحَ عَنْ مَكَانِهَا
مَرَّتْ ثَوَانٍ تَحَوَّلَتْ لِدَقَائِقَ... وَتِلْكَ الدَّقَائِقُ لَهَا كَانَتْ عُمْرًا كَامِلًا
ثُمَّ، أَخَفَضَ الذِّئْبُ رَأْسَهُ، وَسَارَتِ الذِّئَابُ الرَّمَادِيَّةُ بَعِيدًا
لَمْ تَكُنْ تَفْهَمُ كَيْفَ آلتِ الأُمُورُ إِلَى كُلِّ هَذَا. كَيْفَ اِنْتَهَى بِهَا المَطَافُ، بِهَذِهِ السُّرْعَةِ، إِلَى جَحِيمٍ مِنَ الأَحْدَاثِ؟... مُعَلَّقَةً فِي شَجَرَةٍ، تَنْظُرُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ فَوْقٍ، كَمَنْ أَخِيرًا بَدَأَ يَتَفَهَّمُ الحَالَةَ النَّفْسِيَّةَ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ هَذِهِ الغَابَةِ قَبْلَهَا
اِنْهَارَ جَسَدُهَا مِنْ أَعْلَى الشَّجَرَةِ، وَسَقَطَتْ عَلَى طَبَقَةٍ سَمِيكَةٍ مِنَ الثَّلْجِ. كَانَتْ مُتْعَبَةً، جَائِعَةً، مُنْهَكَةً، وَقَدَمَاهَا مُصَابَتَانِ بِقُطْبِ الجَلِيدِ الَّذِي تَغَلْغَلَ فِيهِمَا
كَانَ مِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّ الذِّئَابَ أَدْرَكْنَ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكْلِفْ نَفْسَهَا عَنَاءَ إِكْمَالِ البَحْثِ. كَانَتْ واثِقَةً أَنَّ رَائِحَتَهَا قَوِيَّةٌ بِمَا يَكْفِي لِتُدُلَّ عَلَى مَكَانِهَا
لَفَتَتْ رَأْسَهَا، فَلَمَحَتْ مِنْ بَعِيدٍ ذِئْبًا أَسْوَدَ، ضَخْمَ الحَجْمِ، يَقْتَرِبُ مِنْهَا بِخُطًى بَطِيئَةٍ. لَمْ تَكُنْ فِيهِ عَدَائِيَّةٌ تُذْكَر
رَفَعَتْ بَدَنَهَا بِسُرْعَةٍ عَنِ الثَّلْجِ، بِنِيَّةِ تَسَلُّقِ الشَّجَرَةِ مُجَدَّدًا، وَلَكِنَّهَا تَصَادَمَتْ فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا مَعَ عُيُونِ الذِّئْبِ—كَانَتْ عُيُونًا مُحَمَّرَةً، مُتَّقِدَةً كَالجَمْرِ
لِلَحْظَةٍ، أَقَلُّ مِنْ ثَانِيَةٍ، مَرَّ بَيْنَهُمَا وَمِيضٌ أَصْفَرُ ذَهَبِيٌّ... لَمْ يَكُنْ ضَوْءًا، بَلْ شَيْئًا فِي العُيُونِ، شَيْئًا فِي النَّظَرَاتِ
إجْتَاحَتْهَا مَشَاعِرُ مُخْتَلِفَةٌ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ ، إِحْسَاسٌ بِالِانْتِمَاءِ، وَرَهْبَةٌ، وَرِضًى، وَسُرُورٌ... كُلُّهَا فِي نَفْسِ الثَّانِيَةِ
وَلِلأَسَفِ، كَانَ عَقْلُهَا المُهَيْمِنُ بِالمَنْطِقِ، كَمَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الوَقْتِ، قَدْ عَادَ لِيَسْتَلِمَ الزِّمَامَ. وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى الشَّجَرَةِ لِتَتَسَلَّقَهَا فَوْرًا
وَلَكِنْ... بَغْتَتْهَا قَفْزَةُ الذِّئْبِ عَلَيْهَا. وَلِسَبَبٍ مَا، لَمْ تَشْعُرْ بِالخَوْفِ. قَلْبُهَا لَمْ يَنْبِضْ بِالرُّعْبِ، كَمَا يَفْعَلُ فِي العَادَةِ ، حَتَّى مَعَ ظِلِّهَا أَحْيَانًا
كَانَ أَكْبَرُ احْتِمَالٍ يَدُورُ فِي رَأْسِهَا: أَنَّهُ سَيَفْتَرِسُهَا مِنْ عُنُقِهَا... وَلَكِنَّهُ فَاجَأَهَا، بَلَعْقِ وَجْهِهَا بِهُدُوءٍ، ثُمَّ ابْتَعَدَ. الذِّئْبُ الأَسْوَدُ تَرَاجَعَ، وَلَكِنَّ المَوَازِينِ انْقَلَبَتْ.
الأَدْوَارُ اخْتَلَفَتْ... الذِّئْبُ لَمْ يَعُدْ ذِئْبًا.
فِي لَحْظَةِ تَحَوُّلِهِ، وَإِغْلَاقِهَا لِعَيْنَيْهَا بَسَبَبِ ذَلِكَ الضَّوْءِ السَّاطِعِ، الصَّادِرِ عَنْ خَاتَمٍ يَلْمَعُ فِي يَدِهِ ، كَانَ قَدْ صَارَ بَشَرًا.
وَعِنْدَمَا فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا، وَقَعَ بَصَرُهَا عَلَى رَجُلٍ أَمَامَهَا... طَوِيلُ القَامَةِ، رَغْمَ أَنَّهُ مُنْحَنٍ. شَعْرُهُ أَسْوَدُ، وَعَيْنَاهُ بِلَوْنِ الجَمْرِ
ثُمَّ تَكَلَّمَ، وَصَوْتُهُ كَانَ كَهَمْسِ نَارٍ فِي جَلِيدْ
« أَهْلًا... بِرَفِيقَتِي العَزِيزَةِ»
ســـولاف