ألا يكفِي ضجيجُ روحي المُنهَكة؟
ألا تكفِي ظُلمةُ الدنيا في عينَيَّ، وبُهوتُ الحياةِ فيهما؟
ألا تكفِي وحدتي وسكونُ أيّامي؟
أتساءلُ دومًا: ما الفائدةُ من وجودِ عائلةٍ تسعى لتحطيمِك؟
لتحطيمِ روحِك، وبعثِ وحوشٍ تعبثُ بثنايا عقلك، حتى يَفورَ جنونُك وتبقى تتخبطُ بين الجدران.
هل أكرههم؟ أم أستمرُّ في حبِّهم؟
لكن، مع الوقت، تُدرك أنك تفقدُ مشاعرك تمامًا تجاههم، لا حبًا ولا كرهًا، فقط لتتجنبَ الكراهية.
وها هو يومٌ جديدٌ بنهايةٍ قاتمةٍ كالمعتاد؛ لا يملُّ والدي من مشاجرةِ والدتي، ولا تفوّت والدتي فرصةَ الشجارِ دون اغتنامها.
"أخبرتُكَ أنك لا تملِكُ سلطةً عليّ!"
كان صُراخُ والدتي يعلو من الأسفل، فعلمتُ أن شجارًا جديدًا نشبَ بينها وبين والدي.
وبالطبع، بعد مغادرةِ ولدهما المجتهد صباحًا، لم يجدا من يفرغانِ عليه غضبَهما سوى بعضِهما البعض.
"بلى، أملِكُ سلطةً عليكِ لأنكِ زوجتي!"
"وهل تُعيِّرُني الآن بأنني زوجتُك؟ هل عليَّ تذكيرُكَ من أنا ومن أنتَ؟"
ثم دوى صوتُ تكسُّرِ الزجاج... علمتُ حينها أن والدتي ضغطت على جُرحٍ يؤلمه، ففاضَ غضبُه، وألقى عليها قطعةً زجاجية.
غلفتُ نفسي بغطائي، محاوِلةً الهروبَ من واقعي المرير إلى أحلامٍ أقل قسوة.
لكن صوتَ خطواتٍ ثقيلةٍ تحفرُ الأرض أيقظَ قلبي، فانكمشَ جسدي، وخبأتُ رأسي تحت وسادتي، علَّها تقيه مما هو آتٍ.
اهتزَّ كياني حين فُتح بابُ الغرفةِ بعنف، وسقطَ شيءٌ معدنيّ على كتفي، ولولا الوسادة لكانت رأسي قد تلقتْه مباشرةً.
لقد رماني بسكّينٍ كبيرة.
"ألم تَسمعي نِدائي يا فتاة؟!"
أقسمُ أنه لم يُنادِني من الأساس. هو فقط بحاجةٍ لسببٍ يُفرغُ به غضبَه.
نظرتُ إلى كتفي فوجدته ينزف.
ألم يخشَ أن تخترقَ السكينُ صدري؟ أن أُقتَل؟
لكنني لا أؤمنُ بالعدالة في هذا العالم. هو فوق القانون، لا يُحاسب، حتى لو أزهق أرواحًا كثيرة.
"هل تجاهَلتِني للتو؟"
نهضتُ بسرعة، وهززتُ رأسي نفيًا، أُراجِع خطواتي للخلف خوفًا من اقترابه، من تلك الشراراتِ التي تقفزُ من عينيه وكأنها تتمنى أن تحرقني.
قبض على معصمي بقوة، حتى كاد أن يكسره.
"جيدٌ إذًا. اذهبي واشتري علبتين من التبغ. أريدهما الآن!"
الآن؟ في هذا الوقت المتأخر؟
ماذا لو تعرّض لي أحدٌ كما حدث سابقًا؟
ارتجفَ جسدي لمجردِ التذكّر، لتلك المحاولات اليائسة في الهرب، والتي لم تُفلح.
رفعتُ نظري إليه، متوسّلةً:
"الوقتُ متأخر، وأخشى أن يعترضَ أحدٌ طري..."
لم أُكمل. صفعةٌ قويةٌ جعلت وجهي يلتفُّ نحو الجهة الأخرى، وشعرتُ بألمٍ يمزّق وجنتيّ.
لم أُفاجأ، بل كنتُ أتوقّعها.
خفضتُ رأسي، أطالعُ الأرض، أكبتُ دموعي.
"تخشين؟ لا تنسي أنكِ مجردُ أداةٍ للإنجاب، عبءٌ إضافيّ لا أكثر!
وإن تعرّض لكِ أحد؟ ستزدادين عارًا فوق عاركِ!
إياكِ ورفعُ عينيكِ عند مخاطبتي! هل تفهمين؟"
ثم قبضَ على خصلاتِ شعري الأمامية وشدَّها بعنف، فأومأتُ بسرعة، فأفلتني.
غادرَ الغرفة بعد أن قال: "المالُ على المنضدة، خذيه واشتري العلبتين."
"حاضر."
أجبتهُ بصوتٍ متهدّجٍ تخنقهُ دموعي.
هل كان عليَّ أن أجادله؟ لماذا لم أنفّذ ما أرادَ منذ البداية؟
نهضتُ، ارتديتُ معطفي ووشاحي، نزلتُ إلى الأسفل، التقطتُ الأوراق النقدية، وضعتها في جيبي... ومضيت.
وقفتُ عند عتبةِ المنزل، أُحدّق في الطريق بتوجُّس.
هل سيخرج لي أحد قُطّاع الطرق من بين الأزقة؟
فرشتُ خطواتي أمامي، أعدُّها واحدةً تلو الأخرى، فقط لأُشغل عقلي عن أفكاره المُظلمة.
لم أشعر بوجود من يتبعني، فهدأت ضرباتُ قلبي قليلًا، لكنني لم أُبطئ سيري.
كلّ ما أردته هو الوصول والعودة سريعًا.
وعند مروري بجانب أحد الأزقة، شعرتُ بحركةٍ هناك.
قبضَ الخوفُ على قلبي، فزدتُ من سرعتي.
ها أنا أرى ضوء لافتة المتجر، فاندفعتُ أسرع حتى بتُّ أركض.
وعند وصولي للبوابة، شعرتُ بأعينٍ تراقبني من الخلف.
التفتُّ فرأيتُ رجلاً طويل القامة، لم أتمكن من تمييز ملامحه، فقد كان واقفًا في الظلام.
هل كان ينتظرني؟
نفضتُ هذه الفكرة من رأسي، ودخلتُ المتجر، آملةً أن يكون قد رحل عند خروجي.
كان صاحبُ المتجر رجلًا مسنًا، وقد تعلّمتُ أن ليس كل مسنٍّ طيب، بفضله.
"هل جاءت المُدمنة مرة أخرى؟"
كيف أقنعه أنني لا أدخن؟
أنا أكره التدخين، أكره المدخنين، وأكره من يبيع التبغ!
أشمئزُّ من أيّ شخصٍ يحمل لفافةَ تبغ في يده.
بعيدًا عن أضراره الصحية، كرهتُه لأن أبي مدخن.
لأن التبغ كان أحد أشكال العذاب التي مارسها عليّ.
"أريد علبتين. ولستُ مدمنة. قلتُ لك من قبل إنها ليست لي."
"وهل سأُصدّق فتاةً تخرج كلّ ليلة في هذا الوقت؟"
مَ... ما الذي يقصده؟
"ألن تُعطني العلبتين؟"
كشّر عن وجهه، ثم أومأ لي بامتعاض، ووضع العلبتين في كيسٍ ناولني إياه.
أخرجتُ النقود من جيب معطفي ومددتها له.
"انتظري... هناك أوراق زائدة فوق السعر."
توقفتُ لأنتظر الباقي. كانت الزيادة إحدى عشرة كرونة*.
خرجتُ من المتجر، وألقيتُ نظرةً على الطريق.
جيد، لقد اختفى ذلك الرجل.
ماذا أفعل بهذه الكرونات الإضافية؟
هل أعيدها له؟
نظرتُ إلى كتفي... الدم ما زال يقطر ببطء.
هل يجب أن أُعالجه؟
رفعتُ بصري نحو العيادة في نهاية الطريق. لا تزال مضاءة، وليست ببعيدة.
لكن... هل المال يكفي؟
لمَ لا أسأل؟
إن كان كافيًا، سأُعالجه.
وإن لم يكن، أعود... أعود إلى البيت.
تقدّمتُ نحو العيادة لفحص جرحي.
دفعتُ الباب بخفة، فارتطم نظري بالممرضة التي كانت تحدّق في زاويةٍ ما من العيادة، لكنني لم أملك فرصة النظر إلى ما كانت تنظر إليه، إذ بادرتني بصوتها:
"أهلًا بكِ، هل أستطيع مساعدتكِ؟"
أومأتُ برأسي واقتربتُ منها بابتسامة خفيفة رسمتها على وجهي:
"أريد تضميد كتفي... لكن، هل يمكنني معرفة التكلفة أولًا؟"
عقدت حاجبيها باهتمام، ثم أومأت برأسها:
"دعيني أرى الجرح."
جلستُ على السرير الطبي، كشفتُ عن الجرح، وانهمكت هي في معاينته.
في تلك اللحظة، لاحظتُ خيطًا من الدخان يتصاعد من زاوية في العيادة، فعقدتُ حاجبيّ في حيرة... هل هناك حريق؟
قالت بنبرة مطمئنة:
"الجرح بسيط، سيكلّفكِ خمسة عشر عملة فقط، لكن لحسن حظكِ أن متبرعًا قد تكفّل بثمن جميع الأدوية هذا الأسبوع. لن آخذ منكِ شيئًا. فقط... ادعي لزوجته وطفلته بالرقاد بسلام."
انكمشتْ شفتيّ حزناً، وتلبّسني شعورٌ بالأسى.
كم هو موجع أن يفقد المرءُ أحبّته. فجأة، صارت جراحي اللحظية تافهة أمام فداحة الفقد.
"فلترقدا بسلام..."
ابتسمت لي، لكنها كانت ابتسامة حزينة، تعرفهم بلا شك... وربما فقدتهم معها.
أنهت تضميد الجرح، ورفضت النقود تمامًا.
لعل الحياة أرادت أن تواسينِي بتضميد جراحي مجانًا هذه المرة.
ألقيت نظرة سريعة إلى زاوية الدخان...
يد رجلٍ تقبضُ على لفافة تبغٍ مشتعلة. ثم تركها تسقط، فتصاعد منها دخانٌ يتوقف عند قبضته.
هل جنّ جنونه؟
كيف له أن يؤذي نفسه بهذا الشكل،بحرق يده؟ أي عقليةٍ يمتلكها ليفعل هذا؟
هرعت إليه الممرضة غاضبة:
"كيف تمسك لفافة تبغ مشتعلة؟ ألا تدرك الحروق التي قد تُصاب بها؟!"
أنا أدركها... جيدًا. أعرف ألمها، أعرف كم هي فظيعة.
لم يُبالِ، فقط وقف صامتًا، كأن النار لا تخصه.
شعرت أن وجودي في العيادة لم يعد ضروريًا، وقد تأخر الوقت.
لا أريد موجةً جديدة من الكدمات في البيت.
خرجتُ من العيادة، مسحتُ الطريق بعينيّ. خالٍ، جيد.
بدأتُ أسير بخطواتٍ حذرة، أرهف سمعي لأي حركة.
ثم... خطوات خلفي.
هادئة، ليست صاخبة كخطى المعتدين، لكنها لا تُطمئنني.
لم أرخِ دفاعي. بل شحذته.
بدأتُ أعدّ خطواته...
ثلاث في كل ثانية...
ثم تسارعت.
ارتبكت.
هو يقترب. وأنا... لا أملك المسافة الكافية للهروب.
عندما شعرت به خلفي تمامًا،لم يكن بيدي سوى اخراجُ بطاقتي الرابحة. أمسكت خنجري من جيب معطفي ملتفةً نحوه لأهم بطعنه في كتفه.
كتم أنينه و تجعدت حدقتيه ألماً، ثم نظر إليّ بعينين تشتعلان غضبًا:
"ما الذي فعلتِه، أيتها الحمقاء؟!"
تجمدتُ من نبرته، وسحبت الخنجر بسرعة.
خطأ... صوت أنينه ارتفع.
أمسك معصمي بشدّة:
"ألا تعلمين أنني أستطيع محو مستقبلك بلحظة؟ حماقتك كادت تكلّفك كل شيء."
مستقبلي؟
هل يظنّ أنني أملك شيئًا أخسره؟
"أنتَ من تبعتني! ظننتُ أنك ستؤذيني!"
اتّسعت عيناه بدهشة، وكأنه سمع أكثر ما لم يتوقّعه.
"هل تعتقدين أنني مهووس بكِ لأتبعك؟ أم ترين أن عينيّ لا ترى سواكِ؟"
ماذا يقول هذا المختل؟
نظرتُ في عينيه، للمرّة الأولى.
أشعرني ذلك بعدم ارتياح.
لطالما تهرّبت من نظرات الرجال، لأنني أخشى أن يكونوا كأبي.
لكنني واجهته هذه المرّة.
رفعتُ رأسي، ونطقتُ بحزمٍ غريب:
"احترم شيبك، ولا تُغازل فتاةً في عمر بناتك!"
رأيتُ انقباضة فكه... وكأنه يُقاوم رغبة شرسة في الصراخ أو أكثر.
وعيناه...
عسليتان، مثل شمسٍ صيفية، أو عسل صافٍ بصفارٍ دافئ.
قال باقتضاب:
"كنت أعلم... أنني لن أقابل شخصًا طبيعيًا اليوم."
ماذا قصد؟
هل يشير إلى خنجري؟ أم إلى لساني؟ أم إلى شرودي في عينيه؟
خلع وشاحه، لفّه حول جرحه، واستدار مغادرًا.
صُدمت... كيف تجرّأت؟
كيف تعاملت مع رجل دون أن تداهمني أفكار سوداوية؟
ركضتُ للحاق به.
وقفت أمامه وقلتُ:
"أعتذر حقًا، سيدي... ظننتك أحد قطاع الطرق. فقط... كنت أحاول الدفاع عن نفسي!"
ابتسمتُ بتوتر، ألوّح بيديّ في الهواء، أشرح بتلعثم.
لكنه كان ينظر إليّ بنظرةٍ جامدة... سوداوية، كأنني عكّرت عليه يومه، وربما حياته.
تابع طريقه نحو العيادة دون أن ينطق.
دخل، على الأرجح ليتلقى علاجًا.
لم أتبعه.
أكيد، هو أحد هؤلاء الأغنياء المُتكبرين.
لكن... لماذا تجاهل اعتذاري؟
ربما ما كان يجب عليّ الاعتذار.
بل ربما، كان عليّ طعنه في الكتف الآخر.
أكملتُ طريقي نحو المنزل...
وأعدتُ التفكير في كل ما فعلت.
أنا بالكاد لا أتوتر عند رؤية أخي أو صاحب المتجر كونهما ذكرين، ولدي رهبةٌ تجاههما بسبب والدي، أشعر أن جميعهم وحوشٌ متنكرة بقناع اللطف، لكن لماذا شعرتُ أنني أتعاملُ بعفوية اكبر مع هذا الرجل؟
و
كأنني التقيتُ به من قبل، شعرتُ بالألفة معه خلال دقائق قصيرة.
أو ان شعوري ليس الا امتداد من دهشتي و شجاعتي المفاجئة معه.
هل هذا ممكنٌ حتى؟
سأتناسى الأمر، فأنا سأحاول ألا ألتقي به مجددًا.
فتحتُ باب المنزل، وفور أن أغلقتُه خلفي، داهمتني شظايا الزجاج التي تكسرت بجواري. جيد، لقد أخطأ التصويب هذه المرة.
يبدو أن اليوم يوم حظي.
"أين كنتِ حتى هذا الوقتِ، أيتها الحمقاء... ألا تعلمين أنني أنتظر هنا؟"
لماذا بدأ جسدي بالارتجاف؟ ألم أواجه رجلاً مشابهًا بشجاعة لتوي؟
"أنا... لقد تأخر صاحب المتجر في جلب التبغ."
"أعطني إياه."
تقدمتُ منه ومددتُ له الكيس الصغير، وفيه علبتان من التبغ، فسحبه من يدي بقسوة.
عندما تأكد أنها من نوعه المفضل، أومأ لي.
تراجعتُ بسرعة، متجهةً إلى غرفتي في الأعلى، لكن سؤاله أوقفني:
"أين العملات الزائدة؟"
لحسن الحظ أن الممرضة لم تأخذ مني أجرًا لمعالجتها، وإلا لاكتسبتُ عشرات الجروح البليغة.
تقدمتُ ووضعت العملات على المنضدة أمامه.
"جيد، بكِ حسنةٌ واحدة، وهي أنكِ لا تسرقين."
أردف بسخرية وهو ينظر إلي بطرف عينيه.
قبضتُ أصابع يدي، وقد اجتاحني قهرٌ وحقدٌ تجاهه ككل مرة، لكنني لم أجبْه وصعدتُ مباشرةً إلى غرفتي.
أغلقتُ الباب خلفي ثم نزعتُ معطفي ووشاحي.
أتساءل إن كانت حياتي ستسير على هذا النحو إلى نهاية عمري، أم أنه سيزوّجني لأحد أصدقائه الذين يمتلكون عقليةً مشابهة، وأقضي سنين عمري في جحيمٍ مختلف.
فقط... لا أعلم لماذا هناك فرقٌ بين الأنثى والذكر؟
ما الذي يفعله الذكر ولا تستطيع الأنثى فعله؟
بالطبع، هنالك اختلافات كثيرة بيننا، لكن هذا لا يعني أن لا قيمة للأنثى أمام الذكر!
تنهدتُ وجلستُ على سريري أضع معطفي بين يديّ.
لقد تمزق بسبب الزجاج الذي كسره والدي لتوّه.
وضعته على السرير ثم بحثتُ عن إبرة وخيط من أجل إصلاحه.
لقد تعلمتُ الخياطة في سنٍ صغيرة.
لم تكن والدتي تمنحني شيئًا من وقتها، ولم تكن تُرشدني في أمور الحياة.
فإذا ما مُزّق وشاحي أو اتسخ قميص مدرستي، أو شعرتُ بالجوع، أو حتى مرضت،
لم يكن أحدهما يطرق بابي سوى لأجل شراء شيءٍ ما لهما أو لإيلامي جسديًا ونفسيًا.
عليّ أن أخيط وشاحي بيدي، وأغسل قميصي، وأعدّ الطعام، وأشتري العلاج، وأُطَبّب نفسي بنفسي.
لم يُعلّمني أحدهما كيف أتصرف إن قام أحد ما بالتنمر عليّ، أو كيف أُكوّن صداقات، أو أتحدث مع الآخرين دون تلعثمٍ وارتباك.
بل تم تعليمي أن أصمت في جميع الأوقات، وألا أُبدي رأيي بتاتًا، وأن أعتذر عن كل صغيرة وكبيرة،
وكثيرٌ من الأفعال الخاطئة.
وللأسف، أعلم تمامًا ما يجب عليّ فعله والتصرفات الصحيحة، لأنني قرأتُ العديد من الكتب النفسية والإرشادية التي ترشد إلى السلوكيات السليمة والتربية السليمة كذلك،
لكن للأسف لا أستطيع تطبيقها هنا، في وكر الذئب.
أدخلتُ الخيط في الإبرة وبدأتُ أخيط الجزء الممزق من المعطف.
أتساءل ما الفائدة من خياطة الجزء الممزق؟
في النهاية، سيترك ندبةً لا تُمحى ويفسد شكل المعطف.
مثل جراحنا نحن البشر، مهما عالجناها، ستترك أثرًا بلا ريب،
أثرٌ يُذكّرنا في كل لحظةٍ بموقفٍ وحدثٍ سيئ ينغّص علينا حياتنا.
وهي جروحٌ جسدية، فما بالك بجروح الروح؟
كيف تُشفى ولا ضمادة لها ولا جبيرة؟
من يشفي الروح عند انكسارها؟ ومن يرممها؟
هل هناك فائدة حتى من تعلمي التصرفات الصحيحة وأنا هنا، في هذا المنزل؟
هل سأستطيع التصرف بطبيعتي حقًا دون الشعور بالخوف والقلق؟ دون التلعثم والارتباك؟
والأهم، هل سأجد شخصًا طبيعيًا بعقلية سليمة في محيطي؟
كفى أفكارًا وأحلامًا واهية، مليئة بالوردية،
لن أستطيع الخروج من هنا أبدًا، وإن خرجت، سأذهب إلى جحيمٍ آخر.
وقفتُ أعلّق معطفي على علاقة الملابس وتفحصتُ جسدي إن كان قد أُصيب مجددًا أم لا.
جيد، لم أُصب، لكن معطفي تمزق... عبستُ وتقدمتُ نحو السرير أستلقي تحت الغطاء، أحاول النوم مجددًا.
تحسستُ إصابة كتفي ورسمت ابتسامة فوق شفتيّ،
لقد أنقذني المتبرع من مشكلتين:
أولهما هو عدم امتلاكي للمال الكافي لعلاج كتفي،
وثانيهما أنه أنقذني من مصيبةٍ مع والدي، لأنني إن لم أُرجِع العملات الزائدة،
لكنتُ حصلت على كدماتٍ لا تُعد ولا تُحصى.
أشعر بالحزن من أجله، فقدَ زوجته وطفلته،
قطعتان من روحه معًا، أمرٌ في غاية الصعوبة.
مؤلم، وكأن روحك تُنزع منك قسرًا.
فلترقد روحهما بسلام.
أتساءل عن صاحب عيني العسل، هل إصابة كتفه بليغة؟
أشعر بالذنب حقًا، ربما عائلته قلقة عليه وأراد الوصول إليهم بسرعة، لهذا أسرع في خُطاه.
وأنا... ما الذي فعلتُه؟ طعنتُ كتفه بلا سبب!
وبالتأكيد آلمته وجعلته يتأخر عن الرجوع لعائلته.
إن رأيتُه مجددًا سأعتذر منه مجددًا...
كلا، لن أعتذر أبدًا، هو مغرورٌ في النهاية ويستحق،
رغم أنه لم يفعل لي شيئًا... لكنه تجاهلني.
عبستُ فورًا وأغلقتُ عينيّ،
لأبحر في عالم أحلامي المُسالِم، متمنيةً ألا أرى ذو عيني العسل المتعجرف مجددًا.
.
.
.
"لِما تركتِني؟"
"لِما لمْ تتمسَكي بي؟ "
"لِم! "
.
.
.
شهقتُ أستقيمُ بجِذعي العُلوي وامتلأت عينايَ بدموعٍ حارقة أحاولُ التقاط أنفاسي المسلوبة.
أمسكتُ رأسي أُخبئه بينَ ركبتيَّ، وأغلفُ جِذعي بغُصنَيَّ، أحاولُ تهدئةَ روحي.
كلا، أنا لم أتركه، لم أكن أنا...
عليّ أن أهدأ. تنفسي، أوار.
شهيق.
زفير.
شهيق.
زفير.
حسنًا، لقد كان كابوسًا فقط. ليس حقيقيًا. لقد تخطّيتِ الأمر، اهدئي.
طرقٌ ما على البابِ سلبَ تركيزي، وجعلني أعودُ لواقعي.
مَن يطرقُ بابَ غرفتي بهذا الاحترام؟
في العادةِ تُداهم غُرفتي وتزدادُ نوبةُ هلعي، أما الآن؟
سمحتُ للطَارقِ بالدخول بعدَ معاودتِه الطَرق.
فُتح الباب وظهرَ من خلفه إيدور.
أخي؟
ألم يعُد إلى مدينته البارحة؟
لو كنتُ أمتلكُ رفاهيةَ الانتقالِ والعيشِ مثل إيدور، لخرجتُ من المنزلِ ولم أعد إليه أبدًا.
أفضلُ العيشَ مع الضِباعِ على العيشِ هنا ما تبقى من حياتي.
أعلمُ أنه يعودُ لأجلي فقط.
لكنني لا ألومه، فهو لم يتلقَّ العُنفَ الموجَّه نحوي، ولم يرَ وحشيّتهما وجهًا لوجه.
ورغم ذلك، في كلِّ فرصةٍ تُتاح له للدفاعِ عني وصدِّهم لا يتردد، ويحاولُ الترفيهَ عني دائمًا حينَ يعود، باصطحابي لأماكنَ متعددة وتغييرِ الهالةِ الكئيبةِ التي تُحيطُ بي كوني أعيشُ في هذا المنزل الكئيب والغاضب أيضًا، إضافةً إلى أن والدي لا يسمحُ لي بالخروجِ أبدًا من المنزل، فأشعرُ بروحي تضِجُّ وتصرخ، وكأنها تودُّ الفرارَ من هذا العالم.
"أوار، اشتقتُ إليكِ"
اقتربَ مني، يرمي بجِذعه عليَّ، يُعانقني بشدة حتى كادَ يُدخِلني بين أضلعِه.
صدرَ مني أنينٌ مُتألمٌ إثرَ ضغطِه على كتفي عند احتضانه لي، فابتعد متوجسًا يتفقدُ جسدي بعينَيه، ثم نبس:
"هل اعتدى عليكِ مرةً أخرى؟ أين أصابكِ؟"
وجهتُ عينَيّ إلى كتفي بلا إدراك، فنظرَ هو أيضًا تجاه كتفي، ولاحظ وجودَ الضمادة.
لانت عيناهُ تجاهي، وفقدَ حماسَهُ برؤيتي، وذبُلت معالمُه.
أخفضَ رأسه ناظرًا إلى الأرض، ثم جلسَ راكعًا أمامي، واحتضنَ كفّيّ بينَ يدَيه:
"أنا آسفٌ، أوار. آسفٌ لأنني لستُ الأخَّ المناسبَ لكِ، لا أستطيعُ حمايتكِ ومواجهةَ والدي، ولا أستطيعُ إبعادكِ عنه.
أنا أعلمُ أن محاولتي للتواجدِ لا تكفي، وأن نُزهاتِنا الصغيرة لا تملكُ أثرًا فعالًا لوقتٍ طويل.
لكني أعدكِ أنني سأعوِّضك، أعدكِ أنني سأُبعِدكِ عنه في أولِ فرصةٍ تُخوِّلني لذلك.
أرجوكِ، أوار، تحمّلي قليلًا."
إيدور...
لا أريد أن أُصبحَ عبئًا وحِملًا ثقيلًا على كتفيه.
لا أريدُ منه إفسادَ نفسهِ وحياتهِ التي بدأَ بمعالجتِها لتوّهِ من أجلي.
أعلمُ أنه أيضًا لا يملكُ الحريةَ الكافيةَ خارج المنزل.
أعلمُ أن والدي يسلبُ منه راتبَه الشهريَّ دائمًا، ولا يدَعُ له إلا عُملاتٍ بسيطةً لا تكفيه، كونه يحتاجُ لدفعِ ثمنِ سريرهِ الذي ينامُ عليه، وطعامِه وشرابه.
أعلمُ أنه يدّخرُ جُلَّ مالِه المُتبقي لأجلي، من أجلِ إسعادي والترويحِ عن روحي.
أعلمُ أنه لا يأكلُ جيدًا من أجلِ ادخارِ المزيدِ من العملاتِ لي، وهذا واضحٌ من نقصانِ وزنهِ المُتكرر.
ولا يقطُنُ في مبنىً أو شقةٍ جيدة، بل يتشاركُ مع ستةٍ من أصدقائِه إحدى الغرفِ النائية.
لا يخرجُ معهم للتنزه، بل يحتفظُ بما لديه من عملاتٍ لإنفاقها عليّ، لأجلِ رؤيتي سعيدة.
يعملُ كطبيبٍ نفسي، لكنه لم يُنهِ سنواتِ دراستِه كاملة، ولهذا يبقى في خانةِ التدريب، وراتبُه الشهريُّ لا يكفي.
إضافةً إلى أن والدي يحتكرُ ثُلثيه.
فما كانَ منه إلا أن يعملَ كنادِلٍ في أحد المطاعمِ بدوامٍ جزئي، يُنفِقُ على نفسهِ من خلاله، ويدّخرُ البقيةَ لي.
"لقد وجدتُ عملًا إضافيًا، أوار.
هناكَ فندقٌ يحتاجُ إلى عاملين جدد، ويمنحُ راتبًا جيدًا أيضًا.
والجيّدُ أنه ليلًا. سأعملُ به هذا الشهر، وإن تم قبولي وأُعطيتُ راتبي، سأقومُ باستئجارِ شقةٍ لنا نحن الاثنين، بعيدًا عن هنا.
سأصطحبُكِ معي، وربما أستطيعُ السماحَ لكِ بدخولِ الجامعة إن تحسنت الأوضاعُ مستقبلًا."
كلا، إيدور...
لا أريده أن يُنهِك نفسه ويحاولَ جنيَ المالِ بأيّ طريقة.
أريدُ الخروجَ من هذا المنزلِ المشؤوم، لكن ليس على حسابِ راحةِ إيدور.
لا أريده أن يتشتّت ويضعُف أكثر من هذا.
أفلتُّ يداه، وحاوطتُ وجنتَيه بيديّ، ثم نبستُ بصوتٍ ملؤه الرجاء:
"إيدور، لا أريدُ منك أن تُهمِلَ نفسكَ لأجلِ خروجي من المنزل.
انظر كيفَ أصبحتَ كهيكلٍ عظميّ، انظر إلى وجهك في المرآة، مُتعبٌ ومُسودّ، وكأنّ همومَ الدنيا أجمعَها فوقَ كتفيك!
لا أريدُ أن أصبح عبئًا وحِملًا إضافيًا عليك.
سأحاولُ العملَ أيضًا، واكتسابَ بضعِ عملات، وأنت لن تذهبَ للعملِ في الفندق. اتفقنا؟"
عقدَ حاجبيه، ونظرَ لي بغضبٍ طفيف:
"أوار، أنتِ لستِ عبئًا ثقيلًا عليَّ. أنتِ شقيقتي!
وإضافةً إلى ذلك، لن أسمحَ لكِ بالعمل أبدًا. ما زلتِ صغيرةً على هذا.
سأعملُ أنا وأوفرُ لكِ ما تحتاجينه."
سحبتُ يديّ من وجنتَيه، وعقدتُهما على صدري، وخاصمتُ عينَيه فلم أنظر إليه:
"أعلم، لكنني سأعملُ وأساعدكَ بكسبِ المال، ولستُ صغيرة، فقد بلغتُ الثامنةَ عشر قبلَ عدّةِ أشهر."
نظرتُ له بجدية، وغرزتُ سبابتي في كتفه:
"وإن لم تسمح لي... فلن أذهبَ معكَ، حتى لو جمعتَ وحدكَ ملءَ الأرضِ ذهبًا."
"أوار!"
"ماذا؟"
"هل الآن قرّر عنادُكِ الظهور؟"
"أجل؟"
تنهدَ ووقفَ يُسرّحُ شعرهُ بيدَيهِ بهستيرية:
"لكن ماذا لو تعدّى أحدٌ ما عليكِ؟ أو ضايقكِ، أو أحزنكِ، ماذا لو وبّخكِ رئيسُكِ؟ ماذا لو..."
صمتَ حينَ قاطعتُه نابسةً بفخر:
"طلبَ مني والدي البارحة شراءَ تبغٍ في منتصفِ الليل، وعند عودتي حاولَ أحدُ الرجال الاعتداء علي، هل تعلمُ ماذا فعلتُ له؟"
خُطفَ لونُ وجهه، وأمسكَ كتفَيَّ يهزّهما ويتفحّصُ جسدي بعينَيه:"ماذا فعل؟ هل آذاكِ؟ يجب أن أصطحبَكِ إلى المشفى، هيا قفي..."
"لقد طعنتُ كتفَه ففرَّ هاربًا!"
حسنًا، ربما كذبتُ قليلًا و لم اقل الحقيقة الكاملة مفصلة، لكن يجبُ أن أجعله يثقُ بي وبأنني قادرةٌ على الدفاعِ عن نفسي.
سكنتْ ملامحه فجأة، ثم تبدّلت إلى صدمة، ينظر إليّ بغير تصديق:
"رجل؟"
أومأتُ له مؤكّدة.
"قمتِ بطعن كتفه؟"
أومأتُ له، ورفعتُ رأسي بغرور أنتظرُ ثناءه عليّ.
"أيتها الحمقاء!" ضرب جبينه بخفة، وهمس تحت أنفاسه بأنه يملك أحمق شقيقة في الدنيا.
مُسحت تعابير الغرور عن وجهي، ونظرتُ إليه بتردّد... هل فعلتُ شيئًا خاطئًا؟
لقد دافعتُ عن نفسي فقط...
"هل تعلمين أنك ستُسجنين إذا ما ذهب إلى مركز الشرطة؟"
ابتلعتُ ريقي بتوتر... أعني، أنا فقط...
"لقد دافعتُ عن نفسي فقط."
"كيف لقاطع طريق أن يهرب بمجرد طعنكِ له؟ هل أنتِ متأكدة أنه قاطع طريق؟"
كلا، لا تسألني... تبًا للّساني! ألم يكن عليّ الصمت فقط؟
"هل كان يبدو كقاطع طريق؟"
كلا... رغم ملابسه التي يغزوها السواد، إلا أنه بدا مرتبًا جدًا... ووسيمًا كذلك.
"آ... هو يبدو..."
"سُحقًا."
شابكتُ يديّ وجلستُ بأدب، أحدق به بمقلتيّ كجرو صغير.
هو لم يُلغِ الشرطة عني، أليس كذلك؟
"حسنًا، أوار... سنترك هذه المصيبة إلى وقت مناسب ونلتزم الصمت.
أما عن فكرة عملك، فأعدك أنني سأضعها في رأسي طوال هذا الشهر.
إن شعرت أنني متعب ولا أستطيع الاستمرار في ثلاثة أعمال، سأسمح لكِ بالعمل."
رائع.
لم أتوقع أنه سيوافق، رغم أنني أعلم أنه لن يعترف بكونه لا يستطيع الإكمال بثلاثة أعمال.
"اتفقنا؟"
"اتفقنا."
ارتسمت ابتسامة هادئة على محيّاه، ثم تنهد وعاد للجلوس بجواري، يلفّ غصنيه حولي.
"تركتكِ ليوم واحد، وقمتِ بكل هذه المصائب؟
ستكسرين الرقم القياسي لأكثر فتاة جاذبة للمصائب."
فرت قهقهة خافتة من حلقي، وشددت لفّ غصنايّ حول خصره.
"هل تريدين مداعبة شعري؟"
شعرت بحمم بركانية تصعد نحو وجنتي، دفعته لأُبعده عني، ووقفتُ أنظر إلى الخارج من نافذة غرفتي عابسة الثغر.
استمعت لقهقهاته من خلفي، وتمنيت أن تتشقق الأرض من تحت قدمي وتبتلعني.
هو يسخر مني كوني أحب مداعبة شعره منذ الطفولة، رغم أنني لم أعترف بذلك أبدًا، لكنه ظاهر مثل ظهور الشمس.
أشعر بالاسترخاء أثناء مداعبة شعره أكثر مما يشعر هو...
"إذًا، ما رأيك بالخروج للتنزه الآن؟"
تبدّلت ملامح وجهي في ثانية، وارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيّ.
"الآن؟"
"أجل، هل جدول مواعيدكِ فارغ، سمو الأميرة؟" نطق بتهكّمٍ يسخر مني، فتجاهلتُه، متوجهة نحو خزانتي لأرتدي ملابس مناسبة للنزهة.
"أين ستكون نزهتنا؟"
"إلى المكان الذي ترغبين به."
مكانٌ أرغب به؟
لا أعلم، أنا...
"ما رأيكِ بالذهاب إلى مدينة الألعاب؟"
مدينة الألعاب؟
التفتّ إليه أُطالع ثنايا وجهه بدهشة... هل هو جاد؟
"هل تمزح معي؟ لكنها باهظة، إيدور! نحتاج تذاكر للدخول، وتذاكر للألعاب!"
غمز لي، ثم تقدّم مني يُربّت على كتفي:
"لا تُلقي بالًا لهذه الأمور ودعيها عليّ، سأذهب لإعلام والدي، تجهّزي في هذه الأثناء."
أومأتُ له بسرعة، وشقّت الابتسامة أنحاء وجهي.
ألم أقل من قبل... إيدور هو الأفضل؟
بعثرت ملابسي أحاول اختيار ملابس مريحة كي لا تُعيق حركتي أثناء اللعب.
دار مقبض باب غرفتي بهدوء، ودخل شخصٌ ما وأغلق الباب خلفه.
ليس إيدور... وليس والدي بالتأكيد، لأنه لا يدخل بهذه الطريقة المُحترمة.
إذن هو...
"متى ستكفّين عن كونك عبئًا علينا؟"
قبضت على أطراف ثوبي أحاول الثبات من خلاله، التفتُّ أنظر إليها، ثم همست:
"أ.. أمي؟"
"لستُ أمًا لأحد، وخاصةً عبء مثلك!"
أراهن أنها سمعت صوت تحطم زجاج خافقي، لكنها لم تأبه، بل استمرّت بطَرق دبابيسها عليه، دون مراعاة كونه من الزجاج.
"هل انتقلتِ الآن إلى شقيقك؟ تريدين منه قتل نفسه لأجل خروجك من المنزل؟
كفّي عن كونك حِملًا ثقيلًا يُتعبنا! ألا تملّين من طرح طلباتك؟
هل تُريدين الخروج من المنزل لهذا الحد؟ حدّ قتل شقيقكِ في العمل؟
لن أسمح لكِ بقتل أحدٍ ما مجددًا أبدًا!
سأتحدّث إلى والدك ليعرضكِ على أحد أصدقائه، إن قَبِل بكِ كزوجة، فهنيئًا لكِ، وإن لم يقبل، فيكفيكِ لقب خادمة."
شددتُ على أطراف ثوبي، أستمعُ لكلماتها السامّة، واحدة تلو الأخرى.
أنا لا أريد قتل إيدور... كلا، هو أخي...
أخبرتُه ألا يُرهق نفسه في العمل، لكنه لا يُنصت.
لكنني لا أريد الزواج... لا أريد أن أصبح خادمة... لا أريد الانتقال إلى جحيمٍ آخر!
لم أستطع التماسك أكثر، فتفجرت ينابيع عيناي بدموع لا حصر لها.
أنا لست مجرمةً لأقتل من جديد...
طالعت يديّ بعد إحساسي بسائلٍ ما يُقطر منهما.
كلا... ليس مجددًا.
لِمَ يداي مملوءتان بالدماء؟
اختلط العالم في عينيّ، وبتُّ أمسح يديّ بثوبي باستمرار كي تذهب الدماء، لكن عبثًا!
امتلأ ثوبي بدماء يديّ، وما زالتا تُقطران دما.
كلا، أنا لم أفعل.
لم أفعل، لستُ أنا!
لِمَ لا تفهم هذه الدماء أنني لستُ الفاعلة؟
أنتِ أنانية ومريضة، تعشقين نفسكِ، ولا تهتمين إن قُتلت أرواحٌ في سبيل راحتكِ.
أنتِ قاتلة، أوار!
صدح صوتها خافتًا حتى أحسستُ أنها في مكانٍ بعيدٍ جدًّا عني.
أنانية
مريضة
قاتلة
أنا...؟
رفعتُ عيناي أنظر إليها، ثم نفيتُ بهمس:
"كلا... لستُ قاتلة، أو أنانية، أو مريضة. لستُ كذلك."
قاطعتني صارخةً في وجهي:
"بل أنتِ كذلك!"
لا أعلم من أين أتتني الشجاعة لأصرخ في وجهها:
"كلا، لستُ كذلك! أنتم السبب!
أنتم من جعلني بهذا الشكل! لقد جسّدتم أشكالكم الحقيقية فيّ!"
ألم فظيع اجتاح وجنتي إثر صفعتها التي وجهتها نحوي.
"لا ترفعي صوتكِ!"
لا أرفع صوتي؟ حتى في هذه اللحظة؟ رغم كل ما أخبرتِني به؟
تقدّمتُ نحو الباب لأشرع في فتحه والخروج منه بسرعة.
لا أريد البقاء هنا... لن أبقى ثانية أخرى.
أكرههم... أكرههم من كل قلبي!
"أوار، توقفي!"
سمعتُ صراخ والدتي من الخلف، لكنني لم آبه.
نزلت الدرج بسرعة، ولم أنتبه أن هناك من يصعد الدرج من الجهة الأخرى.
لم أستطع التوقّف في اللحظة الأخيرة، إذ كنت أنزل بسرعة كبيرة، فارتطمتُ به وسقط كلانا من أعلى الدرج.
شعرت بصفير حاد يخترق أذني، وتشوش العالم في عينيّ، فما عدتُ أرى بوضوح.
شعرت بألم حاد في رأسي، فتلمّسته، وعند إعادتي لأصبعيّ إلى مرأى عينيّ، وجدتهما ملوثين ببقعة قرمزية.
مرت عيناي على أرجاء المنزل، فرأيت جسد إيدور الملقى بجانبي.
سمعتُ خطوات والدي، وصرخات والدتي من بعيد...
أغشى الظلام عينيّ وعقلي، فتركتُ جسدي يسبح فيه بحرّية،
وآخر ما تفوهتُ به هو:
"لا تمت، إيدور... تحمّل."
.
.
.
*الكرونة: هي عملة النرويج.
اتمنى ان تجد في الرواية بعضًا منك، أو بعضًا ممّا كنت تظنه ضائعًا.
رِيمَـاس