اليوم الأول

اليوم الأول

22 0

استمتعوا

.

.

.

.

.

.

.

مرّ أسبوعان على تواجد سولميرا في باريس، واليوم ستذهب إلى الجامعة.

استفاقت باكرًا على غير عادتها، قبل أن يرن المنبّه حتى.

كان الصباح ينساب من بين ستائر غرفتها كخيوط ذهبية تُلامس وجهها برفق .

وقفت أمام المرآة تحدّق في انعكاسها كما لو كانت تراه لأول مرة.

شعرها الناعم انسدل على كتفيها، كانت ترتدي سترة رمادية بسيطة فوق قميص أبيض ناعم وسروال جينز داكن.

بعد أن رتبت حقيبتها ووضعت فيها دفتر ملاحظات جديد و أقلاما اختارتها بعناية خرجت من الغرفة بخطى هادئة.

في الرواق، التقت بثلاث وجوه مألوفة...

لارا، كلارا و إيميليا.

ابتسمت بخفة وقالت:

"صباح الخير."

إيميليا ردّت بابتسامة مشرقة:

"صباح الورد!!"

لارا أضافت و هي تحدق بها:

"صباح الخير لك أيضا."

أومات سولميرا بخفة، لكنها لاحظت أن كلارا لم تنبس ببنت شفة، فقط رمقتها بنظرة باردة قبل أن تمشي بجانبها بصمت.

لم تُعلّق وتابعت خطواتها مع الفتاتين نحو غرفة الطعام.

كانت المائدة معدّة كما هي العادة:

مربى، خبز طازج، الزبدة الفرنسية، عصير برتقال، وأكواب القهوة التي تفوح رائحتها عبر الغرفة.

جلست الفتيات الثلاث وانضمت إليهن سولميرا بهدوء.

بدأ الحديث يتناقر بينهن بينما كلارا كانت تكتفي بتناول طعامها دون أن تشارك.

قطع صوت خطوات ثقيلة الهدوء في الغرفة.

كان رافاييل ينزل من السلالم، شعره الأشعث يدّل على أنه استيقظ متأخرًا، وقميصه غير مرتب.

"آه، فاتني الفطور الجماعي؟"

قالها وهو يتثاءب.

إيميليا سخرت:

"ظننا أنك لن تأتي."

جلس بجانب كلارا، أخذ قطعة خبز و قال بينما يشير إلى الساعة:

"كيليان سيوصلنا، لا يجب أن نتأخر و إلا سيذهب إلى الشركة و يتركنا"

عند انتهاء الفطور، وقفت سولميرا وحملت حقيبتها، وإيميليا قالت بحماسة وهي تضع السماعات في أذنيها:

"فلننطلق، أول يوم لا يُعوّض!"

خرجوا معًا إلى ساحة القصر حيث كانت سيارة سوداء لامعة تنتظرهم، وكيليان يقف بجانبها، يستند على الباب ويضع نظاراته الشمسية.

"جاهزون؟" قال بلهجة مرحة، ثم فتح الباب الخلفي لهم.

صعدوا واحدًا تلو الآخر، بينما جلست سولميرا قرب النافذة، أسندت رأسها بخفة على الزجاج البارد، تراقب من خلاله تفاصيل القصر وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.

كانت الأشجار مصطفّة على جانبي الطريق وكأنها تصطف لتوديعهم.

إيميليا بجانبها كانت تضع سماعاتها وتتحرك بانسجام مع الموسيقى، بينما جلست كلارا بصمت تام تطالع هاتفها وكأن العالم لا يعنيها، أما لارا فكانت تضع بعض المكياج الخفيف عبر مرآة صغيرة من حقيبتها، ثم نظرت نحو سولميرا وسألتها بفضول:

"هل أنتِ متوترة؟"

أجابت سولميرا بنبرة خافتة:

"قليلاً... لكنني متحمّسة أيضًا."

ابتسمت لارا بخفة وقالت بنبرة مشوبة بالمزاح:

"لا داعي للقلق، ثم إن هذا جيد، كنت سأقلق لو أخبرتني أنك مرتاحة تماما"

اكتفت سولميرا بابتسامة قصيرة ثم التفتت تنظر من النافذة فرأت مباني باريس تتغير تدريجيًا من الفيلات الراقية إلى المباني الجامعية الحديثة والمقاهي الصغيرة التي تزدحم بالطلاب،كانت الحياة تدبّ في كل شيء.

توقفت السيارة أمام مبنى جامعة السوربون، حيث كانت الحركة تعجّ بالمكان، الطلاب يتنقلون بين الأرصفة، يضحكون، يتبادلون الكتيّبات، فيما علَت لافتة الجامعة القديمة بلونها الذهبي فوق المدخل الحجري العريق

فتحت الباب ببطء ونزلت، تبعتها الفتيات الأخريات، بينما أغلق كيليان الباب وقال:

"أنا هنا لاصطحابكم الرابعة مساءً، لا تتأخروا."

لوّحت له إيميليا بمرح، بينما وقفت سولميرا تتأمل المبنى الشاهق أمامها، النقوش على الواجهة، الأعلام، واللافتات التوجيهية، كل شيء بدا جادًا ومهيبًا، ثم ألقت ببصرها نحو المدخل الرئيسي، كلارا كانت تمشي أمامهن، لم تنظر حتى خلفها، بينما لارا وإيميليا تبادلتا النظر ثم سحبتا سولميرا من ذراعها.

س

حبت لارا ذراع سولميرا برفق وقالت:

"يبدو أنكِ ستبقين هنا إلى الأبد إن واصلتِ التأمل!"

ضحكت المعنية بخجل، بينما تبادلت لارا وإيميليا نظرات مشاكسة.

ثم أردفت لارا وهي تشير إلى اللافتة الجانبية:

"محاضرتنا في الطابق الثاني، هيا كلارا!"

ردّت كلارا دون أن تلتفت:

"أعرف."

ثم تابعت سيرها بخطى واثقة وتبعتها لارا بعد أن ودّعت سولميرا بإيماءة سريعة.

لم تبقَ سوى إيميليا وسولميرا عند المدخل، تتصفحان أوراق الجداول وتتحقّقان من أسماء القاعات.

قالت إيميليا وهي تقرّب الورقة من عينيها:

"حسنًا، أنا في قاعة D-12... وأنتِ؟"

أجابت سولميرا وهي تبحث في ورقتها:

"أنا في D-9...."

دخلتا و بدأتا تتفقدان القاعات، و أثناء بحثهما أدارت سولميرا رأسها نحو إيميليا و سألت بفضول:

"بالمناسبة، هل لارا وكلارا تدرسان نفس التخصص؟"

ابتسمت إيميليا :

"نعم، الاثنتان تدرسان علم النفس... رغم أن شخصياتهما مختلفة تمامًا."

رفعت حاجبيها ثم أضافت مازحة:

"كلارا تدرس النفس البشرية وكأنها تجربة يجب إخضاعها للتحليل، أما لارا فتركز على الفهم والتعاطف... فرق واضح، أليس كذلك؟"

ضحكت سولميرا بخفة، لكن قبل أن ترد، أشارت إيميليا إلى قاعة على اليمين وقالت:

"آه، هذه قاعتي! D-12. حظًا سعيدًا سولميرا!"

"شكرًا، وأنتِ أيضًا!" ردّت سولميرا، وهي تراقبها تدخل القاعة وتلوّح لها للمرة الأخيرة.

مرّت دقائق طويلة، وسولميرا لا تزال تتنقل بين الممرات، عيناها تتفحصان الأرقام المعلقة فوق الأبواب، لكن قاعة D-9 لم تظهر.

ازدادت ضربات قلبها توترًا وبدأ القلق يتسلل إلى ملامحها، خاصّة مع ازدياد عدد الطلاب الذين دخلوا إلى قاعاتهم وأغلقوا الأبواب خلفهم.

توقفت عند زاوية الممر، قلبت الورقة مرة أخرى كأنها قد تخطئ، ثم رفعت بصرها تبحث عن شخص تسأله لكن المكان بدا شبه خالٍ.

كانت على وشك التوجه إلى الدرج لتسأل أحد المارة، حين سمعت صوتًا رجوليًا هادئًا خلفها:

"هل أضعتِ شيئًا؟"

استدارت بسرعة، لتجد شابًا طويل القامة يبدو في نهاية العشرينيات، بشعر بني داكن ونظرات جادة، يرتدي معطفًا طويلاً بلون كحلي وفي يده ملفّ جلدي.

ترددت للحظة، ثم قالت بصوت خافت: "في الواقع... نعم، أبحث عن القاعة D-9، لكنني لم أتمكن من إيجادها."

ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، وقال بنبرة مطمئنة: "صدفة جميلة... فأنا ذاهب إلى D-9 أيضًا."

اتسعت عيناها بدهشة طفيفة، ثم سألته: "حقًا؟ هل تعرف الطريق؟"

"بالطبع."

أجاب وهو يشير بيده نحو الممر المقابل

"المبنى قديم، وبعض القاعات تم نقلها مؤقتًا إلى الجناح الخلفي، من السهل أن تضيع وسط اللافتات."

سار أمامها بخطوات واثقة، فتبعته سولميرا وقد شعرت بقليل من الارتياح.

بينما كانا يعبران الممر، سألها بلطف:

"طالبة جديدة، أليس كذلك؟"

أومأت برأسها:

"نعم، اليوم أول يوم لي هنا."

"فهمت."

قال دون أن ينظر إليها، ثم أضاف:

"لا تقلقي، الجميع يضيع في اليوم الأول، حتى أنا فعلت ذلك قبل سنوات."

نظرت إليه باستغراب:

"إذًا... أنت لست طالبًا؟"

ابتسم ابتسامة صغيرة دون أن يجيب مباشرة،

وتوقف أمام باب خشبي أنيق يحمل لافتة صغيرة كتب عليها: D-9، ثم أدار مقبض الباب وقال:

"تفضلي، قاعتك."

دخلت بخطى مترددة بينما تتفقد المكان بعينيها ، كانت القاعة واسعة ذات نوافذ طويلة وستائر بيضاء نصف مسدلة، والمقاعد مصطفّة على شكل نصف دائري يواجه مكتبًا كبيرًا خشبيًا في المقدمة.

اختارت مقعدًا في الصف الثاني قرب الجدار وجلست ببطء، وضعت حقيبتها إلى جانبها وأخذت نفسًا عميقًا.

لم تمر سوى لحظات حتى فُتح الباب مجددًا

ودخل هو ، الشاب الذي أرشدها منذ قليل ، نفسه، لكن هذه المرة كان أكثر جدية.

خطواته كانت ثابتة، لم ينطق بكلمة بل اتجه مباشرة نحو المكتب.

وضعت سولميرا يدها على الطاولة أمامها، تحدّق فيه بحيرة.

وقف خلف المكتب ثم رفع نظره إلى الطلبة وقال بنبرة رسمية:

"صباح الخير، أنا أليكس بوردان، المعيد المسؤول عن هذه القاعة،سأرافقكم خلال هذا الفصل في أعمال التطبيق والنقاشات الميدانية."

تجمّدت ملامح سولميرا، واتسعت عيناها في ذهول واضح.

ماذا؟! هو المعيد؟!

لكن... لكنه لم يقل شيئًا! بل حتى جعلها تعتقد أنه طالب مثلها!

راحت تتذكر كلماته: "حتى أنا ضعت في أول يوم."

أيعقل أنه كان يمازحها؟ أم أنه تعمّد تركها في جهل متعمد بهويته؟

شعرت بموجة حرّ تصعد إلى وجهها، بين الإحراج والارتباك وحتى... الغيظ الخفيف.

رفع أليكس رأسه للحظة ووقعت عيناه على وجهها. لم يبدُ عليه أي أثر للسخرية، فقط ابتسامة خفيفة .

قال وهو يفتح الحاسوب المحمول أمامه: "آمل أن نجد بداية موفقة هذا الفصل"

ساد الصمت في القاعة لثوانٍ، فيما كانت أنامل البعض تعبث بأقلامهم، وآخرون يتفقدون دفاترهم .

أما سولميرا، فكانت لا تزال مشوشة، تحاول أن تضبط تعابير وجهها وتمنع حدقتيها من التحديق فيه بذهول.

"سأبدأ بمناداة الأسماء، أرجو أن يُجيب كل من يُنادى اسمه."

بدأ أليكس يتلو الأسماء الواحد تلو الآخر بنبرة رسمية، هادئة وثابتة، تتابع صوته كأنّه يفرض النظام فقط بمجرد وجوده.

"كارولين دوبوا؟"

"هنا."

"مارك أندريه؟"

"نعم."

"سولميرا مولر؟"

رفعت يدها بسرعة وقالت بخفوت:

"موجودة."

حين أنهى المناداة أغلق الملف على الشاشة وقال:

"هذه الحصة ستكون تعارفًا أوليًا وتقديمًا عامًّا للمنهج، لن نبدأ في الدروس الثقيلة بعد، سنأخذ وقتنا لفهم طبيعة العمل هنا، خاصة أن أغلبكم، إن لم يكن كلكم، يخطو أولى خطواته في هذه البيئة الجامعية."

توقف لحظة وهو يجيل نظره في القاعة، ثم أضاف:

"سأطلب من كلٍّ منكم أن يقدّم نفسه بإيجاز: الاسم، المدينة التي أتى منها، ولماذا اختار هذا التخصص. الأمر بسيط."

بدأت الجولة من الصف الأول، وتوالت الأصوات، مترددة أحيانًا، ومتحمسة أحيانًا أخرى.

اقترب الدور من سولميرا، وشعرت بانقباض خفيف في صدرها.

عبثت بطرف كُمّ قميصها دون وعي، وعندما ناداها بنبرة هادئة:

"آنسة مولر؟"

رفعت عينيها نحوه، وأجابت بثبات حاولت أن تحافظ عليه:

"اسمي سولميرا مولر، من ألمانيا.

هذه سنتي الأولى في باريس... واخترت تخصص العلوم السياسية والاقتصاد لأنني أريد أن أفهم كيف تُصنع القرارات التي تؤثر على حياتنا اليومية، وكيف يمكن للسياسة والاقتصاد أن يشكّلا مصير الشعوب."

ساد صمت قصير، ثم أومأ أليكس بإيماءة خفيفة وقال:

"رؤية ناضجة... مرحبًا بكِ."

ابتسمت بخفة وهزّت رأسها ، وبعد أن عرف جميع من في القاعة بأنفسهم بدأت المحاضرة.

أعادت سولميرا بصرها نحو دفترها، وبدأت تنصت وتسجّل ملاحظاتها بهدوء.

كانت الكلمات تتوالى، والوقت يمضي بسلاسة.

في البداية شعرت ببعض التوتر، لكن شيئًا فشيئًا بدأت تألف الجو الجامعي من حولها وتركّز على ما يُقال.

الهدوء يخيّم على القاعة، لا يُسمع سوى صوت أقلام تتحرك فوق الورق وصفحات تُقلّب بين حين وآخر.

ومع مرور الدقائق، بدأت سولميرا تشعر بشيء من الراحة، وكأنها بدأت تخطو أول خطوة حقيقية في هذا العالم الجديد.

..........

انتهت المحاضرة الأولى بهدوء، وتبعتها ثانية ، ثم ثالثة.

ما إن رنّ الجرس الأخير حتى بدأت الحركة تدبّ في القاعات والممرات، الطلبة يغادرون، والهمسات تملأ الجو.

جمعت سولميرا أغراضها بتأنٍ وخرجت من القاعة بخطى متباطئة. شعرت ببعض الإرهاق، لكن أكثر ما كانت تحتاجه هو أن تُحدّث أحدًا ، وتحديدًا إيميليا.

وما إن خرجت من المبنى الرئيسي حتى لمحتها تقف عند مدخل الساحة، تلوّح لها من بعيد.

"هااااي! كيف كان يومكِ؟" سألتها إيميليا بلهجة حماسية وهي تقترب.

ابتسمت سولميرا وقالت وهي تخرج دفترها من الحقيبة:

"غريب... لكن جيد، تخيلي أن المعيد المسؤول عن قاعتي هو نفسه الذي ساعدني في إيجادها."

اتسعت عينا إيميليا بدهشة:

"حقًا؟! وهل كان وسيماً؟"

ضحكت سولميرا بخفة:

"ممم... لا أعلم، لم أفكر في ذلك."

"أنا فكّرت!" قالت إيميليا بسرعة ثم أردفت بحماسة وهي تضع يدها على قلبها:

"معيدي وسيم جدًا... أعتقد أنني وقعت في حبه من النظرة الأولى!"

قهقهت سولميرا، وقبل أن ترد، سمعتا صوتًا من خلفهما يقول بسخرية واضحة:

"كم هذا ناضج منكِ إيميليا، نبدأ الجامعة وتقعين في الحب قبل أن تتسلّمي جدولك حتى."

استدارتا معًا، وإذا بلارا واقفة إلى جانبهما، ووراءها كلارا التي كانت تتفقد هاتفها.

"أوه، لارا! لا تفسدي اللحظة!" نبست إيميليا بمرح، ثم ضمّت ذراعيها إلى صدرها كمن يحلم:

"أنا رومانسية بالفطرة، كما تعلمين، قلبي لا يقاوم الوسيمين"

ردّت كلارا دون أن ترفع نظرها عن الهاتف:

"نأمل فقط ألا يكون قلبك هو سبب رسوبك في أول فصل."

ضحكت الفتيات، ثم تحركن معًا نحو المطعم الجامعي. جلسن حول طاولة قريبة من النافذة، وبدأن يتبادلن الأحاديث، يروين ما مرّ بهن في أول يوم.

.........

حلّ المساء وبدأت أشعة الشمس تنسحب تدريجيًا خلف الأبنية تاركة خلفها ظلالًا دافئة تتسلل بين الأشجار والأرصفة.

انتهى اليوم الدراسي، والتقت الفتيات عند بوابة الجامعة.

كانت سولميرا تتكئ على العمود الحجري بجانب البوابة بينما جلست لارا على الدرج الصغير تنقر على شاشة هاتفها بلا اهتمام، وكلارا واقفة تراجع ملاحظاتها بصمت.

أما إيميليا فكانت تراقب الطريق بترقب، عيناها تتنقلان بين الساعة والبوابة.

بعد لحظات انضم إليهن رافاييل بخطاه الهادئة المعتادة، يلوّح بيده لهم بابتسامة خفيفة، فأجابته الفتيات كل بطريقتها، أما كانت كلارا قد اكتفت بإيماءة بالكاد تُلاحظ.

كانت الساعة تشير إلى الرابعة إلا خمس دقائق، لم يتبقَّ الكثير على موعد وصول كيليان.

وبينما هم ينتظرون، طرأ سؤال على ذهن إيميليا لم تستطع كبحه.

التفتت إلى رافاييل بنظرة فضول صريح وقالت: "أنت... تستطيع القيادة، فلماذا تنتظر كيليان معنا؟"

تجمّد رافاييل لثوانٍ كأنه لم يتوقع السؤال، ثم رفع حاجبيه قليلًا و أجاب بصوت منخفض وكأنه يعترف بسر محرج:

"في الواقع... لا يُسمح لي بالقيادة حاليًا."

اتسعت عينا إيميليا بدهشة: "حقًا؟ لماذا؟"

تنهد ووضع يديه في جيبيه، ثم قال بنبرة تحمل مزيجًا من الانزعاج والتسلية:

"الجد ألبرت منعني من القيادة لشهر بعد أن... تسببت في حادث بسيط أثناء القيادة بسرعة."

شهقت لارا ووضعت يدها على فمها:

"أوه، متى حدث ذلك؟هل كنت بخير؟"

هزّ كتفيه بلا مبالاة مصطنعة:

"قبل أسبوعين، و نعم أنا بخير تمامًا، السيارة؟ لا بأس، عانت قليلًا، لكن بالنسبة للجد كان ذلك كافيًا ليمنعني من لمس المقود مجددًا."

تدخلت لارا بابتسامة ساخرة دون أن ترفع رأسها عن الهاتف:

"هاه، هذا يفسّر كل شيء، ألبرت لا يرحم حين يتعلق الأمر بالقواعد."

وصل صوت محرّك السيارة الفاخرة قبل أن تلوح في الأفق، ثم توقفت بهدوء أمام رصيف الجامعة وخرج منها كيليان، أنيق كالعادة بقميص أبيض مفتوح الزرّين العلويين وسروال رمادي، يضع نظارات شمسية سوداء زادته هالة من الثقة.

رفع نظارته قليلًا على جبينه وقال بابتسامة جانبية: "مساء الخير يا أميرات،آسف على التأخير، الاجتماع مع أبي كان أطول من المتوقع."

لوّحت له لارا من بعيد وهي تنهض: "تأخرت خمس دقائق فقط، لا بأس"

فتح كيليان الباب الخلفي بلطف، فصعدت سولميرا أولاً وجلست قرب النافذة، ثم تبعتها لارا التي ألقت بحقيبتها بكسل وجلست وهي ترفع قدماً فوق الأخرى، ثم إيميليا، تليها كلارا التي دخلت دون أن تنبس بكلمة، بينما اتخذ رافاييل مكانه إلى جانب كيليان في المقعد الأمامي.

تحرّكت السيارة بسلاسة خارج الحرم الجامعي، وصوت العجلات يهمس فوق الطريق المبلل بظلّ الأشجار. الهواء المنعش دخل من النوافذ نصف المفتوحة، محمّلًا برائحة أوراق الشجر والغبار الخفيف.

في الداخل، عمّ هدوء مؤقت، كأن الجميع يستجمع أنفاسه بعد يوم دراسي طويل.

""أنا جائعة"

تمتمت إيميليا فجأة وهي تميل برأسها إلى الخلف وتغمض عينيها بتنهيدة صغيرة.

نظر إليها رافاييل من المقعد الأمامي عبر المرآة، وقال بنبرة هادئة وهو يبتسم قليلاً:

"اصبري قليلاً آنسة متلهفة... سنصل إلى المنزل خلال عشر دقائق، ويمكنك تناول ما تشائين حينها."

تدخّل كيليان وهو ينعطف بهدوء:

"اطمئنوا، الطباخة تعلم أننا عائدون، أعدّت شيئًا خاصًا."

حين وصلت السيارة السوداء إلى بوابة القصر الحديدية انفتحت تلقائيًا بهدوء،  دخلت السيارة ببطء عبر الطريق الحجري المحاط بأشجار الزيزفون القديمة والمصابيح الصغيرة التي بدأت تتوهّج مع اقتراب الغروب.

"ها قد عدنا"

قال كيليان وهو يوقف السيارة بلطف أمام الدرج الخارجي الواسع.

قفز رافاييل من السيارة أولًا ودار حولها ليفتح الباب لإيميليا التي خرجت وهي ترفع شعرها إلى الخلف بتنهيدة تعب.

خرجت سولميرا بعدها وخلفها لارا وكلارا.

ارتفع صوت خطواتهم على درجات الرخام الباردة، وفي اللحظة التي وصلوا فيها إلى الباب، فُتح من الداخل لتظهر كبيرة الخدم بابتسامتها المعتادة قائلة:

"أهلًا بعودتكم، العشاء سيكون جاهزًا خلال عشرين دقيقة."

دخلوا جميعًا إلى الردهة الرئيسية، حيث بدأ الدفء يتسلل من الأرضية الخشبية اللامعة، والروائح الطيبة تتصاعد من المطبخ، عابقة بخليط من الأعشاب والزبدة والثوم.

قالت إيميليا بابتسامة حالمة:

"أشم لازانيا... ماذا عنكم؟"

ضحكت سولميرا بخفّة ثم صعدت معهن إلى الطابق العلوي، صوت خطواتهن كان يتردّد على السلالم الرخامية قبل أن تتفرّق كل واحدة منهن إلى جناحها. كان الممر الطويل مضاءً بأنوار ناعمة تُلقي بوهج ذهبي على الجدران وستائر ثقيلة تعانق النوافذ من الطرفين.

وصلت سولميرا إلى باب غرفتها وفتحته بهدوء ثم دخلت و أغلقته خلفها.

لكنّها توقفت.

على سريرها وُضِعت رسالة مطويّة بعناية… وفوقها وردة حمراء.

نفس المشهد، نفس التفاصيل، نفس الرائحة...للمرة التاسعة خلال أسبوعين .

وقفت عند المدخل، قلبها ينبض  بتوتّر لم تستطع كبحه، لا شيء آخر في الغرفة تغيّر، كل شيء يبدو طبيعيًا، مرتبًا كما تركته.

لكن وجود تلك الرسالة أصبح عادة غريبة تؤرقها أكثر من كونها تسعدها.

اقتربت ببطء، أصابعها ترتجف بخفّة، التقطت الوردة أولًا، ورفعتها نحو أنفها،  كانت ندية، كأن شخصًا ما وضعها منذ دقائق فقط.

حدّقت في الرسالة المغلقة، لا اسم، لا توقيع، لا أي علامة تدل على مرسلها.

الورقة من النوع السميك، بلون عاجي ومطوية بطريقة أنيقة جدًا.

راودتها فكرة إخبار إيميليا،  أو ربما لارا،لكنها ترددت.

كانت تخشى أن يفسرن الأمر على أنه "غرام سري مثير" أو يشرعن في تحقيقات، وربما يشتبهن في أحد الفتيان من العائلة.

آخر ما تريده هو أن تتحول غرفتها إلى مسرح تخمينات وثرثرة.

أو… ماذا لو كان أحدهم يمزح؟ مزحة سخيفة فقط! من باب الاستفزاز؟

زفرت بضيق وجلست على حافة السرير:

"حسنًا... لنرَ ماذا كتبت هذه المرّة."

فتحت الرسالة ببطء، تطلّعت إلى السطور بعينين ضيقتين و بدأت بالقراءة:

"حين تمرّين قُربي لا أتنفّس، وحين تغيبين… أختنق، أمرّ بكِ كالعابر… لكن داخلي، تقوم العواصف.

أنا لا أعرف كيف بدأت، ولا متى بدأت،

لكنني أعرف أنني الآن لم أعد أملك منّي شيئًا.

وإن كنتِ لا ترينني الآن،

فذلك لا يهم، لأنني أراكِ… وسأظلّ أراكِ… حتى تُصبحي لي."

تجمّدت نظراتها، الكلمات الأخيرة ارتجّت داخل عقلها كصفعة.

هذه المرة لم تكن رومانسية، كانت غريبة، مظلمة قليلاً.

شعرت بقشعريرة تسري في عمودها الفقري، قلبها بدأ ينبض بسرعة غير مريحة.

هذه لم تعد مزحة، ولا يمكن أن تكون مجرّد لعبة.

أحدهم… يراقبها، بل و ربما يدخل إلى غرفتها

من؟ ومنذ متى؟ وهل كانت وحدها فعلًا كل ليلة؟

ضمت الرسالة بيديها المرتجفتين، تنهّدت بعُمق، ووضعتها مجددًا في الدرج السفلي من طاولتها.

"لا… لن أُخبر أحدًا."

همست لنفسها، ليس بعد.

لكن عقلها لم يصمت، راح يدور، يستعرض الوجوه،

والأدهى  أن جزءًا صغيرًا جدًا منها أراد أن يعرف من هو، حتى لو خافت.

..........

نزلت سولميرا إلى الطابق السفلي، خطواتها كانت متباطئة كأن شيئًا يثقل روحها.

شعرت بأن جدران القصر أضيق من المعتاد، وكأن الهواء نفسه صار أثقل من أن يُستنشق.

دخلت قاعة الطعام بهدوء، متجنبة النظرات، ووجهها لا يحمل سوى تعبير واحد: شرود تام.

لم تكن جائعة، لكن البقاء وحدها في الغرفة بعد تلك الرسالة الغامضة بدا أشبه بالاختناق.

دخلت قاعة الطعام لتجد العائلة قد بدأت بالفعل، بعضهم يتناول طعامه بصمت وآخرون يتبادلون الأحاديث الخفيفة.

جلست بجانب إيميليا ، فيما رفعت لارا نظرها إليها وحدّقت قليلاً.

"سول، هل أنتِ بخير؟"

همست إيميليا وهي تميل قليلاً نحوها.

رفعت  رأسها ببطء، ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة وهزّت كتفيها:

"أنا بخير، لا تقلقي."

لكنّ نظرتها كانت شاردة، وعينيها لم تركزا على شيء معين.

كانت تحرّك الشوكة في طبقها دون أن تأكل فعليًا.

"أنتِ لستِ بخير، أعرفك."

قالت لارا بنبرة ثابتة وهي تحدّق فيها دون أن ترمش.

"وجهكِ شاحب، ونظركِ... تائه."

سادت لحظة صمت قبل أن تهمس إيميليا مرة أخرى، هذه المرة بقلق واضح:

"هل حدث شيء؟ هل قال لكِ أحد شيئًا؟"

رفعت سولميرا نظرها إليهما، تردّدت، كانت الكلمات عالقة في حلقها، مختلطة بمشاعر غامضة لم تستطع بعد تسميتها.

حدّقت في إيميليا، ثم في لارا، ثم تنهدت بهدوء و أجابت:

"لا... لم يحدث شيء، فقط... أشعر بالتعب قليلاً."

لم تكن كاذبة بالكامل، لكنها لم تكن صادقة تمامًا أيضًا.

إيميليا عقدت حاجبيها:

"متأكدة؟ لا تبدين بخير."

"متأكدة لا تقلقي، أحتاج فقط إلى نوم طويل." قالتها بنبرة حاولت أن تجعلها مقنعة.

لكنّ شخصًا ما كان يُصغي لكل حرف،كان جالسًا في الجهة المقابلة من الطاولة.

إيفان...

بدا كأنه مندمج في الحديث مع غابرييل، لكنه لم يكن كذلك، عيناه كانتا عليها.

كان قد سمعها... سمع كلّ شيء، و استنتج أن هذا هو رد فعلها بعد قراءتها لرسالته.

انفرجت زاوية فمه بابتسامة صغيرة، بالكاد تُرى، لكنها لم تكن مريحة... بل حملت شيئًا آخر.

ارتياحًا؟ تملكا؟

لا، بل ذلك الرضى الغامض حين يكتشف أن خيوطه قد بدأت تلتفّ حولها ببطء.

ظل يراقبها من خلف كأسه كما لو كانت لوحة فنية يمكنه تأملها للأبد.

كان يرى كيف تختبئ خلف ابتسامات باهتة، كيف تحاول أن تتظاهر باللامبالاة وهي أبعد ما تكون عنها.

إنها تتقلّب الآن، تفكّر، تخشى، تتسائل…

وقد أحبّ ذلك، بل عشقه، كونها تفكر بشيء متعلق به هو

"هل ستأكل أم ستواصل التحديق كالعاشق الأبله؟"

جاء صوت غابرييل بجانبه، مما جعله يرمش ببطء ويشيح بنظره عن سولميرا.

رمقه بنظرة جانبية كأنّه قطع عليه لحظة نادرة، بل أفضل لحظات حياته، ثم قال بنبرة باردة حادة:

"وهل ستأكل أنت، أم تواصل مراقبة ما أفعله؟"

رفع غابرييل حاجبيه بدهشة ثم ضحك بخفة محاولًا تخفيف التوتر:

"يا رجل، كنت فقط أمزح… لا حاجة لكل هذه العدوانية."

لكن إيفان لم يرد، عاد إلى طبقه بصمت وكأن شيئًا لم يُقل، بينما عادت تلك الابتسامة الخافتة لتطفو على شفتيه، باهتة، مشبعة بالرضى.

هو لا يحب أن يُقاطع،  خاصة عندما تكون هي في مرمى نظره.

....................

ب

عد أن انتهى العشاء انفضّت الطاولة تدريجيًا. ارتفعت الضحكات هنا وهناك حول أول يوم جامعي،

لكن رغم كل الأحاديث، ظلّت عينا لارا تراقبان شقيقتها.

كلارا بدت  مختلفة.

كانت صامتة أكثر من اللازم، حتى ابتسامتها كانت مشدودة، مصطنعة، وفي لحظة ما لاحظت أنها كانت تحدّق بسولميرا بطريقة غريبة، متجمدة كما لو أن وجود الفتاة أمامها يثير شيئًا... مظلمًا.

وبعد أن صعد الجميع إلى غرفهم قررت لارا ألا تتجاهل شعورها هذه المرة.

توجهت إلى جناحها ثم خرجت مجددًا بعد دقائق وتوجهت مباشرة إلى غرفة كلارا.

طرقت الباب ثلاث مرات بخفة فلم يأتيها رد،

لكنها لم تتراجع، فتحت الباب ببطء وأدخلت رأسها.

"كلارا؟"

في الداخل، كانت الأضواء خافتة والنافذة مشرعة، والهواء يحمل نسمات الليل الباردة.

كلارا لم تكن على سريرها بل كانت واقفة أمام منضدة الزينة، تدور ببطء وهي تمسك علبة عطر فارغة، تدور بها بين أصابعها كأنها تحاول كسرها دون أن تفعل.

"كلارا؟"

نادت لارا من جديد وهي تدخل بهدوء.

استدارت كلارا فجأة، وكأنها كانت غارقة في عالم آخر، وعيناها تلمعان بشيء غير مريح.

"أوه… لارا. ماذا تفعلين هنا؟"

تقدمت منها بحذر ووضعت يديها على خاصرتها:

"كنت سأسألك نفس السؤال، ما خطبك؟ أنتِ تتصرفين بغرابة منذ أيام، حتى أثناء العشاء بالكاد تكلّمتِ."

هزّت كلارا كتفيها بتثاقل.

"أنا بخير."

"لا، لستِ كذلك."

قالت لارا بإصرار، وهي تقترب أكثر.

"أنا أختك. أعرفك. هناك شيء يشغل بالك، وشخص ما يزعجك… أهو أحد في الجامعة؟"

سكتت كلارا.

"كلارا، تكلمي."

قالتها لارا بنبرة منخفضة، لكن عينيها لا تتركان أختها.

"ما الذي يحدث معك؟"

مرّت لحظة صمت طويلة، قبل أن تضع كلارا العلبة من يدها وتهمس بصوت خافت:

"لارا…"

"نعم؟"

رفعت عينيها إلى أختها وقد بدا فيهما شيء مظلم، شيء يشبه الألم ممزوجًا بالحقد ثم نبست ببطء:

" ساعديني في التخلص من سولميرا."

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

الفصل الثامن✓

أرجو أن تكونوا قد استمتعتم

من أي دولة تقرؤون الرواية؟؟

1

ما رأيكم بالفصل؟

و أخيرا سولميرا في الجامعة

ضياعها في الممرات؟

مساعدة المعيد لها...ما رأيكم به؟

لا تنسوه لأنه سيكون له دور مهم في الرواية

إيميليا و رومنسيتها المفرطة؟؟

الرسالة....مجددا؟

شعور سولميرا حين قرأتها؟؟

كلارا و مخططاتها الشريرة

هل ستقبل لارا بمساعدتها؟

1

.

.

.

.

.

.

.

إلى اللقاء في الفصل القادم 🌷

أحبكم✨

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Unexpected love

المؤلف Nov_Calista
2025/07/29 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة