استمتعوا
.
.
.
صباح يوم الجمعة في صيف باريس عام 2022
استفاقت أليس لورنت على نغمات مقطوعتها الكلاسيكية المفضّلة تعزف برقة من هاتفها الموضوع على منضدة خشبية قرب سريرها. كانت الشمس قد بدأت بالزحف عبر ستائر الشقة البيضاء، تنشر دفئها في زوايا المكان. رفّت بعينيها قليلاً، ثم نهضت بحيوية غير معتادة، وكأن مزاجها مشرق كالصيف الذي بدأ للتو.
هذه شقتها الخاصة في باريس، التي تفضلها خلال بداية الإجازة الصيفية، إذ تحب أن تبتعد مؤقتًا عن دلال أنطوانيت ليكوناس الذي لا ينتهي ، فهي مربيتها و زوجة غابريل ليكوناس اليد اليمنى للراحل أدم لورنت . وبما انها وحدها فهي من ستقوم بإعداد فطورها وترتيب أغراضها وحتى تنظيف المكان . استقلالٌ صغير تُقدّره حتى وإن كانت تعلم أنها ستتذمر لاحقًا من المتاعب و تلوذ فرار عائدة لمنزلها حيث يعتني بها الزوجان ليكوناس.
حضّرت فطورًا بسيطًا بنشاط: توست محمّص، بيض مسلوق، وكوب شاي أخضر. ثم جلست على الأريكة، وسحبت رواية كانت تؤجل قراءتها منذ أيام، "كانوا سبعة". لقد كانت مترددة في إنهاء هذا الفصل الأخير، فالصفحات السابقة حملت الكثير من التشويق والمآسي، ولكنها شعرت أن اليوم هو الوقت المناسب لوضع نهاية لهذا التوتر.
بدأت قراءة الصفحات الأخيرة حتى وصلت
إلى المقطع الأخير ، بحماس اكملت القراءة وهي تحاول تغطية باقي اسطر الصفحة كي لا تحرق على نفسها الأحداث ، لتصل لاخر سطر الذي أنهك قلبها:
نبس جين باستسلام:" الأمر انتهى، لقد سئمت المحاولة. لا شيء ينتهي بشكل جيد ، لا يمكنني انقاذنا ، الامر كله دوامة لن تتوقف ابدا ، ...، أنا أعلن استسلامي."
ثم، قبل أن يلقي بنفسه على سكة القطار، صده صوت من بعيد اشبه بالهمس ب "لا تفعل!"
The End
سكتت الرواية هناك، تاركة خلفها دوامة من علامات الاستفهام والفراغ. بدأت أليس في التقليب الصفحات لكن كانت بيضاء اي أنها فعلا انتهت. لتصرخ من فرط الاستفزاز:
"هذا فقط !!؟ النهاية !!؟ ما خطب هذه الرواية اللعينة؟! أحقًا نهايتها هكذا؟ ذلك الكاتب الأحمق السافل!"
رمت الكتاب في مكب النفايات، ثم أمسكت هاتفها ودخلت إلى موقع الكاتب الرسمي وهي تشتمه شتمًا داخليًا لتجد العديد من التعليقات الغاضبة من المعجبين في الموقع . بدأت القراءة بعض التعاليق بسرعة:
تعليق مجهول: "كيف تسمي هذه نهاية؟! على الأقل اقتلهم كلهم!"
تعليق آخر: "اللعنة، ما هذا الصوت الذي همس؟ أهو وهم؟ هل مات جين فعلاً؟! و ماحال الرفقة الاخرين هل تسمي هذه نهاية عمل ابداعي رائع لقد دمرت كل شيء"
ضحكت أليس بسخرية وقالت:
"على الأقل، لست الوحيدة التي لم تعجبها النهاية." رمت هاتفها على سرير بتأفأف ،
زفرت أليس الهواء بشدة : " والان ماذا ...لقد تعكر مزاجي الان ، رواية غبية ."
بعد لحظات
رأت هاتفها يرن بإشعار من موقع الكاتب لتقرأ منشوره
الكاتب اكس :" أنا متأسف على إحباط بعض المعجبين على نهاية عملي "كانوا سبعة " لكن يطلب احترام قراري الاخير و أعد معجبي الاوفياء بأعمال أفضل عما قريب ،"
أليس بغل: الان تعكر كليا ...اللعنة على كاتب مثلك
كاتب رواية مجهول الهوية و اختار الابتعاد عن الاضواء ليصرح فلقاء مع الصحافة. بعد أن تلقت الرواية الإعجاب الشديد من قبل الكثير حول العالم على أنه لم يكتب لكي يشتهر لكن كتب ليشارك الاخرين قصته
نظرت للساعة.
أليس : "أوووف، لقد تأخرت على تدريبات الباليه، مادام لوسي ستذبحني !"
ارتدت ملابس التدريب بسرعة، حملت حقيبتها الأنيقة، ثم قفزت إلى سيارتها "بورش" الفاخرة، متجهة نحو مسرح باليه باريس. على الطريق، كانت تحاول أن تزيح من بالها خيبة الرواية، وتستعيد تركيزها على ما هو أهم: عرض البجعة السوداء المنتظر.
---
داخل قاعة التدريب، كان صوت مادام لوسي يصدح بحزم:
"واحد، اثنان، ثلاثة... بطاقة أكبر! لنعد... واحد، اثنان، ثلاثة!"
وسط الفتيات الراقصات، برزت خطوات أليس الخفيفة، كالريشة. لم تثر صوتًا واحدًا عند تسللها، مما جعل لوسي ترفع حاجبًا ثم تصرخ:
"أليس! تعالي للحظة."
دون انتظار رد، خرجت إلى غرفة التغيير.
لحقت بها أليس باستغراب، لتنبس أليس :" نعم مادام لوسي، هل هناك مشكل ما ؟! "
لتسمع المدربة ترد بصرامة :
"نعم فاليوم هو آخر يوم للتدريب، وأنت تعلمين جيدا كيف أن هذه اللحظات الأخيرة مصيرية. امتلاكك للموهبة لا يعني أن تستهيني بتدريبك."
أليس : "لكن انا ...."
قاطعتها بوضع يديها على كتفي أليس وتابعت:
"أليس ، الحياة غريبة اكثر مما نعتقد وليس لها منطق معين كالذي نتعلمه في الرياضيات ، لايجب علينا التعامل مع الاشياء التي نملكها على انها دائمة لنا للأبد ، فكل شيء في هذه الحياة زائل ، ولهذه الجملة معنيين مختلفين على حسب حالتك عند سماعها. "
ثم ابتعدت وقالت بهدوء:
" على أي ، هذا اليوم الأخير... فلننهيه جيدًا."
ابتسمت أليس، وقالت بثقة ممزوجة بالغرور:
"لا تقلقي، مادام لوسي. العرض سيكون الأفضل على الإطلاق. سيُذكر لأشهر! فأنتم تملكون موهبة نادرة ورائعة كمثلي ."
دحرجت لوسي عينيها وقالت بملل واضح:
"أوه، مون ديوه ! ألا تكفين عن هذا الغرور ؟ عودي لتدريبك ، هيا أمامي ورائنا عمل كثير!"
قهقهت بمرح أليس ، وأرسلت لها قبلة هوائية، ثم هرعت للعودة لمكانها.
أشخاص كمدام لوسي ، أنطوانيت وغابرييل يعلمون كم ان أليس فتاة مختلفة تماما على ما تظهر به للعلن : في الحقيقة هي شخص مرح و ساخر، بل وحتى مغرورة احيانا . هؤلاء يعرفونها كما لم يعرفها أحد، فهم من رعياها لسنوات منذ فقدان والديها ،
كما أن علاقتها بالباليه لم تكن بمحض الصدفة، فعندما كانت في الخامسة من عمرها، اعتادت على أن ترافق والدتها سيلين إلى حصص مادام لوسي. هناك اكتشفت شغفها. لم تكن تعرف حينها أن تلك الذكريات الاولى لحبها للباليه ستكون آخر ذكرى تحتفظ به من أمها، و بهذا، أصبحت متعلقة بخشبة المسرح فهي ملاذها، والباليه خلاصها، وعالمها الوحيد الذي لا مكان فيه للحزن. ، هناك في تلك الرقصات حيث تنسى العالم باسره،
فقط هي وتحركاتها و الايقاع ...
---
بعد انتهاء التدريبات عادت أليس مرهقة لشقتها. استحمت ، طلبت وجبة صينية سريعة، ثم تمددت على سريرها.
تراسل صديقتها إيميلي و تؤكد على حضورها لحفل الغد . لحظات ثم أغلقت عينيها ببطء... وانزلقت في سباتٍ هادئ.
يتبع ......
Ninajk40