✧
"في عالم مقلوب، يصبح العدل عصيانًا… والشر سلطةً يُصفَّق لها
_______
في أحد أطراف موسكو، داخل قصر واسع يكسوه الصمت المريب، وُجد المكتب الكبير في الطابق العلوي محاطًا بجدران داكنة مكسوة بخشب الماهوغاني الفاخر. النوافذ الطويلة تسمح لضوء رمادي باهت بالتسلل من الخارج، يعكسه سطح مكتب أسود من الرخام الإيطالي تعلوه بعض الملفات الجلدية المغلقة، وساعة ذهبية صغيرة لا يصدر عنها إلا صوت خافت كل دقيقة.
جلس ليونيل ميليريانو على كرسيه الجلدي الأسود خلف المكتب، ببدلته الرمادية الداكنة وربطة عنق خضراء زيتونية. عيناه البنيتان الحادتان تتابعان شاشة أمامه تعرض تقارير أمنية مشفرة، وسيجار كوبي مشتعل بين أصابعه ينبعث منه دخان كثيف يملأ الأجواء بعطر ثقيل.
دوى صوت خطوات على أرضية الخشب الصلب. فتح الباب ببطء، فدخل رجل في منتصف الأربعينات، طويل القامة، شعره البني المائل للسواد مصفف بعناية، يرتدي معطفًا شتويًّا أسود من الكشمير فوق بدلته.
لوتارو ميليريانو، الأخ الأصغر لليونيل وشريكه في كل شيء... الدم، والخطيئة.
ابتسم ليونيل وهو يطفئ السيجار في حامل زجاجي:
- "أخيرًا ظهرت، يا لوتارو. ظننتُ أنك تخطط للاستقرار الأبدي في إيطاليا."
ضحك لوتارو واقترب ليصافحه بحرارة:
- "وكأن روسيا تترك أحدًا يهرب منها طويلًا. اشتقتُ لهذا الجو البارد... ولمكاتبك المظلمة هذه."
جلس لوتارو على الكرسي المقابل، وبدأ بفك أزرار معطفه.
- "كيف تسير الأمور هنا؟"
رد ليونيل وهو يميل للوراء:
- "هادئة بشكل مريب. نشاط المخابرات زاد، لكننا ما زلنا خارج دائرة الخطر. أما بالنسبة لشحنة السلاح التي وصلت من أوكرانيا... فقد وصلت إلى وجهتها دون خسائر."
هزّ لوتارو رأسه:
- "جميل. في نابولي الأمور بدأت تخرج عن السيطرة. عائلة كابريزي أصبحت مترددة، يبدو أنهم تلقوا عرضًا من الخارج."
- "خونة صغار." تمتم ليونيل، ثم أضاف:
- "علينا ترتيب أمورنا قبل الاجتماع مع المورنو. عشيرتهم صارت أوسع مما نتوقع، وهم لا يحبون التردد."
سادت لحظة صمت قصيرة، ثم تابع ليونيل:
- "اجتماع الغد لن يقتصر فقط علينا والمورنو. سيتم دعوة العوائل التابعة من مختلف المدن."
سأل لوتارو باهتمام:
- "من سيحضر من طرفنا؟"
فتح ليونيل ملفًا من أمامه وبدأ يعدد:
- "من موسكو: عائلة فيدوروف، يقودهم الآن الشاب ألكسي بعد مقتل والده.
من سانت بطرسبرغ: عائلة كورشاكوف، هؤلاء أوفياء حتى النخاع.
من ميلانو: عائلة ديلكارلو، رغم خيانتهم سابقًا، لكن بعد تهديدنا الأخير عادوا للطاعة.
ومن نابولي: عائلة بيساني، ولو أني لا أثق بهم كثيرًا.
أما في الجنوب الإيطالي، فلدينا عائلة روسّو، وهي الوحيدة التي يمكننا الاعتماد عليها في العمليات البحرية."
- "والمورنو؟ من سيحضر عنهم؟"
- "لوكاس طبعًا. الوريث فيودور و اخيه خافيير وابنته كلارا... هي من تدير الملفات الآن. سمعتُ أنها صارت أكثر وحشية من والدها. أيضًا سيحضر مندوبون عن عائلات تشيرنيفا ومالينوف التابعة لهم في سيبيريا وفلاديفوستوك."
ضحك لوتارو بسخرية:
- "جميل... اجتماع بين الذئاب. هل وضعنا خطة لما سنتفاوض عليه؟"
- "بالطبع. سنقترح إنشاء تحالف جديد يضمن تقاسم الأرباح من تجارة الأعضاء والأسلحة بيننا وبين المورنو، مع مناطق نفوذ واضحة. نريد السيطرة الكاملة على الموانئ في البحر الأسود، وهم سيأخذون طرق التهريب عبر بحر البلطيق."
- "وماذا عن الأمن؟ المخابرات ترصد تحركاتنا."
- "لدينا رجالنا داخل الأجهزة. ونفين بالما تراقب لهم من جهة، لكنها أيضًا ترسل لنا تحذيرات خفية عن كل حركة."
رفع لوتارو حاجبيه:
- "نيفين؟ ما زلت تثق بها؟"
- "بقدر ما أثق بعقرب ينام في فراشي. لكننا نستخدمها، وهي تعرف ذلك."
شرب كلاهما من كأس الويسكي بهدوء.
قال لوتارو بعد لحظة صمت:
- "هل سيحضر باولو هذا الاجتماع؟"
حدّق ليونيل إلى السقف قليلًا يفكر في اخر الأحداث التي حصلت و تغير باولو المفاجئ و الغريب ، ثم رد ببرود:
- "سيتوجب عليه ذلك، عاجلاً أم آجلاً. لن يهرب من دمنا مهما حاول."
تنفس لوتارو ببطء وقال:
- "أنت تعلم أن باولو بدأ يبتعد عنا بخطى ثابتة. وجوده بيننا في الاجتماع القادم لن يمرّ مرور الكرام. رجال المورنو سيلحظون ذلك."
أشاح ليونيل بنظره جانبًا، نبرة صوته انخفضت، لكن ظلت حادة كالسيف:
- "باولو لا يزال قطعة من هذه العائلة، مهما حاول تنظيف يديه. هو المحامي الرسمي لكل تعاملاتنا، وسجلاته تفيدنا أكثر مما يؤذينا. على الأقل... حتى الآن."
- "لكنه يتراخى، ليونيل. في آخر ثلاث عمليات، قدّم استشارات تُضعف موقفنا أمام العائلات التابعة. عائلة ديلكارلو استغلت ثغرة قانونية هو من أشار بها، والنتيجة؟ فقدنا السيطرة على نصف شواطئ ليفورنو."
صمت، ثم تابع:
- "اندريا تركت أثرًا فيه، وأنا لا أقول هذا عبثًا."
زمّ ليونيل شفتيه، وضرب بأصابعه على سطح المكتب:
- "اندريا مجرد ماضٍ لن يعود. وهو يعرف الثمن إن عاد إليه. باولو ذكي بما يكفي ليوازن بين قلبه وعقله... حتى لو كان قلبه تالفًا."
ضحك لوتارو قليلاً، ثم قال:
- "أما اندي... ابن العزيز ديباول، فهو يسير في الطريق المعاكس تمامًا. يتقدم بثبات، لكن طموحه مقلق. هو ليس باولو... لا يحمل نفس التردد ولا العاطفة."
- "صحيح." قالها ليونيل وهو ينهض من كرسيه، يمشي نحو النافذة الواسعة المطلة على حديقة القصر المغطاة بالثلج:
- "اندي طموح، لكنه لا يملك الحكمة. يملك الشراسة، نعم... لكنه يفتقر للرؤية بعيدة المدى. إن لم يتم تهذيبه، فسيكون عبئًا يومًا ما."
- "أو منافسًا." قالها لوتارو بصوت خافت وهو يسكب المزيد من الويسكي.
توقف ليونيل للحظة، ثم تابع:
- "في الاجتماع، لا نريد أي استعراض. نريد خطة واضحة، ولهجة صارمة. المورنو يحترمون القوّة، لكن يكرهون الارتباك. عوائلهم بدأت تتذمّر من التحالفات الحالية، خاصة عائلة تشيرنيفا... يتذمرون من ضعف التمويل وضعف الغطاء السياسي في أوروبا."
هز لوتارو رأسه:
- "نستطيع أن نعطيهم ما يريدون، مقابل ولاء أعمى. أما من يعارض، فسنقطع عنه الإمدادات ونحاصره تدريجيًا. لسنا بحاجة إلى الطفيليات في هذه المرحلة."
- "صحيح. أما بالنسبة لعائلة بيساني..." قال ليونيل وهو يعود إلى مكتبه،
- "سنستخدمهم كبيدق أمام كلارا مورنو. البنت تفكر أنها قادرة على المناورة مثل والدها. لكننا نعرف ما يحرّكها."
لوتارو ابتسم بخبث:
- "السلطة؟"
- "لا... الدم. كلارا تحكم من خلال الخوف، لكنها تعيش في ظل والدها. تفتقد السيطرة الحقيقية. هذا ضعف... يمكننا اللعب عليه."
سادت لحظة من التأمل، قبل أن يضيف لوتارو:
- "هل تظن أن أحدًا سيحاول الانقلاب علينا خلال الاجتماع؟"
رفع ليونيل عينيه إليه بثبات:
- "في مثل هذه الاجتماعات... كل ابتسامة خنجر، وكل مصافحة فخ. نحن لا نحضر لنرتاح... نحضر لنرعبهم."
صمت الأخوان لوهلة، لم يُسمع سوى صوت الريح من خلف الزجاج.
قال لوتارو بعدها بنبرة هادئة لكن جادّة:
- "ليلة الغد... ستكون نقطة التحوّل. إما أن نتوسّع ونُخضع أوروبا الشرقية والغربية تحت أقدامنا، أو تبدأ نهايتنا ببطء."
- "لن تكون نهاية، لوتارو." تمتم ليونيل وهو يشعل سيجارًا جديدًا، ثم أطلق الدخان للأعلى وأردف:
- "إما أن نُدفِن العالم... أو نُدفَن تحته."
هبطت من السيارة على عجل، تكاد لا تلمس الأرض من سرعتها. كانت كيم سوجين تركض وكأن الزمن قد أعلن الحرب عليها، شعرها يرفرف خلفها، وأنفاسها تتلاحق كأنها مطاردة، وعيناها تضيقان بانزعاج:
"سحقًا لكِ يا سوجين... أما آن الأوان أن تتعلمي احترام المواعيد؟!"
اندفعت نحو المدخل الرئيسي، غير منتبهة لما حولها، فحدث ما لم يكن في الحسبان-اصطدمت بجسدٍ قوي وثابت، فسقطت أرضًا بقوة، وارتطم كوعها بالرخام البارد، فأطلقت تأوهًا خافتًا، تتلوه نظرة حادة للشخص الذي كان السبب في ألمها.
رفعت رأسها لتراه، نظرة غاضبة، مشوشة من الألم:
"تبا لك أيها الأحمق! أما كان يجدر بك أن تنظر أمامك؟!"
الرجل، ذو ملامح صارمة ونظرة هادئة، انحنى قليلاً ومدّ يده نحوها:
"أعتذر... كنت مستعجلًا، لم أقصد."
حدّقت في يده الممدودة، ثم صفعتها ، ونهضت دون أن تمسك بها. نفضت الغبار عن تنورتها الضيقة وتحدثت بسخط:
"هل هناك من يركض خلفك؟ لماذا لم تخرج قبل الوقت إذ كُنت متأخراً لتتجنّب الاصطدام بالناس وإيذائهم أيها الأبله الأحمق ؟"
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه، عقد ذراعيه أمام صدره، ورفع حاجبه بتحدٍّ:
"أظن أنني اعتذرت، رغم أنكِ لست بريئة تمامًا. كنتِ تركضين أيضًا، آنسة أنتِ كذلِك متأخرة، ثُم لا تشتُميني."
شهقت بسخرية، وكأنها صُدمت من وقاحته، ثم رفعت سبابتها نحوه بتهديد متكلف:
"ومن تظن نفسك حتى تمنعني من شتمك؟"
وضع كفّه على جبينه وفركه ببطء، كأنّه يحاول استيعاب وجودها:
"اسمعي، يا هذه..."
لكن صوته انقطع حين صرخت فجأة، وقد نظرت للأسفل بذهول:
"تبااا! حقيبتي! لقد كانت جديدة... لا، بل الأغلى في مجموعتي!"
ركعت قليلًا تتفحصها، نظرات الهلع على وجهها، ثم رفعت عينيها نحوه بغيظ:
"هل تدري كم ثمنها؟! هل لك أن تبتعد من طريقي أيها المعتوه؟!"
ودفعته بكتفها، ثم اندفعت إلى الداخل دون أن تلتفت، في حين بقي هو واقفًا في مكانه، يتابعها بنظرة متفاجئة، ثم هتف بصوت مرتفع:
"وقحة! ومجنونة أيضًا!"
لوّحت له بيدها من دون أن تنظر، وقالت ببرود:
"شكرًا... هذه شهادة أعتز بها."
دخلت الشركة بكعبها العالي الذي يُحدث صدى على الأرضية اللامعة. كانت ترتدي تنورة جلدية سوداء ضيقة، وقميصًا أبيض أنيقًا محشورًا تحتها، وسترة جلدية قصيرة، وجوارب سوداء شفافة، وحذاءً عاليًا بلون الفحم. شعرها منسدل بانسيابية على كتفيها، تتمايل به وكأنها تدخل عرض أزياء لا مقابلة عمل.
اقتربت من مكتب الاستعلامات، ونطقت بتهذيب مصطنع:
"صباح الخير، اسمي كيم سوجين. أرسلتُ بالأمس لأجل وظيفة المساعدة الخاصة."
رفعت موظفة الاستقبال، ذات الشعر المجعد والبشرة السمراء، عينيها نحوها وابتسمت بلطف:
"بالطبع، يمكنك الانتظار مع بقية المتقدمات هناك، حين تصل الآنسة إيما ستأخذكن إلى غرفة المقابلة."
أومأت سوجين لها بامتنان خفيف، ثم اتجهت إلى الزاوية حيث تجمّعت الفتيات. وقفت بينهن، أحسّت بنظرات تتفحّصها من الأعلى إلى الأسفل، شعرت ببعض التوتر، فعدّلت شعرها وأزاحت خصلة عن وجهها، ثم نظرت لحقيبتها المقطوعة بحزن.
قالت إحداهن، بابتسامة ساخرة:
"أنتِ محظوظة للغاية!"
رفعت سوجين حاجبًا، وأجابت بجفاف:
"وأين الحظ في صباحٍ بدأتُه على الأرض؟"
تدخلت فتاة شقراء ذات ملامح طفولية وصوت رقيق، وضعت يديها على وجنتيها بانبهار:
"رأيناكِ قبل قليل تصطدمين بذلك الرجل الوسيم! أوه، إنّه السبب الوحيد الذي جعلني أقدّم لهذه الوظيفة أصلًا. أردت فقط رؤيته عن قرب... هو أوسم بكثير من الصور."
حدّقت بها سوجين بدهشة ثم سألت، متوجسة:
"ومن هذا السيد الوسيم؟"
قالت أخرى بنبرة شبه متعجرفة وهي تحدق بها:
"ألا تعلمين؟ إنه باولو ميليريانو، المدير العام... العقل المدبّر لكل شيء هنا."
في تلك اللحظة، شعر قلب سوجين وكأنّه سقط في قاع معدتها. رمشت مرتين، بالكاد تستوعب:
"قولي إنها مزحة..."
ردّت الشقراء ببراءة:
"أبدًا، هذه الحقيقة. لماذا، هل اصطدمتِ به... دون أن تعرفيه؟"
استدارت سوجين ببصرها نحو بقية الفتيات، علّها تجد من تنقذها بنفيٍ يُخرجها من هذا الكابوس:
"أرجوكن... قلن إنها مزحة..."
لكن لا أحد أنقذها.
كانت سوجين لا تزال تحت تأثير الصدمة، تشدّ على مقبض حقيبتها الممزقة كأنها تحاول السيطرة على غضبها، حين انفتح الباب الزجاجي المجاور لمكتب الاستعلامات، وظهرت امرأة أنيقة في عقدها الثالث، ترتدي بدلة رسمية بلون الكراميل، شعرها الأشقر مربوط بإحكام، ونظرتها حازمة لا تحتمل المزاح.
"آنسة كيم؟ لقد تأخرتي، آنساتي من فضلكن، اتبعنني."
هكذا تحدثت إيما، السكرتيرة الخاصة للسيد ميليريانو.
نظرت الفتيات لبعضهنّ بحماس، وبدأن بالتحرّك خلفها. أما سوجين، فقد ابتلعت توترها، وضغطت على أعصابها كي لا تظهر ملامح القلق على وجهها. كانت تقول في نفسها:
لا بأس... فقط مقابلة عمل. تظاهري بالقوة، وكأن شيئًا لم يحدث. لن يتذكّرني بالتأكيد... أليس كذلك؟!
و بعد العديد من المقابلات التي أجراها باولو مع المتقدمات و اكتفى بعدد ست فحسب و قال سيختار منهم لاحقاً، انفتح باب المكتب فجأة دون طرق، فرفع باولو رأسه ببطء، مستعدًا لتوبيخ الوقح الذي تجرّأ على اقتحام مساحته الخاصة. لكنه ما إن وقعت عيناه على الوافدة، حتى شحب وجهه لثانية، قبل أن ترتفع إحدى حاجبيه بدهشة ساخرة.
نفس الفتاة.
نفس تلك التي اصطدمت به في البهو، وتجرأت على شتمه بوقاحة.
لكنها الآن تقف أمامه، تعرج في مشيتها، ووجهها لا يحمل خجلًا، بل تحدٍّ غاضبًا.
قال باولو ببرود لاذع:
"أنتِ؟ من أين لكِ هذه الجرأة لتدخلي مكتبي؟ ألستِ الفتاة التي سكبت عليّ غضبها وشتمتني دون أن تعرف من أكون؟"
رفعت حاجبها، وقالت بتهكم:
"أجل، أنا هي. ولم أكن لأغيّر شيئًا حتى لو عرفت."
تقلّصت شفتاه في ابتسامة باردة، وقال بسخرية:
"وقحة، متعجرفة، وساذجة. يا لها من تركيبة مثالية لموظفة لدي."
تقدّمت منه خطوة رغم العرج الذي أصابها بعد الإصطدام ، وقالت:
"لستُ هنا لأثير إعجابك. أنا هنا من أجل وظيفة... لأنني أحتاج الإعتماد على نفسي، لا أكثر."
اقترب منها، نبرة صوته تزداد حدّة:
"وهل تظنين أنني سأمنحكِ وظيفة بعد وقاحتك تلك؟ أنتِ لا تصلحين حتى لتنظيف الأرضية في شركتي."
ابتسمت بسخرية على الإهانة التي تلقتها فسوجين تستطيع التحكم بغضبها و عادة لا تغضب أساساً، وردّت ببرود متحدٍ:
"لو لم أكن مضطرة للعمل، لما خطوتُ خطوة واحدة للعمل تحت إمرة وغد متغطرس مثلك... مافيوي!"
ساد صمت كثيف.
حدّق باولو فيها لثوانٍ دون أن يغيّر تعابير وجهه، ثم قال بنبرة منخفضة:
"أعيدي ما قلتِ."
ترددت و إكتشفت أن لِسانها زل،لأنها في البدايه كانت تريد أن تأخذ دور المغفلة البريئة لكي لا تجلب الشكوك،لكن كَالعاده أفسدت الأمر، ثم تمتمت متلعثمة:
"أقصد... الناس تتحدث، واسم عائلة ميليريانو ليس تمامًا مرتبطًا بالنزاهة."
عاد إلى مقعده دون أن يعلّق، فتح ملفها الشخصي ووضعه أمامه على الطاولة، وقلب صفحاته ببطء ظاهر.
قال دون أن ينظر إليها:
"شهادة ممتازة، إتقان للغات، خبرة عملية، قدرة تحليلية... ولسان أطول برج خليفة بشهادة شرف ."
أغلق الملف فجأة، ورفع عينيه إليها:
"أحسنتِ يا كيم. لقد تم قبولك."
رمشت بدهشة،
وقفت كيم تحدّق فيه كأنها تحاول التأكد من أنها لم تصب بضربة على رأسها، أو أنها لا تحلم كابوسًا عبثيًا.
قالت وهي تضع يدها على خاصرتها:
"انتظر لحظة... هل قلت إنني قُبلت في الوظيفة؟ هكذا؟ بعد كل ما حدث؟!"
نظر إليها باولو بهدوء وهو يشبك أصابعه:
"نعم. أريد أن أرى كم ستصمدين في العمل مع رجل مافيا مثلي."
قهقهت بسخرية:
"أوه، إذًا هذا انتقام مقنّع؟ جميل. رجل لا يقدر على الرد المباشر، فيبحث عن طرق ملتوية."
ردّ بابتسامة مائلة:
"وأنتِ فتاة لا تملك سوى لسانها، فتظنه سلاحًا حادًا. للأسف، هو مجرد شوكة بلا طعام."
قطّبت حاجبيها وقالت باستفزاز:
"أفضل شوكة بلا طعام، من أن أكون سكينًا صدئة في جيب مافيوي."
وقف باولو، تقدّم منها بخطوات محسوبة، ثم قال بنبرة فيها نبرة لعبٍ وتحدٍّ:
"أتدرين؟ أنا بدأت أستمتع. لساني حاد، وأنتِ وقحة. سنشكّل ثنائيًا كارثيًا."
تراجعت خطوة وقالت بوقاحة باردة:
"أجل، كارثي لدرجة أنني قد أضطر لضربك بكعب الحذاء في أول يوم."
ضحك باولو ضحكة قصيرة، ثم أشار إلى الكرسي أمامه:
"اجلسي، سأشرح لك العمل قبل أن يشتعل رأسي من لسانك."
جلست وهي تتمتم:
"أوه، شرف كبير لي أن أتعلم من فم الحاكم بأمره."
جلس أمامها، وبدأ يتحدث بنبرة عملية:
"أنا أعمل محاميًا، لدي شركة قانونية خاصة، مستقلة عن الشركة العائلية. لكنني أيضًا أقدم استشارات لعائلة ميليريانو و ، بالأخص في شركة الأدوية. عملي يتراوح بين الدفاع عن قضايا معقّدة، التفاوض على صفقات، وحل الأزمات القانونية... وأحيانًا، التعامل مع مشاكل لا تُكتب في أوراق رسمية."
قالت بسخرية:
"آه، مثل تلميع جرائم العائلة مثلاً؟ أو التخلّص من جثث العملاء غير المرغوب فيهم؟"
ردّ وهو يبتسم ابتسامة مخيفة:
"أوه لا، هذا عمل القسم المختص. أنا فقط أُبرّئهم قانونيًا."
شهقت بتهكّم:
"يا سلام! كم هو نبيل منك، يا فارس العدالة!"
ردّ عليها:
"وأنتِ؟ ما الذي جاء بكِ للعمل معنا؟ فتاة مثلكِ، بشخصية كالقنبلة، ولسان كالسيف، يفترض أن تكوني على المسرح، لا في مكاتبنا."
ردّت بنبرة ساخرة:
"لو كنتُ أغني، لربّما غنيت أغنية بعنوان: 'لو لم أكن مفلسة، لما عملت عند وغد مثلك'."
ضحك من قلبه، للمرة الأولى بدا صادقًا في ضحكته، ثم قال:
"ستجعلين أيامي ممتعة... أو جحيمًا، لا أعلم بعد."
وقفت وقالت ببطء:
"سنعرف لاحقًا. لكن تذكّر، يا سيد ميليريانو... إذا حاولت التلاعب بي، فستجد أني أمتلك خبرة في كسر الألغاز... والأنوف أيضاً."
أشار إليها وهو يضحك:
"يا فتاة... إن بقيتِ على هذا الحال، فقد أُرقّيك خلال شهر... أو أطردك خلال أسبوع. لا أحد يعلم!"
رفعت رأسها وقالت بثقة:
"أحب المفاجآت... تمامًا كحبّي لرؤية وجهك حين أفوز بأي حوار."
ابتسم باولو، ثم قال بنبرة خفيفة الظل وهو ينظر في ملفها مجددًا:
"إذن... آنسة كيم، مرحبًا بكِ في الجحيم."
"ماذا؟!"
أجاب بنبرة باردة:
"قبلتكِ في الوظيفة. لدي فضول لأرى كم ستصمدين في العمل مع رجل مافيا مثلي."
قطبت حاجبيها، وقالت ساخرة:
"وأنا لدي فضول لأرى كم ستتحمّل وجود امرأة تقول لك الحقيقة في وجهك."
صمت لحظة، ثم ضحك... ضحكة قصيرة غامضة، لا تحمل مرحًا بل إعلانًا عن بدء لعبة خطرة.
وقف باولو من مكانه، أغلق الملف الذي كان أمامه ببطء، ثم نظر إلى كيم وقال بنبرة عملية:
"هيا، سأُريك مكتبك، وبعض الأقسام المهمة. بما أنك أصبحتِ رسميًا جزءًا من الفريق، يجدر بك أن تري الجانب الممل من مملكتي أيضًا."
رفعت حاجبها بخفة وهي تنهض:
"مملكه ؟ ظننتُه قلعة شريرة أكثر من كونه مكان عمل."
ابتسم بخفة دون أن يرد، ثم فتح الباب وسار أمامها في الممر الطويل الهادئ. كانت الأرضية مغطاة بسجاد فاخر، والجدران مزينة بلوحات فنية بعضها بدا لها مألوفًا بشكل غريب.
قال وهو يشير بيده:
"هنا القسم القانوني، حيث تُكتب الأكاذيب بلغة رسمية."
ضحكت سوجين:
"وأنا أظنني وصلت إلى المكان المناسب إذًا... بارعة جدًا في التنميق."
أشار بيده إلى باب زجاجي كبير:
"هناك مكتب التوثيق، كل العقود تمر من خلاله. ومن هنا قسم العلاقات، أي أولئك الذين يبتسمون في وجهك وهم يتمنون لو يخنقونك بخيوط الهاتف."
قالت وهي تتأمل المكان:
"صريح أكثر من اللازم يا سيد ميليريانو... أو تحاول أن تبدو كذلك؟"
ردّ مبتسمًا:
"أنا فقط واقعي. لا أريدك أن تصابي بخيبة أمل عندما تكتشفين أن الحياة هنا ليست فيلمًا بطوليًا."
فتح بابًا صغيرًا وأشار إلى مكتب بسيط نوعًا ما، لكنه أنيق، وفيه كمبيوتر محمول ورفوف خالية.
"هنا مكتبك. على الأقل لن تضطري لمشاركة الهواء مع أحد."
قالت وهي تدخل وتدور بجسدها بتفقد:
"جميل. أستطيع أن أضع صورة ضحية هنا... وهنا لوحة أعدّ فيها قائمة بأسماء من أريد الانتقام منهم."
ضحك وقال وهو يستند على طرف الباب:
"احذري، قد أكون على رأس القائمة... أو في ذيلها، لا أعلم أيهما أسوأ."
قالت وهي تجلس على الكرسي وتدور به بهدوء:
"الأسوأ هو أن تكون في المنتصف... فلا أنت مهمّ كفاية لتُقتل أولاً، ولا تافه كفاية لتُنسى."
أشار إليها بإعجاب ساخر:
"كلامك مرعب يا آنسة كيم، لدرجة أني بدأت أراك مرشحة ممتازة للعمل على القضية الحالية."
توقفت عن الحركة، ونظرت إليه بفضول:
"قضية؟ هل هي من النوع الذي يتطلب بدلًا سوداء أم قفازات سوداء؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم دخل وجلس على كرسي مُقابل مكتبها:
"أعمل حاليًا على قضية تتعلق بميتم خاص في ضواحي ميلانو. يدّعي أنه مأوى للأيتام، لكن تبيّن بعد تحقيق أولي أن هناك تجاوزات خطيرة تحدث هناك."
رفعت حاجبيها بجدية مفاجئة:
"أي نوع من التجاوزات؟"
أخذ نفسًا وقال:
"تمويل مشبوه، تقارير مزيفة حول أعداد الأطفال، استخدام غير قانوني لتبرعات من منظمات دولية، والأخطر... حالات اختفاء لأطفال لم يتم التبليغ عنهم."
شهقت سوجين وهي تميل للأمام:
"أنت تمزح... اختفاء أطفال؟ من دون أثر؟"
قال باولو وهو يخرج ملفًا من حقيبته الجلدية:
"تفضلي، هنا تقرير أولي. هناك خمسة أطفال لم يتم توثيق خروجهم، ولا أحد يعلم أين ذهبوا. الميتم يدّعي أنهم تم تبنيهم، لكن لا أوراق، لا أسماء عائلات، لا جوازات سفر... لا شيء."
أخذت الملف وقلبت صفحاته بسرعة:
"وما دورك أنت بالضبط؟"
ردّ وهو يقاطع نظراتها المركّزة:
"الدفاع؟ لا. أنا هنا لأمثل جهة تريد الكشف عن هذا الفساد. عميل خاص من جهة فرنسية طلب توكيلي لملاحقة التزوير وإثبات وجود شبكة استغلال أطفال خلف هذا الستار."
نظرت إليه مطوّلًا، ثم قالت:
"هل تفعل هذا لأنك تهتم حقًا؟ أم لأن فيها عدوًا قويًا يستحق اللعب معه؟"
رفع حاجبه وقال بنبرة مائلة بين الجدية والتهكّم:
"هل يهم؟ في النهاية، إن سقط الوحش... فذلك يعني أنني فعلت شيئًا صحيحًا، سواء أكان بدافع الرحمة أو المتعة."
قالت وهي ترفع نظرها من الورق إليه:
"كلامك مخيف... ومقنع. وهذا ما يجعلك محاميًا ممتازًا، وغامضًا جدًا."
ابتسم وقال وهو ينهض:
"إذن، هل أنتِ مستعدة للعمل؟ ستحضرين معي الاجتماع القادم مع شاهدٍ محتمل. وقد أحتاج أن تراجعي العقود الوهمية التي وقّعتها الإدارة... نحتاج لشخص يملك عينًا حادة ولسانًا طويلًا."
ابتسمت بسخرية وقالت:
"لساني ليس فقط طويلًا... بل سام أيضًا."
رد مبتسمًا بثقة:
"وأنا أحبّ اللعب مع الأفاعي."
باولو وهو يضع الملف أمامها:
"هذا هو الملف الكامل للقضية، فيه التفاصيل، العقود، الشهادات، وحتى الصور. راجعيه جيدًا، أحتاج رأيك المهني."
سوجين وهي تنظر إليه بتساؤل:
"منذ متى وأنت تعمل على هذه القضية؟"
باولو يتنهّد وهو ينظر إلى النافذة:
"منذ سنة ونصف... والقضية كلما تعمّقتُ فيها، بدت لي أوسع وأقذر مما تصورت. إنها ليست مجرد مخالفات، بل شبكة كاملة من التستر والاتجار."
سوجين بهدوء وهي تقلب الصفحات تحدثت عن شعور يُخالجها:
"لماذا أشعر أنك لا تفعل هذا فقط كواجب قانوني؟"
باولو وهو يتجه إلى الباب:
"لأنك ذكية... والذكاء غالبًا مزعج. سأكون في مكتبي، إن احتجتِ شيئًا."
غادر، وأغلق الباب خلفه بصمت.
---
سوجين جلست على الكرسي، وضعت الملف أمامها، وبدأت تقرأ. كان التنسيق دقيقًا، والمعلومات مفصّلة، وكل سطر يزيد من عبوس ملامحها. بعد دقائق، سحبت هاتفها، فتحت تطبيقًا خاصًا، ثم كتبت:
> [Kim S. - 14:22]
تم قبولي رسميًا في شركة ميليريانو.
هذا هو الملف المتعلق بالقضية التي يعمل عليها باولو منذ أكثر من سنة ونصف.
مرفق: صورة للصفحة الأولى من الملف.
وبعد ثوانٍ، بدأت الردود تنهال في مجموعة الدردشة الخاصة بفرقة "168"، وكانت محمية بطبقات تشفير متعددة، كتبها "جو" بنفسه.
> [Jessie - 14:23]
🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥
سوجين، يا فتاة!! أنتِ الآن داخل عرين الذئب! أحسدك،سوف تُقابلين أندي كثيراً 😭😭
> [Harry - 14:23]
لا أصدق! أول خطوة ناعمة من الثعبان سوجين!
👏👏👏👏👏
> [Sergio - 14:24]
المهم... الرجل رفض أن يبيعني المقهى والمطعم إلا بمليون يورو.
هذا السعر باهظ للغاية مقارنة بمساحته .
> [Joe - 14:24]
نسيتُ أنه طماع للغاية...
زد العرض قليلًا. أنت تعلم أن الموقع يستحق المخاطرة.
> [Jessie - 14:25]
يا غبي، من قال إننا نريد مساحة المقهى؟
نريد الباب الجانبي الذي فيه! اشترِ المقهى وانسَ أمر المساحة.
كفى بخلًا وتردّدًا يا سيرجيو!
> [Harry - 14:25]
أجل، اشترِه سيرجيو.
في هذا اليوم حصدنا إنجازين:
قبول سوجين في وظيفة باولو... وشراء مقرّنا الجديد!
🥳🎉💥
سوجين كانت تقرأ الردود بملامح حيادية، وعيناها تلمعان ، و أندريا كذلك تتابع المحادثة معها و تفاعلت مع رسالتها .
__________________
كان الليل قد بدأ يُسدل ستاره فوق المدينة الروسية الجليدية، ومعه خيّم الصمت على الطرقات المحيطة بقصر عائلة "ميليريانو" الشهير، حيث امتزجت هيبة النفوذ بجمال المعمار.
ارتفعت جدرانه الرمادية الشاهقة تحرسها أعمدة من الرخام الأسود، وتزيّنت نوافذه الطويلة بستائر مخملية كحلية، تنبئ عن ما يُدار خلفها من أمور لا تعترف بالقانون.
في الداخل، كانت الأضواء الصفراء الناعمة تنسكب من ثريات كريستالية قديمة، تعكس بريقها على الأرضية اللامعة. أمام بابٍ خشبي ثقيل، وقفت هيئة شاب في أواسط العشرينات، أنيق الهيئة، مستقيم القامة، يحمل في نظراته شيئًا من الحكمة المبكرة.
كان رفاييل ميليريانو.
شعره الأسود ناعم وممشط بعناية، عيناه سوداوان حادتان، تحجبهما نظارات طبية بإطار رفيع أنيق.
ملامحه إيطالية الطابع، بفكّ حاد، ولحية خفيفة تزيد من وسامته الناضجة. يرتدي بدلة من الكشمير الرمادي الغامق، وحذاءً جلديًا لماعًا، وفي يده اليسرى ساعة فاخرة تلمع بهدوء.
تنفّس بعمق قبل أن يفتح الباب.
صوت فتح الباب... صمت تام في الداخل
كان الجمع هناك:
ليونيل ميليريانو، كبير العائلة ورأسها الحديدي.
ديباول، الأخ الأصغر لليونيل، وعقل اقتصادي بارد.
لوتارو، صاحب المواقف الحادة والنظرة العسكرية.
سيميوني، رجل التحالفات الخارجية.
دافيد، المحامي الخفي الذي يعرف أين يضع السمّ في العسل.
إضافة إلى اثنين من أبناء العمومة: إزرا وفاليريو.
رفع الجميع رؤوسهم حين دخل، واستقرت أعينهم عليه.
رفاييل بهدوء وثقة:
"مساؤكم سعيد ياسادة ."
ليونيل ينهض قليلًا من مقعده:
"رفاييل... أخيرًا أتيت."
ديباول بصوت رخيم:
"أم أنّ روسيا جذبتك أخيرًا بعد طول غياب؟"
لوتارو ضاحكًا:
"كنا نظن أنك قد أصبحت جزءًا من جهاز المخابرات الإيطالي، فجأة تظهر هنا؟"
رفاييل يبتسم بهدوء:
"ربما كنت أراقبكم جميعًا من بعيد... لكنّي اشتقت لدفء الطاولة."
سيميوني:
"دفء الطاولة أم صقيع الأعمال؟ نحن كنا في خضم مناقشة بعض الشحنات القادمة من البحر الأدرياتيكي."
فاليريو بلهجة ساخرة:
"وأنا كنت أراهن على أن رفاييل سيعود يومًا... ليأخذ مكاني."
رفاييل ينظر إليه بابتسامة خفيفة:
"مكانك محفوظ، فاليريو. لا أحب الكراسي الدافئة كثيرًا."
ضحك خفيف يسري في أرجاء الغرفة، لكن ليونيل يُعيد التركيز.
ليونيل:
"دعنا من المزاح... حدّثنا عن صفقة تافرياني. هل أُنجزت؟"
رفاييل يضع الحافظة الجلدية على الطاولة ويفتحها:
"أُنجزت بالكامل. تافرياني وافق على دمج خطوط الشحن، وابتداءً من الشهر المقبل، ستكون لنا السيطرة الكاملة على منافذ التجارة في جنوب إيطاليا."
ديباول ينظر في الأوراق:
"وهل وافق على بنود التسليم غير الرسمي؟"
رفاييل:
"وافق، بشرط أن لا تظهر أسماؤنا في أي تقرير. لديّ الوسائل لإتمام هذا."
لوتارو:
"وتنظيم النقل؟ نحن لا نريد تأخيرًا آخر."
رفاييل بثقة:
"كل شيء تحت السيطرة. الأشخاص المناسبون في الأماكن المناسبة."
ليونيل يحدّق فيه:
"جيد... كنت خائفًا أن تغيّبك قد جعلك تفقد حدّتك."
رفاييل يبتسم وهو يقف:
"حدّتي ازدادت، عمي... ولكنها الآن تصيب في هدوء، اسلوب جديد."
دافيد:
"ذكّرني بأن لا أغضبك، إذًا."
رفاييل:
"لن تفعل، طالما لا تكتب اسمي في وصيتك."
ضحك جديد، لكنّه يختصر. رفاييل يُغلق حافظته، ويقف.
رفاييل:
"أرجو أن تسمحوا لي... السفر أنهكني قليلًا، وسأحتاج لبعض الراحة."
ليونيل (بإيماءة خفيفة):
"اذهب، لكن لا تتأخر في العودة... فالأرض تغلي."
---
خارج قاعة الاجتماعات - الردهة الكبرى
ما إن أغلق الباب خلفه، حتى شعر بهواء مختلف يلفح وجهه. هدأ صوته الداخلي، وسار ببطيء عبر الممر المزيّن باللوحات الزيتية لعظماء العائلة.
وفجأة...
"بووو!"
قفز قلبه للحظة، قبل أن تخرج ضحكة صغيرة منه. التفت ليرى فتاة تقفز أمامه فجأة من خلف أحد الأعمدة.
نيفارا ميليريانو.
شابة في الرابعة والعشرين، خفيفة الظل، ذات أصفر فوضوي، وعينين واسعتين خضراء زيتونيه تشعّان حياة. ترتدي قميصًا أبيض فضفاضًا وسروالًا قطنيًا... حافية القدمين.
رفاييل منزعج بلطافة:
"نيفا... كدتِ تُسقطين قلبي!"
أجابته نيفا و هي تضحك:
"هذا عقاب على تجاهلك لنا طوال العامين الماضيين!"
نظر لها رفاييل و عانقها عناق جانبي و استمروا بالمشي :
"كنت أعمل."
أجابته نيفا بتذمر :
"عمل، عمل، عمل... أنتم الرجال الجادون مملّون للغاية."
رفاييل رد عليها ساخراً، و قد شد من عناقه تعبيراً عن أشتياقه :
"وأنتِ؟ ما الجديد؟ ألم تتزوجي بعد أحد جنود مورنو الوسيمين؟ مازلتي تتسكعين مع الشبان الوسيمين؟ "
اصدرت نيفا صوت قهقهه مرتفع و اجابته :
"بالأمس عرض علي أحدهم المواعده ، لكنّي صفعته... ثم رقّصته."
رفاييل يرفع حاجبه:
"صفعته... ثم رقّصته؟"
رفعت نيفا ذقنها بثقة:
"نعم. تعلّمت هذا الأسلوب من أفلام بوليوود."
رفاييل يهزّ رأسه ضاحكًا:
"لا أحد يشبهك، نيفا."
نيفا تتدلّى من ذراعه:
"اشتقت إليك، يا ابن العائلة المهذّب. كنت دائمًا المفضّل لدى جدتي، وكنتُ أغار منك."
رفاييل أعاد ذراعه حول كتفيها و بابتسامة حنونة:
"وأنا كنت دائمًا أقول إن نيفا تملك قلبًا أكبر من عقلها، لكنّها الوحيدة التي تُضحكني فعلًا."
أجابته نيفا بفخر مصطنع :
"حسنًا! إن أردت أن تستعيد ضحكتك، فأنا أعرض خدماتي كمهرّجة معتمدة في العائلة."
قطب رفاييل حاجبيه المثاليه الكثيفه و نظر لها :
"تلك مهنة شريفة."
نيفا:
"وأربح منها القبلات أيضًا... تودّ واحدة؟"
رفاييل وهو يضحك ويربت على رأسها:
"ابقِها لإندي، و لن يحبّ أن يسمع هذا، بأن أخته تقبل رجالاً "
نيفا تُصدر صوتًا مسرحيًا وتبتعد راكضة:
"لن أُعطيه شيئًا! هو لن يمنعني من تقبيل أحد !"
وتتركه خلفها وهو يضحك، يراقبها تقفز كطفلة عبر الممر الطويل، فتمتزج أجواء الظلام والنفوذ في القصر بنكهة عائلية دافئة، لا تشبه أحدًا... إلا نيفا الابنه الاصغر لديباول بعد إزرا الكبير ثم أندي ثم نيفا
________
حديقة منزل آل ميليريانو - ليلاً
السماء مرصعة بالنجوم، والنسيم الليلي يداعب أوراق الأشجار. أضواء خافتة تتوزع بين أعمدة الإنارة المزروعة بعناية في أطراف الحديقة. في وسط العشب الأخضر الممتد، جلس الثلاثة على مقاعد من الخيزران الفاخر تحيط بطاولة صغيرة، تعلوها بقايا عشاء خفيف وبعض المشروبات.
كان رافاييل نصف ممدد على الأريكة وكأنه في سبات مؤقت، بينما آندي جلس على حافة الطاولة، يتأرجح برجلٍ واحدة كطفل مشاغب. أما باولو، فكان يتكئ على ظهر الكرسي بذراعين مشبوكين خلف رأسه، بنظرة تنمّ عن الراحة التامة.
آندي وقد عضّ تفاحة وأخذ يتحدث بفم ممتلئ:
هل تعلمون ما الذي يجعلني أشك أن باولو ليس بشريًا؟
إنه لا يتصبب عرقًا! حتى ونحن نركض ساعتين في السباق... نظرت إليه اليوم، وكان شعره مرتبًا كما لو أنه خارج من إعلان شامبو.
رافاييل يضحك بصوت عالٍ:
فعلاً! أنا خرجت من التدريب كأنني خرجت من تحت شاحنة مائية، وهو خرج وكأنه متجه لمقابلة عارضة أزياء!
باولو ببرود ساخر:
ربما لأني أمتلك جينات راقية... لا يمكنني مشاركة تفاصيلها مع بشر متأخرين مثلكم في التطور.
آندي وهو يُلقي بقشرة الموزه تجاه باولو بعد إن قشرها :
متأخرين؟! أنت الوحيد هنا الذي جلس ثلاثين دقيقة يبحث عن سجائره، بينما كانت في جيبه طوال الوقت.
رافاييل يميل نحو آندي هامسًا :
أقسم أن باولو سيُسجل رقماً قياسيًا في موسوعة "أغبى عبقري ".
باولو يرفع حاجبًا:
هل قلتُ مرة أنني عبقري؟ لا... أنا وسيم فقط، هذا عبء كافٍ.
آندي يمسك وسادة صغيرة من على الأريكة ويرميها نحوه:
وقح!
رافاييل يمدّ ساقه ويدفع الطاولة قليلًا باتجاه آندي:
" آندي، اعترف... من أين تتعلم سخافاتك هذه؟ هل لديك برنامج سري لتغذية دماغك بمزاح سيء؟"
آندي بجدية زائفة:
في الحقيقة، أنا أتابع باولو... عندما أريد أن أتعلم كيف لا أكون، أتابعه عن كثب.
باولو ينهض واقفًا ويضع يده على صدره كأنما تلقى طعنة:
خيانة! هذا جزاء استضافتي لكم في سهرتي الذي أحب أن اقضيها منفرده ؟ سأقوم بطردكم... غدًا صباحًا، تجدون حقائبكم في الممر، مع تذكرة ذهاب بلا عودة!
رافاييل يمسك بكوب العصير ويرفعه:
نخب الطرد! على الأقل سننام الليلة تحت هذه النجوم الجميلة بدل سقف غرفنا البارد.
آندي يضع يده على كتف باولو وهو يضحك:
يا رجل، لا يمكنك طردنا، أنت تحبنا أكثر من وسادتك الحريرية.
باولو يتنهد وكأنه مستسلم:
للأسف... أنتم وباء، لكني تعودت عليه.
رافاييل ينهض ويمشي متمايلًا باتجاه النافورة:
أنا سأذهب لأتحدث مع الأسماك، على الأقل لن تردّ عليّ بسخرية.
آندي يصرخ من الخلف:
قل لها أنني أحبها، خصوصًا السمكة السمينه، لديها نظرة أعمق من باولو!
باولو يضحك أخيرًا ويجلس:
يا إلهي، نحن بحاجة لمعالج نفسي جماعي... أو قديس يصلي علينا !
آندي يمسك عودًا صغيرًا من العشب ويضعه خلف أذنه وكأنه محقق:
أنا أرى أننا بحاجة لمزيد من الليالي كهذه... الضحك يجعلني أنسى أنني أعيش وسط عصابتين و3 قضايا جنائية!
رافاييل من عند النافورة:
وإذا استمر الحال، سننشئ فرقة غنائية، نغني للعدالة، ونرقص للتهرب الضريبي.
باولو ضاحكًا وهو يهز رأسه:
فرقة "الكارثة الثلاثية"، أراها تتصدر قريبًا.
آندي يرفع يده كمن يُقسم:
أعدكم، إذا دخلنا السجن يومًا ما، سيكون بسبب هذه المحادثات، لا الجرائم.
وانفجروا بالضحك جميعًا، حتى خيل للسماء أنها تبتسم معهم. ظلّت الضحكات تتردد في أرجاء الحديقة، وبينما الليل يحتضنهم بهدوء، كانوا يتشاركون لحظة نادرة... لا تخلو من عبث، لكنها حقيقية، ودافئة، وعميقة
هدأت الضحكات قليلاً، لكن النكهة المرحة لم تفارق الأجواء. جلسوا الآن أقرب إلى بعضهم، باولو يعبث ولا هدف له بسكين بلاستيكية، آندي يستعرض حركات "الكونغ فو" الوهمية، ورافاييل يحاول جاهدًا إشعال شمعة بعصا كبريت مبللة.
رافاييل يحاول الإشعال:
من المفترض أن تكون هذه لحظة شاعرية... النجوم، الليل، والنار... لكن لا، القدر قرر أن يعطيني عصا مبللة وكبريت خائن.
آندي يقلد صوت شاعر:
"يا نارُ كوني برداً... فقد بردتُ أصلاً..."
باولو ساخرًا:
أنتما الاثنين تصلحان لمهرجان الفشل الفني.
آندي ينظر إليه بخبث:
يا باولو، أنا أقترح نسج تمثال لك... تراه كل الأجيال وتتعلم ألا تصبح هكذا.
رافاييل يميل برأسه ويغمض عينًا:
"التمثال الغامض" - رجل بملامح وسيطة، قلب بارد، وردود سيئة.
باولو يضحك ويمد يده برمية خفيفة للوسادة تجاه رافاييل:
على الأقل أبدو جيدًا في الصور، عكس البعض !
اتكأ آندي على كُرسيه :
يا جماعة... تخيلوا لو كنا نعيش في عصر القلاع والسيوف... من تتوقعون أول واحد يُسجن في البرج؟
اجاب رافاييل بدون تردد:
نيڤا، طبعًا.
آندي ينفجر ضاحكًا:
لااااا... هي من تسجننا كلنا، وتجلس فوق البرج ترمي علينا أحذية!
وفي تلك اللحظة، تُفتح بوابة الحديقة الداخلية، وتدخل فتاة بشعرٍ أصفر فوضوي ملوّن بطرفيه، ترتدي بيجامة وردية عليها طبعات بطاريق ونعال قطني كبير بشكل خروف، تمشي بخطوات مسرحية درامية. إنها نيفا.
نيڤا بصوت مرتفع:
من ناداني من نومي العميق؟ من استدعى روح الجنون للسهرة؟
آندي يخفي وجهه:
لااااا، لقد حرّكنا الوحش!
رافاييل ينحني مازحًا وكأنه يحيي ملكة:
مرحبًا بكِ يا سيدة الليل، أميرة الهراء الملكي.
نيڤا تضع يدها على صدرها:
شكرًا، شكرًا، لا داعي للمديح. أعلم أنكم اشتقتم لي... خصوصًا أنت يا باولو، رأيتك تذرف دمعة قبل قليل.
باولو بصوت ناعس ساخر:
أجل... دمعة من فرط السعادة أنني لم أرَ وجهك طوال النهار.
نيڤا تجلس فجأة بجانبه وتهمس بصوت غريب:
ولكنك ستراه الآن... في كوابيسك... هيييييع!
وهنا تدخل فتاة أخرى بخطوات ناعمة وأناقة واضحة، شعرها شبيه شعر كليوباترا بلون الشوكولا، ترتدي معطفًا حريريًا خفيفًا وتحمل كوب شاي ساخن. إنها كاثرين، أخت رافاييل.
كاثرين وهي ترفع حاجبها:
ماذا تفعلون هنا؟ تشبهون مجموعة من الهاربين من سيرك عقيم.
آندي يقف ليحييها:
أهلاً بأيقونة الجمال العقلي! نحن فقط نناقش قضايا فلسفية عميقة... مثل لماذا لا تشتعل الشمعة؟ ولماذا باولو لا يمتلك قلبًا؟
كاثرين تضحك بخفة:
حسنًا، لا شيء تغير إذًا.
نيڤا تمد يدها لكاثرين:
تعالي اجلسي هنا، دعينا ننقذ هذه الجلسة من سُميّة الذكور.
كاثرين تجلس:
وأنتِ؟ ماذا تفعلين هنا بهذا الشكل؟ تبدين ككائن خرج لتوه من مسلسل أطفال؟
نيڤا بفخر:
أنا أُمثل الحرية، الراحة، والانحلال العقلي الكامل.
رافاييل:
اسم جديد لنيڤا كل يوم... أمس كانت "كاتبة سيناريو"، وقبلها "عالمة طاقة"، واليوم "رمز الانحلال".
نيڤا:
غدًا سأكون رئيسة العصابة... انتظروا وستندمون.
آندي:
إذا صارت رئيسة العصابة، أنا أول واحد يهاجر لألاسكا.
باولو ينظر للسماء :
رب السموات ثبّتني... رب السموات لا تفتنّي بنيڤا...
كاثرين تشرب من الشاي وتبتسم:
على الأقل الجو أجمل بوجودكم... أنتم مجانين، لكنكم تجعلون الليل حيًّا.
نيڤا ترفع يدها بعظمة:
صحيح! ومن غيري يستطيع أن يجعل باولو يتمنّى العودة إلى الرضاعة؟
باولو يضحك بخفه:
فعلاً... كنت أكثر راحة هناك.
رافاييل ينهض ويفتح ذراعيه:
إذًا، نعلن الليلة... "ليلة البلاهة المقدسة"، ونقسم أن نكررها كل أسبوع.
آندي بصوت درامي:
أقسم أن أكون غبياً، طيب القلب، سريع المزاح، بطيء الفهم!
نيڤا:
وأنا أقسم أن أكون مزعجة، ساحرة، وفوضوية كالألعاب النارية!
كاثرين تهز رأسها وتضحك:
ما هذا؟ طائفة جديدة؟
رافاييل:
أجل... وسنضم العالم قريبًا!
وانفجرت ضحكاتهم مجددًا، كل واحد منهم يمثل طيفًا مختلفًا من الجنون الجميل، والدفء، والمرح الصادق. جلسوا يتحدثون لساعات أخرى، حتى بدأ الفجر يلوّح من بعيد... لكنهم كانوا ما يزالون هناك، كما لو أن العالم لا يحتاج لشيء سوى صداقتهم.
سكنت ضحكاتهم العالية قليلاً، لكن الوهج في أعينهم لم يخفت. جلس الثلاثة أقرب إلى بعضهم حول طاولةٍ حجرية تتوسط الحديقة، وأضواء خافتة تنعكس من مصابيح خضراء مثبتة بين الأشجار، تُلقي ظلالاً ناعمة فوق وجوههم.
كان آندي يُقلِّب علبة بسكويت بين يديه محاولًا فتحها بأسنانه، بينما باولو يعبث بسكين بلاستيكية على الطاولة، ورافاييل يتأمل السماء، وكأنه يبحث عن نجم يحقق له أمنية: "أن يصمت آندي قليلاً".
رافاييل يتنهّد بأسى مصطنع:
كم كنت أتمنى لو أن هذا الليل الجميل يخلو من صوتك يا آندي... فقط خمس دقائق من الصمت النقي.
آندي يغمض عينيه ويتكئ إلى الخلف:
حسنًا، أستطيع الصمت... ولكن، هل تستطيعان تحمل غيابي؟ فكرّا جيدًا، ربما تنهاران عاطفيًا.
باولو بتعبير بارد:
بل على العكس، سنقيم حفلة. ونوزّع الحلوى.
رافاييل يميل على الطاولة ويهمس:
قد أنحت تمثالًا لك ... وأتركه يحرس بوابة الحديقة.
آندي يرفع يده فجأة:
أقترح أن نُطلق على جلستنا هذه اسم "مجلس الحكماء المجانين".
رافاييل يضحك:
إنها جريمة بحق كل المجالس العاقلة.
باولو بخفة:
أجل، ثلاثة حمقى في حديقة يتحدثون عن البسكويت والصمت... مَن المؤرخ الذي سيخلّد هذه اللحظة؟
نيفا تقف فجأة على الكرسي:
أنا أقترح شيئًا مجنونًا! فلنكتب وصايانا الليلة، ونتركها مدفونة تحت هذه الطاولة... من يدري، ربما يُعثَر عليها بعد قرن!
رافاييل ضاحكًا:
وصية من نيفا؟ ستبدأ بـ: "إلى من يجد هذا الخطاب... احذر! فأنا أعود من الموت أحيانًا."
آندي:
وأنا سأكتب: "لا تدفنوني بقرب باولو ... حتى في القبر لا أريده جواري."
كاثرين:
أما أنا، فسأكتب: "الرجاء تجاهل البقية... أنا الوحيدة العاقلة بينهم."
وانطلقت ضحكاتهم مجددًا، عالية، عفوية، نابعة من أعماق قلوبهم. كانت تلك الليلة كأنها خرجت من حلم طفولي، رغم أعمارهم الكبيرة ومسؤولياتهم الثقيلة، فإن وجودهم معًا جعل الحديقة تبدو وكأنها عالم خاص... لا مكان فيه سوى للضحك، والجنون، والدفء الحقيقي.
بعد أن انهوا كِتابة وصاياهم، كان آندي قد استلقى أرضًا، ووسادة صغيرة تحت رأسه أخذها من المقعد وكأنّه أعلن رسميًا تحوّله إلى "كائن غير مسؤول". باولو ما زال جالسًا باسترخاء، يرفع حاجبه من وقت لآخر على تعليقات نيفا المجنونة، بينما رفاييل يضع كاحله على ركبته وينقر بأصابعه على الطاولة كمن يكتب لحنًا وهميًا.
آندي يرفع صوته:
نيفا، أرجوكِ، حدّدي لنا فقط... كم كوبًا من السكر تناولتِ اليوم؟ خمسة؟ أم أنكِ ابتلعت كيسًا كاملًا؟
نيفا تصفق مرة واحدة:
آه! بل اثنين فقط، لكنهما كانا بحجم رأسيْ باولو ورفاييل مجتمعين!
رافاييل يشير لباولو دون أن ينظر إليه:
باولو، هل يمكننا إقناعها بالعودة إلى كوكبها الأصلي؟ أو على الأقل... أن تبقى فيه مؤقتًا؟
باولو و هو يتنهد بثقل :
للأسف، يبدو أن المركبة قد تعطلت... أو انفجرت أثناء الإقلاع.
أجابتهم نيفا بتمثيل درامي:
يا أيها البشر التعساء! أنا هنا لأخلّصكم من الكآبة... وأزرع الورد في رؤوسكم اليابسة!
كاثرين تضحك خافتًا:
إنكِ لا تزرعين سوى الفوضى... والموت المحتمل من الضحك.
آندي يرفع إصبعه:
لحظة! لدي سؤال فلسفي... لو كانت نيفا زهرة، ماذا ستكون؟
رفاييل:
قُنبلة ياسمين.
باولو:
زهرة دوار الشمس... لكن تدور على نفسها فقط.
كاثرين تفكر قليلًا:
ربما... زهرة نادرة. تنمو في الظلام، وتضحك عندما تُسقى ماءً.
نيفا تضع يدها على صدرها بتأثر:
يااااه... كاثرين، لقد وصفتني بعبقرية! من الآن فصاعدًا، لا تنادوني إلا بـ"زهرة الظلام الضاحكة".
آندي يمسك حفنة من العشب ويرميها على نيفا:
وهذه هدية من الحقل... لتزدهري.
رفاييل:
بالمناسبة، هل تدرون من الأكثر نضجًا فينا؟
نيفا ترفع يدها بحماس:
أنا!
الجميع في آن واحد:
لااااااااااااا!
نيفا تضع يدها على فمها ثم تنفجر بالضحك:
حسنًا، حسنًا... فقط أردت أن أجرّب شعور الناضجين... لكنه ممل!
كاثرين تبتسم:
من حسن حظكِ أنكِ فشلتِ بسرعة.
باولو يتنهد وهو ينظر لساعته:
الوقت متأخر... ألا يجب أن نكون نائمين الآن؟ لدينا اجتماع صباحًا.
آندي بتذمّر:
أرجوك لا تذكر كلمة "اجتماع"... أنا في حالة نفسية هشّة، قد أبكي.
رافاييل بتكلف:
آه... ما أجمل البكاء عند منتصف الليل. تحت النجوم... بجوار حشرة عملاقة.
نيفا تقفز واقفة:
أين؟ أين؟! أين الحشرة؟! سأتبناها، وسأسمّيها "رافو الصغير"!
رافاييل بذهول:
أرجوكِ، لا تربطي اسمي بحشرة.
آندي ينقلب على بطنه:
أقترح أن نحول هذه الليلة إلى نادي... نادي الهاربين من الحياة.
باولو ساخرًا:
لا نحتاج اسمًا... فقط نيفا كافية لتخويف أي واقع.
نيفا تمد لسانها له:
شكرًا على الاعتراف... هذه موهبة نادرة!
كاثرين تضحك:
كلما جلست معكم، أشعر بأنني أشاهد عرضًا مسرحيًا مجنونًا، لا يُمل.
رافاييل يميل برأسه نحوها:
وهذا العرض يُعاد كل ليلة... بدون بروفة، وبدون منطق.
آندي يرفع يده:
فل نضع قسما و وعداً جميعًا الآن أن نبقى مجانين معًا إلى الأبد... حتى وإن شابت رؤوسنا!
نيفا:
أنا شابة إلى الأبد... لا شَيب ولا همّ، فقط قفز وضحك وموسيقى بداخلي.
باولو ينظر إليها:
أحيانًا أشك أنكِ آلة تعمل بطاقة السكر والهلوسة.
نيفا تتظاهر بالركض في دوائر:
وانظروا... ها أنا أعمل بطاقة الحب أيضاً!
رافاييل:
أجل... حب المشاكل.
كاثرين تضحك وهي ترتشف الشاي:
ليت هذه الليلة لا تنتهي... أظنها أجمل ليالي هذا الشهر.
آندي يبتسم وهو ينظر للسماء:
لأننا نضحك من قلوبنا... ليس لأن العالم بخير، بل لأننا نجعل اللحظة بخير.
نيفا تقف فجأة وتنظر إليهم بعين لامعة:
سنبقى هكذا، أليس كذلك؟ مهما كبرنا، مهما تغير كل شيء... سنعود للضحك هنا... في هذه الحديقة.
رافاييل بصوت دافئ:
ربما هذا وعد، وربما أمنية... لكنني أؤمن أننا سنعود.
باولو بهمس ناعم:
في النهاية... الجنون الحقيقي هو أن نفقد هذا الرابط.
كاثرين تنظر إليهم:
فلنبقَ كما نحن... مجانين، لكن بقلبٍ نقي إتجاه بعضنا.
---