قلبي بين يديك

قلبي بين يديك

26 0

وقف مارك في الممر

ما زالت كلمات الممرض تطرق أذنيه

حينها اقترب منه الممرض

مرة اخرى يخرجه من شروده

الممرض: دكتور مارك

المريضة لا تستجيب

الضغط ينهار

والأكسجين لا يرتفع رغم التنفس الاصطناعي

اتسعت عينا مارك

عاد من شروده

ركض نحو الغرفة

فتح الباب بقوة

فيما صاح سايمون خلفه

سايمون: دعني أدخل

أرجوكم دعوني معها

لكن الممرضة أمسكت بذراعه

قالت بنبرة صارمة

الممرضة: ممنوع الدخول

وضعها حرج

دعه يتصرف

أما مارك

فقد وقف وسط الغرفة

عينيه تبحثان عنها وسط الأجهزة

وسط الأصوات

وسط الأرقام التي تهبط كنبضه تمامًا

إيلا كانت ممددة

جسدها ساكن

أنفاسها شاحبة

وجهها أبيض كأنه فقد الدم

صرخ مارك

مارك: أين التقرير الأخير

أين تحاليل الدم

هل هناك تسمم دوائي

افحصوا الكلى

افحصوا القلب

النبض لا يجب أن ينخفض بهذه السرعة

الممرضة قربت منه ورجفة في صوتها

الممرضة: كل شيء يبدو طبيعيًا قبل ساعة

ثم بدأت تفقد وعيها تدريجيًا

والآن لا تستجيب لأي تنبيه عصبي

مارك اقترب من السرير

ركع بجانبها

أمسك يدها

كانت باردة

كأنها تغيب تحت جلده

مارك: إيلا

إيلا أرجوكِ

أنا هنا

أخبريني أنك تسمعينني

لكن لا حركة

لا رجفة

لا ومضة في الجفن

التفت إلى الفريق الطبي

صوته بدأ يهتز

مارك:

راقبوا الضغط كل دقيقة

ربما فقدت شيئًا لم ننتبه له

أوقفوا أي مهدئات كانت تأخذها

اقترب من وجهها

همس بصوت خافت

مارك: إن كنتِ تسمعينني

فأنا آسف

أنا أحمق

أنا ظالم

لكن لا تموتي الآن

ليس قبل أن تسامحيني

ليس قبل أن أراكِ تفتحين عينيك مجددًا

أجهزتها الطبية بدأت ترن

خط نبضها يتذبذب

لكن لم يعد مستقرًا

ركع مارك على الأرض بجانبها

أسند رأسه إلى حافة السرير

يده ما زالت تمسك بيدها

كأنه يريد أن يمرر لها الحياة من راحة كفه

مارك: إيلا

عودي

عودي فقط

ليس لي سواكِ

اغضبي .. اصرخي .. اشتمي .. اضربيني ان اردتِ لكن لاتتركيني وحدي

في الخارج

كان سايمون يضرب الحائط بقبضته

والجدة كلارا وصلت

قالت بذعر: ماذا هناك اين ايلا

حضنها سايمون سريعا ثم قال: سأخبرك بكل شيء

أما إيلا

فبقيت هناك

بين الحياة والموت

وصوت مارك

هو آخر ما بقي يربطها بهذا العالم

جلس مارك بجانبها

يده تحيط بكفها الصغير

الأجهزة ترن من حوله

لكن كل صوته كان يتجه نحوها فقط

همس بحرقة

مارك: إيلا

هل تذكرين أخر لقاء؟؟

رقصنا وضحكنا حتى انك غنيتي لي اتذكرين؟؟

قلتي اينما سأذهب ستأتين لنذهب الى بحيرة التوليب معا ارجوك استيقظي

سقطت دمعة سريعة منه ليمسحها سريعا ويكمل بغصة اكثر

مارك: كذبتُ كثيرًا بعدها

قلت إنني بخير بعد رحيلك

قلت إنك لم تهميني

قلت إن الحياة عادت كما كانت

لكن الحقيقة أن كل شيء بعدك أصبح بلا لون

بلا طعم

بلا وقت

صمت قليلًا

ثم همس وهو يقبّل يدها

مارك: سامحيني

إن كنتِ ما زلتِ تسمعينني

فأنا أعدك

أن أكون ظلّك إن أردتِ

أن أبقى جانبك حتى النهاية

لكن لا تذهبي

لا تتركيني الآن

********

وفي مكان آخر

في زاوية ما بين الوعي واللاوعي

بدأت إيلا تحلم

ومضات سريعة

متقطعة

لكن دافئة

مارك يضع وشاحًا على رقبتها ويضحك

يقول

مارك: إن مرضتِ مرة أخرى بسبب البرد

سأكتب لكِ تقريرًا يمنعك من الخروج أبدًا

تبتسم

تختبئ في معطفه

تقول

إيلا: عندما اكون في حضنك لن امرض ابدا

ومضة اخرى ..

كلارا تمسك وجهها وتقبّله

ثم تقول بصوت خافت

كلارا: حتى في أسوأ حالاتك

أنتِ أجمل من أي أحد

ومضة اخرى ..

مارك ينظر إليها في المزرعة

عيناه مشتعلة بالدهشة

يقترب وهمسها يعود

إيلا: هل كنت تحدق بي طوال الوقت

مارك يضحك

مارك: كنتُ أدرس تعابير وجهك

ومضة اخرى ...

سايمون على الشاطئ

يركض خلفها

ثم يسقطا في الرمل

صوته يضحك

صوته ينادي

سايمون: إيلا

لو ابتعدتِ أكثر سآخذ منك الكعك للأبد

ومضة ثانية ...

مارك

في ليل ما

يمسك يدها وهو على عتبة الباب

يقول

مارك: لو أردتِ الهرب

سأهرب معك

لكن فقط لا تذهبي وحدك

كل شيء يلمع

ثم يظلم

ثم يعود وميض آخر

مارك

عينيه دامعتان

يضع جبهته على جبهتها

ويهمس

مارك: لا أريد شيئًا من العالم

سوى أن تظلي فيه

...

وفي الخارج

كانت يد مارك لا تزال تمسك بيدها

والنبض على الشاشة بدأ يستقر قليلًا

كأن الذكرى أعادت بعض الضوء

مارك أغلق عينيه

وهمس لها

بصوت خافت جدًا

مارك: إن عدتِ إليّ

فلن أغادر ثانية

فجأة

أصغر حركة

نبضة خفيفة

ثم طرفة رموش

ببطء

بدأت جفون إيلا تتحرك

كأنها تحاول الخروج من حُلم ثقيل

كأن الضوء يؤلمها

لكنها تحاول

فتحت عينيها

نصف فتحة

ثم كاملة

ببطء

كأنها تستعيد شكل هذا العالم من جديد

بقيت تحدّق في السقف لحظة

ثم نظرت جانبًا

رأته

مارك كان لا يزال منحنٍ

لم ينتبه

حاولت أن تنطق

لكن صوتها لم يخرج

فقط همسة

ثم حركة بسيطة من يدها

شعر مارك باهتزاز كفها

رفع رأسه فورًا

نظر إلى وجهها

فالتقت عيناهما

اتسعت عينا مارك

قام من مكانه كأن أحدًا أيقظه من موت

مارك: إيلا

أنتِ

أنتِ تستيقظين

ابتسمت ابتسامة صغيرة

هشة

لكنها صادقة

تلك التي لم يرها منذ زمن

همست بصوت خافت جدًا

صوت يشبه نسمة

إيلا: وعدتني

ألا تغادر ثانية

اقترب منها أكثر

صوته كان يرتجف بالعاطفة

مارك: ولن أفعل

ولن أسمح لكِ أن ترحلي أيضًا

ليس بعد الآن

أغمضت عينيها مجددًا

لتهمس : كم غبت؟

اردف سريعا وهو يمسح دموعه ينظر لساعته: تقريبا .. 7 دقائق

لتفتح عينيها تنظر له بتعب مليئ بالحب لتنبس بصوت مبحوح لكن صادق: كنت أنت جميعها ..

نظر لها مارك مطولا لتنزل دمعة اخرى من عينيه لم يتحكم بها

مدت يدها الضعيفة نحوه بإبهامها مسحت على خده تمسحها

ليمسك يديها يحتضنها بخاصته يقبلها

لينبس:

لا اريد ان اعلم لما لم تخبريني

ولا اريد ان اعلم لما ذهبت وتركتني

ولا اريد ان اعلم اي شيء

كل ما اريده هو انت .. اريد ان ابقى معك للحظتي الأخيرة .. سأحطم اي شيء يمنعني من البقاء بجانبك فقط ابقي معي ايلا .. انا احبكِ

شدت بقبضتها الضعيفة على يديه قائلة بصوت مليئ بالدموع:

ربما لم يبقى لي وقت يكفيك مارك

هز رأسه نافيا مقاطعا لها : كل لحظة معك هي وجودي .. وكل لحظة بدونك هي عدمي

إما ان ابقى معك او تبا لحياتي

نظرا لبعضهما بحب طويلا يعوضان مر الايام السابقة

وقفت الجدة في الممر الطويل

يداها مضفورتان على صدرها

تحدّق في الأرض كأنها تبحث فيها عن إجابة

عن تفسير لهذا الوجع الصامت الذي يجثم فوق صدرها

اقترب منها سايمون

صوته متهدّج ونظراته غارقة في التعب

قال سايمون: لم أكن أعرف ماذا أفعل

كانت تتكسر أمامي يوما بعد يوم

كنت أراها تصمت حين تحترق

وتضحك حين تنهار

لكنني صدّقتها حين قالت إنها بخير

لم تجب الجدة

لكن دموعها كانت تكفي لتخبره أنها تسمعه

أنها تلوم نفسها كما يلوم هو نفسه

قال سايمون: حين ذهبت إلى مارك

كانت قد وصلت للمشفى قبلي

لم أعرف أنها كانت وحدها

لم أعرف أنها كانت بهذه الهشاشة

سقطت أمامه

سقطت وكأنها كانت تمشي فقط لتقول له الحقيقة

ثم تنتهي

رفعت الجدة عينيها إليه

صوتها مبحوح

كأنّ الزمن مرّ عليه عشرات السنين

قالت الجدة: لما لم تخبرني ..

أيّ صدع هذا الذي كان بداخلها ولم نره

أيّ عتمة مشينا فيها وتركناها خلفنا

متى أصبحت إيلا شخصًا غريبًا عنا لهذه الدرجة

هزّ سايمون رأسه

شعره مبعثر

عينيه دامعتان

قال بهدوء كأن الكلمات تخنقه:

سايمون: كنا نظنها الأقوى بيننا

ولم نرَ أنّها كانت تحترق فقط كي لا نحترق نحن

سكتا لحظة

كل منهما غارق في ذنبه

في خوفه

في الندم

اقترب ممرض بهدوء

قال بنبرة ناعمة: يمكنكم الدخول الآن

الطبيب معها

نظرت الجدة إلى سايمون

ثم مشيا معًا نحو باب الغرفة

فتحه ببطء

ودخلا

الضوء داخل الغرفة خافت

مارك يجلس قرب السرير

وجهه شاحب

عيناه مركزتان على إيلا

يمسك بيدها

كأنه متمسك بها أكثر من أي شيء آخر في الحياة

رفعت الجدة يدها إلى فمها من جديد كبتت دموعها التي لم تستأذن لتنزل

بينما سايمون تجمّد مكانه للحظة

ثم تقدم ببطء

قال مارك دون أن يلتفت: تنفّسها بدأ يستقر

لكنها ما زالت ضعيفة جدًا

نظر إليهم

في عينيه شيء مكسور

شيء لم يكن هناك من قبل

شيء لا يمكن إصلاحه بسهولة

نظر إلى إيلا

ثم قال بهدوء كأنّه يهمس لروحه:

مارك: لقد عادت

لكن شيئًا فينا جميعًا لم يعد كما كان

جلست الجدة على الكرسي بجانب الحائط

يداها متشابكتان في حجرها

تحدّق في مارك الجالس قرب السرير

عينيه لا تتركان إيلا

كأنّه يخشى أن تختفي إن رمش

قالت الجدة: لم أكن أظن يوما أنني سأراها على هذا السرير

ليست هي من تسقط

ليست إيلا التي تكتم كل شيء ثم تنهار

رد مارك بصوت خافت

كأنّه طفل يعترف بخوفه لأول مرة

قال مارك: وأنا لم أظن يوما أنني سأراها هكذا

كأنّ شيئًا فيها انكسر ولن يعود كما كان

كأنّ جزءًا مني سقط معها

نظرت إليه الجدة نظرة طويلة

ثم قالت: أنت تحبها أليس كذلك

صمت مارك

لكن عينيه كانتا تجيبان

قال مارك: أكثر مما يفترض

أكثر مما يمكنني احتماله

ولم أكن أدري

حتى جاءت إلى عيادتي تلك الليلة

كانت خائفة لكنها لم تقل

كانت ترتجف لكنها تبتسم

لم أكن طبيبا فقط وقتها

كنت رجلا عاجزا أمام قلبه

وضعت الجدة يدها فوق يده

قالت بهدوء: نحن نحبها جميعًا يا بني

لكنها لم تخبر أحدًا أنها تتألم

وكنّا نظن أن في صمتها قوة

ولم نرَ أنه كان نداء

في تلك اللحظة

تحركت يد إيلا ببطء

رمشت عيناها

ثم فتحت الجفون على نور الغرفة الخافت

نظرت حولها

كل شيء بدا ضبابيًا

لكنها رأتهم

ورأت مارك

ورأت الدموع في العيون التي تحبها

قالت بصوت خافت: ماذا يحدث

قامت الجدة واقتربت بسرعة

انحنت فوقها

مسحت دموعها سريعًا

ثم قالت بلهجتها المعهودة التي تخبّئ الحب خلف التوبيخ:

الجدة: يا لكِ من عنيدة

كنتِ تخططين لإخافتي أليس كذلك

كنتِ ستفزعين قلبي العجوز دون أن تحسبي حسابك

ضحكت إيلا بخفة

ثم أغمضت عينيها من التعب

قال سايمون وهو يقترب من السرير: أعترف أنك أبدعت في التمثيل يا إيلا

مشهد الإغماء كان واقعيًا جدًا

الدموع حقيقية

والرعب في قلوبنا لا يُنسى

نظرت إليه إيلا بصمت

ثم ابتسمت هي تعلم ان الجميع اصبح يعلم لذا يحاولون ان يخرجوها من هذا الجو

لتهمس: آسفة

قال سايمون وهو يتنهد: لا تعتذري

فقط لا تكرريها

قلبي أغلى من أن تخاطري به مرة أخرى

ضحكت الجدة وهي تمسك بيد حفيدتها

ثم تنهدت

أما مارك

فنظر إليهم للحظة

ثم وقف بهدوء

اقترب من السرير

مسح على شعر إيلا برفق

وقال بصوت بالكاد يُسمع:

مارك: حمدا لله انك بخير .. سأعود قريبا

ثم انسحب إلى خارج الغرفة

دون أن يصدر صوتًا

وكأنّه لا يريد أن يوقظ الوجع من جديد

ترك خلفه عائلة خائفة على ابنتهم

خرج مارك من الغرفة بخطوات سريعة

أنفاسه ثقيلة

كأنّه ترك جزءًا من روحه خلفه مع إيلا

توقّف قرب محطة التمريض

ألقى نظرة على الأوراق المتناثرة

ثم قال بحدة هادئة:

مارك: أريد معرفة كل شيء عن حالتها

متى آخر مرة دخلت فيها إلى الطوارئ

ما الذي وجدتموه في الفحوصات الأولية

أين الملف الكامل

أسرع أحد الممرضين وسحب ملفًا إلكترونيًا من الحاسوب

ضغط على عدة نوافذ

ثم أشار إلى الشاشة

قال الممرض: بحسب هذا التقرير

الآنسة إيلا غرينيت

سبق وأن زارت قسم القلب قبل ثمانية أشهر

تقرير الطبيب المختص يظهر وجود تضيق في الصمام التاجي

والأشعة تؤكد ذلك

كان يجب أن تُحوّل لعملية جراحية خلال ستة أشهر كحد أقصى

وإلا فإن احتمالية فشل القلب ترتفع بشكل خطير

اقترب مارك أكثر

حدّق في الشاشة

قلبه بدأ ينبض بسرعة غير طبيعية

لم يصدّق أن كل هذا كان مخفيًا

قال مارك: وهل أجريت العملية

هزّ الممرض رأسه نفيا

ثم قال: لا يوجد أي سجل لجراحة أو حتى متابعة

حتى التحويل لم يتم

الطلب كتب لكنه لم يُرسل

وآخر ملاحظة في الملف تقول

إن المريضة خرجت على مسؤوليتها الخاصة

وأن الطبيب المشرف لم يكن متواجدا آنذاك

تجمّد مارك في مكانه

قال بصوت خافت لكن حاد:

مارك: من كان الطبيب المناوب وقتها

قال الممرض: الدكتور لويس

لكنه تقاعد قبل شهرين

ولم يسجّل أي اتصال أو ملاحظة بخصوص الحالة بعد تلك الليلة

مرر مارك يده على وجهه

ثم قال: إذًا كانت تعلم

كانت تعرف أنها مريضة

وأن قلبها لا يحتمل

ورفضت أن تقول

حتى لي

قال الممرض الآخر: الأمر لا يتوقف هنا

فحوصاتها الأخيرة قبل دخولها الطوارئ اليوم

تُظهر انخفاضًا حادًا في معدل الأوكسجين

وتراكمًا في السائل الرئوي

وهو ما يفسر الإغماءة المفاجئة

إنها كانت في حالة انهيار قلبي جزئي

أي تأخير كان سيكلّفها حياتها

سكت مارك للحظة

ثم همس:

مارك: كانت تبتسم رغم ذلك

كانت تضحك رغم الألم

وحدها

تمامًا وحدها

نظر إلى الملف مجددًا

قال بصوت ثقيل:

مارك: اطبعوا لي نسخة من كل شيء

سأراجع تفاصيلها بنفسي

سأفهم لماذا

ليهمس مع نفسه:

ولماذا لم تثق بي

ثم التفت وعاد نحو الغرفة

يحمل في عينيه مزيجًا من الحزن والخذلان

وكأنّه اكتشف أن أقرب الناس إليه

كانوا يحملون سرًا أكبر من قدرتهم على تحمله في الوقت الذي كان عليه ان يكون معها اختارت هي ان تخفي الامر لا يستطيع ان يغضب على الاقل ليس الان ..

فتح مارك باب الغرفة بهدوء

دخل وكانت عيناه أهدأ مما يجب

لكنه كان يحمل في داخله عاصفة لا تهدأ

اقترب منهم وقال بصوت خافت لكنه حازم:

مارك: سايمون

أريدك أن تأخذ الجدة إلى المنزل الآن

نظرت إليه الجدة بدهشة

ثم قالت بصوت مشحون بالرفض:

الجدة: لا لن أذهب

لن أترك حفيدتي هنا في هذا الحال

لن أرحل من جانبها

قال مارك بهدوء مؤلم:

مارك: أرجوك

وجودك الآن قد يرهقها أكثر

يجب أن تستريح

وهي بحاجة إلى بيئة هادئة

صدقيني سأهتم بها بنفسي

نظرت الجدة إلى إيلا

ثم إلى مارك

كأنها تبحث عن شيء تثق به

تنهّدت ثم قالت:

الجدة: إن بدر منها أي أنين أخبرني

وإن غفت ثانية ولم تصح

سأعود فورًا

أومأ مارك برأسه ونبس: لن اسمح لها بذلك صدقيني ..

ثم قال سايمون وهو يقترب منها:

سايمون: تعالي جدتي

سأوصلك بنفسي

دعينا نمنحهما بعض الوقت

غادرت الجدة ببطء

عيناها ممتلئتان بالقلق

وخطواتها ثقيلة كأنها تجرّ قلبها خلفها

أغلق سايمون الباب بعدهما

ثم التفت نحو مارك وسأله:

سايمون: ما الذي يحدث بالضبط

اقترب مارك من السرير

نظر إلى إيلا التي كانت مستلقية بصمت

وجهها شاحب

وصدرها يعلو ويهبط بصعوبة

ثم قال بنبرة هادئة:

مارك: إيلا تعاني من تضيّق شديد في الصمام التاجي

الحالة كانت تستدعي عملية جراحية منذ أشهر

لكنها لم تجرِها

ولا طبيب تابع الملف

وكان من الممكن أن تفقد حياتها في أي لحظة

توسعت عينا سايمون

ثم قال بصدمة:

سايمون: كنا ننتظر من مستشفى في بلدة أخرى ان توفر لنا طبيب ولكن لم يأتي رد للآن

التفت مارك لهما وقال: نعم الاطباء من المستشفيات الأخرى اولى من الذي يقف أمامكم .. كنت معكم ومع هذا كان الامر مخفي كانني جدار بينكم

اخفض سايمون رأسه يعلم انه محق لكنه لا يستطيع ان يقول ان ايلا من رفضت اصلا

نظر مارك نحو إيلا يحاول استجماع هدوئه وقال:

مارك: لم تقل شيئًا

كأنها كانت تنتظر أن يسقط كل شيء دون ضجيج

كأنها كانت تستعد للرحيل وحدها

رفّت عين إيلا قليلاً

ثم همست:

إيلا: لن أجري العملية

لن أضعف أكثر مما أنا عليه

يكفيني ما مضى

تقدّم مارك خطوة

حدّق فيها بقوة

ثم قال:

مارك: القرار ليس لك

لن أسمح لك أن تقولي او تقرري اي شيء

لن أتركك تموتين وأنتِ تنظرين إلينا بهذه الطريقة

وأنا بالذات

يكفي ما أخفيتيه الامور ليست لك

لن أكون واحدًا ممن جلسوا صامتين

سكت للحظة

ثم أضاف:

مارك: سأجري أنا العملية

ساد صمت كثيف

سايمون لم ينبس بكلمة

وإيلا فتحت عينيها ببطء وحدّقت فيه

قالت بصوت مبحوح:

إيلا: أنت

أجابها مباشرة:

مارك: نعم أنا

أعرف حالتك الآن

وأعرف تفاصيل قلبك كما أعرف اسمي

واعرف ما سأفعل من أجل أن يعود هذا القلب ينبض كما كان

حاولت إيلا أن تقول شيئًا

رفع يده وقال:

مارك: لا تتكلمي

وفّري قوتك

أنا قررت

وكل ما أريده منك

أن تثقي بي

كما كنت دائمًا

ثم التفت نحو سايمون وقال:

مارك: اذهب مع الجدة الآن

أخبرها أن إيلا بخير

وأني سأظل معها حتى النهاية

وأننا سنعود معًا

أعدها بذلك

نظر سايمون إلى مارك

ثم إلى إيلا

ثم أومأ برأسه بصمت

وغادر بهدوء

يخفي بين خطواته آلاف الكلمات التي لم يقلها

وبقي مارك وحده مع إيلا

عيناه تراقبان أنفاسها

وقلبه يعد الثواني

كأن الزمن بات يحسب على نبضها وحدها

الغرفة هادئة إلا من صوت جهاز المراقبة ونبض الوقت

مارك يجلس على أريكة صغيرة بمحاذاة سرير إيلا

جسده مائل إلى الأمام

ملف مفتوح في يديه

عينيه تتنقلان بين السطور

لكن شيئًا ما في قلبه مشغول أكثر من أي ورقة أمامه

إيلا مستلقية

شعرها مبعثر على الوسادة

وجهها هادئ بطريقة تخيفه أكثر من أي صراخ

لكن عينيها مفتوحتان

تراقبه بهدوء

ثم همست:

مارك

رفع عينيه بسرعة

كأن صوتها أتى من حلم

أغلق الملف بهدوء ووضعه جانبًا

اقترب منها قليلًا وقال بنبرة ناعمة:

ماذا هناك؟

هل أنتِ بخير؟

هزّت رأسها بنعم بصمت

ثم قالت:

كنت أفكر

بكل شيء

بما سيحدث

بما يمكن أن لا يحدث…

سكتت لحظة

ثم أكملت:

هل تستطيع فعلها؟

هل تستطيع أن تجري العملية فعلًا؟

ابتسم بخفة

كانت تلك الابتسامة مزيجًا من طمأنينة وتعب

وقال:

من الناحية الطبية؟

نعم

أعرف حالتك جيدًا

درست ملفك عشرات المرات

وأعرف التكنيك المناسب تمامًا

نظرت إليه بعينين لا تطلبان إجابة علمية

فهم ما تقصده

فسحب نفسًا عميقًا وقال:

لكن إن كنتِ تسألين عن قلبي

عن يديّ حين تلمسان قلبك الحقيقي لا الورقي

فأنا لا أعرف

سكت لحظة

عيناه تهربان من نظرتها

ثم تابع:

أنا طبيب

وعلّمتني المهنة أن أفصل بين المشاعر والمشرط

لكن لم يعلّمني أحد

كيف أضعك على طاولة العمليات

وأبقى واقفًا ثابتًا

كأنكِ مجرد حالة

اقترب أكثر

جلس على حافة السرير

يده بجانب يدها

قال بصوت أخفض:

هل تعلمين ما يخيفني؟

أن أغلق عيني للحظة وأنا أراكِ هناك

وأنسى أنكِ لستِ مجرد فتاة في تقارير الأشعة

أنسى أنكِ إيلا

الفتاة التي إذا ابتسمت

يشعر قلبي وكأنه تنفس للمرة الأولى

نظرت إليه

ثم همست:

وإن لم تنجح العملية؟

إن متُّ تحت يديك؟

تجمّدت ملامحه لحظة

ثم رفع عينيه نحوها

وقال:

هذا لن يحدث لن اسمح له أن يحدث

لتهمس بهدوء: وإن حصل

اخفض رأسه يحاول ان لا يتخيل الموقف ثم اردف بصوت مرتجف:

سأكمل حياتي بشيء مكسور لا يُصلح

وسأكره غرفة العمليات

وسأكره كل ما يحمل اسم الطب

الحياة الخالية منك هي كابوس ايلا

لكنني سأفعل المستحيل

وأنا أفعل المستحيل فقط عندما يتعلّق الأمر بك

ابتلعت إيلا ريقها

ثم نظرت إلى السقف

قالت بصوت يريد الاطمئنان:

لم أكن أريد أن أخيفك

أردتك فقط أن تفهم

انك قد تفقدني لا اريد ان اكون سبب مواجعك الان او مستقبلا

أريدك ان تعيش حياة مثل الجميع

أجاب بهدوء:

أنا لست مثلهم

لأنكِ لستِ مثل أحد

كل لحظة قضيتها معك كانت كافية لتجعلني أؤمن

أن قلبك يستحق أن يُقاتل من أجله

حتى لو كان القتال مخيفًا

حتى لو كانت النتيجة غير مضمونة

مدّت يدها نحوه بخفة

كأنها لا تملك القوة

فأخذها بلطف

ضمّها بين يديه كأنها الشيء الوحيد الذي يعرف كيف يحتفظ به

قالت:

وإن استيقظت بعد العملية

وكان أول وجه أراه هو وجهك

هل ستبتسم لي؟

ضحك بخفة

ثم قال:

سأضحك بصوت

وسأحكي لك نكتة سخيفة

وأخبرك أنني نجحت

رغم أنكِ السبب في كل هذا التوتر

لتردف بجدية أكثر: ماذا لو فقدت احد أعضائي او تأثر عقلي او فقدت الذاكرة كما قال الطبيب

خفق قلبه بقوة لكنه تماسك واجاب :

ستنسى ذاكرتك كل شي لكن قلبك لن يسمح لها ان تنساني

ثم اقترب أكثر

لتهمس بصوت اكثر ضعفا: وإن لم استيقظ ؟

همس قرب جبينها:

وإن لم تستيقظي

سأبقى هنا

سأجلس في هذه الغرفة

حتى ينتهي الليل

وأحادثك كما أفعل الآن

لأنني أحبك

حتى في صمتك

أغمضت عينيها

وابتسمت بخفة

قالت:

إذن لا تتأخر

دعنا نبدأ الغد بقلب جديد

شدّ على يدها

وعيناه تلمعان من الدموع التي لم تسقط

وقال:

قلب جديد .. وابتسامة لم أرَ مثلها من قبل

وساد الصمت

إلا من أنفاسهما

وارتعاش قلبين

يستعدان ليعبرا معًا أصعب امتحان للحب

في غرفة باردة

لكنها الآن دافئة بكلماتهما

___________________🦋________________

LOVE YOU ALL💗🌷

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

RONDA

المؤلف giiiilas_
2025/07/29 مكتملة
قائمة الفصول (40)
الفصل 1: اتصـال
2025/07/29
الفصل 2: كأس السوبر
2025/07/29
الفصل 3: "روندا"
2025/07/29
الفصل 4: فتاة الطين
2025/07/29
الفصل 5: جرَّاح
2025/07/29
الفصل 6: "كأس متة وشجرة كبيرة"
2025/07/29
الفصل 7: ورد التوليب
2025/07/29
الفصل 8: صباح المزرعة
2025/07/29
الفصل 9: أنوار لاتطفئ
2025/07/29
الفصل 10: احتفالات مستمرة
2025/07/29
الفصل 11: ANOTHER LOVE
2025/07/29
الفصل 12: كل شيء مشوش
2025/07/29
الفصل 13: علّة القلب
2025/07/29
الفصل 14: المروحة السقفية
2025/07/29
الفصل 15: بحيرة التوليب
2025/07/29
الفصل 16: اشياء لا يمكن التحكم بها
2025/07/29
الفصل 17: كلمات مؤجلة
2025/07/29
الفصل 18: LA TOMATENA
2025/07/29
الفصل 19: قلوب راقصة
2025/07/29
الفصل 20: حطام القلب
2025/07/29
الفصل 21: بقايا القلب
2025/07/30
الفصل 22: لقاء من رماد
2025/08/28
الفصل 23: قضية حب
2025/08/28
الفصل 24: محاكمة
2025/08/28
الفصل 26: رماد الكلمات
2025/08/28
الفصل 27: ألسنة لهب
2025/08/28
الفصل 28: مشاعر مزيفة
2025/08/28
الفصل 29: ربما انا .. ربما انت
2025/08/28
الفصل 30: مطر صيف
2025/08/28
الفصل 31: نظرات قريبة ..ومسافات بعيدة
2025/08/28
الفصل 32: حقيقة مرة .. وقلب لا يعمل
2025/08/28
الفصل 33: قلبي بين يديك
2025/08/28
الفصل 34: لحظات فاصلة
2025/08/28
الفصل 35: قلبان على الحافة
2025/08/28
الفصل 36: نهاية تشبه البداية
2025/08/28
الفصل 37: كلنا هنا
2025/08/28
الفصل 38: عائلة وذكريات
2025/08/28
الفصل 39: فتاة الميلاد
2025/08/28
الفصل 40: رقصة أخيرة
2025/08/28
الفصل 41: نهاية الطريق
2025/08/28

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة