⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘
في قاعة مملوءة بعتق الخشب وروائح المعطرات والصابون ..
تخلّت عن جميع أنواع الأنوار الاصطناعية .. لتنار من الأشعة الطبيعية للشمس.
كانت هناك في قاعة التدريب .. مكانس موضوعة بدل السيوف ..
ومناشف بدل الدروع ..
"عليكِ أن تجعلي قدمكِ الأولى للأمام ناحية الخصم، والأخرى للخلف قليلاً، ركبتيكِ مثنيتان، وسيفكِ جاهز وموجَّه ناحية خصمكِ... هكذا تكونين في أتم استعدادكِ للحراسة .. والآن هيا... سأهاجم."
واصطكت السيوف ببعضها مصدرَ صوت تصادم المعادن .. تعلن نهاية العمل وبداية المشاكل ..
"لا تجعلي قبضتكِ على السيف مشدودة بقوة... كي لا تتعب يدكِ بسرعة."
كانت ليثيا تمسك السيف أمام لونايل تشرح لها كيف تستعمله ..
ولونايل واقفة بإصرار مزيف كأغلب حالها .. وتحاول تنفيذ ما تطلبه منها ليثيا ..
الاثنتان في قاعة تدريب خاصة بالجنود ذوي المستوى الرفيع .. فُرغت منهم اليوم .. لتحتل ليثيا ولونايل المكان وكأنهما في إحدى الحدائق العامة ..
لونايل فقط فكّرت ..
بأنها يمكن أن تصبح من إحدى النبيلات إذا صارت فارسة .. ويمكنها أيضاً الحصول على امتيازات لدى البلاط الملكي ..
هي فقط فكّرت .. يمكنكم تخيّل كيفية تفكير لونايل ..
كنتا تمسكان سيفين داخل القاعة التي كان من المفترض أن تنظفاها .. لا أن تتبارزا فيها .. أو تتعلما المبارزة ..
فليثيا أخذت دور المعلم .. تعلّم لونايل كل ما تعلمه عن المبارزة والسيوف ... وكأنها تعلّمها طريقة خبز الكعك... بحرص وسعادة ..
قالت ليثيا وهي تمسك السيف بعزم محاربة .. وكأنها حقاً داخل ساحة القتال:
"لقد قاربتِ على الخسارة لوني ."
"توقفي .. أنا أشعر بالجوع .."
والآن انتهى إصرار لونايل المزيف .. لأنها شعرت أن الأمر ممل ومتعب أكثر من التنظيف:
"توقفي عن المماطلة لونايل .. لقد أنهيتِ فطوركِ اليوم .. وكنتِ تأكلين فطوري أيضاً."
رمت لونايل السيف جانباً وجلست على الأرض تستند بالحائط وراءها ...
"ليثيا .. أنتِ بارعة حقاً .. أظن أنكِ قد تصبحين فارسة بارعة حقاً .. مثل الفارسة لاكريسا."
أجابتها ليثيا بابتسامة ساخرة:
"كلا لونايل .. من المستحيل لخادمة مثلي أن تصبح فــارســة! .. أظن أنني قد أنهيتُ رصيدي من الحظ الجيد منذ زمن .. وأيضاً الفارسة لاكريسا هي في الأصل ابنة قائد الجيش .. فمن السهل عليها أن تكون فارسة بارعة."
"لا بأس .. ألم تحكي لي في الأمس عن الخادمة التي أصبحت ملكة .. إذاً ليس من المستحيل أن تصبح الخادمة فارسة."
قالت لونايل بصوت حالم .. تعقد آمالها حول قصة خيالية .. وعن رغبتها في تغيير حياتها للأفضل!
ثم أردفت بعدها وكأنها تذكرت شيئاً:
"أوو .. أريد حقاً تكملة قصة تلك الخادمة .. إنها تثير فضولي."
جلست ليثيا على الأرض بجانب لونايل:
"لا بأس .. سنعود للمكتبة في وقت لاحق .. فنحن نعلم مكانها الآن .. ونستطيع زيارتها في أي وقت .. و بالأخص أنها تبدو مهجورة."
هزّت لونايل رأسها باقتناع مؤقت .. ربما لأن فضولها وجد شيئاً أفضل الآن لتتحرى عنه .. وكأنها عالِمة وبفضولها تحب اكتشاف أشياء جديدة .. لكن طبعاً الفضول أنواع .. وفضول لونايل ليس من النوع الجيد أبداً ..
فسألت لونايل ليثيا دون تفكير في كثير :
"صحيح .. والآن بما أن القصة في المكتبة .. فاحكي لي .. من أين تعلمتِ كل هذه المهارات .. ولا تخبريني أيضاً من الكتب .. فالكتب لن تستطيع إيصالكِ إلى هذه المرحلة."
"وهل جربتِ أنتِ التعلم من الكتب قبل أن تحكمي عليها هكذا؟"
وبعد أن سألتها ليثيا هذا السؤال باستغراب .. لم يخب ظنها عندما أجابتها لونايل بثقة .. وكأنها كاتبة لكل الكتب:
"أجل أجل .. أنا أعلم كل شيء عن الكتب .. لستُ إذا كنت أُمّية يعني هذا أنني جاهلة في أمور الكتب."
"حقـ .."
قطعت ليثيا كلامها فجأة .. لأن ..
هناك صوت خلف باب القاعة .. قطع عليهما حديثهما .. وأدخل الرعب في قلبيهما ..
فتحركتا بذعر ..
بينما وقفت ليثيا بهدوء .. قفزت لونايل بذعر:
"أوو .. لا .. علينا أن نختفي .. أنا سيف .. أنا سيف .. أنا سيف."
"توقفي وأمسكي المكنسة بسرعة .. نحن هنا لننظف بأمر من السيدة فاليريا."
"أو صحيح .. تذكرت .. أين مكنستي الآن .."
تحركت لونايل تبحث عن مكنستها .. وظلّت ليثيا تراقب الباب بحذر ..
حتى فُتح الباب ..
فُتح ببطء ..
وكأن الفاتح يملك الوقت كله ..
ببطء ..
ببطء ..
حتى فتح نصفه فقط!..
ولم يكلف الفاتح نفسه إكمال فتح باقي الباب ..
وأطلّ برأسه!..
إنه حارس ..
حارس عجوز هرم ..
عجوز يقضي كل حياته ببطء ..
بطؤه الذي يحرق الأعصاب ..
ملامحه تكاد لا تُرى من صِغرها ..
وجِلده الشاحب ناصع البياض ..
ولولا بياضه لأُعتبر إحدى تماثيل القصر ..
وبنفس البطء حرك مقلتيه على ليثيا ولونايل .. ثم على القاعة ..
وبنفس البطء ..
عاد برأسه للخارج ..
وبنفس البطء ..
أغلق الباب ..
بينما تحولت ليثيا ولونايل لتمثالين بدلاً عنه ..
كاد أن يوقف قلبيهما بسبب بطئه ..
رغم أنهما لم تفعلا شيئاً خاطئاً ..
عدا أنهما كانتا تتبارزان بالسيوف الخاصة بالجنود والتي يُمنع لمسها... هذا لم يكن خطأ ... بالنسبة لهما طبعاً ..
إلا أن هذا لم يمنع من تركهما تتصنمان تراقبان عرض ذلك الحارس البطيء ..
وما أن أغلق الباب .. حتى حركتا نظرهما باتجاه الأخرى ..
ببطء ..
وكأنهما قد أصابتهما عدوى البطء من ذلك الحارس ..
تنهدت لونايل تنهيدة كبيرة .. كادت تنهي بها كل هواء القاعة ..
وأفلتت المكنسة من يديها لتسقط على الأرض .. وأردفت:
"تباً .. إنه أسوأ من السيدة فاليريا .. لن أكذبها هذه المرة إن قالت إنه قريبها."
"أظن أن علينا إنهاء عملنا الآن .. حتى لا يُفتح الباب المرة القادمة بوجه السيدة فاليريا."
"لا تظني .. بل أيقني .. لأن قلبي كاد يتوقف قبل قليل."
وتوجّهت الاثنتان لتبدآ بالتنظيف .. وتوقّفا عن مغامراتهما الفضولية قليلاً .. حتى تحافظا على ما تبقى لهما من عمر ..
"أوو! .. لونايل! .. إنه كتان ياباني .. كم هذا رائع!"
لكن ربما ستتوقفان عن الفضول بعد إنهاء جولة الفضول هذه أيضاً ..
"حقاً .. لماذا هناك أنواع للسيوف أيضاً؟ .. هل تُصنَّف كسيوف للأمراء وسيوف للجنود العاديين؟"
"كلا .. إنها تُصنَّف حسب شكلها .."
"وانظري .. هذا الحسام العربي .. إنه شديد الحدة .. ومن سيوفي المفضلة."
"أوو .. هل نستطيع صنع به السَّلطة؟"
⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘
Talynor