⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘
ومع بداية يوم جديد... كانت فيه الشمس تضرب بأشعتها اللطيفة والهادئة،
تضرب بضرباتها المفيدة...
وعلى ذلك البئر القديم...
حيث وقفت بجانبه لونايل التي تتثاءب، وليثيا التي تصارع ثقل الدلو...
ولأن بجانب هذا البئر تبدأ يومهما ومهامهما،
فكان يتوجب عليهما الخروج إليه كل يوم ومقابلته...
كان البئر موجودًا في زاوية تسمح برؤية البوابة الرئيسية للقصر...
تلك البوابة الضخمة التي تحاوط القصر كأنها تحضنه...
والتي هي بصدد الفتح الآن...
وبمناسبة وقوفهما بتكاسل هنا، فُتح باب القصر وهما لا تزالان في نفس المكان، ليظهر وراءه الأسطول الملكي، وكانت أولى عرباته... العربة الملكية...
وبطبع في تلك اللحظات طار كل الكسل والتثاؤب من ليثيا ولونايل...
ومن سيشعر بالتعب في حضرة الأمير والنبلاء؟...
فتقدمتا تتجهان أقرب ناحية البوابة لتحصلا على نظرة أفضل... ومشاهدة ممتعة أكثر...
فليس كل خادمة سعيدة الحظ التي تحظى برؤية الأمير وحاشيته...
وبالأخص وهم راجعون من ميدان المعركة...
ولم تكن ليثيا ولونايل الوحيدتين اللتين تصنمتا لمشهد الأسطول...
بل كل من كان موجودًا في الحديقة لم يُضِع على نفسه مشاهدة هذا الحدث...
"لا أصدق... لا أصدق! إنه الأمير... ويا له من يوم حظي!"
قالتها لونايل بحماس فور أن نزل الأمير ميغال مورفين من عربته الملكية يتبعه الباقون في النزول...
وبما أنهم كانوا في ساحة الحرب... فلم تخلُ هيآتهم من الدماء التي ملأت أجسادهم واختلطت مع أتربة الأرض... ولم تُرحم أي قطعة ملابس ملبوسة، بل مزّقت، لتترك الدروع تبرز على الأجساد...
كان المنظر مهولًا... الآلاف من الجنود نزلوا من مئات العربات... وكلهم يرتدون دروعًا فضية تعكس أشعة الشمس فتجعلها تبرز...
اصطفّ الجنود بانتظام، آلاف يمسكون السيوف، وآلاف من حاملي الأسهم، وآلاف أخرى يمتطون أحصنتهم ويقفون في المؤخر...
ومن بينهم عربات كانت مشددة الحراسة... ولم يأخذ الأمر زمنًا كثيرًا حتى بدأت تُفرغ...
ليظهر أن جنودًا آخرين نزلوا منها، مخالفون في الدروع عن الجنود السابقين... فامتازوا باللون النحاسي واختلاف تشكيلة الدروع على أجسادهم...
ولم يخلُ منظرهم من سلاسل فضية التفت حول أجسادهم تقيد حركتهم وحريتهم...
إنهم أسرى الحرب...
وما كان أعظم ما في الأمر... هو الأمير!...
الذي تشابه في لون دروعه مع باقي جنوده "الفضي"،
لكن تشكيلتها وتركيبها على جسده كان ملكيًا... مثله...
كان يقف أعلى الدرج المؤدي لداخل القصر... فالتفت ناحية الجنود يتأكد منهم ومن سلامتهم بعينيه... وقفته الواثقة... قدماه متباعدتان... ويداه خلف ظهره... وقفة ملكية... مثله...
ووقف إلى جانب الأمير باقي النبلاء المشاركين معه في المعركة... ورغم منظرهم الدامي... وأجسادهم التي كانت أوعية لخلط دمائهم مع دماء أعدائهم...
إلا أنهم كانوا يقفون بثبات، متجاهلين أي ألم تصرخ به أجسادهم ومظهرهم... ليخفوه خلف جمود ملامحهم...
فإن تركوا هم للضعف أن يستولي على كيانهم... فماذا تركوا للجنود الذين بنوا عليهم آمالهم؟...
وبعد جولة الأمير التفقدية بعينيه، ورغم أنها كانت جولة صامتة وجامدة، إلا أنها كانت للبعض كتربيتة أم لطفلها...
إن الأمير وقف رغم كل أتعابه وجروح جسده وروحه... فقط ليتفقد جنوده، وليتأكد أن أحياءهم عادوا سالمين، وأمواتهم دُفنوا هانئين...
فهذا أحد أسباب ولاء تلك الأعداد الهائلة من الجنود لأميرهم... الذي لن يتخلى عنهم ولن يتخلوا عنه...
فالتفت الأمير يمشي بخطواته الواثقة الهادئة... إلا أنها كانت بطيئة لتساير أتعاب جسده...
والتفت من بعده باقي النبلاء الذين معه، ورحلوا جميعًا يختفون داخل أبواب القصر الفخمة الضخمة... ليعالجوا جراح أجسادهم وأرواحهم...
-"كلا، ليثي... علينا إحضار تلك القصة... أريد تكملتها... لعل هناك طريقة ما لأصبح أميرة... أو أن يتكرم الحظ علي ويلقي بالأمير إليَّ ليتزوجني"
عودة إلى الخادمتين الحالمتين... و التي كانت كل منها تشغل عقلها في التخيل و الأحلام أكثر من العمل و التنضيف
- "وأنا أيضًا... كم أتمنى الحصول على سيفي الخاص... لأحارب معهم وأنضم لجنود الأمير المخلصين... لكنها أحلام بعيدة المدى"
- "لا عليكِ، فلنكمل اليوم عملنا باكرًا ثم نعود إلى المكتبة"
×___________×
داخل القصر الكبير...
وبين غرفه وجدرانه...
هناك غرفة وقع فيها حدث علينا مراقبته...
تعقد فيه النوايا بسرية...
ويُشرب فيه الخبث في كؤوس ذهبية...
ومن حيث تُقدَّم الخيانة من تحت الطاولة...
من المكان الذي لا تراه... أو الذي لم تُرِد أن تراه...
وها قد عُقدت وثائق الخذلان... عبر نظرات كاذبة وكلام أكذب...
"حالتك الآن جيدة... والجرح في صدرك سيلتئم في غضون أسبوعين... يمكنك أن تستريح يا سمو الأمير"
بعد أن أنهى الطبيب ريڤوس إعطاء المعلومات عن جرح الأمير... التفت يمسك بالريشة يغمسها في الحبر ليكتب على أوراقه...
بينما الأمير ميغال يجلس باستقامة على حافة السرير... قدماه متباعدتان وكأنه يفرض سيطرته على المكان...
ملامحه الجادة التي جاهد كي يخفي التعب والألم منها...
كان جسده قد تخلى عن ثقل الدروع ليريحه قليلًا... ثم لُفّ بضمدات بيضاء استولت على صدره... وكأنها تكتب تطهيره من السفك السابق... وتثبت تألمه من صراع طاحن...
نظر الأمير ميغال إلى السرير الذي بجانبه... فوجد صديقه إيلمار يرقد عليه... مغمضًا عينيه يتنفس بسلام... منافيًا تمامًا للكيان الذي كان عليه قبل ساعات... وكأنه وصل إلى موطن أمانه فأرخى نفسه وأخرج كل سلامه...
فقد عادوا لتوهم من حرب شديدة مع أعدائهم... خسروا فيها كثيرًا وربحوا أكثر...
وكان صديقه إيلمار يحارب بكل شجاعة... ولم يتوقف لحظة واحدة... حتى تأكد أن المعركة انتهت بنصرهم...
وفي الثواني التالية... دخل إلى حجرة التمريض ثلاثة أشخاص:
الملك نيفال...
المستشار زيمار...
وابنه كاليون...
بملابسهم الملكية التي تناقض ما يرتديه الأمير وصديقه الآن من عتاد الحرب...
وبسبب عودتهما من المعركة، فلم يكن مظهرهما الخارجي في وضع جيد أبدًا، ولا هما في وضع يسمح لهما بالاهتمام بالمظهر أصلًا...
فوقف كل من الأمير ميغال و الطبيب ريڨوس أحتراما للملك و تحيتاً له ... و لم يستغرق ثواني فيما تفحص الملك الحجرة بعينه ثم أومئ إليهما بصمت ليعودا لجلوسهما ...
بينما أتخد الملك أقرب كرسي له لجلوس و المراقبة ..
وكان أول من تكلم هو المستشار زيمار:
"كيف حالك أيها الأمير ميغال؟"
كان سؤال أكثر ما يقال عليه طبيعي ... لكن لا يوجد شيء طبيعي طلما هناك ما يوحاك في الخفاء أسفل كل جملة ضاهرها طبيعي ...
فأتاها الرد من الأمير باختصار:
"جيدة... أظن أنه بحلول الغد أستطيع العودة إلى أعمالي..."
في هذه اللحضة ترك الطبيب ريڨوس أوراقه .. وأنسحب بهدوء .. تاركا الساحة لمحربيها ...
فتلا ذلك سؤال السيد كاليون:
"وماذا عن السيد إيلمار؟"
إنتقلت كل الأنظار بتجاه ذلك الراقد على السرير ... غافياً لا يدري على ما يحدث حوله ...
فأجابه الأمير ثانيةً بنبرته الهادئة الضاهرا ... والمهددة باطناً ... فالحديث عن صديقة تجعل كل حصونه و دفعاته تستيقد من مضجعها :
"لقد تضرر كثيرًا... لكن لا بأس... سيتحسن في وقت قريب... إنه قوي لا تقلقوا عليه"
حل صمت قصير بينهم... ولم يعمل ذلك الصمت إلى على زيادت الجو توترا ...
بينما اكتفى الملك بإلقاء نظرات صامتة... دون أن يتكلم .. وكأنه لن يقتنع بأي كلام يُقال... فقط سيصدق ما تراه عيناه ويكتفي بذلك...
تقدم المستشار زيمار يجلس على كرسي مكتب الطبيب يسند يديه على مسند الكرسي ... و تكلم بنبرته التي لا تخلوا من الغرور :
"إذن ما هي خطوتك التالية أيها الأمير... بعد هذا الانتصار الذي حققته؟"
كان سؤاله أقرب بالأستهزاء كثر من أنه فضول ...و كأنه يسخر من كونه فاز في معركة خاسرة ... لم يبالي الأمير ميغال بنبرته المبطنة تلك .. بل أجابه بكل تعقل أجتنابا لأي مشاكل في و جود الملك :
"لا زالت الحرب لم تنتهِ... ولا زلنا لم نحصل على حقنا كاملًا... فلا أنا ولا جنودي سنتوقف حتى نسترد مملكة أوشيريا ونزيح كايدوس وأتباعه من طريقنا... إن مملكة أوشيريا أصبحت ضمن مملكتنا... والملك نوريم قد أوصانا عليها قبل مماته... فأنا لن أقبل أن أسلمها للجاحظ كايدوس..."
رفع المستشار زيمار حاجبه على الكلام الذي سمعه من الأمير ... و كأنه لم يعجبه تلك العزيمة التي يمتلء بها .. وفقط رد عليه بنبرته الماكرة :
"أجل، ولكن الملك كايدوس لا زال يرفض الاستسلام أو التنازل وترك المملكة بخير لتُولّى أمورها..."
وبعدها شارك كاليون يكمل حديث والده :
"من الصعب أن نحكم مملكة لم نبسط كامل سلطتنا عليها..."
أجابه الأمير و كأنه يعطيه أمرا حسم تنفيده :
"ولهذا علينا أن نتخلص من كايدوس..."
في تلك اللحضة نضر المستشار زيمار ألى أبنه كاليون و تلاقت نضرتهما لثواني ... لم يلاحضها أحد
فبتسم كاليون أبتسامة جانبية و هوا يقلب خنجره بين يديه بعد أن أخرجه من حيزام خصره ... و أكمل قائلا :
"كلا، أظن أن المشكلة تكمن في مستشاره... فهو يريد أن يضعه ملكًا عليها... فكايدوس أكبر همّه إن لم يصل كأس الشراب الصباحي... أو إن تأخرت وليمة الإفطار ثواني عن موعدها ... ألا تضن ذلك أيضا حضرت الأمير "
أكمل كلامه و رفع عينيه لتتلاقة نضراته مع خاصت الأمير ...
كان الأمير سيتحدث ويرد عليه... لكن جسده خانه، ونقل إلى أحد أعصابه الحسية ألمًا منعه من الكلام... وجعله يخرج تأوّهًا مكبوتًا مع ثقل أنفاسه...
أخد أنفاساً ثقيلا لثواني حتى أستطاع التحكم في ألمه و كبته داخله ... فليس الآن موضع جيد لتأوه و التألم كالأطفال ...
نهض الملك نيفال يجذب الأنضار إليه .. وتحرك يقترب من الأمير ... و ضع يده على كتفه و حادثه بنبرته العميقه :
"ارتَح أيها الأمير... ولا تكابر على حساب صحتك... خذ ما تحتاجه من الراحة بلا خجل... وعد إلينا بعد استعادة نفسك..."
رفع الأمير ميغال نظره لوالده الملك نيفال... ولم يحصل منه إلا على تلك النظرة...
نظرة رغم جمودها للجميع... إلا أنها دافئة للأمير...
نظرة من أب لابنه...
ومن ملك لأمير...
و لن يفهمها سوهما...
⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘
Talynor