الحُبُّ مُجَرَّدُ خُرَافَةٍ نَاعِمَةٍ،
اخْتَلَقَهَا البَشَرُ لِتَسْكِين فَرَاغ قُلُوبِهِم.
……………………
لا تخدعك اللمعة الأولى..فهي رصاصة في الجبين.
وهذا بالضبط ما حدث مع أنليزه فيتالي، حين خانتها تلك اللمعة، ثبتت عيناها على أكثر شخص معتل رأته..يحاصرها كما يتم حصر الفريسة في زاوية صغيرة..
على سطح الجامعة..وظهرها يلامس الحافة، كانت السماء فوقها ملبّدة بغيوم داكنة...والريح في الطابق السادس تلسع بشرتها..
كانت أحدى الأسقف المهجورة في الجامعة التي يتسلل إليها الطلاب ليروا البحيرة من الاعلى..ومن كان يتخيل أن تجد هناك طالبًا روسيًا لعينًا، اختصاصه البيولوجيا الجزيئية، جالسًا على الحافة بطريقة مستهترة كأنه يعانق الموت..؟
كان يقف أمامها حتى لم يعد بينهما سوى أنفاس مختنقة، ربطة رأسه ذات المربعات الأبيض والأسود مشدودة بعقدة من الخلف، وبعض خصله السوداء تسقط على جبينه، والرياح تعبث بها كأنها تمزح مع شيطان لعين، المطر ينقر على وجنتيها، والرياح تحرك شعرها المتموج كراية حرب.
على بعد سنتيمتر واحد فقط من السقوط، وربطة عنقها الرمادية ملتفة على قبضته... يجرّها كما تجر الأفعى فريستها.
رافاو..لم يكن كما توقعته بتاتًا..
يرسم ملامح الوديع… وأفعاله أفعال إبليس، الطالب الذي غيابه أكثر من حضوره، هو كابوسٌ يمشي على قدمين..
كانت ابتسامته تجر معها رائحة الموت، ونشوة كبيرة لرميها من على بُعد ستة طوابق..يريد رميها..وهي تريد جره معها..
حتى الآن، عقلها يحسم الأمر ببرود، أي إنسان طبيعي كان ليستنجد بأحد، أما هي؟ هي تفكر بأبشع الطرق لقتله، هل تسقطه أفقيًا… أم عموديًا؟ على رأسه؟ أم على عموده الفقري؟ هل تدعو على روحه.. أم تبصق على رفاته وترحل؟..
أمال رأسه أكثر، فانخفضت نظارته عن عينيه السوداوين. أنفه يلامس أنفها، وتوسعت أبتسامته حتى ظهر ناباه..كأنه علم أنه قد مات آلاف المرات في عقلها الصغير..
عيناها الزرقاوان صارتا داكنتين تحت الجو شبه المظلم، ورموشها الشقراء الثقيلة ترتجف قليلًا..
أطلق زفيرًا باردًا يرسم بخارًا أبيض يتصاعد من بين انفاسه،ولعق سبابته قبل أن يمررها على شفتيه ببطء.
ثم همس، كأنه يتذوق الفكرة:
"كم أود قتلكِ."
ابتسمت ساخرة، وأدارت سبابتها قرب رأسها بحركة دائرية، تلك الإشارة العالمية لمن فقد صوابه.
لكن هل يقصد القتل فعلًا؟..
وهل يمكن أن تحمل جملة "أود قتلك" معنًى آخر؟
ربما لم يحدث هذا من قبل عند أي إنسان طبيعي… لكن رافاو والطبيعية خطّان لا يلتقيان.
حين يقول "سأقتلك"، لا يقصد الموت بتاتًا..
كانت تدرك، في أعماقها، أن مغزى كلماته لا يمتّ بصلة إلى الفناء… بل إلى شيء آخر، أكثر التواءً وخطورة..
وربما هذا سبب آخر لكونه بلا سمعة، أو حتى أصدقاء.. فهو صريح حدّ الوقاحة، قد يسأله أحدهم عن ثيابه الفوضوية فيجيبه ببرود "مزعجة للنظر" لا مديح، لا مجاملة… بل الحقيقة عارية كما هي.
صراحته ليست رأيًا، بل سلاحًا، ولسانه سيف، لا أداة حوار..
كانت أظافرها تضغط على يده التي تمسك بالربطة، تغرسها في جلده، كلما شدّها للخلف، تترك آثارًا حمراء وخطوط دم جافة على بشرته.
وهل تأثر؟ بالطبع لا..بل توسعت ابتسامته أكثر، أقسمت بالرب أن بريق عينيه خلف النظارة السوداء لم يكن إلا نشوة خالصة..
وهي كانت كفراشة تضرب جناحيها أمام إعصار..
" أعذرني..فما رأيت أن نقصك عميق لهذه الدرجة."
خرجت الحروف من بين أسنانها بامتعاض.. كأنها تخبره أنا لا أخافك، وأحتقرك ، احتقار بارد كصفعة تحت الثلج..وهذا النوع من الصفعات لا تشعر بألمه..بل يخدرك ببطء..
من ثم رفعت إصبعها الأوسط نحوه بلا تردد.
لم ينجح حتى الآن في انتزاع الخوف من عينيها... وهذا بالضبط ما يجعله يكرر لعبته مرارًا..يده فقط تفصلها عن السقوط… وعن لقاء الرب.
تتساءلون ماذا يحدث هنا..
وكيف وصلت الأمور إلى هذه اللحظة؟..
ربما علينا أن نعود إلى الوراء… قبل أسبوعٍ واحد فقط من هذا الجحيم…
_sil.3