لغز الأوراق البيضاء

لغز الأوراق البيضاء

35 0

تذكر تلك الورقة البيضاء الفارغة التي وصلت مع الدعوة، ظن في البداية أنها مجرّد ورقةٍ وضِعت خطًأ في ظرف الدعوة؛ ولكن بعد حادثة القتل أيقن أن وراءها أمرًا خفيًا، وأن هناك لعبةً لَعينةً تُلعب على حبل رفيع.

دوى صوتُ تحريك عجلات كرسي المكتب، فنهض المحققُ بارزًا طول قامته، يسير بخطواتٍ متثاقلة واضعًا يده في جيب بنطاله، متجهًا نحو نافذة المكتب.

أخرج علبة السجائر من جيبه الداكن، وانتقى ثالث سيجارة مِن الجهة اليمنى ليُشعلها ويدخنها بشراهة، بينما عينيه تتطلعان من الطابق الثالث نحو جموع الناس المحيطة حول بائعِ اللحوم الذي كان ينادي معلنًا عن تخفيض في الأسعار وسط تزاحمٍ متلهف من المشترين.

تنفس بعمق وهو يتمتم ساخرًا:

«يا لهم من أناسٍ جشعين!»

التفت عائدًا إلى كرسي مكتبه، وهو يسحب نفسًا عميقًا من سيجارته، وليُعلن الدخانُ سلطنته في أرجاء المكان.

جلس يحدق في تلك الورقة البيضاء الفارغة، غريزته التحقيقية كانت تهمس له بأن حل اللغز يكمن فيها.

أمسكها بين إصبعيه الأوسط والسبابة، يقلبها مَرةً بعد مَرة، لعله يكتشف شيئًا، ثم ابتسم ساخرًا وتمتم وهو يرميها بتكلف:

«رُبما كنتُ أتوهم... إنها ليست سوى ورقةٍ فارغة»

تنهد المحققُ مِهيار وقرر النزول من البناية إلى الشارع وزيارة مقهاه المفضل.

صوت قبقبة خطوات أقدامه وهي تضرب على الأرض تعلن عن بدأ مشيه بتثاقل وببطء.

ألقى سيجارته في سلة المهملات أمام مبنى شقته بعد أن أطفأها واستمر في سيره قاصدًا المقهى.

ولم يمشي إلا بضع خطوات حتى قاطع طريقه سقوط امرأة عجوز من أعلى المبنى المجاور أمامه.

توسعت حدقتاه صدمةً بما حدث، مِمّا جعلته يتوقف عن السير، يحاول أن يستوعب مايراه.

عرف مِهيار فورًا أنها جريمة قتل وليست حادثة، خاصةً عندما رأى أن فم الضحية قد حُشر بداخله ورقة بيضاء بدأت تتلطخ بالدم الخارج من الجثة.

قرر مِهيار أن يسحب الورقة قبل أن يصيبها التلف بسبب الدماء، وعندما حملها بين أصابعه أيقن فورًا أنها نفس الورقة التي أُرسلت له مع الدعوة الخاصة بحفلة السوبرانو.

عقد حاجبيه وتحدث بانزعاج مؤكدًا شكوكه السابقة: «ورقة بيضاء لعينة فارغة... بحق الجحيم! ماذا يعني هذا؟»

رفع رأسه إلى الأعلى لمعرفة المكان الذي سقطت منه الضحية لكنه لم يتوصل إلى شيء؛ فقرر أن يدخل المبنى ويقوم بتفتيشه.

منع المحقق مِهيار الجميع من الاقتراب من الجثة واتصل بالشرطة وهو يدخل المبنى.

حاول مِهيار أن يعثر على شيء لكنه لم يجد شيئًا، بدأ يطرق ابواب الشقق ليسأل اصحابها عن الحادثة ولكن جميع الشقق كانت فارغة

تحدث بأنزعاج إلى نفسه بينا يصر على اسنانه:

«خمسة عشر شقة في المبنى جميعها فارغة؟! جريمة قتل من دون مشتبه به!»

وفجأة دوى صوت رجولي ينادي بأسم مِهيار، التفت المعني إلى مصدر الصوت فإذا به صديقه جواد وزميله في الشرطة كان يركض متجها نحوه.

سأله جواد مباشرة إن كان قد عثر على أي خيط يفيد في التحقيق، لكن مِهيار أجابه باستياء: لا أدلة، لا شهود، ولا مشتبهين!

حدق جواد في صاحبه مِهيار ولاحظ أن ملامح الاضطراب بدأت ترتسم على محياه، تحدث مخاطبًا أياه:

«ما الأمر يا صاحب القمر؟ أراك شديد الاضطراب»

اتسعت حدقتا مِهيار وهو يتساءل في نفسه: «ماذا يفعل جواد هنا وحده؟ حتى وإن كان شرطيًا، لا يُعقل أن يدخل بمفرده إلى مسرح جريمة»

تنهد مِهيار ببطء، ثم أخرج زفرةً طويلة بلل بها شفتَيه، وأجاب بأستعلاء دون أن يلتفت إليه:

«جريمةُ مَقتل السوبرانو، وسقوط تلك المرأة العجوز جريمتا قتلٍ مترابطتان»

رفع جواد حاجبه الأيمن محاولًا استيعاب ما يقوله مِهيار، ثم قال باستنكار:

«ماذا تعني؟! أليس مقتل السوبرانو كان على يد عشيقها؟ وكان هناك آلاف الحاضرين شهودًا على الجريمة! لست أفهم ما تقصده!»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صاحب القمر

المؤلف موران
2025/09/19 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة