الفصل الاول

الفصل الاول

38 0

مرحبًا أيها القارئ، وأنتِ أيضًا أيتها القارئة.

قبل أن تفتح هذا الكتاب وتغوص في صفحاته، أو قبل أن تتركه وتذهب لتفعل شيئًا آخر أكثر جدوى… كإعداد كوب شاي أو مشاهدة الغبار وهو يترسب على الطاولة…

لا فرق عندي. هذه الرواية لم تُكتب من أجل أحد. لم أكتبها لتنال إعجابك، ولم أكتبها لأضيف رقمًا جديدًا إلى قائمة «الكتب المفضلة». كتبتها لأن رأسي امتلأ بضجيج سخيف ولم أجد مكانًا آخر أضعه فيه، فوضعتُه هنا.

لن تجد هنا قصة حب تلهب الخيال، ولن تجد بطلًا وسيمًا يقفز من فوق الأسوار، ولن تجد بطلة تلوّح بسيف من نار. إن كنت تبحث عن ذلك… أغلق الكتاب الآن. أو لا تفعل.

الأمر سيان.

ستجد فقط أشخاصًا عاديين، واحدًا منهم شبح فاشل في التخويف، والآخر إنسان فاشل في الحياة. هذا هو العرض كله.

أعلم، أعلم…

يبدو مملًا، وأنا موافقة تمامًا على ذلك.

أما عن مواعيد الفصول… فلا تنتظر. قد أكتب خمسة فصول في يوم واحد إذا مللتُ كثيرًا، وقد لا أكتب شيئًا لشهرين أو ثلاثة.

وربما لن أعود أبدًا.

وإذا عدت، فلا ضمان أن أتذكر أين توقفت أو إلى أين كنت ذاهبة. لا تنتظر حبكة محكمة، ولا بناءً متماسكًا، ولا عقدة تنحل في النهاية. لا تنتظر شيئًا أصلًا.

الآن، بعد أن قلت لك كل هذا، لا يزال أمامك خياران: أن تتابع، أو أن ترحل. وأكرر، لا فرق عندي. إن قرأت، فشكرًا لوقتك المهدور، وإن تركت، فأنا أول من سيفهمك.

1

لقد ثرثرتُ كثيرًا بما يكفي. على الهامش دائمًا ما تطول الثرثرة بلا جدوى.

مرر الصفحة، أو لا تمررها. صدقني، العالم لن يهتز.

في صباح عادي.

صدقني عادي جدًا. لا شروق مدهش، لا طيور تزقزق بحماس، لا مفاجآت سارة خلف الباب. مجرد صباح يشبه الصباح السابق ويشبه الذي سيأتي بعده. ممل كقهوة تُركت على الطاولة منذ الظهر ثم قررت أن تتحول إلى تجربة مريرة بلا طعم.

كان بطلنا، الذي لن نسميه بطلًا إلا مجاملة، ويدعى إليوت، في وضعية تكاد تكون إعلانًا رسميًا عن الاستسلام: جسده شبه النحيل نصفه السفلي على السرير، ونصفه العلوي متدلٍ إلى الأرض.

1

شعره الأسود الكثيف ملبد، عيناه غائمتان شبه مغلقتين، لا من أثر نعاس بل من قناعة عميقة أنه لا جدوى من فتحهما أكثر.

كان يحدق في نقطة غامضة على الجدار، وكأنه اكتسب فجأة قدرة خارقة على رؤية ما لا يراه الآخرون. الحقيقة؟ هو ببساطة كسلان لدرجة تمنعه من تحريك عينيه لمكان آخر.

دون سابق إنذار، كُسر صمت المشهد البائس.

اقتحمت أخته الغرفة بخطوات مسرحية، وقفت واضعة يديها على خصرها كأنها ممثلة في مشهد عتاب رخيص:

«إليوت، أيها الأحمق، لقد برد الطعام!»

تحركت شفتاه بالكاد، صوته أضعف من أن يملأ الغرفة:

«أرجوك… أغلق ستار النافذة… ضوء الشمس يزعجني.»

تنهّدت هي كأنها ترفع راية الاستسلام، وضعت يدها على جبينها بحركة مبالغ فيها، ثم تقدمت وأمسكت بقدمه. لم تطلب، لم ترجُ… بل ببساطة جرّته أرضًا كما يُجرّ كيس بطاطس قديم.

1

وإليوت، المدهش في الأمر، لم يقاوم. لم يحاول حتى أن يحرّك إصبعًا. كان كائنًا خامدًا يُساق كما يُساق أثاث البيت عند التنظيف.

وبينما هي تجره نحو المائدة بخطوات غاضبة، كانت والدته تضع اللمسات الأخيرة على الطعام. التفتت إليه بابتسامة منهكة، وقالت بنفس النبرة التي كررتها آلاف المرات:

«صغيري… هيا انهض.»

بمعجزة صغيرة، جلس. متكئًا على نفسه. نظر إلى الطبق أمامه.

طالع البخار المتصاعد…

حدّق قليلًا ثم قال بفتور لا يوصف:

«الطعام… لا يزال ساخنًا.»

قالها وكأنها اكتشاف كوني، بينما في الحقيقة لم يكن سوى رجل نصف نائم يرفض الاعتراف أنه جائع.

قالت أخته وهي تمضغ الطعام وتلوّح له بالملعقة كأنها تخاطب طفلًا عنيدًا:

«أخبرتك أنه برد… لعله يحرك فيك شيئًا، لكني كنت مخطئة.»

إليوت لم يعلّق. اكتفى بمتابعة الطعام برتابة لا تختلف عن رتابة مضغها. أنهى وجبته ببطء، ثم نهض كجبل قرر أن يتحرك، لا بعظمة ولا بروح أسطورية، بل بثقلٍ بليد يعرف أنه سيمضي يومًا آخر بلا فائدة.

تناول الحقيبة التي كانت شقيقته قد جهزتها مسبقًا. وما إن همّ بالخروج حتى اعترضت طريقه بصرخة صغيرة:

«لم تصفف شعرك بعد!»

لم يلتفت. سحب قلنسوة تيشيرته فوق رأسه، وقال ببرود مطلق:

«هذا يكفي.»

1

ثم خرج.

كان في سنته الجامعية الأخيرة. لحسن حظه، الجامعة قريبة، لكن رغم قِصر الطريق، كل خطوة كانت ثقيله على قلبه. أثقل من خيبة تفويت خصم كبير في متجر ملابس.

وعندما وصل، لم يقابله أحد.

لا، لم يكن لديه ذلك الصديق الوفي الذي يلتصق بك مهما حدث. على العكس، في العامين الأخيرين بدأ الجميع ينفرون منه، لأن كآبته صارت أثقل من أن تُحتمل.

توجه مباشرة إلى قاعة المحاضرة. جلس في آخر صف، كعادته، جبهته صفعت الطاولة أمامه لشدتها دور الصوت في القاعه.

ينتظر الدقائق الخمس التي تفصله عن بداية الدرس. لا يعلم لما يواصل الذهاب الى الجامعة، ولما يتفقد كتبه من حين لآخر ولكنه قرر الايفكر في الأمر كثيرا.

شيئًا فشيئًا امتلأت القاعة، حتى حان الموعد.

دخل البروفيسور، وبدأ يشرح. ويشرح. ويشرح. ويكرر الشرح بنفس النغمة المملة، حتى لم يعد الملل حكرًا على إليوت وحده، بل عدوى أصابت القاعة كلها.

وفي النهاية، قرر البروفيسور أن يختار بعض الطلبة عشوائيًا لطرح الأسئلة… إلى أن جاء دور إليوت.

البروفيسور ينظر بابتسامة متحفزة:

«إليوت، هلا أخبرتني كيف يمكن تطبيق مفهوم التناغم بين الفراغات في تصميم مبنى متعدد الاستخدامات مثل مركز ثقافي تجاري؟»

1

إليوت، يرفع رأسه قليلًا، نصف عيناه ما زالتا مغلقتين، يضع يده في جيبه، ثم يتحدث بنبرة تشبه التثاؤب:

«التناغم بين الفراغات… يعني أن تجعل الفوضى تبدو مقصودة.

خذ مثلاً… مدخلًا واسعًا جدًا، أوسع من اللازم، بحيث يدخل الناس ويشعرون أن حياتهم أصغر من أن تملأ هذا الفراغ. أو ممرات طويلة لا تنتهي، مثل أيام الشتاء، تقودك في النهاية إلى متجر صغير لا يستحق كل هذا العناء. هذا… تناغم.»

1

القاعة تضحك بخفة، لكن إليوت لم يبتسم.

يضيف وهو يحك جانب رأسه:

«يمكنك أيضًا أن تضع ساحة مفتوحة في الوسط، حيث يقف الناس بلا هدف، يتظاهرون أنهم يستمتعون بالشمس بينما ينتظرون شيئًا لن يأتي.

الفراغات المغلقة؟ بسيطة. غرف كثيرة بلا نوافذ، تشبه المكاتب التي تبتلعك، ولا تدري كيف خرجت منها. المهم أن التوازن موجود: مساحات تجعلك تشعر بالتيه، وأخرى تخنقك بلطف.»

البروفيسور، بعد صمت قصير، يعلّق مبتسمًا:

«وجهة نظر… مثيرة للاهتمام. ورغم غرابتها، من الناحية المعمارية… صحيحة. لكن قل لي، كيف يمكن أن يؤثر ذلك على تجربة المستخدم؟»

1

إليوت يرفع كتفيه كمن يرد على سؤال سخيف:

«تجربة المستخدم؟ حسنًا… سيتذكر المبنى للأبد. لأنه عندما يشعر بالضيق في غرفة بلا هواء، ثم يخرج إلى ساحة شاسعة بلا نهاية، سيفكر: هذا يشبه حياتي. محاصر أحيانًا، فارغ أحيانًا أخرى. على الأقل المبنى صادق معه.

وربما، ربما فقط… يتعلم أن لا مكان يوفر له الراحة المطلقة. كل مكان ناقص بطريقة ما. وهذا… تجربة مستخدم لا تُنسى.»

البروفيسور، يتنحنح محاولًا ضبط تعابيره:

«إجابة… فلسفية، ولكن لا أنكر أنها تلمس جوهر العمارة: أن تعكس الحياة نفسها.»

1

ثم انتهت المحاضرة، وتوالت خلفها المحاضرات كفصول السنه ولكن بوتيرة أسرع.

ما يغيظ أكثر أن إليوت ذكي… ذكي لدرجة مزعجة.

الجميع مقتنع أن الكآبة تعني رسوب، لكن هذا الأحمق كان يجيب وكأنه يحمل آلة حاسبة في دماغه. غريب؟ نعم. مفيد؟ لا.

وهكذا مضى اليوم…

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

انتهى الفصل.

لا، فعلاً… انتهى.

لا انفجار ولا معركة ولا حتى قهوة تُسكب على دفتر أحدهم.

لم يعجبك؟ ولا أنا أيضاً.

إن كنت وصلت إلى هذه السطور فأنت إما بطولي أو بارع في تضييع وقتك… وفي الحالتين لا فرق.

والآن… غادر. ابحث عن رواية فيها بطل وسيم وفتاة تتحداه بنظرة نارية أو أي كليشيه تحبّه..

.

.

.

.

.

.

.

.

ما زلت تحدّق بالشاشة؟… جدياً؟

إليوت (مقاطعاً السرد): بالله، أغلقها. لا أحتمل مزيداً من الاهتمام الزائف.

وأنا مصابة بالصداع وداعاً. .

1

.

.

.

.

.

.

.

.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

على هامش الحياة

المؤلف إيديلويس
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة