الفصل الثاني

الفصل الثاني

26 0

مرحباً أيها القراء والقارئات… ها قد عدت، ومعنى ذلك أن الملل رجع هو الآخر، أو ربما لم يغادر أصلاً، لكنه جلس بجانبي وطلب فنجان قهوة.

على كل حال، لاحظت أن بعضكم استمتع بالفصل الأول… أعني، حقًا؟ قراء هذه الأيام غريبو الأطوار: لا يعجبهم الحب البطولي ولا الإنقاذ الدرامي، لكن يعجبهم شخص نصف ميت يتدلى عن السرير. حسنا، كما تحبون.

المهم… للتذكير إن قرأتم، أهلاً بكم، وإن غادرتم، فالباب مفتوح ولا أملك سجّاناً يمنعكم. صفحة الكتاب مثل محطة قطار: من أراد الصعود فليصعد، ومن أراد القفز فليمت بسلام... أعني فليذهب بسلام

والآن لنذهب الفصل

.

.

.

.

.

.

في أحد الأماسي الصيفيه الممزوجه برائحة العرق وشعور الضجر، كان اليوت ممددًا على أرضية غرفة المعيشة مثل عجينة تخمرت زيادة عن اللازم، منتفخة وكسولة لدرجة الاشمئزاز. السبب بسيط: السلم بدا له طويلاً جدًا على الصعود، فقرر أن يعيش ليلته في الأسفل. يحدق في السقف بنصف عين، يترك أفكاره تتساقط مثل فتات خبز عفن، لا معنى لها.

من بعيد، كانت عيون تراقبه. أمه تكاد تدفن وجهها في كفها، تجاعيد الحسرة تكتب فصلها الخاص على محياها. شقيقته تحوم حول المكان، تعبث بأي شيء علّها تجد زرًا سريًا يكسر اكتئابه. وفجأة، كأنها أمسكت بخيط نجاة وهمي، هتفت:

«اليوت، ألا تبدأ بالتفكير في مشروع التخرج؟ أعلم أننا في بداية العام، لكن الأفضل أن تبدأ باكرًا!»

ردّ عليها بصوت أشبه بالزفير:

«ولماذا أحاول؟ جائزة أفضل مشروع ستذهب إلى مارك وتصاميمه المنسوخة كالعادة.»

لم تيأس بعد، فحاولت ثانية:

«لكن هذا مشروع نهاية العام، تخرجك كله يعتمد عليه. ليست مجرد جائزة… الرقابة ستكون أشد، ولن يفلت مارك هذه المرة.»

«مارك لا يفلت بسبب قلة الرقابة… بل لأن عمه هو الرقابة نفسها. دعي الأمر، أرجوك.»

كادت تردّ، لكن والدتهم جذبتها جانبًا. بنبرة من فقد الأمل بطلوع الفجر:

«لنبحث عن طبيب آخر… ربما ينجح هذه المرة.»

شقيقته ابتسمت ابتسامة مُرة، وأجابت:

«ألا تتذكرين آخر طبيب؟ خرج اليوت من عنده كأنه حجر، والطبيب نفسه أصيب بالاكتئاب بسببه.»

أمه لم تستسلم، بعنادٍ يائس:

«لا يجب أن نيأس بهذه السهولة… حتى لو كان اليأس أذكى منا.»

وبالطبع كان اليوت يسمع الحوار كله، فالمسافة التي تفصلهم بالكاد بضع خطوات، وهو ليس أصم.

«لِمَ هم مصرّون على المحاولة؟ يحاولون ويحاولون ويحاولون رغم أن النتيجة واحدة… الفشل مؤكد. لِمَ لا يختصران الطريق ويتوقفا ببساطة؟»

ثم رمق الضوء المتدلّي من السقف، لمّاعة قاسية تلسع عينيه.

«متى سيطفأ هذا الضوء؟ سيفقدني بصري هكذا… أو ليحدث على الأقل. سأجد عذرًا حتى لا أفعل أي شيء. ربما أقول: آسف يا عالم، لقد أعمَاني المصباغ.»

مواء القطّة اخترق رأسه، كشوكة معدنية تخدش لوحًا صدئًا.

«ألن تتوقف تلك القطّة؟ رأسي يؤلمني. أو ربما لا… فلو توقفت سأفقد عذر الصداع الوحيد المتبقّي عندي.»

ألقى نظرة إلى زجاجة ماء على الطاولة، نصف فارغة.

«حتى الماء يعرف وظيفته… يشربونه وينتهي. وأنا؟ أنا مثل نصف الزجاجة: بلا معنى، بلا نهاية واضحة. نصف ممتلئ؟ نصف فارغ؟ لا، نصف زائد.»

ثم ضحك ساخرًا في داخله.

«لو أن الجامعة تحترق غدًا… أو تتغطى بالثلج. لكننا في أغسطس. لا بأس، الكوارث لا تسأل عن الفصول.»

وهكذا ظلّت أفكاره عشوائية، تتدافع كأوراق مبعثرة في ممر طويل، لا بداية لها ولا نهاية.

.

.

.

أيها الفاشل الأحمق… لن تنجح أبدًا، استسلم، هذا أفضل لك وراحة لنا.

لا لا، لا تقلقوا، هذا ليس لاليوت. اليوت ما زال ممددًا على أرضية بيته يلعن الضوء والقطط. نحن الآن في مكان

آخر… بعيد جدا

غريب جدًا،

غير منطقي جدًا.

الكلام كان موجّهًا لشاب جميل أخضر شفاف، وجهه منمّش كأي شاب عادي، لولا أن جناحين فراشيين يخرجان من ظهره.

الغريب؟ أنه الوحيد هنا الذي يجلس على الأرض مثل تلميذ مؤدّب.

أما البقية… فبعضهم يطفو في الهواء كفقاعات مظلمة، وبعضهم يخرج نصف جسده من الحائط كأن الجدار ماء، وآخر يهبط من السقف رأسًا على عقب وهو يتثاءب. وآخر رأسة فقط ينبثق من الأرض.

الجدران نفسها سوداء حيّة، تنبض بخطوط أرجوانية وأحمر خافت كقلب يرفض الموت.

السبورة ليست سبورة؛ بل مرآة عملاقة، سطحها المتموّج يعكس صور عالم البشر كأنها بث مباشر من كابوس.

وملامح الطلاب؟

حدث ولا حرج.

هناك ذاك الذي فمه أعلى رأسه وعيناه في اسفلها، ونصفه السفلي يشبه أفعى أو سحلية… لا يهم.

وتلك الشابة بجسدٍ جميل ورأس... بلا رأس، أقدامها أقدام ماعز أو بقرة… من يهتم.

هل علمتم الآن لما قلت أنه جميل.

على أي حال. أما قائلة العبارة فملامحها الملتوية تذكرك بما يتراءى لك تحت السرير في منتصف الليل. رأسها متدلٍ على صدرها كأن عنقها كُسر يومًا في حادث أليم، ولسانها المشقوق يخرج كل خمس ثوانٍ من فمها المشوّه. أصابعها أو مخالبها – لم يقرر أحد بعد – تطرق على الطاولة الوهمية بإيقاع ثابت.

ورغم هذا كله… يتعاملون معها كقدوة. بل تتباهى هي:

«في شبابي كنتُ واحدة من أكثر الأشباح رعبًا.»

الجملة التي ترددها منذ الأزل، وكأنها وسام شرف.

وبعيدًا عن قبحها، كانت بالفعل شمطاء يُحسب لها ألف حساب.

.

.

.

.

.

.

.

اتعلمون؟ يكفي هذا لليوم، لقد تعبت. وداعًا.

اليوت… أنا ذاهبة، هل لديك شيء تقوله؟

اليوت، من مكانه على الأرض، تمتم كمن يلفظ آخر نفس:

«أعلم أنك تنوين إضافة إزعاج بشكل ما… أرجوك اجعليه بعيدًا عني.»

– سأحاول. من يرغب بجلب المشاكل لنفسه على اي حال.

«اتفقنا إذًا… اسحبي الصفحة خلفك، ودعوني أنعم بليلة مظلمة.»

وداعًا جميعًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

على هامش الحياة

المؤلف إيديلويس
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة