الفصل الثاني: عُنُفوان

الفصل الثاني: عُنُفوان

26 0

° 15 سبتمبر 2012 °

تَرَقْرَقَتْ وريقاتُ الشجرِ وبدأتْ تَسْتَنْزِفُ عمرَها المَعْقودَ منذُ أنِ الخريفُ قد وطِئَ أولَ خطواتِه. حفيفُها يَنْبُعُ من صدى الكون.

أَخَذَتِ الشمسُ تَسْلُكُ بِبَنانِها إلى خَلَدِها ، نَسَماتٍ هادئةً باردةً.

ثنائياتٌ في كلِّ مكان، وتجمُّعاتُ أصدقاء، إلى أنْ هناك روحًا قد تآكَلَتْ من فَرْطِ عُزْلَتِها، وتَدَاعَتْ عيناها بأمطارٍ باردةٍ، وبعدَ كلِّ شَهْقَةٍ مَسَحَتْ إحداهما بِضِيق.

حتى مقعدُ الحديقةِ تَهَالَكَ من حالتها، إذْ إنَّها زائرةٌ قديمةٌ فيه.

فتاةٌ كلّ الفُتَتِ تَأصْأَصَ الحزنُ فيها من عُنُفُوانِ طريقِها.

تُغَطِّيها سَرابيلُ مَدْرَسِيَّةٌ ناعمة، تُغَطِّيها بِمِعْطَفٍ صوفيٍّ رماديٍّ، في حينٍ و حين تُعيدُ خُصَلاتِها القصيرةَ التي تَصِلُ فكَّها بِامْتِعاض، إلى أنِ اسْتَقَرَّتْ خلفَ أذنِها.

1

أبْصَرَتْ بعينيها شيئًا لا يجب أن يكونَ هنا في نَسَماتِ هذا الشهر.

انْحازَتْ بعينيها إلى مَصْدَرِه، وكانت شابَّةً في رَيْعانِ شبابِها، فتاةً من جَمالِها نَدَبَتْ حظَّها وعلى ما تَمْلِكُ من حُسْن.

مَسَحَتْ بأطرافِ أناملِها ما تبقَّى من دمعٍ واعتدلتْ بِقامتِها، سألَتًا:

ـ "ما هذا؟"

ـ "مُثْلَجات."

ـ "أترِينَ خلفَ تلك الشجرة؟"

وأشارتْ بمُقْلَتِها حيثُ تقصِد، فَتَبِعَتْها بلا وعي.

ـ "ذلك الشابُّ هناك أَهْدَاكِ إيَّاها."

فأجابَتْ بِشُكوكٍ تَحومُ داخلَها:

ـ "ولِمَ قدْ يُعْطيني شخصٌ لا أعرفُه ذلك؟"

حَمَلَتْ يدها المتجمِّدة من أحضانِها بصمت، تَضَعُ فيه جليدًا من شكلٍ آخر، وقبلَ أن تعترضَ أجابَتْ:

ـ "لا شيء من ذلك يعنِن... اِسأليه."

وتراحَلَتْ عن أمامِها كما لم تكنْ هنا.

نظرتْ تارةً إلى ما تَحْمِل، وأُخرى إلى الواقفِ في البعيد، ولا يظهرُ منه سوى قَفَاه.

1

بقليلٍ من الخوفِ سار فيها، وبقليلٍ مما تملكُ من شجاعة، مَسَحَتْ بأقدامِها حتى وصلتْ إليه، وبشيءٍ من التردُّدِ نَدَهَتْ عليه فلم يُجِب ،وحاولتْ مرَّةً أخرى فالتَفَتَ، ودون تلكُّؤ مدَّتْ ما تَحْمِل.

1

ـ "لا يمكنُ قبولُ شيءٍ من مجهول."

مَشَطَ صَفْحَها بِبُطْءٍ مُرْدِفًا:

ـ "أُدْعَى بارك جي هون، فهل تُكْرِمْتِ بإخباري اسمَكِ؟"

وفي دهشةٍ ووهلةٍ مُباغِتَةٍ كادت أن تُفْصِحَ عنه لولا أنْ تَدارَكَتْ نفسَها.

ـ "لا."

ركَضَتْ مُبْتَعِدةً، وفي داخلِها شيءٌ من فُضولٍ لم تُفْضِ به.

---

° 21 فبراير °

وكـلَّ غروبٍ هناك زائرٌ مَعْهودٌ لمقعدٍ محدود. تَعيشُ وَحْدتَها في صمتٍ على كرسيٍّ خشبيٍّ، وتَأسرُ بيدِها روايةً تُصادِقُها بِجُمود، إلى أنْ جَسَدًا حَطَّ بجانبِها. فلم تنظرْ له ولم تلتفِتْ، بل اكتفَتْ بالصمت.

ـ "ما أعرفُه أنَّ الشكرَ يظهرُ قبل الركض."

1

لم تُعِرْه اهتمامًا واستمرَّت في التَّجاهل. فتحدَّثَ بِشُرودٍ في الغروب:

ـ "أرى أنَّكِ لا تَبكينَ اليوم."

أغلقتْ روايتَها وتَكَرَّمَتْ بالنظرِ إليه منذُ جلوسِه، وأجابَتْه بِجُمود:

ـ "ماذا تريد؟"

ـ "كنتُ أتساءل... بما أني أراكِ كثيرًا."

وفي توجُّسٍ منها، مُبتَعِدةً عنه قليلاً، وبشيءٍ من الدرامية أرادت أن تُثيرَ حَنَقَه ليبتعد:

ـ "هل أنتَ مُتَرَصِّدٌ من نوعٍ ما؟"

بِتعابيرِ استفهامٍ في بادئ الأمر، تحوَّلَتْ إلى ضَحْكٍ مكتومٍ منه:

ـ "اِنسي الأمر... أردتُ ربما أن نَتَصادَق."

وبعِنادٍ صرَّحَتْ:

ـ "لا صداقةَ بين رجلٍ وامرأة."

1

تسلَّلتْ ضحكاتُه بلطفٍ، مُحاوِلًا جمعَها بيدِه كي لا تَزِلَّ وتتحوَّل إلى قَهْقَهة:

ـ "امرأة؟ أنا لا أرى إلا طفلةً لم تُنْهِ الإعداديةَ حتى."

وبشيءٍ من الحَنَق والضِّيق، ضيَّقَتْ عينيها:

ـ "والطفلةُ تُصبحُ امرأةً، إن لم تُدْرِك."

هَم ناهَضَ عن الكرسي، مُخَبِّئًا كلتا يديه في معطفِه، وبِلُطفٍ دَنا منها:

ـ "تحدَّثي كـامرأةٍ عندما تُصبِحين."

وسار راحلًا، فصرخَتْ خلفَه:

ـ "أُدعى مين سورا!"

-

ماذا أفعلُ وقد زالَ مِنِّي الحُبور؟ فتحتُ عينيَّ ولَيْتَني لم أفتحهما... حقيقةُ أني على قَيْدِ هذا الواقعِ يقتلُني. مَنِيْتُ جَدَّتي... ووَحْدتي.

الغرفةُ شبهُ مُكْتَظَّة، الموجودون هنا إمَّا عوائلُ للزيارة أو مُمَرِّضات، وأنا بمُفرَدي... لا أحدَ لي.

ـ "هل استيقظتِ؟"

ـ "مين سورا!"

ـ "هل تَسْمَعين؟ أَخبِري الطبيبةَ المسؤولةَ عنها!"

لم أكنْ أُجاهِلُ وجودَها، بل لم أكُنْ أملِكُ الجُهدَ للحديثِ معها.

1

حَلْقي جافٌّ، وعينايَ تُؤْلِمانني، ولا أشعرُ بجسدي... لماذا ما زلتُ حيَّة؟

1

مَرَّتْ عدَّةُ دقائقَ قبل أن تظهرَ الممرضةُ من الغرفة، و تلِجَ هذه المرَّة وبرفقتِها الطبيبةُ تُوَبِّخني بعد ان عينتنِ:

ـ "مين سورا... تَعَيَّنَ علينا إنعاشُك.

هذا غيرُ أنَّكِ تعرَّضتِ لصدمةٍ جسدية، وبقيتِ نائمةً لأسبوع."

تنهَّدت وقد شعرتُ بأنَّ حَنَقَها عليَّ قد قلَّ.

ـ "لكنكِ بخيرٍ حاليًّا... سنُجري بعضَ الفحوصاتِ لنتأكَّد."

ـ "الشخصُ الذي أحضركِ تركَ لكِ هذه الرسالة، وأيضًا أنهى

إجراءاتِك، ودفعَ تكاليفَكِ العلاجية."

وضعتْ مظروفًا أبيضَ اللون على الطاولة. لم أرْفَعْ يدي، ولم أفتَحْ فمي بحرف، اكتفيتُ بالنظرِ والقهر. ... تسبَّبَ في موتي حيَّة!

بعد أن شعرتُ بقليلٍ من الدمِ يتدفَّقُ، وعادتِ الروحُ إلى جسدي، حملتُ المظروفَ لأفتحه:

(تَشَبَّثي بالحياة... حتى وإن انقطعتِ السُّبُل، لعل نفذتًا تفتح لكِ).

1

عِدتُ تساءُلات... راودتني! من الفاعل.

توالَتِ الأيامُ تِلوَ الأخرى في جُمودِ أسبوع اخر، وأنا هَا هُنَا لم أتحرَّك ولم أَزِحْ. لم يَعُدْ لي من الجُهدِ ما يَسعُوني. وما زلتُ لم أرَ مَن أعادني إلى داخلِ هذا القفصِ الشفَّاف.

منذُ أنْ ظنَّ أنَّه أنقذني، إلى أنَّه أزال أجنحتي وأسقطني على الأرض كجَلْمُود.

بدأتِ الشياطينُ تتطايرُ من حولي، إذ انَّ الحنقَ يتسرَّبُ مِنِّي. إنْ أَخْرَجْتَني من الماء وتكفَّلتَ بي، لماذا لم تَظهَر؟ لَعَلِّي أُعْرِبُ عن امتناني... أو أَجْحَدُ وأَزْجُرُكَ على التطفُّلِ بنفور.

فبدَتْ فكرةٌ في ذهني: لنَر، هل ستَظهر؟ أم ستختفي وتزول؟

اليوم آخرُ أيَّامِ بقائي هُنا، إلى أنَّ فحوصاتِ هذا اليوم تُعَرْقِلُ خروجي. لذا بدأنا بها، وما إن انتهينا تقريبًا حتى قررتُ تنفيذَ ما يدورُ في ذهني.

أخبرتُ الممرضةَ أني سأقضي حاجتي وأعود، لكني سلكتُ دَرْبَ سلالمِ الطوارئ لأرتقي إلى سطحه. فتحتُ بابَه، حتى لَطَمَتْني تلك النَّسَماتُ التي نَسِيتُ قَسْوتَها لأيام.

وبكُلِّ خطوةٍ أخطوها كانت حصيلةُ حسرَاتِ تَرتفع.

لِمَ لَمْ أُفَكِّرْ قَطُّ بالسقوطِ من سطح؟! كم أنَّ المنظرَ جميلٌ لآخرِ لحظاتي، ولم يكن هناك من بيدِه إنقاذي.

نَفَيْتُ ذلك من بالي... لن أُفْرِّطَ بروحي ثانيةً. كانت لحظةُ ضَعفٍ وانكسارٍ وخواء... وما زالت. لكنَّ الإلهَ منحني فُرصةً للعودة، فلن أُلقي بها عَرضَ الحائط.

تسلَّقْتُ السُّورَ ببطءٍ، وعبَرتُ إلى الجهةِ المُطِلَّةِ على الشارع، حتى وصلتُ وهبَطْتُ هنالك برفقٍ كي لا أسقُط. وانتظرتُ... ولم أشعُرْ بالوقتِ جراءَ جمالِ المنظر وسكونِه. أضواءٌ ساطعةٌ... وهدوء.

إلى أنَّ أزيزَ الخَلْقِ في الأسفلِ كَسَرَ حاجزَ الهدوء. اعتقِدُ أنَّهم رأوني... تجمهروا ليردعوني عن فعلتي، وفي أنفسِهم يودُّون لو أني أسقطُ وأموتُ ، بُؤسًا لبشرٍ يرتدون الأقنعة.

شعورُ التوتُّر صار يأكلُني: مَن مِن الناس حتى الآن يَهتم؟ قلقةٌ، حائرة... وقد يئِستُ من محاولةِ العثورِ على مهيتِ ذالك الشخص.

وفي لحظات، سمعتُ أصواتًا متداخلةً. كنتُ أُعطي ظهري ولم أرَ بعدُ مَن هُم. إلى أني اعتقد أنَّ هنالك أكثر من شخص. فنهضتُ واستدرتُ، وفي داخلي كمٌّ من التساؤلِ والقلق... لأقفَ بجمودٍ، والكَلِمُ في خلَدي ظهرَ بسُكوت:

أعرِفُ تلك الأعين!

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

you in every winter

المؤلف 𝑍𝑎𝑖𝑛𝑜𝑟𝑎
2025/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة