الفصل الثامن: إيـقَادْ

الفصل الثامن: إيـقَادْ

16 0

~Ji_hoon~

__

انحازتْ أرواحٌ عن صِراطِ الحقِّ فوقعتْ في غياهيبِ المعاصي،وما نجا منهم أحدٌ، لا في الحاضر ولا في الماضي.  الظالمُ دائمًا ما يرى أنَّ ظلمَه مُستباحٌ إذا أنه يملكُ السُّلطة،والمغلوبُ على أمرهم يشهدون مضيَّ حياتهم وحقوقهم منتهية.

يزاولون العملَ بجدٍّ وتفانٍ ليكسبوا أقواتهم ،ومن مطلٍ آخر ترى من يشتري قنّينةً من ذهبٍ ليتفاخر بها أمام أقرانه.

العالمُ مُنهارٌ ومنتهٍ، لا صلاحيةَ له. راودتني أُمنياتٌ أن ينتهي العالم وننتهي نحن معه،ولا نُخلَّد في أيّ زمنٍ كي لا تُنسَخ أفعالُنا، حميدةً كانت أو ذميمة.

نتوارث ونتناقل المعتقدات وكأنّها مفروضةٌ على أرواحِنا نسخَها،

ونلقف السُّمَّ جيلًا بعد جيل،وكلُّ جيلٍ يعهد انحلالًا أخلاقيًّا أسوأَ من الذي قبله. إن كان الوالدان بحاجةٍ إلى إعادةِ تأهيل، فمن يبني المجتمع؟

كما أنّ هناك أبناءً يُربّون أنفسهم.

مُعتلّون، مرضى نفسيّون،مشاعرُهم ذميمة، ولا حسنةَ تُذكر لهم،كالأعشابِ الضارّة ينمون على تُربة المجتمع،ولا أحد يملكُ مقصًّا لجذِّهم، وأنا جاذُّهم.

وهل أنا أختلفُ عنهم بالكثير؟

مُبتغاي كان الانتقام، وما زال،إلى أن روحَ الحقدِ تأجّج داخلي.

في لهيبِ الانتقام نشتعل، وما أطفأنا البرد. في شموخٍ نقفُ متأهّبين لمتعةِ النصر.

اكتسحتنا ملابسُ سوداء، واعتمرنا القبّعات، وأطبقنا الأقنعة على وجوهنا. يقف عن يميني لوكاس، أما الآخر فقفز عن السياج ليوفر لنا وسيلةَ دخول.

ملتحمين على الجدار في انتظار ظهوره مين_هو، أو حتّى أن يُورب الباب. وعندها تحقّقت الأمنيّة، وفتح،إلّا أنّه لم يظهر هو منها، بل كان أحدُ الحُرّاس. أنقضيتُ عليه، وبمؤخرةِ سلاحي فلقتُ رأسه فالتقطتُه قبل أن يقع،

ساعدني لوكاس بجرّه إلى طرف الجدار.

على مهلٍ أعدتُ سلاحي إلى موقعه خلف ظهري. تولّينا أمرَ كاميراتِ المراقبة سابقًا، لذا لم نخشَ ،لأنّنا نعلم أنهم لن يُدرِكونا إلّا بعد أن تحلّ عليهم الفاجعة.

تسلّلنا إلى الداخل، وعند أوّل منعطف التقينا بـ (مين هو).

أردتُ إثارةَ حنقِه، فأردفتُ بهمسٍ يصل مسمعَه:

"أحسنت، نحن في الداخل بمجهودك."

تصنّم في مكانه، وبصوتٍ مُشبَعٍ بالغيظ صرخ:

"كدتُ أقتل… أيُّها اللعين…"

لم يسمح له لوكاس إكمال جملته، صافعًا إيّاه على قفاه بمهل،

وأضاف بهمس:

"خُذ مكبرَ صوت، سيكون أفضل."

أكملنا سيرَنا الهادئ على أطراف الجدران،

وتلافينا أيَّ التقاءٍ مع الحرس.

عند نقطةٍ ما قرّرنا الافتراق،كلُّ واحدٍ منّا يتّخذ وجهةً حتّى ننتهي بسرعة.

اخترتُ المضيَّ إلى اليمين،ولوكاس إلى إحدى الزوايا،أمّا مين_هو فاختار المضيَّ شمالًا.

وعندما تأكّدتُ أنّي عند الواجهة الصحيحة،واربتُ الباب بتلكؤ لمساحةٍ تكفيني،وأوصدتُ الباب، وحال فعلي ذاك أشعلتُ المصباحَ اليدويّ،تفحّصتُ المكانَ به.

استللتُ سِكينة كانت تتوارى في جيب قدمي،وجثوتُ أمام أريكةٍ قابلتني،طعنتُها، ولم يخرج منها شيء.

ذهبتُ إلى الوسادة وجرحتُها جرحًا أدمى ما في داخلها من سُمّ،انهال المسحوقُ الأبيض مدرارًا مدرارًا.

حفنةُ الحثالة يتوارون خلف تصدير الأثاث ويملأونه سقمًا. أموالُهم التي تتراكم عليهم حينًا بعد حين مصدرُها المخدّرات. لستُ متعجّبًا منهم، إنّما متعجبٌ ممّن يعملون ظلًّا لهم في الخفاء،ويحجبون أعمالهم عن السُّلطة.

والآن قلوبُهم ستحترق، وتدمعُ قهرًا.

ومن طرف معطفي أخرجتُ علبةً بحجم الكف،ألصقتُ ما فيها بالترتيب، وأرحتُها في منتصف المكان. تأكّدتُ أنّ نورَها الأخضرَ مُضاء،فغادرتُ، وأوصدتُ الباب بسلكٍ حديديّ.

قطعةُ متفجّراتٍ ذكيّة.

وبعد إذ أنهيتُ مهمّتي خرجتُ بهدوء.

أرحتُ نفسي على هضبةٍ بعيدة،وخلعتُ القناع أضعه في جيب معطفي،منظاري في يدي، منتظرًا لوكاس،بما أنّ مين_هو عاد قبله. حال وصوله، استقمتُ مشيرًا لهما :

"لنبدء."

علا صوتُ مدوٍّ على المكان حال ضغطهم على أيدي التحكّم. كنتُ أُبصر المكان بمنظاري .

أقلُّ من نصفِ ساعةٍ كانت كفيلةً بتحويل المكان إلى حطام. رُأيتُهم وهم يحاولون لمَّ لمّةِ شتاتهم،أطفأت جزءًا كبيرًا من غيظي.

لا يمكن للشرطة أن تعبث بالموضوع،إذ أنهم سيُكشَفون.

أشعلتُ حقولهم، ونهبتُ متاعهم. وجدتُ النارَ في الهشيم موقدًا،فغطّت على المكان بسرعةٍ خاطفة.

زفّت السماءُ ثلوجَها الماطرة لتختلط في جوفها مع نثرات الرماد. أرحتُ جفوني، أستلذ بمتعة الشعور. صوتُ احتراق الخشب مع اعتلال الجوّ كان مُخمِدًا لنيراني.

تَصافقَت أيدٍ من خلفي مُفصِحةً عن النصر،وتهللت أقوالهم بها.

لكنّي وأدتُ نصرهم حين نطقتُ بجديةٍ عارمة:

"من المُخبر بينكم؟"

صمتٌ وخزَ المكان. تعمّدتُ أن أُلقي الأمر مُبهَمًا،واستدرتُ أفتش عن المُفشي،وكانا في ذهول، كلٌّ منهما يرى الآخر.

"عن ماذا تهذي؟"

أخذ مين_هو زمامَ الأمور في تساؤلٍ غلب عليه الغضب.

"هل أهذي؟ من أين ليون ها أن تصطدم بسورا؟

إحداهما تعيش في الشرق، والأخرى في الغرب،

إلا إن كان هناك من يُرشِدها."

حينها غمر الارتباك أوصالهم،وتزاحمت أعينهم كي لا تجد دربَها لي.

"لدينا الليل بطوله، خُذا وقتَيكما."

حين أطالا الصمت، علا صوتي بنفادِ صبر. أعرف الحقيقة، ولكن أريد سماعها:

"يون ها، من أين لها بالأمر؟"

"أنا من أخبرها بمكان سورا."

لوكاس شابٌّ مستقيم، ولولا مرارةُ الفقد وجشعُ الانتقام لما انضمّ لي في مسعاي. أحدُ الكلابِ الكهلة كان له يدٌ في موت شقيقته قهرًا بعد إذ مُنحت البراءةُ لمن أعتدى عليها، فغلا الحقدُ داخله.

أخذتُ عينَيّ إلى مين_هو، وما زال مُنكرًا الأمر في عينيه،إلّا أنّه استسلم.

"أخبرتها بأمر الفتاة لأني لم أرَ داعيًا لإخفائه عنها."

تنفستُ بغيظ، أكبح طائلَ السقم عنه كي لا أشتمه.

"أحسنتما صنيعًا بتخييبِ ظني."

عزمتُ أمري على الرحيل دونهما. لستُ غاضبًا، ولكنّي خائبٌ من فعلتهما. لم يكونا رفيقي انتقامٍ وحسب، بل صديقين خبّأتُ الحقائقَ فيهما.

"عليك أن تكون شاكرًا لا حاقدًا، لم أكن أعي بتصرّف شقيقتك، ولكن لو لم تتصرف لما وجدتَ الفتاة."

استوقفني حديثه المشحون. أعي أنّ لها الفضل في إيجاد سورا،

لكنّ الفزع الذي اجتاحني حينها لم يكن يُطاق،فكيف أجعل الأمر يمرّ مرور الكرام؟ ظننتُ أنّي ضللتُ عنها، وأنّ فقدها واقعٌ عليّ أن أقع فيه. ذلك الشعور مُضنٍ.

استدرتُ، أنهالُ عليه بما أزعجني فعلًا:

"أنتما أمينا أسراري، فكيف اجترأتما على إخبارها؟ يون ها بالتحديد تنبش عن كل شيءٍ . أمَا تدركان أنّي أحاول إبعادها عن الخطر، والآن انضمت الأخرى؟"

ألقيتُ نظرةً على لوكاس الصامت، يعي خطأه جيّدًا، ما جعله يُخفض رأسه.

مين_هو يعي خطأه أيضًا، لكنّه من الفئة التي تعشق الجدال.

"أردتَ أم لا، يون ها مفتاحٌ لطريقنا إلى جيل مان سو ،وعليك أن تقبل عونها، فهي أقربُ مني إليه. أما صديقتك، فأنت أعلم كيف تحميها."

أخفضتُ رأسي أنفي ما سرده. لا يجب بأيّ شكلٍ كان أن تتورط أختي في ذلك. نظرتُ إليه باستنكار، وإلى الآخر من خلفه.

عندما أدرك مين هو جدية الموقف، تنفس مستسلمًا عن عناده:

مدّ يده بتردّد، لأخذ المنظار مني.

"حسنًا، أنت محق، فكيف نُفصح عن اعتذارٍ يناسبك؟"

اعطيته المنظار و أرحتُ يدي في جيبي صامتًا.

توترت الأجواء بما يكفي.  أنا ممتن للرجلين أمامي ليس بالقليل، يكفي أنّهما يقفان معي حتى هذه اللحظة.

"انسيا الأمر… فقط جد لي ما طلبتُه."

حينها غادرتُ على شتمِ مين هو،

وأخرى ما طالني منه قبل أن أبتعد تمامًا هي شتائمه.

يميل لعدم التحكم في غضبه،أجهل كيف يتحملونه وسط عمله.

عندما زالت أيّامٌ من محاولات بحثي عنها، وكلّها تكلّلت بالفشل،

فتّشتُ بقاعًا بقاعًا علّي أجدها. أرسلتُ خبرها لهما، ولم يكن هناك داعٍ. فتّشتُ كلّ مكان، إلّا أنّي غفلتُ عن داري، إذ كانت تحتمي فيه.

احتدمت أنا ويون ها في نقاشات، إذ أنّها خبّأت الأمر عنّي، وأخفتها خلفها. ما توانت في النبش من خلفي كلّ ما صحّ لها ذلك.

استللتُ منها اعترافات، كيف وجدت سورا، ومن أخبرها عنها. إلّا أنّي لم أتوقّع الفاعل، فكتمتُ غيظي عنها ورحلت.

لوكاس ضعيفٌ أمام هجماتها، ولا يمكنه الصمود طويلًا.

أمّا مين هو،

كنتُ أُخبره عن سورا من حينٍ لآخر

ليتفقّدها حال انشغالي أو سفري، ومن الصعب أن تجتر كلمةً منه،إلّا أنه أفصح.

حال أن وصلتُ إلى مركبتي، خلعتُ كلّ ما غطاني من أحداث اليوم عدا بنطالي. لسعتني برودة الجوّ، فأسرعتُ أرتدي غير الذي خلعتُه، ودثّرتُ نفسي جيّدًا.

أخذتُ في طريق عودتي أفكّر في الأمر. من الجيد أني وضعتُ جهازَ تعقبٍ في الهاتف الذي معها ليسهُل علي إيجادها أينما كانت.

أجدني دائمًا أفتش عنها، أفتش عن الراحة في النظر إليها.

فتحتُ تطبيقَ التعقب لأرى أين راحلتها، ليست في المنزل، ولكنها ليست بعيدةً عنه. أرحتُ الهاتف على موضعه، وشققتُ طريقي لها.

وبعد أميالٍ، تراءت بهجةُ غروبي لعينيَّ، على مقعدٍ أسفل نافذة مقهى، وحين اتضحت الرؤية كانت تجلس على مقعدِ بيانو خشبيٍّ قديم.

سَرحةً، تُهدهد بأناملها على مفاتيحَ البيانو. ليتها تُملِّس بها على رأسي، فأنا المحتاجُ عنها.

رأتني، فوارت بعينيها عني، ثم رفعتهما ثانيةً بغير تصديق. عندها توجَّهتُ إلى الباب ودخلتُ المقهى، استتب طريقي إليها.

تتبَّعتني بعينيها حتى وثبتُ أمامها. لم أستأذنها، بل وجدتُ مكانًا لي بجانبها، معاكِسًا لها، وأعطيتُ بظهري للآلة الموسيقية.

اعتلت ملامحَها الدهشةُ، ولم تُفصح عنها.

اختارت الصمت كما اخترتُه.

تسلَّلت أناملي إلى أناملها، واحتجزتُها بها.

أخذتُ أمسح بإبهامي على قَفَا كفِّها. ذلك الشعور الذي لم أجده إلا بمحاذاتها، أخذ يغمرني حتى غمرني.

باردةٌ كندف الثلج في الخارج، ناعمةٌ، أجهل كيف تعيش في هذا العالم البائس. اجترَّني الشرودُ فيها حتى نطقت بصوتها الأعذب:

"كيف وجدتني؟"

وجدتكِ نديَّةً كأول هطولٍ للمطر بعد صيفٍ مُحرِق.

تجرأتُ بالمضيِّ لصفحها أتفحَّصها، وكم كانت فاتنة.

تنهدتُ عندها.

"صدفةٌ رأيتكِ."

همهمت تزيح عينيها عني، فما فعلتُ، وأطلتُ النظر في بهائها.

"وهل الصدفة تجرُّك حيث أكون بالتحديد؟"

"تجلسين في مكانٍ مكشوف."

أشرتُ برأسي إلى النافذة التي تواجهها. شردت بها للحظة، ثم عادت تنتزع أناملها من بين أناملي. كيف اجترأتُ لمسَكِ، أنتِ الطاهرة، وأنا الذي لوَّث رمادُ الحقد يديَّ؟ أريدكِ جانبي، لكني أخشى عليكِ من طريقي.

الصمت، دائمًا العائقُ الثالث بيننا. منذ تقابلنا حتى الآن نصمت، ونصمت؛ لأنه الحديث الوحيد الذي نتقنه بعد ذلك الفُراق.

"هل تعزفين؟"

نظرتْ إليَّ بعسليَّتيها اللتين اشتقتُ رأيت الغروب فيهما، وأطرقت برأسها كأن الكلم ما عاد يسكن ثغرها.

"أبهِريني، ولكِ عرضٌ مني."

لا أعلم لمَ اخترتُ التحدي، مع أن الطلب كان أقرب.

"عرض؟"

سألت، فأشرتُ لها أن تبدأ. ما استكانت؛ أخذت الأمر بجدية. تلاعبت بالمفاتيح لحظات، واستقامت بجلستها، تعيد خصلاتها الهاربة من عقدتها.

دنت من الأزرار تلاعبها.

تحالفت أناملها والبيانو، وكأنها سطرت على أخاديده سحرها.

اختلطت ترانيم عزفها مع حُلَّتها،

تتمايل بجسدها كلما دقَّت بإصبعها على زرٍّ أبعد.

أعادتني إلى النقطة التي كنتُ أعزف فيها على الكمان، إلى المرة الأولى التي عزمتُ فيها قتلَ الكمان فيَّ. صوته يعيد ذكراها إليّ، كيف كانت تعلِّمني وتعزف فيه ألحانًا أعدمه القدر وسايره القهر.

كنتُ طفلًا أرى العالم من نافذة والدته الملوَّنة،حتى دخل الوحش، وأعتم تلك النافذة، كسر كماني، وحرمني منها ومنه،

فما عدتُ أبحث عنه، ولا أحب صوته.

انتهت، ترمقني بتحدٍّ وأنفاسٍ هادئة، وأنا أراها بنظراتٍ فاترة. ما وددتُ انتهاءَ التواصل حتى دوى صوت التصفيق من حولنا.

فقدتُ الشعور حتى نسيتُ أنه مكانٌ عامٌّ مكتظٌّ بالخلق. استقامت من موضعها، تنحني بلطفٍ لهم، حملت معطفها ووشاحها عن المقعد، لتأخذ طريق الخروج.

تبعتُها على مهلٍ وهي ترتدي دثارَيها، حتى صرنا في الخارج.

"ما اسمها؟"

تسمَّرتْ لحظةً قبل أن تجيب:

"ذكرياتٌ من الماضي لفريدريك شوبان."

كانت تعاتبني بموسيقاها، وأنا الجاهل في لحنها، والعالِمُ في معالم الكون عداها. عاتبتني عيناها، وصمتت أحرفها.

أذكر كم وعدتُها بوعودٍ لم أوفِها، فكيف أنهل من صفحها وأنا آثِم؟

أخذتُ أتبعها وهي تسير حتى صرتُ محاذيًا لها. يداها داخل جيوب المعطف، وقد غطَّت ثغرها بوشاحٍ بنيٍّ قاتم يُنافي معطفها العاجي.

بصوتٍ مكتومٍ إزاء الوشاح صرحت:

"ماذا كان العرض؟"

لقد أسهبتُ في الحديث ومضيتُ عن الأمر. في أي ورطةٍ حشرتُ نفسي؟ لم أؤمن ببراعتها، إلا أنها أبهرتني.

"لديَّ حفلٌ بعد يومين، ولكِ الافتتاحية."

عادت للسكون، وسكنت أمامها، علَّها ترفض الأمر أو تستنكره،

لذا وضَّحتُ:

"سيكونُ لكِ أجركِ."

رنَّمت بصوتٍ بالكاد التقطتُه منها:

"تَشَبَّثي بالحياة… حتى وإن انقطعتِ السُّبُل، لعل نافذةً تفتح لكِ. وهل كنتَ تقصُّ نفسك؟"

"وماذا إن كنتُ أنا؟ هل ستغلقينها؟"

نفت برأسها، وأسدلَت بجفنيها لحظةَ تفكير.

"أقبل عرضك."

لم أضع في الحسبان أن حديثي معها قد يعبر طريقًا آخر، لأنتهي بإحضارها إلى ذلك الوسط.

تكاثف الثلج غدقًا من حولنا. في تلك اللحظة رفعتُ رأسي إلى السماء أبصر الثلج، وحين ارتخيتُ تقابلت مقلتانا. رأيتُ شبه ابتسامةٍ منها، لو ما وارها الوشاح لرأيتها كاملة. وجنتاها نُضِختا بالحمرة.

ازدادت ابتسامةُ عينيها حين سكنت قطعةُ ثلجٍ على أنفي. لم أجد لي مفرًّا من التحديق بها.

خُصلاتها غطَّى الثلج بعضَها، وانساب بعضه على أهدابها. حتى دوى صوتٌ في الأرجاء نبَّهتني به:

"هاتفك."

تراجعتُ بخطواتي قليلًا، واستدرتُ أؤنِّب ذاتي. مسحتُ على صفحي بخشونة، وسحبتُ الهاتف من جيب معطفي الداخلي، وأجبتُ على المتصل، الذي لم يكن سوى مين هو.

تكثَّفت أدخنةُ السقم داخلي، فأفرغتُها بتنهيدةٍ جلفاء.

"ما الأمر؟"

وطالت تنهيداتُه قبل أن يفصح:

"وجدتُ طلبك. راجعتُ كاميرات المراقبة في محيط منزلك، واحزر ماذا… السيارة بلا سائق."

تراودني الشكوك وتحوم حولي. حياتي لا بد أن يتخللها الحذر. لا أؤمن بالصدف .

أجد خيطًا فأحوم حول مداره حتى أقتطع بدايته، ولم تتوانَ شكوكي أن تكون حقيقة.

لم أتوقع لحظةً أن الحَدِثه أمام منزلي كان صدفة.

عبرت السيارة كقطارٍ لم يكن ينوي التوقف حتى يأخذها معه. كانت سريعةً جدًا، وذلك لم يعجبني.

"اختصر المضمون."

"وجدتُ المالكَ الفعلي لها، ولن تصدق من."

أعدمتُ الوصل بيني وبينه بعد أن أفصح عن الجاني. الشررُ داخلي بدأ يهيج بعد إذ أُخمِد.

كيف سوَّلت له نفسه محاولةَ قتل فتاةٍ لا لها ولا عليها؟ لا تدرك أين حطَّت أقدامها حتى. كيف له أن يجترئ على سلبها مني ليُعرب عن حقده وقدرته على دحري؟

''ما بالك؟ هي جون."

زرتُ بساتينها الوضاء، وارتحلتُ في ضيقٍ غدا ينغز رأسي. بالي أنكِ قد تُقتلين، بالي أن أكون السبب في جعل راحلتكِ تحطُّ في ثرى الأرض. ذلك بالي. احتلت الرجفةُ يديَّ. ليس الآن… ليس أمامها.

____

رأيكم بالفصل؟

هي جون ؟

لوكاس؟

الشخصية الجديدة مين هو؟

سورا؟

كم لبثنا؟ آخر مرة… قلت

شكرًا لحسن قراءتكم، من شهرين 😇

على كلٍّ، أتمنى أن يكون الفصل مُرضيًا 💗💗

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

you in every winter

المؤلف 𝑍𝑎𝑖𝑛𝑜𝑟𝑎
2025/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة