"وَكَأَنَّ الحَيَاةَ لَفَّتْ بِهَا وَأَعَادَتْهَا لِنَفْسِ النُّقْطَةِ، أَيْنَ كَانَ يَقِفُ هُوَ بِنَفْسِ المَكَانِ!.. "
_____•••••••_____
قبل ثلاث سنوات!..
إيطاليا ميلانو!..
مقر مجلة فوغ الإيطالية!..
9AM
كان صباحُ ميلانو مثلَه مثل أيِّ يومٍ مُشمِس، شوارعُها مليئةٌ بالحركةِ تجعلك تبدأ يومكَ بحماس!..
على غِرار تلكَ التي تقدَّمت بخُطواتٍ ثابتةٍ نحو مقرِّ عملها غيرُ مُتحمِّسةٍ بتاتًا، كونها مُتعبةٌ بالفعل من رحلتها إلى باريس التي عادت منها قبل خمسِ ساعاتٍ فقط!..
لكن من يراها بإطلالتها الأنيقة يظنّ أنَّها أخذت على الأقل تسعَ ساعاتٍ من الراحة، خاصّةً بوجود الكعب الذي طرقته بعد أن فتح لها البوّاب الباب لتتوجَّه ناحية المصعد ضاغطةً على الرقم ثلاثة، مُنتظرةً وصولها لكي تُنهي معاناتها من هذا الكعب وتَرميه بمكانٍ ما في مكتبها!..
"كيارا وصلت!.."
كان صوتُ أحدِ الموظفين الذي فتح عينيه على وُسعها حين لمحها تتقدَّم باتجاه المقرّ الرئيسي، ليركض مسرعًا نحو مكاتب فريقه يُخبرهم بوصول "لوسيفر" خاصّتِهم، التي ستقومُ ربما برمي أحدهم من النافذة إن رأت الفوضى التي تركها الفريق ليلةَ البارحة بعد أنِ احتفلوا بانتهاء موسم باريس، الذي جعلتهم كيارا به يكادون يستقيلون من عملهم لإنهائه في الوقت المحدّد...
تقدَّمت بخُطواتٍ ثابتة تخرج من المصعد، أين قابلتها مساعدتُها الخاصّة "لوسي"، تحمل بين يديها الإصدارَ الجديد للمجلّة وبعض الملفات، مع جهاز "إيباد" مفتوح على جدول أعمالها، وكأس قهوة سوداء بيدها الثانية!..
أمسكت كيارا كوبَ قهوتها من يدها قبل أن تقوم بفحص سريع لترى إن كان الجميع موجودين، وبالفعل وجدت كل شيءٍ بمكانه، لذا توجَّهت إلى مكتبها بكل هدوء...
"إذًا لوسي ما الذي لدينا اليوم!.. أنا متعبة، حاولي جعلي أخرج من هذا المكتب في وقتٍ قريب!.."
تحدَّثت كيارا بينما تفتح الإصدار الجديد للمجلّة التي قدّمته لها لوسي، لتجيبها الأخرى بينما تفتح الإيباد مجددًا قائلةً:
"لنرى... لديكِ ثلاث مواعيد مهمّة اليوم!.. الأوّل اجتماع بعد ساعة مع إليزا بونتي حول جلسة التصوير الأخيرة لهذا الشهر، التي أقمناها مع فريق دوناتيلا فيرساتشي والقطع الأساسيّة التي ستظهر على صفحتنا... ثم الثاني اجتماع آخر بعد أربع ساعات مع صامويل مورو وفرانشيسكا حول العارضات الجُدد الذين تم اختيارهم، وقد أرسلا بالفعل القائمة، هما سيأخذان رأيكِ فقط لأن معظمهم سوف ينضمّون لفريقنا... وأخيرًا لديكِ موعد مع طبيبك بخصوص الألم الذي قلتِ إنّه يصيبكِ في قدمك، لقد أخذتُ لكِ موعدًا منهم الأسبوع الماضي!.."
همهمت بتفهّم قبل أن ترفع رأسها تُحدّق بلوسي لدقائق معدودة، كونها تريد تذكّر ما كانت ستقوله، لولا هاتفها الذي رنّ مقاطعًا إياها. لتغادر لوسي فورًا، كونها تعلم أن كيارا لا تحبّ التحدّث مع عائلتها أمامها، خاصّةً أختها التي أضاء اسمها شاشة هاتفها...
"اختصري جوليا!.. أنا بمكتبي!.."
كانت هذه طريقتها في التحدّث مع أختها الأكبر منها، بسبب بُعدها عن عائلتها، خاصّةً بعد عملها في الموضة ورفضها دخول المجال الذي أرادها والدها فيه، وعدم وقوفهم معها!..
"الليلة!.. الساعة الثامنة مساءً، والدي يريدكِ على العشاء."
"ولماذا يريدني السيّد كورسيني على طاولته!..."
"تعلمين أنّه لا يُخبرني بأيّ شيء!.. وكيارا... أحضري هدية لوالدتك، فالليلة عيد ميلادها في حال نسيْتِ!.."
همهمت بتفهّم قبل أن تُغلق السماعة، ثم فتحت أزرار قميصها الأبيض واستقامت من مكانها، تتنفس ببطء بينما تُحدّق بالخارج من نافذتها!..
الليلة كعادتها ستكون صعبةً، فهي في كل مرة تدخل ذلك المنزل لا تخرج سوى ودموعها على خدها من الألم الذي تسبّبه لها عائلتها، التي لم تُبالِ بها يومًا، حتى بعد نجاحها ووضعها اسمًا داخل الموضة الإيطالية!..
فوالدها لا يُبالي بنجاحها كونه أرادها أن تكون هي وريثته بعد عدم قدرته على التحكم بأختها وأخيها، الذين رغم معرفتهما بما سيفعله والدها بها حين قررت الابتعاد عن ما يريده، إلا أنهما لم يُسانداها يومًا. خاصّةً جوليا أختها، التي كانت دائمًا تضعها في المصائب، عكس أخيها رافييل الذي أخبرها أنّ المشي على طريق والدها سيجعلها تعيسة فقط، وهذا جعلها تُفكّر بنفسها فقط بعد أن كانت الابنة المطيعة!..
"لوسي!.. ألغِ موعدي مع الطبيب اليوم، وأريد كأسَ قهوةٍ آخر!.. وأيضًا، أحضري لي راكيل، أريد تقريرًا عن الأيام التي كنتُ غائبةً بها."
وهكذا أكملت يومها بالصراخ على موظفيها وتهنئة بعضهم على عملهم، لتنتهي الساعة السابعة، أين توجّهت مجددًا إلى منزلها لكي تُغيّر ملابسها وتتجه من جديد إلى بيت والديها!
_____•••••••_____
ميلانو، منطقة كورسو ماغنيتا!..
قصر كورسيني كان ولا يزال يُعدّ من أجمل البيوت بحي كورسو، أرقى الأحياء بميلانو، أين يعيش معظم أغنياء إيطاليا وبعض من مشاهير العالم الذين اختاروا روما للعيش بها!..
توقّفت سيارتها على بُعدٍ من البوابة قليلًا، أين تنفّست بصعوبة وأطلقت بعض التنهيدات المتعبة، قبل أن ترفع وجهها تُحدّق بنفسها في المرآة تحاول تقوية نفسها على الدخول، خاصّةً أنّها تعلم أنّه بما أنّه عيد ميلاد والدتها فبالتأكيد هناك حفلة صغيرة في القصر على شرفها!..
فالسيد كورسيني لن يُفوّت فرصةً مثل هذه لجعل الجميع يعلمون الهدية التي ستتلقّاها السيّدة كورسيني منه مثل كل سنة، لكي يتصدّر الأخبار مجددًا!..
رشّت بعض العطر على نفسها، ثم وضعت بعض أحمر الشفاه الذي لا يُفارق شفتيها، خاصّةً أنّه يكسر لون ملابسها الهادئة، التي كانت عبارة عن فستانٍ قصير يغطي نصف فخذها باللون الأحمر، مع سترة باللون الأبيض العاجي بنفس طوله، في حين جمعت شعرها ترفعه لتترك بعض الخصلات على وجهها، مع كعبٍ بنفس اللون وحقيبة من ماركة شانيل بنفس لون سترتها!..
وبما أنّها شخص مهووس بالمجوهرات، كانت معظم أصابعها مُزيّنة بمجموعة فريدة من الخواتم الذهبية بتصاميم مختلفة، ومن ماركات عالمية مثل كارتييه وبلغاري!..
عائلتها كانت دائمًا آخر همومها، لكن أمها رغم بُعدها عنها إلا أنّها لا تُحب أذيتها حتى بالكلمات، لذا حرصت على إحضار هدية لها من باريس لعيد ميلادها!..
وبمجرّد أن تم التعرّف عليها بواسطة الحارسين، تم فتح البوابة لها لتتقدّم بسيارتها نحو المنزل، أين ابتسمت وهي ترى حصانها "لوري" يركض بالحديقة الخلفية للمنزل، جاعلًا منها تتذكّر أيام مراهقتها، حين أخبرت عائلتها أنّها ستُصبح فارسةً في يومٍ ما!..
بمجرّد أن نزلت من سيارتها أشارت لأحد الحراس على الهدية التي كانت بالخلف ليحملها عنها، بينما تقدّمت بخُطوات ثابتة نحو الداخل، أين قابلتها أختها بأول الممرّ تنظر إليها كعادتها ببرود، وكأنها ليست أختها..
"لقد تأخّرتِ آنسة كيارا!..."
تحدّثت جوليا بعد أن مرّت كيارا بجانبها تُعاملها بنفس البرود، لتُجيبها الأخرى بدون أن تتوقف:
"لقد قلتُ الثامنة يا جوليا، لا أقل ولا أكثر..."
وبالفعل كانت كيارا بالوقت الذي أخبرتها به جوليا، فهي دقيقة جدًا بمواعيدها، لا تأتي قبل الوقت المحدّد ولا بعده، وتكره كل شخص لا يحترم المواعيد!..
بلّلت حلقها بينما تُحدّق بالأشخاص الموجودين بالغرفة الذين توزّعوا بكل مكان، لتقع أنظارها على والدتها ووالدها اللذين يقفان بجانب شخصين تعرفهما بالفعل، لذا أشارت على الخادمة التي بجانبها لتتقدّم معها كونها استلمت الهدية من الحارس...
"عيد ميلاد سعيد أمي!.."
"شكرًا لكِ جميلتي!.. لقد اشتقت لرؤيتك!.."
"أنا أيضًا أمي!.. حقًا."
أردفت كيارا بنبرة هادئة بينما تتقدّم لتعانق أمها، ثم تُقبّلها على وجنتيها، بينما اكتفت بالنظر لوالدها، في حين مدّت يدها تُصافح المرأة والرجل اللذين يقفان معهما...
"دعوني أعرّفكم، هذه ابنتي التي تحدّثت عنها قبل قليل!.. كيارا."
تولّت والدتها تعريفها على السيّدة والسيّد مورينو، الذي الغبي فقط من لا يعرف هويّتهما في إيطاليا، كون عائلة مورينو تُعدّ واحدةً من أكبر وأغنى العوائل في ميلانو، خاصّةً بعد آخر سلسلة فنادق التي افتتحوها في أكثر من أربع مدن بأوروبا، بدون نسيان أنّهم يملكون أفضل شركات تضم مهندسين لا مثيل لهم من حول العالم!...
"بالطبع!.. من لا يعرف كيارا كورسيني؟.. فالصحافة تكاد تجنّ لتعرف ما الذي سيكون قطعة الموسم، في كل مرة يُعلن عن حضورها لأحد عروض الأزياء!.."
وهو كذلك مثلما قالت سابينا مورينو، التي كانت بنفسها إحدى أقدم المهندسات، والتي كانت أكبر إلهام لكيارا حتى تركض وراء حلمها رغم رفض عائلتها لمساندتها!...
"شرفٌ لي أن أكون معروفةً من قبلكِ سيّدة مورينو!.. فأنتِ كنتِ دائمًا أكبر مُلهم لي في مسيرتي المهنيّة."
أردفت كيارا بابتسامة عريضة على وجنتيها، بينما تُعيد خصلاتها البُنيّة للخلف!..
"لقد التقينا أخيرًا بعد كل هذه السنوات، آنسة كورسيني!..."
كان صوتُ شخصٍ ما يقف خلفها، لكن لسببٍ ما شعرت بأنّ هذا الصوت مألوف بشكل كبير لها، ولكنّها رفضت تصديق شكّها، لأنّ آخر ما تريد أن تراه هو صاحب الصوت الذي تعتقد أنه هو!..
حينها استدارت تُحدّق بالشخص الذي يبتسم له والديها والسيّد والسيّدة مورينو!..
كان هو لا محال!..
"لورونزو مورينو آنستي!.. في حال نسيتِني!.."
أردف بلطف وهو يمد يده، أين بادلته كيارا ابتسامة خفيفة وامتدّت يدها لمصافحته، لكن انتهى بها تشعر بشفتيه على يدها، الشيء الذي جعل ذلك الشعور يقلب معدتها منذرًا إياها، ككل مرة، أن هذا الشخص سيقلب حياتها!..
_____•••••••_____
في الطابق العلوي من القصر، حيث كان الهدوء يُخيّم بشكل ثقيل بعد حفلة ميلاد والدتها، التي انتهت على خير، أو كما تظن هي... أخذت كرسيًا بغرفتها التي لا تزال مثل ما هي في منزل عائلتها، ترفع كأس النبيذ الأحمر تُحدّق بها، بينما أفكارها تأخذها كل مرة لذلك الذي اقتحم حياتها مرّة أخرى!..
حبها الأوّل!.. الفتى الذي اعتاد على ضرب مؤخرة رأسها لأخطائها التي لا تُعدّ ولا تُحصى في مادة الرياضيات، أين كان هو في سنته الأخيرة بمرحلة الثانوية، وهي الأولى!..
أصابع يدها الثانية كانت تتلاعب بخُصل شعرها بطريقة عشوائيّة، ووجهها شاحب قليلًا من التعب الذي تمكّن منها. لكنها أنزلت الكأس على الطاولة حين شعرت بشخص ما يقف أمام غرفتها، وفي نفس الدقيقة أخذت جوليا أختها أول خطواتها لداخل الغرفة، جاعلةً منها تستغرب، فهذه ليست من عاداتها أن تأتي هي لها ما لم يُرسلها والدُهما!..
"ماذا هناك يا جوليا!.. تبدين مُضطربةً قليلًا!.."
سألت كيارا بصوت هادئ، لكن مع ذلك يحمل في طيّاته قوّة وإحساسًا بالتهديد، كونها غير معتادة على الحديث بشكل طبيعي معها، كونها دائمًا ما كانت على خلاف معها!..
تقدّمت جوليا بتردّد نحوها وجلست مقابلةً لها، حاولت تمالك دموعها قبل أن تهمس بصوت متكسّر:
"كيارا... أحتاجكِ!.. أحتاجكِ أكثر من أي وقتٍ مضى!.."
حدّقت كيارا بها بعينين متسعتين لرؤية انكسار أختها بهذه الطريقة، فهي لم ترَها يومًا بهذا الضعف، حتى باليوم الذي هدّد فيه والدها بطردها حين قرّرت أن تُصبح طبيبة وتتبّع حلمها، تاركةً وراءها أختها تتحمّل مسؤولية الوريث بعد رفض أخيهما تولّيه هو الآخر!..
"تبدين وكأنكِ تحملين كارثة!.. ما الذي حدث معكِ!.."
تنهدت جوليا بعمق قبل أن تضع يديها على بطنها المرتعش، تبتلع ريقها قبل أن تقول بصوت خافت:
"كيارا... أنا!.. أنا حامل."
تجمّدت كيارا وخفق قلبها بقوة قبل أن تقترب من أختها هامسةً:
"حامل!.. جوليا ممن!.."
أطرقت جوليا رأسَها بينما الدُّموعُ تَنسابُ على وجنتيها لتُجيبَها بالهَمسِ خوفًا من أن يَسمع والدُها عن الأمر:
"لا يَهُم!.. أنا لا أُريد أيَّ شيءٍ منه!.. ما يَهُمُّ هو أنّني لا أستطيع الزَّواج!.. لا أستطيع أن أعيش كِذبةً كهذه و لا أن أقتل طفلي لأجلِ صَفقةٍ عائليَّة!.. "
"زواج!.. صَفقة عائليَّة!.. عن أيِّ لَعنَةٍ أنتِ تتحدَّثين!.. "
تساءلت كيارا مُستغرِبةً أكثر وهي تُحدِّق بأُختها تنتظر إجابةً على أسئلتها فهي لم تَسمع أيَّ شيءٍ يَخصُّ مُواعدةَ أُختها لرجلٍ ما ناهيك عن زواجٍ من واحد؛...
"لقد حدَثت مُشكلةٌ ما في أعمالِ والدي!.. هو يحتاجُ مبلغًا كبيرًا جدًّا أو شخصًا يَستثمر داخل شركته!.. و كَحلٍّ لِما حدَث طلَب قرضًا من عائلةِ مورينو التي اقترحت زواجًا بين العائلتين لجَعل الأمور أكثر سلاسة و رفَضت تقديمَ هذا المبلغ له بدون عقدِ زواجٍ يَجمع العائلتين!.. "
استقامَت كيارا من مكانها و بدأت تتأرْجَح بخفَّةٍ في الغرفة بعصبيَّة و صوتُهما يتصاعدُ مع كلِّ كلمةٍ تقولها كون هذا غير منطقيٍّ بالنسبة لها:
"و هل السيِّد كورسيني لم يَجِدْ حَلًّا آخر سوى رَمي ابنتِه في هذا الزواج لِيُنقِذ أعماله!.. هذا غير طبيعيّ!.. هو يُفضِّل عمله علينا"
شهقت جوليا و أخذت نفسًا عَميقًا قبل أن تنظُر في أعين أُختها الصُّغرى بنَدم، فهي تطلُب منها شيئًا لا يستطيع أيُّ شخصٍ قبولَه لكنَّها فُرصتها الأخيرة للهَرب!..
"أعلَم أنّني لم أكُن الأُختَ الكُبرى الجيِّدة أبدًا!.. كنتُ أنانيَّةً دائمًا أسبقك و أترُكك وحدكِ لِمُواجهة والدنا، لكن هذه المرَّة ليس لديَّ مَخرَج!.. أنا أرجوكِ كيارا أنقذيني!.. إذا لم تفعليها لأجلي فافعليها لأجل طفلي!.. أنا لا أستطيع أن أسمحَ لهم بقتلِه قبل أن يرى النور!.. "
جلسْتا لبعض اللحظات في صَمتٍ ثقيل، كيارا تُحدِّق بجوليا تراها ضعيفةً كما لم تَرَها من قبل و تشعر بخفقانِ قلبِها يتسارَع من الخوف و المسؤوليَّة، فهذا ليس قرارًا بسيطًا!.. هي سترمي نفسها في زواجٍ لا تَعلَم حتَّى مع مَن!..
"أعرِف أنّني أطلُب منكِ التَّضحية بحياتك و حُرّيتك من أجلي!.. لكنَّكِ الوحيدة التي يُمكنها إنقاذُنا!.. أنا و طفلي!.. "
أضافت جوليا قبل أن تتنهَّد كيارا بتعب، فهذه العائلة مُصِرَّةٌ على جَعل حياتها جحيمًا حيًّا!..
فهي كانت تعلم و متأكِّدة أنَّ أوَّل شيءٍ سيفعله والدُها حين يَعلَم هو جَعل جوليا تخضعُ عمليَّة إجهاض و تتخلَّص من الطِّفل!..
و لكن فجأةً فُتح البابُ بقوَّةٍ لدرجةِ اصطدم بالحائط خلفه و ظهرت كاميلا والدتُها و أليساندرو والدُها عند الممرِّ يحملان تعابيرَ على وجهَيهما جعلها تتأكَّد أنّهما سمِعا الحديث بينَها و بين جوليا!..
و بالفعل تأكَّد شَكُّها حين أردف والدُها صارخًا بجوليا بدون رحمة:
"حامِل!.. أيُّ فَضيحةٍ جَلَبتِها لنا هذه المرَّة!.. "
شهقت جوليا بخوف، أين تراجعت للخَلف بخوفٍ من تعابير والدِها بينما وضعت كاميلا يدَها على فمِها لتردف بخوفٍ من الفَضيحة الذي فاق خوفَها على ابنتِها:
"هذا أمرٌ لا يُغتَفَر!.. ستتخلَّصين من الجَنين و تتزوَّجين لورونزو كما هو مُقرَّر!.. "
كلماتُ والدتِها جعلت كيارا تُعيد تَكرار اسمَ لورونزو و كأنَّها سمِعت شيئًا خاطئًا!..
"لورونزو!.. لورونزو مورينو هو من سيتزوَّج جوليا!.."
"أجل!.. كان من المُقرَّر أن يتعارَفا خلال شهرَين و الزَّفاف بعد خمسِ أشهر!.. لَولا الغَباء الذي فَعلَته أُختك!.. لقد قضَت علينا بغَبائها!.. سنخسر كلَّ شيءٍ لأجل طفلٍ لا نَعلَم حتَّى مَن والدُه!.. لكن هذا لا يَهُمُّ لأنَّها ستُنزِلُه!.. "
حينها صَرَخت جوليا بعدم صبرٍ ممَّا يقول:
"لن أفعل!.. لن أقتُل طفلي من أجل أعمالكم!.. "
بتلك اللحظة اقترب أليساندرو منها بخُطواتٍ ثقيلة و وجهُه مُحَمَّر من الغضب ليُخبرها بصوتٍ عالٍ غير مُبالٍ بأيِّ شيءٍ سوى خسارتِه لعمله:
"ستَفعلين ما أقول جوليا!.. و إلَّا فاعتبري نفسَكِ منبوذةً من هذه العائلة!.. و سأقوم بالتأكُّد بأنَّك لن تعمَلي في أيِّ مَشفى إيطالي!.. أو حتَّى خارِجها لأنَّني سوف أتأكَّد من سحب رُخصتِك في مُزاوَلة الطِّب!.. "
"هل هذه كلُّ حلولِ السيِّد كورسيني!.. إن لم نفعل ما يُريد سيقوم بإعلانِ الحربِ علينا فقط لأنَّنا نُريد أن نعيشَ حياتَنا بقراراتِنا الخاصَّة!.. "
تقدَّمت كيارا بخطواتٍ نحو والدها لتقفَ بينه و بين جوليا كونَها تعلَم أنَّه سيُضحِّي بهم بدون تردُّد ولا رحمة، مُتناسِيًا أنَّ هؤلاء أبناؤُه و ليسوا أعداءَ له!..
"لا تتدخَّلي!.. لا يوجد مَن طلَب رأيَك!.."
تحدَّث أليساندرو و هو لا يزال يضعُ أعينه على جوليا بغضب، فهي حتَّى لو لم تتزوَّج لورونزو لكنَّ الحَمل خارجَ الزواج لم يكُن شيئًا مقبولًا في طبقتِهم!..
"لن تَمسّوا جوليا و لا طفلَها!.. إذا كانت هي لا تُريد الزَّواج فسأتزوَّج أنا!.. "
ساد الصَّمت الغُرفة لدقائق، ثم ارتَسمت على وجهِ أليساندرو ابتسامةُ سُخرية قبل أن يُردف و هو يُضيِّق أعينَه:
"سأوافق على هذا بشرطٍ واحد!.. "
رفعت كيارا عينيها نحوه بعد أن كانت تُحدِّق بكاميلا بكَسرةٍ كونها لم تقِف معها يومًا، لا هي ولا جوليا!.. الوحيد الذي كانت و لا تزال تُدافع عنه هو ابنُها الوحيد، لكن رغم ارتجاف قلبِها أجابت أليساندرو بثقة غير عالِمة أنّه سيُقلِب عالَمها بشرطِه:
"ما الذي تُريد!.. "
"ببساطة!.. لن تَتطلَّقي قبل خمسِ سنوات!.. و إن فعلتِ ستُقدِّمين استقالتَك من تلك المجلَّة السَّخيفة و تأخذين مَكاني لتُصبحي وريثةَ كورسيني!.. "
حدَّقت به بعدم تصديق أنَّه يَستغلُّ ضعفَها نحو أُختها ليضغط عليها لتُصبِح وريثتَه رغم عِلمِه أنّها تُحبُّ عملها أكثر من أيِّ شيءٍ في هذا العالَم!..
لكن بما أنَّها أقدَمت على هذا القرار فهي ستتحمَّل المسؤوليَّة، ليس لأجل جوليا بل لأجل ما تَحمِله كونه بريئًا من كلِّ هذا و لا حَقَّ لهم لقتله، لذا أجابت ببساطةٍ رغم خوفها من ألَّا تستطيع تنفيذ هذا كونها لا تَعرِف لورونزو جيِّدًا فهي كانت تَعرِفُه و هو مراهق، و ليس رجلًا اختفى بعد مرحلة الثانويَّة:
"أنا مُوافِقة!.. لكن إن تطلَّقتُ بعد سبع سنوات أو حتَّى ثمانيَة لن تقِف بطريقي أو بطريق جوليا!.. و لن تَلمس ابنَها أو ابنتَها أو تُحاوِل أن تتحكَّم به حتَّى!.. "
"مفهوم!.. إذا سأتحدَّث مع عائلة مورينو، فابنُهم لم يُقرِّر بعدُ إن كان مُوافِقًا على هذه الزِّيجة أو لا، لكنَّني أعلَم أنّهم لن يُضيِّعوا فُرصةً كهذه!.. "
في حين انكفأت جوليا على الأريكة و دموعُها تتساقط بحُرقة، مُدرِكة أنَّ أختَها التي لم تُسامِحها على عَدم دفاعِها عنها قد ضحَّت بحُرّيتها من أجلِها!..
_____•••••••_____
نهاية الفصل!...
Odessa