"يُقالْ أنٓ الحُبُّ أعمى لكنْ علىّ مآ يَبدوُ الزَّواجُ هُوَ الفَحصُ الطِّبّيُّ الَّذي يُعيدُ لَهُ النَّظر."
_____•••••••_____
ميلانو!..
منطقة نيو سيتي!..
8AM
كانت حياتُها لبعضِ الأشخاصِ تبدو حُلماً يَصعُبُ تحقيقُه بدونِ عائلةٍ غَنيَّةٍ تَدعَمُك مثلَ عائلتِها!..
لكن الحقيقةَ كانت بعيدةً عن كلِّ هذا، فها هي تعودُ على الساعةِ الثامنةِ صباحاً من باريس بعدَ حضورِها لعدَّةِ عروضِ أزياءٍ، التي سبَقَتها بالفعلِ رحلةٌ إلى بيروت لحضورِ عروضٍ أُخرى!..
رَكضُها بتلك الطَّريقةِ و تَفانيها في عملِها جعَلَها تصِلُ لتلك المكانةِ التي هي عليها، و ليس مالُ والديها أو حتَّى مكانةُ زوجِها!..
ثلاثُ سنواتٍ مضت منذُ زواجِها بذلكَ الرجلِ الذي ظنَّت أنَّها سترتكبُ جريمةً به في ثاني لقاءٍ لهما، لكن انتهى بها الأمرُ تطلُبُ منه أن يوافقَ على الزواجِ الذي سيبدو حقيقيّاً للعائلتين!...
لكن داخِلَه سيكونُ مجرَّدَ اتفاقٍ بينهما مبنيٍّ على منفعةٍ متبادلةٍ هي تُضحِّي لأجلِ ابنةِ أُختِها التي أصبحت أحدَ الأشخاصِ القليلين الذين تَكترثُ لأمرِهم، و هو يوافقُ على هذا لأجلِ إرضاءِ عائلتِه بزواجِه من شخصٍ من نفسِ طبقتِه مثلما يَظنُّون!..
و لهذا لم تُبالِ بأنَّها تدخُلُ بيتَها بهذه الساعةِ المتأخِّرة، غيرَ مُباليةٍ بما سيظنُّه زوجُها الذي لم تَره منذ أكثرَ من خمسةَ عشرَ يوماً بعدَ سفرِه لليونان ليتأكَّدَ من فُندقِه الجديد الذي سيفتَتحُه بعدَ أسبوعٍ من الآن، مثلما أخبرَها في آخرِ رسالةٍ أرسلَها لها قبلَ يومَين و معها مُلاحظةٌ أنَّه سيقومُ بِشَنقِ نفسِه قبلَ أن يفتتحَ هذا الفندقَ الذي أخذَ كلَّ وقتِه!..
و لهذا اتَّجهَت مباشرةً لغرفتِها، تَرمي حقيبتَها و أغراضَها بالأرض، بينما تجلِسُ قليلاً على سريرِها تمدِّدُ قدمَيها اللَّتين تؤلمانِها بالفعل من العملِ الذي قامت به خلالَ هذا الأسبوع!..
هي تَكرهُ هذا، لكنَّها تُحبُّ عملَها!..
"سيِّدتي!.. هل أنتِ مُستيقظة؟"
أعادَها صوتُ دارين من شُرودِها، التي طرَقت على بابِ غرفتِها طرَقاتٍ هادئةً كعادتها، تَتلُوها بسُؤالِها بعدَ أن وجدت كعبَها مرمياً أمامَ غرفتِها دليلاً على عودتِها!..
"أجل دارين!.. تفضَّلي"
أردفَت كيارا بينما تستقيمُ من مكانِها و تتَّجه نحوَ حمَّامِ غرفتِها، لتدخُلَ دارين تجرُّ عربةً مُحمَّلةً بفطورِها الصَّباحيِّ...
الشَّيء الذي جعَلَ كيارا تستغرِبُ كونَها لم تُخبِرها بقدومِها بهذا الوقت، فكيف علمَت بهذا و جهَّزت لها فطورَها؟!.. لذا تقدَّمَت منها ترفعُ أحدَ قطعِ الفراولة بينما تسألُها بفضول:
"كيف علمتِ بقدومي دارين!.. فأنا لم أُخبركِ باليومِ الذي سأعودُ به أنَّني لم أكُن متأكِّدةً منه"
حينها ابتسمَت دارين بينما تُجيبُها كعادتها بهدوء:
"السيِّد لورونزو أرسلَ لي رسالةً بأنَّ موعدَ عودتِك هو اليوم، لذا حضرتُ لكِ شيئاً لتأكُليه كونَك لا تُحبِّين الأكلَ قبلَ الرحلة.. و بها أيضاً!.."
حينها استغرَبَت ما قالتْه كونَها لم تتحدَّث للمُسمَّى زوجَها منذ أيَّام، و ها هو مُجدَّداً يُفاجئُها بمعرفتِه كلَّ شيءٍ عنها!.. لكنَّها لم تَستغرِب كثيراً حينما تذكَّرت أنَّه هو من عيَّن لها حارسَتَها الشخصيَّة "ليزا"، و هي مُتأكِّدة أنَّها تُخبرُه بكلِّ شيء!..
و هذا شيءٌ لم تُبالِ به كيارا، كونَ ليزا تقومُ بعملِها بأكمَلِ وجهٍ، و حتَّى أنَّها متزوِّجةٌ، فاحتمالُ أن تُريدَ شيئاً آخر غيرَ العمل لزوجِها احتمالٌ لا وجودَ لصحَّتِه!..
"سأتعبُك معي دارين!.. سأستحمُّ ثم آتي للأكل، لذا أنزليه لغرفةِ المعيشة"
هَممَت دارين بتفهُّمٍ قبل أن تُعيدَ جرَّ العربة لتخرُجَ من الغرفة بابتسامةٍ هادئةٍ، كونَ طلبَ سيِّدةِ المنزلِ كان شيئاً بسيطاً، لكنَّ طلبَها منها بتلك الطَّريقةِ المُتحضِّرة يجعلُها دائماً ما تكونُ ممتنَّةً لكونِها تعملُ في بيتِ شخصٍ مثلِها!..
لطالما امتَنَّت لعملِها الذي أتاحَ لها الكثيرَ من الامتيازات لعدَّة أسباب، أهمُّها الدَّخلُ المادِّيُّ الذي جعَلَها تعيشُ حياةً مُستقرَّةً بعدَ طلاقِها!..
و أيضاً أتاحَ لها فُرصةَ الاستمتاعِ بوقتِها مع ابنتِها، خاصَّةً كونَ كِلا الزوجَين يقضيانِ معظمَ أوقاتِهما في السَّفر!.. فعلى سبيل المثال: كيارا تمضي على أكثرَ من ثلاثِ أيَّامٍ من الأسبوع في المنزل خاصَّةً بموسمِ العروض، في حين تَمضي باقي الأيَّام تركُض من بلدٍ لآخر بطائرتِها الخاصَّة!..
"سأتعبك معي دارين!.. سأستحمُّ ثم آتي للأكل، لذا أنزليه لغرفة المعيشة."
همهمت دارين بتفهُّم قبل أن تعيد جرَّ العربة لتخرج من الغرفة بابتسامة هادئة، كون طلب سيِّدة المنزل كان شيئًا بسيطًا، لكن طلبها منها بتلك الطريقة المتحضِّرة يجعلها دائمًا ما تكون ممتنَّة لكونها تعمل في بيت شخصٍ مثلها!..
لطالما امتنَّت لعملها الذي أتاح لها الكثير من الامتيازات لعدَّة أسباب، أهمُّها الدخل المادّي الذي جعلها تعيش حياة مستقرة بعد طلاقها، وأيضًا أتاح لها فرصة الاستمتاع بوقتها مع ابنتها خاصةً كون كلا الزوجين يقضيان معظم أوقاتهم سواء في السفر، فعلى سبيل المثال كيارا تمضي على أكثر ثلاث أيام من الأسبوع في المنزل خاصةً بموسم العروض، في حين تمضي باقي الأيام تركض من بلدٍ لآخر بطائرتها الخاصّة!..
وأخيرًا كون عملها بالمنزل يقتضي على ترتيب الفوضى التي تسبّبها كيارا بغرفة المعيشة حين تعمل، أو في مكتبها، وغسل وكيّ ثيابها بعناية كونها من ماركة عالميّة، وتجهيز الأكل لها في غياب لورنزو الذي يطبخ لها حين يكون بالمنزل...
فالعمل لدى شخصية مشهورة مثل كيارا كورسيني لم يكن بمخططاتها يومًا، لولا التسمُّم الذي أصيبت به كيارا حيث التقت بها في المستشفى، تحاول جعل الأطباء يعالجون ابنتها بينما هي تحاول إيجاد طريقة لكسب المبلغ الذي طلبوه منها بعد أن تطلَّقت من زوجها الذي كان يعنّفها!..
وبذلك اليوم التقت بملاكها، حيث قامت كيارا بالدفع عنها وطلبت منها أن تعمل لديها بشرطٍ واحد!..
الشرط الذي فاجأ دارين قليلًا كونه كان سهلًا جدًا، لكنه كان شيئًا ضروريًا لعملها في ذلك المنزل حيث كانت تسقط الأقنعة عن الزواج المزيَّف الذي يجمع السيِّدة كيارا كورسيني، المشهورة بكونها أشهر الصحفيات لدى مجلة "فوغ" الإيطالية، والسيّد لورنزو موريني، أشهر ملوك الفنادق ومن أفضل المهندسين المعماريين في كل أوروبا!..
وها هي تعمل لديهم لأكثر من سنتين وتسعة أشهر، حيث حافظت على هذا السر حتى من ابنتها التي تظن مثلها مثل كل من يعرفهم أن زواجهم مثالي، كونهما واقعان بالحب لدرجة لا يتصوّرها أحد!..
بينما هما في الحقيقة لا يطيق أحدهما الآخر في معظم الأوقات، ويزعجان بعضهما في كل فرصة تسنح لهما!..
"هل الطعام جاهز دارين!.."
أخرجها صوت كيارا من شرودها، التي أنهت استحمامها بسرعة كونها تريد النوم فقط، وانتهى بها الأمر تنزل للمطبخ بدون منشفة تضعها على شعرها، لكنها لم تبالِ لهذا كونها ستعود للغرفة بعد الأكل!..
حينها تقدَّمت دارين تضع أمامها الأكل الذي كان صحيًّا بطلبٍ من زوجها، الذي يكاد يكون مهووسًا بصحتها!..
من المشروبات الملزومة بشربها إلى الأكل الصحي الذي تعوَّدت عليه، لأن لورنزو جعلها تعتاد عليه بعد أن أصابها التسمُّم بعد ثلاث أشهر من زواجها، حيث انتهى بها الأمر في المستشفى لأيامٍ طويلة!..
"أخبرتُك ألف مرة لا تتركي شعرك هكذا!.. ستمرضين."
صوته المنزعج جعلها ترمش بتفاجؤ قبل أن ترفع رأسها ليقابلها ببدلته السوداء ونظارته الطبية التي يعدّلها بينما يحدِّق بها بانزعاج، من كونها لا تبالي بصحتها رغم تنبيه الطبيب لها بأن مناعتها من الأمراض قليلة جدًا...
"لن يحدث لي أي شيء، لذا لا ترفع ضغطي يا لورنزو!.."
"دارين!.. أحضري لي منشفة لو سمحتِ!.. فالسيدة كيارا تركض وراء الأمراض بنفسها."
أردف لورنزو بينما ينتزع سترته ويعيد خصلات شعره البنية التي تخلّلتها بعض الخصلات الذهبية، واتّجه نحو المطبخ غير مبالٍ بنظرات زوجته، التي يعلم جيدًا أنّها ستمرض بهذه الطريقة!..
فهي لم تقم بتنشيف شعرها، ولا حتى ارتداء ملابس جيدة لهذا الطقس البارد، ولا حتى تقوم بمضغ طعامها بشكل جيّد لأنها تأكل بسرعة، لهذا أخذ على عاتقه تذكيرها بعقوبة عدم اهتمامها بصحتها!..
في الدقائق التي تلتها كانت تحدِّق كيارا به بغضب، بعد أن وضع أمامها عصيرًا أخضر اللون تعلم جيدًا أنه وضع به القرع المرّ، لتردف غير مبالية به:
"لن أشرب هذا!.. لذا إن لم تُبعده عن وجهي، سيكون بوجهك بعد دقائق!.."
"بل ستفعلين!.. أنا لا أريد أشخاصًا مرضى داخل منزلي... لا أريد أن أصاب بالعدوى منك، فلديّ أعمال لإنهائها."
"لورنزو!.. لا ترفع ضغطي، أنا متعبة ولست بمزاج لتكسير رأسك!.."
حينها قطعت دارين حديثهما وهي تقدِّم المنشفة للورنزو، الذي استقام باتجاه كيارا يضع المنشفة على رأسها، ويلفّها بطريقة غريبة لا تزال إلى الآن تحاول تعلّمها، لكنها لم تستطع فعلها، لذا هو يتولّى الأمر في كل مرة يجدها بهذه الحالة...
"كيف كانت باريس!.."
قطع كلماتها اللاذعة التي كانت سترميها بسؤاله عن ما تحب، وبهذا تنسى غضبها قليلًا...
"مملة!.. لكن العروض كانت رائعة. ماذا عنك!.. أين وصلتَ بالتجهيزات للافتتاح!.."
"كل شيء جاهز!.. لكن..."
حينها رفعت رأسها تحدِّق به حين توقَّف، بينما يبتسم ابتسامة عريضة تعلم جيدًا أنّ ما سيأتي خلفها سيكون كارثةً على رأسها!..
"ما الذي فعلتَه يا لورنزو موريني!.."
أردفت مشكِّكة بابتسامته التي لم يستطع إيقافها، ليجيبها بشيء جعل كل شيء يتوقّف للحظة، غير مصدِّقة ما فعله، رغم علمه أنّ سر زواجهم سيكون بخطر...
"حسنًا، الأمر ليس سيئًا!.. للأسف والدي أرغمني على دعوة عائلتك وعائلتنا للفندق ليمضوا أسبوعًا كاملًا معنا!.."
"هل جَنَنت!.."
أردفت صارخةً به بينما تمسك رأسها، غير عالمةٍ بما ستفعله بما يقوله، فإمضاء عطلة مع العائلة يعني أن تمثّل أنها واقعة بحب هذا الغبي، وأنها لا تستطيع البقاء بعيدةً عنه لثانية واحدة!..
فهي بالكاد استطاعت التمثيل لساعات قليلة على عائلتها بالمناسبات والحفلات العائلية، فكيف تفعلها طوال اليوم، حيث ستكون العيون عليهم طوال الأربع والعشرين ساعة...
وهذا يعني أنها إن لم تستطع إقناعهم سيكتشف والدها سرّهم قبل الوقت المحدَّد الذي جعلوه لسبع سنوات، ثم يتطلّقان بدون دراما عائلية، وهكذا سيقلب كل هذا عليها وتخسر شرطها الوحيد مع والدها...
"سيكتشفون أننا كنّا نمثِّل!.."
"لا أحد سيكتشف هذا يا كيارا!.. فأنت بالفعل مثَّلتِ هذا بآخر عطلة لنا حينما التقينا مع عمتك بموريشيوس، واستطعتِ إقناعها بسهولة بأنكِ واقعة بحب زوجك الذي يهتم بكل تفاصيل حياتك!.. افعليها مجددًا!.."
أخبرها وهو يحمل كأس القهوة التي وضعتها دارين أمامه يرتشف منه، بينما ترتسم ابتسامة غبية بأعين كيارا على وجهه، كونه يعرف نفسه أنه يستطيع التمثيل بأنه يحبها بكل سهولة، كونه حقًا ملمًا بكل تفاصيل حياتها، عكسها هي، فهي تكره هذا!..
"وماذا لو فعلوها!.. ما الذي ستفعله يا سيّد لورنزو؟"
"حينها سنخبرهم بأنكِ حامل، لكي نجعلهم يصدّقوننا!.."
"أنا لن يكون اسمي كيارا إن لم أكسر رأسك قبل أن أحصل على طلاقي منك!.. مزعج لعين!.."
كانت تشعر بداخلها، وشعورها لم يخنها يومًا، أنّ هذه العطلة ستكون أسوأ خمسة عشر يومًا في حياتها، وستكون نهايةً لتمثيلية زواجها هذه!..
وإن حدث هذا فهذا سيعني خسارة شرطها أمام والدها، وخسارتها لعملها والشيء الذي تحبه!..
وكل هذا بسبب زوجها الغبي، الذي يظن نفسه أنه يستطيع حل هذا بخبر حملها، وكأنها لا تتحدث للرجل الذي تحدّثت عنه الأخبار أنّه أفضل المهندسين الشبان الذين مرّوا على إيطاليا!..
_____•••••••_____
نهاية الفصل!...
Odessa