الفصل 2 : حقا هذا العالم مثير. طلعت الشمس من مخبئها أخيرا بعد نوم عميق، نسيم على الورود يتأرجح بخفة ونعومة، مياه الوادي تتدفق وتتكلم. بحق هذا جو صباحي رائع، وضح النور تدريجيا من النافذة الخاصة بغرفة ليوماس رين وو. هو بالفعل لم ينم طيلة الليل، وسادته بمياه البحر المالحة مبتلة، جلده بالكامل شاحب مصفر، شعره الأسود الطويل مجعد، جسده لايزال يرتعد. قضى الليل كله يتجول في غرفته يفكر بعمق، لدرجة أنه حفظ محتوياتها دون أن يلاحظ. نافذة ضخمة مقسومة برمز الزائد ضئيل الخطوط، كانت هذه الخطوط بنية اللون، زجاج النافذة رقيق وصلب، وكان من جودة يستحسن بها. جنب خزانة الملابس تكون هناك طاولة خشبية مطلية باللون البني الفخم، وكذلك يوجد كرسي خشبي، ظهره ومقعده مغلفان بجلد أسود. بالأسفل في الخزانة، أحد أبوابها الصغيرة، كان مخصصا لأدوات ضرورية، مشط عادي ورقيق، مرآة يدوية، حقيبة دواء أساسية، عطر وغيرها من الضرورات. أرضية الغرفة تجمع الخشب الأملس، لونه بين البني والأحمر المصفر. كذلك الجدار مثبت في كل مساحته لوحات خشب بدرجة لون أسود خافت، تنزلق منه فراغات لونية بالأبيض والرمادي. كما اكتشف ليوماس أيضا أن المرحاض موجود داخل الغرفة، ومعزول بجدار لوحده. الساعة الآن على ما يقارب السادسة صباحا، هذا بالضبط وقت استيقاظ الطبيعة. تذكر ليوماس إقتباسا. في كل صباح، عليك أن تركض لتنجو، لا يهم إن كنت أسدا أم ظبيا، كل ما عليك فعله حينها هو الركض كي تكون الأقوى. مهما كانت قوتك عليك أن لا تتخلى عن فكرة كونك مجرد ناجي. لطالما كان هذا الإقتباس يثير إهتمام ليوماس كلما استيقظ باكرا, فقط وبعدها يختفي. قلب ليوماس جهة الوسادة، ثم عدل وضعية جسده واضعا كلتا يديه خلف رأسه بعدما أبعد شعره للأعلى, بات الآن يحدق في السقف الأسود المرشوش بنقاط من عدة ألوان مختلفة. عيناه حمراوتان، سيطر بعض السواد على المنطقة التي تحيط الجفنين، كانت عيناه قد ذبلت بالفعل. لم يتقبل كل ما جرى بعد، رأسه آلمه بشدة من التفكير. فكر في ما قاله قبل ساعات ~ سأسعى إلى اللاشيء ~ هو الآن ليس وسط أسوار عالية، بل في السماء، طريق ممتد لا ينتهي، كلما سار امتدت هي لتتعالى عليه وتذكره بمكانته. باختصار، أدرك ليوماس أن جملته الأخيرة، لم يقصدها فعلا، لم يقصد أن كل شيء بلا معنى الآن، هو فقط كما لو قال لأجل زوجتي وأولادي وكل أقاربي، وكل ذكرياتي في عالمي القديم، لن أسمح لهذا العالم بأن يكون له أي معنى في عيناي. فهم أن نطقه ذاك كان مغلفا باللاواعي الإنفعالي، لكنه الآن بدأ يرى الصورة بوضوح. " أنا لم أفهم هذا العالم بعد، لم أتعرف عليه، لكن حين سأفعل وأشربه كالماء، ماذا بعد ؟ " ليوماس، قد نجح بالوصول لإستنتاج مهم، أدرك بالفعل أن أي شيء سيفعله في هذا العالم لن يكون له هدف حقيقي مطلق، قد علم تماما بأن ما سيفعله لن يكون مريدا له، وأن ما سيسعى نحوه لن يكون ساعيا له. ليس له الحافز الآن على أي شيء، مات له في عالم كان يقرأ عن ما يشبهه فقط في الروايات ويشاهده في الأفلام، عالم كان يتمنى الذهاب إليه في الصغر وأحيانا في عمره الكبير. يشعر كما لو أنه قد فقد حاسة التذوق، الحلوى أمامه لكن لن يستطيع أكلها، لأن في حالته هذه، ما الفرق بين الحلوى الفاخرة والخبز اليابس ؟ ورغم كل هذا، لا يمكنه نكران أنه شعر في لحظات موزعة بنشوة السعادة والفضول. إذ كانت مشاعر ليوماس متضاربة، خليط بين الحزن والشوق، السعادة المتقطعة، الخوف، تأنيب الضمير، الإرتعاش والإرتعاب، القلق والتوتر. ستة ساعات وحيدا في غرفته يبكي ويمسح دموعه، يحلل شيئا آخر ويعود للبكاء، وأكمل هكذا، حين كان ينام لدقائق، لم يكن بالفعل ينام، هو فقط يغرق عميقا. من الواضح أن هذه المدة الصعبة، استنزفت منه الكثير، حالته الآن أسوء من حالة كلاب الشوارع. " لحظة والداي ! ". فكر ليوماس أخيرا بوالديه في هذا العالم، لقد نسي الأمر تماما. وضع ليوماس عدة إحتمالات وتوقعات، فكر أنهم قد توفوا، أو تخلوا عنه، كما فكر أيضا بإمكانية أنه متبني من طرفهم فقط. أخده فضول كبير لرؤيتهم، ورؤية مكان إقامتهم، وهل يملك إخوة، كيف هي علاقته معهم، وهنا أيضا بكى بعدما شعر بالسعادة والتوتر، جسمه كان حارا، التوتر كان ناجما عن الخوف من حقيقته، حقيقة أنه حثالة. إتفق في الحال مع نفسه بأنه لا يحمل ذرة وفاء لحياته السابقة، هو الآن لا شك بأنه يشعر أن السعادة هنا خطيئة. تنهد وقام ببطئ، شعر بدوار حاد وبثقل على كل مستويات جسده، شعره ملتصق. الآن شعره الطويل يقارب على تخطي ظهره بالكامل، كان يتجول في غرفته أمس، ليذهب للمرحاض ويلاحظ من خلال المرآة أن جسده الحالي هو جسده الأصلي في عمر الخامسة عشر، شيء واحد متغير فيه، وهو شعره الذي أصبح طويلا جدا عكس ما كان عليه في حياته السابقة. إنتصب أمام النافذة يرمي نظره هنا وهناك، يدلك في نفس الوقت كتفه الأيسر. كان المنظر كبير الجمال بحق، هذا العالم، جمال طبيعته لا يقارن، الألوان واضحة وجذابة، الأشجار هناك قرب الوادي ذات اللون الزهري، صوت العصافير كعازف محترف، شمس صفراء مبيضة. لكن ليوماس ينظر الآن للسحاب الأبيض فوق. فكر قليلا في كيف سيكون شكل ومذاق الطعام هنا بعدما شعر بجوع شديد. جلد نفسه مجددا، ذرف الدموع، لكن هذه المرة بغزارة أكثر، يريد التركيز والبكاء بنقاء دون تلوث، لكن فضوله كان أقوى لا يسمح لع بذلك. مرت سحابة كبيرة، وأعجب ليوماس بتشكيلها، ظل يحدق بها حتى غابت عن مجال عينه. " راحت، هذا متوقع، كل شيء يرحل، أظن أنه يتوجب علي تقبل هذا، فهو قانون لا يمكن العبث به. لطالما ليوماس كان يكره الحتميات، ويحتقرها بقوة كذلك. كان على سبيل المثال، يرى بأن الحياة تضحي بفئة ما كي تميز وتظهر فئة أخرى، رغم هذا، كان يرى بأن كلتا الفئتين مجرد دمى وضحايا. دق دق دق " السيد ليوماس.. سيدي ليوماس ". صوت خافت وراء الباب. إلتف ليوماس بسرعة مستغربا من الكلمة التي تم تلقيبه بها من طرف الطارق المنادي، فتح الباب ليجد أحد الحراس. " مرحبا السيد الكبير ليوماس، آسف على إزعاجك، أرسلت لك بأمر من المعلم زيان وو، أرسلني ليطمئن على حالتك " " أنا بخير لا داعي للقلق " أجابه رين وو وهو يحك ذقنه. " عذرا سيدي، لا أقصد التطفل لكن، هل أنت متأكد ؟ فحالتك توحي بالعكس ! " إلتف رين وو برأسه للوراء ثم أعاده وقال للحارس صاحب النظرات الغريبة أمامه. " أريد أن آكل، أيمكنك أن تحضر لي شيئا أتناوله ؟ " تعجب الحارس أكثر وارتبك من تصرفات ليوماس الغير معتادة بالنسبة له. " نعم سيدي، أستطيع أن أفعل، إذا لا تريد النزول لمطعم السكن اليوم ! " " أتعلم حسنا سأنزل للمطعم، أشكر المعلم نيابة عني " " كما تريد سيدي " إنحنى الحارس وغادر. عاد ليوماس لداخل غرفته وهو مصدوم. " هل أنا مهم لهذه الدرجة ؟ هل يعقل أنني من عائلة نبيلة أم ماذا ؟ والمشكلة أن الحارس يبدو أقوى مني بكثير ! " أعاد ليوماس فتح الباب بعدما أعجب بالطريقة، مد راحة يده نحو مركز الباب المنحني، ليتم فتحه بسهولة. " ما بك ليوماس ؟ " هذا كان صوت تشي، يسأل بتأمل تعجبي بعدما كان يمر ورأى حالة رين وو. أخبره ليوماس بأنه على ما يرام ولا توجد أي مشاكل، ليكمل تشي طريقه لكنه يلتفت بعد خطوات قليلة. " إذا لن تأتي للتدريب اليوم ؟" " نعم.. لا أعلم صراحة، الأمر عائد لمزاجي وحالتي بعد قليل " " حسنا أراك لاحقا، ولا تنسى، عليك أن ترحم نفسك، فالأسبوع المقبل سيكون لدينا اختبار تحديد المستوى، وكما تعلم إنه إختبار مصيري، والنفسية لها دور كبير هنا " ارتعش جسد ليوماس، توسعت حدقات عينه السوداء. " حسنا، أراك فيما بعد " فكر ليوماس في كلام تشي، فكر في ماهية هذا الإختبار وغرضه، ولم هو مهم لدرجة أنه مصيري، كلام تشي كان واضحا ومفهوما، لكن ما أثار شيئا داخل ليوماس، هو الشعور حين سيقف على ساحة التجربة والخطو فوق ظلها. عاد لغرفته، يدور بين جدرانها " هذا العالم، يبدو مثيرا حقا ! " كما حياته السابقة، فهم أن التجربة مهما كانت مليئة بالعبث والغباء، إلا أنها تستحق مادامت ستنتهي ويتبخر معها كل شيء. ما أجمل أن يرتبط الوجود بنا.
Lyomas