༺༻༺༻༺༻༺༻༺༻༺༻༺༻༺༻
كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية، تضفي على المدينة القديمة طابعًا هادئًا وكئيبًا في آنٍ واحد..
كيرا، طالبة معهد الفنون تلك، كانت تسند رأسها على حافّة المنضدة بملل و هي تحاول الاستماع لحديث معلّم الرّسم..
لحظة..لحظتان...و دقّ جرس معهد سيليستيا معلنا عن انتهاء حصصهم لهذا اليوم..
و قد كانت كيرا أوّل من استقام من مكانه و حمل حقيبته استعدادا للمغادرة..و لكنّ صوت المعلّم استوقفها..
«آنسة رامبتون..لأتحدّث معك لدقيقتين ثمّ يمكنك الرّحيل»
عقدت كيرا حاجبيها باستغراب و هي تتقدّم بهدوء ناحية البروفيسور إلى أن أصبحت تقف أمامه تماما..
«نعم سيّدي، ما الأمر؟»
اعتدل في وقفته و شبك يديه خلف ظهره ثمّ نطق بوقار و صرامة:
«كيرا..تعلمين أنّني أعتبركِ مثل ابنتي، صحيح؟»
أومأت له موافقة و هي تعدّل خصلات شعرها البنّيّ المتمرّدة على وجهها ليواصل المعلّم كلامه بهدوء:
«هذه سنتك الثّانية هنا...و قد تغيّرت طباعك كثيرا»
عقدت المعنيّة حاجبيها غير مستوعبة ما يرمي إليه..ثمّ أردفت بينما تثبّت أعينها العسليّة عليه
«سيّدي...هلّا توضّح أكثر رجاءً»
«كان شغف الفنّ جليّا في كلّ تصرّفاتك...و لم يكن أحد ينصت لي و يراقب شرحي كما كنتِ تفعلين...لكنّكِ الآن أصبحتِ تشردين كثيرا في الحصص و لم تعودي تنتبهين كالسّابق...و ما أريد قوله هو أنّه يجدر بكِ ملاحظة هذا و التّركيز أكثر إن كنتِ تريدين التّخرّج مستقبلا بتقدير ممتاز»
ساد الصّمت للحظات شردت خلالها كيرا و هي تفكّر بالكلام الّذي ألقي على مسامعها توّا..
هو محقّ في كلّ كلمة قالها...و هي تعي ذلك جيّدا..
و لكنّ الأمر ليس بيدها حقّا..فالأرق الّذي تعاني منه لا يسمح لها بالحضور صباحا بنفس الطّاقة و الحيويّة الّتي اعتادت امتلاكها السّنة الماضية..
«أعتذر منك حقّا...و لكنّ الأمر ليس بيدي»
تمتمت بهدوء و احترام و هي تنقل أعينها العسليّة صوب الأرض ليجذب أنظارها مجدّدا عندما نطق باستفهام:
«ما الّذي تعنينه بأنّ الأمر ليس بيدك؟ أهناك ما يعيق دراستك؟»
«نوعا ما...أعاني من الأرق و لم أجد حلّا لأنام بشكل طبيعيّ، لذا فأنا لا آخذ قسطا كافيا من الرّاحة»
صمت المعلّم لحظتها و هو يراقبها دون أن ينبس بحرف واحد..
ثوان قليلة حتّى استقام من مكانه و اتّجه نحو حقيبته الموضوعة على سطح مكتبه ليشرع في البحث داخلها..
كانت كيرا تراقبه بحيرة لا تملك أدنى فكرة عن ما يقوم به..هو لم يعلّق حتّى على كلامها له
«ها هي ذي!»
صاح بحماس و هو يخرج من حقيبته الجلديّة شيئا بدا للأخرى كلوحة صغيرة...و لم تبدُ على ما يرام..
لم تتحدّث كيرا إطلاقا، بل اكتفت بمشاهدته و هو يقترب أكثر منها بينما يقوم بنفض تلك اللّوحة..
نظراتها المستغربة لم تخفٕ عنه و رغم أنّها لم تنطق بتاتا إلّا أنّ معلّمها كان مدركا لكلّ الأسئلة الّتي بدأت تطرح نفسها في ذهنها المشوّش...لذا كان هو من بادر بالحديث قائلا
«هذه ستساعدك من دون شكّ»
قال بثقة و هو يشير للّوحة بيده لتجيب هي و قد اعتلت وجهها علامات الدّهشة
«لا أفهم قصدك»
«كنت أنوي أن أقوم بترميم هذه اللّوحة...و لكنّك من ستقومين بذلك لعلّه يخفّف من مشكلة الأرق لديكِ»
أمالت برأسها للجانب قليلا بعدم فهم ثمّ تساءلت مجدّدا:
«ما هذه اللّوحة سيّدي و لماذا كنت تريد ترميمها؟»
«هذا الصّباح في طريقي للمعهد مررت برجل عجوز كان يعرض لوحات على الطّريق و شدّت هذه انتباهي فرغبت في اصلاحها و الاحتفاظ بها...و لكن أرى أنّ الأولويّة لكِ»
«شكرا لك»
قهقه المعلّم بخفّة و أضاف:
«العفو..أتعلمين؟ أخبرني الرّجل بخرافة حول صاحب اللّوحة...يقال أنّه شخص يستطيع جعل لوحاته تنبض بالحياة..لكنّه اختفى في ظروف غامضة و لا أحد يعلم شيئا عنه»
اتّسعت أعين كيرا بصدمة ثمّ تمتمت بعدم تصديق:
«هل مات رسّامها؟»
«لا أحد يعلم..لقد اختفى بين ليلة و ضحاها فحسب...قد يكون ميتا، و قد يكون مختبئا...لا أكد يملك فكرة عن ذلك»
أومأت برأسها بتفهّم ثمّ نطقت بهدوء و هي تأخذ اللّوحة الّتي مدًها لها المعلّم
«شكرا لك مجدّدا..سأحاول العمل عليها اليوم و أتمنّى أن تفيديني»
«أتمنّى ذلك أيضا..يمكنك الذّهاب لمنزلكِ الآن لو أردتِ»
أومأت كيرا برأسها بخفّة و هي ترسم على ثغرها ابتسامة امتنان
«أراك غدا سيّدي»
بادلها المعلّم الابتسام لتلتفت هي و تسير مغادرة القاعة بسرعة..
أبطأت كيرا من خطواتها بعدما ابتعدن قليلا عن المعهد و أخذت تسير على مهل بينما تحدّق بالّلوحة الّتي بين يديها..
لم تكن واضحة جدّا...فقد بدت ألوانها باهتة جدّا و كأنّه قد مضت سنين على رسمها
و بحسب كلام معلّمها...فقد مرّ وقت طويل حقّا من دون شكّ
أمعنت النّظر إليها محاولة لاستيعاب المرسوم فيها...و ما هي إلّا لحظات قليلة حتّى اتّضحت الصّورة في ذهنها..
لقد كانت اللّوحة تجسّد صورة بحيرة عميقة محاطة بأشجار داكنة...
و السّماء...لقد كانت مليئة بألوان الغروب و لكن لم تكن تشبه أيّ مشهد غروب قد رأته قبلا
لم تنتبه كيرا لكونها قد شردت في اللّوحة كثيرا لدرجة أنّها قد سلكت طريقا مختلفا سوى عندما اصطدمت بشيء صلب
«يا إلهي ما الّذي يفعله عمود الإنارة هنا؟»
صاحت بألم و هي تدعك جبينها الّذي بدأ بالاحمرار لتدرك لحظتها فقط ما يجري..
«ما الّذي جاء بي إلى هنا؟»
تمتمت بصوت شبه مسموع و هي تجول ببصرها حول المكان..
ليس و كأنّ هذا الشّارع غريب عنها...لكنّه ليس الطّريق الّذي اعتادت أن تسلكه للعودة لمنزلها، إضافة لأنّه كان هادئا جدّا على غير المتوقّع رغم أنّ الظّلام لم يحلّ بعد
و بما أنّها قد دخلت الشّارع بالفعل، فقد قرّرت كيرا مواصلة طريقها إلى المنزل من هناك كتغيير...و لعلّها تجد بعضا من الإلهام الّذي سيساعدها في لوحاتها المستقبليّة كذلك..
سارت بخطوات هادئة و هي تمرّر بصرها بين المحلّات الّتي كان بعضها قد أغلق بالفعل بينما البعض الآخر كان لا يزال مفتوحا رغم عدم وجود أثر لأيّ زبتئن في الوقت الحاليّ
و حينما قاربت على الخروج من ذلك الشّارع، لفت انتباهها أحد المحلّات حيث علّقت أمامه لافتة كتب عليها بخطّ جميل: "ماضي"
توقفت كيرا أمام المحلّ و وقفت أمام الزجاج الأمامي الّذي كان مغطى بطبقة خفيفة من الغبار مما جعل من رؤية ما بداخله أمرا صعبا..
أخرجت من جيب سروالها الأسود الواسع منديلا ورقيّا و راحت تمسح بعضا من الغبار لأجل أن ترى ما الّذي يحتويه هذا المكان..
و بالفعل قد نجح ذلك، و حينما قرّبت وجهها نحو الزّجاج استطاعت رؤية الموجود بالدّاخل..
كان المكان يعجّ بالرّفوف الخشبيّة الّتي استقرّت عليها كتب قديمة بالية و تماثيل حجريّة صغيرة، إضافة إلى بعض من السّاعات بدت من شكلها أنّها لا تعمل
دفعتها غريزتها للدخول، فاقتربت من الباب دون تفكير أو تردّد ثمّ أدارت المقبض، و ما أن فتحت الباب حتى رن جرس صغير أعلى الإطار، مُعلنًا وصول زبونة جديدة..
أوّل ما استشعرته حواسّها كان رائحة الغبار والورق البالي الّتي تسلّلت إلى أنفها و كانت تملأ المكان..
و قد زاد الضوء الخافت المنبعث من مصباح سقفي قديم من غموض الأجواء..خصوصا و أنّ لا أحد قد ظهر بعد دخولها
التفتت كيرا تحاول رؤية كلّ زاوية محيطة بها، ثمّ تحرّكت من مكانها و بدأت في التّجوّل بين الرّفوف..
أثناء ذلك، شعرت بشيء غريب..كان المكان هادئًا بشكل غير طبيعي، لم يكن هناك أي صوت سوى خطواتها الخفيفة...خصوصا و أنّ صاحب المتجر لم يظهر بعد..
هل يعقل أنّه ليس هنا الآن؟ ربّما خرج لأجل أمر ما و سيعود؟
كان ذلك ما شغل ذهن كيرا و هي تهمّ بالمغادرة..و لكنّ صوتا رجوليّا أوقفها فجأة..
«تلك اللّوحة جميلة»
التفتت بسرعة ناحية مصدر الصّوت ليقابلها رجل يبدو كبيرا في السّنّ نوعا ما، ذو شعر أسود خالطة الشّيب مع لحية كثيفة و ثياب عاديّة
عقدت حاجبيها باستغراب لتدرك فجأة أنّه صاحب هذا المتجر و تغيّرا استغرابها لابتسامة بسيطة
«أهلا»
بادلها بابتسامة هادئة ثمّ واصل حديثه قائلا:
«أين وجدتِ تلك اللّوحة؟»
نقلت كيرا بصرها ناحية اللّوحة الّتي كانت تثبّتها أسفل ذراعها ثمّ عاودت النّظر للرّجل قبل أن تقول بارتباك:
«في الواقع، طلب منّي معلّمي ترميمها»
أومأ برأسه و همهم بتفهّم ثمّ نطق مجدّدا بهدوء:
«أنتِ محظوظة لأنّكِ حظيتِ بشرف ترميم لوحة بيكاسو الثّاني»
«بيكاسو الثّاني؟»
نبست بعدم فهم و هي تنظر له بحيرة ليقهقه الآخر بخفّة
«أجل، كما سمعتِ...لكن من المفترض أن يكون قبل بيكاسو أصلا...فلوحات بيكاسو لا تنبض بالحياة»
«لم أفهم قصدك سيّدي»
«هل تعلمين أيّ شيء عن صاحب تلك اللّوحة؟»
«لا..لا شيء عدا أنّه قد اختفى في ظروف غامضة»
«فهمت...يشاع أنّ هذا الرّجل ليس رسّاما عاديّا، فلوحاته تصبح حقيقة بطريقة ما»
عقدت كيرا حاجبيها بعدم اقتناع ثمّ نطقت بشكّ:
«هذا غير ممكن سيّدي...هي محض إشاعات لا صحّة لها و حسب، فمن الطّبيعيّ أن تظهر إشاعات حول كلّ ما يخصّ شخصا مختفيا أو ميتا»
رفع الرّجل كتفيه بلا مبالاة و أردف بقلّة حيلة:
«لا أستطيع إرغامك على التّصديق..لديّ عمل الآن، فإن لم تحتاجي شيئا سأعود للمخزن»
هزّت رأسها نافية و أجابت باحترام:
«لا شكرا..سأغادر الآن»
أومأ لها قبولا لتلتفت و تسير مبتعدة عنه لتغادر المتجر
༺༺༺༻༻༻
فور دخولها إلى غرفتها، علّقت كيرا اللّوحة على الحائط المقابل لسريرها حتّى تتأكّد من عدم نسيانها لأمرها تماما..
ألقت بجسدها على السّرير بإهمال و ظلّت تحدّق بها محاولة التّفكير في ما ستقوم به لترميمها
لحظات قليلة حتّى استقامت من مكانها و اتّجهت ناحية الحمّام لأجل أن تستعدّ للنّوم
أخذت حمّاما سريعا لتريح جسدها المرهق ثمّ غيّرت ثيابها و قامت بتجفيف شعرها..
و قبل أن تخلد إلى فراشها، سمعت طرقا خفيفا على الباب تلاه دخول والدتها..
اقتربت منها و هي تبتسم بخفّة ثمّ نطقت بهدوء بينما تمدّ لها هاتفها
«كيرا عزيزتي، لقد تركتِ هاتفك في الأسفل عند دخولك»
أخذت كيرا منها الهاتف بابتسامة امتنان و أردفت شاكرة أمّها و هي تلفّ ذراعيها حولها:
«شكرا لكِ أمّي، لقد نسيت أمره تماما»
«العفو ابنتي»
ردّت و هي تبادلها العناق و تربّت على رأسها بحنّيّة
فكّت الاثنتان العناق لتغادر والدة كيرا بعدما أرسلت لها قبلة طائرة تاركة ابنتها تعود لسريرها لأجل النّوم..
أطفأت كيرا المصباح الموضوع على المنضدة الصّغيرة بجانبها و اختبأت جيّدا داخل اللّحاف ثمّ أغمضت أعينها حتّى تغطّ في النّوم..
و لكن تزامنا مع إغلاقها لأجفانها، شعرت بالضّوء ينار مرّة أخرى..
فتحت أعينها مجدّدا لكنّ ما رأته لم يكن ضوء الغرفة..
بل كان شيئا آخر تماما..
كان أوّل ما استقبل بصرها هو اللّوحة الّتي بدأت تتوهّج بخفوت
نهضت من سريرها بكسل و بعض من الخوف ثمّ اقتربت منها لتفحصها، وعندما لمستها، شعرت بحرارة خفيفة تحت أصابعها..و لاحظت لمعان كتابة بخطّ صغير بشكل مختلف عن توهّج باقي أجزاء اللّوحة..
قرّبت وجهها أكثر لتقرأ المكتوب..و سرعان ما تراجعت خطوتين فور استيعابها لما قرأته..
"بيكاسو الثّاني"
لم تلحظ وجود الاسم على اللّوحة قبلا..
أكانت هي الّتي لم تره فقط؟ أم أنّه قد ظهر الآن بطريقة ما؟
لا..ذلك مستحيل...لا شكّ أنّها لم تر الاسم و حسب..
بما أنّها تفكّر بالمنطق...إذا كيف تفسّر الضّوء المنبعث من قطعة القماش هذه؟
دون أن تدرك كيرا ما يحدث...وجدت الضّوء يزداد توهّجا لدرجة أضاء الغرفة بأكملها..
أسقطت اللّوحة على الأرض و تراجعت خطوتين إلى الخلف بارتباك لتتمتم بصوت مرتجف
«ما الّذي يحدث..؟»
لم تكن سوى ثوانٍ أخرى معدودة حتّى انطفأ وهج اللّوحة و عادت كما كانت ليخيّم الظّلام على أرجاء الغرفة مجدّدا..