اللوحة

اللوحة

11 0

༺༺༺༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻༻༻༻

في أوّل الصّباح..و في الوقت الّذي كان الجميع لا يزالون لم يستيقظوا بعد، كانت كيرا تجلس على مكتبها في غرفتها الصغيرة، تتأمل اللوحة التي علقتها على الجدار..

رغم أنها لم تُظهر أي حركة جديدة منذ الليلة الماضية، إلا أن إحساسها الداخلي كان يخبرها بأنّه يوجد خطب ما بها..

ما حدث غير معقول..و أيّ شخص آخر لم يكن ليصدّقها لو أخبرته بما حدث لها..

لو لم تكن متيقّنة تماما لافترضت أنّها كانت تحلم أو تهذي فحسب..

لكن و من بين كلّ الأفكار المتداخلة في ذهنها...كان التّساؤل الوحيد الّذي لم يشأ أن يفارقها و لو للحظة هو سرّ ذلك الاسم..

«بيكاسو الثّاني..»

تمتمت من دون وعي و هي تنظر للمكان الّذي توهّج فيه ذلك الاسم ليلة أمس..

و لم يكن هناك..

إذا هي محقّة..الاسم ظهر فجأة و لم يكن مدوّنا من قبل

حسنا...الآن لا يزال أمر واحد عليها التّفكير به

ما الّذي يجدر بها فعله؟

بالطّبع كلّ ما قد حدث ليس مجرّد صدفة ما تستطيع تجاهلها..

نفضت كيرا بسرعة عن رأسها كلّ الأفكار الّتي كانت تراودها...و قرّرت إعادة النّظر في الأمر لاحقا بما أنّ عليها الاستعداد للذّهاب للمعهد الآن..

أخذت حمّاما سريعا لتصفية ذهنها ثمّ غيّرت ثيابها و سرّحت شعرها قبل أن تحمل حقيبتها و تفتح باب الغرفة لتخرج مسرعة..

نزلت السّلالم مهرولة و مرّت في طريقها على غرفة الجلوس حيث وجدت والدتها تجلس هناك تشاهد الأخبار على التّلفاز

اقتربت كيرا من والدتها جاذبة انتباهها ثم قفزت لتعانقها

«أرى أنّكِ استيقظتِ مبكّرا أمّي»

بادلتها العناق و علامات الحيرة بادية على تضاريح وجهها حينما ردّت باستغراب

«أنا دائما ما أستيقظ مبكّرا كيرا، أنتِ من استيقظتِ في هذا الوقت على غير العادة»

عقدت كيرا حاجبيها بتفاجؤ و أردفت متسائلة

«ما الأمر أمّي؟ أنا من أستيقظ أوّلا في العادة...معهد الفنون يفتح بكرا، تذكرين؟»

«أيّ معهد فنون هذا؟ و لمَ ستذهبين له؟»

فتحت فمها بصدمة بعد كلمات والدتها الّتي لم تحمل أيّ ذرّة مزاح على الإطلاق و أجابت متمنّية أن يكون هذا مقلبا ما:

«أنا طالبة في المعهد، لمَ سأذهب مثلا؟»

«منذ متى؟ لم تخبريني بأنّكِ تنوين التّوقٌف عن دراسة البيولوجيا و البدء في دراسة الفنّ»

زاد استغراب كيرا..و لوهلة ظنّت أنّ والدتها ستضحك و تخبرها بأنّها تمزح و حسب

و قد حاولت التّمسّك بخيط الأمل ذاك كثيرا إلّا أنّ ملامح وجه أمّها الثّابتة جعلت من ذلك الأمل يتلاشى

«لما تبدين متفاجئة أليس واضحا أنّني أمازحك و حسب؟»

نطقت بابتسامة متّسعة جعلت والدتها تضحك هي الأخرى و هي تربّت على رأسها بخفّة قائلة

«لقد أخفتني حقّا، ظننت أنّ شيئا ما قد حدث لك عزيزتي»

أجل..

الآن أصبحت كيرا متيقّنة تماما من أنّ هناك خطبا ما بوالدتها..

ربّما ليس والدتها فحسب...فإذا كان ما تفكّر به الآن صحيحا، فعالمها بأسره به خطب ما..

«أمّي، هل لي بطلب؟»

أومأت برأسها إيجابا لتواصل كيرا كلامها:

«هل يمكنني التّغيّب عن الجامعة اليوم فقط؟ لا أشعر برغبة في الذّهاب»

«لماذا؟ هل أنتِ مريضة؟»

«لا...لا أريد ذلك فقط»

صمتت والدتها للحظات تفكّر مليّا بالأمر قبل أن تنطق رافعة كتفيها باستسلام:

«حسنا، لكِ ذلك...يبدو أنّكِ تحتاجين إلى راحة فكيف أمنعكِ عنها؟»

قفزت كيرا لحضن والدتها و عانقتها بقوّة جعلت الأخرى تبحث عن منفذ لتتنفّس

«شكرا لكِ»

ربّتت على ظهر ابنتها بخفّة و ردّت بينما تضحك:

«العفو، هذا واجبي»

༺༺༺༻༻༻

في غرفتها...كانت كيرا تجلس عند النّافذة غارقة في تفكيرها..

الأمر الّذي خطر ببالها...لقد قرأت عن هذا الموضوع قبلا و اعتبرته مجرّد خرافات و قصص خياليّة..

لكن بعد ما حدث صباحا، كان أوّل ما فكّرت به هو ذلك..

و لهذا يبدو و كأنّها تصدّق الأمر جزئيّا الآن..إذ أنّه على رأس لائحة الاحتمالات الّتي وضعتها كتفسير لما يحدث..

ربّما ستفكّر بالاقتناع به تماما..فبعد كلّ شيء حتّى ألواح الرّسم الّتي كانت تضعها في غرفتها قد اختفت..و حلّت مكانها أغراض علميّة و أوراق متعلّقة بتخصّص البيولوجيا لم تلحظ وجودها حتّى صعودها لغرفتها مرّة ثانية..

حسنا إذا..

يبدو أنّها ستقتنع بموضوع الأبعاد كونه التّفسير الوحيد و الأكثر منطقيّة بين عديد التّفسيرات الغريبة و التّافهة..

نهضت من مكانها و تقدّمت نحو الجدار حيث كانت اللّوحة لا تزال معلّقة هناك..

حملتها بيدها و عادت لمكانها تتفحّصها بدقّة..

«بيكاسو الثّاني..»

تمتمت بصوت خافت و هي تمسح بأناملها على المكان الّذي توهّج فيه ذلك الاسم ليلة أمس لتضيف بإدراك

«اللّوحة هي الّتي نقلتني لهذا البعد من دون أدنى شكّ..إن كان كذلك، فلعلّ الكثير من التّفاصيل تغيّرت..»

استيقاظ والدتها مبكّرا..و تغيّر التّخصّص الّذي تدرسه..

ما الّذي قد يكون تغيّر كذلك؟

«هل من الممكن أن يكون والدي حيّا في هذا البعد؟ لم أرَ أو أسمع شيئا عنه منذ استيقاظي...أيعقل أنّه ميّت هنا كذلك؟»

صرّحت بأفكارها باستياء و هي تفكّر في احتمال أن يكون والدها حيّا أم لا...

يبدو أنّها على الأرجح ستسأل أمّها مباشرة لاحقا..

༺༺༺༻༻༻

قضت كيرا نصف ساعة و هي تبحث بين أكوام الكتب و لحدّ اللّحظة لم تجد ما تبحث عنه..

كم قد يكون صعبا إيجاد كتاب يتحدّث عن الأبعاد؟

واصلت البحث في أحد الرّفوف حتّى وصلت لأعلاه..فحاولت الوقوف على أطراف أصابعها و مدّت يدها ناحية أحد الكتب بينما تثبّت اليد الأخرى على سطح أحد الرّفوف السّفليّة..

و قبل أن تدرك ذلك...وجدت نفسها تقع على الأرض و هي تحاول حماية نفسها بيديها من الرّفّ الّذي كان يميل ببطء و على وشك السّقوط عليها..

بضع ثوانٍ...و هي لا تزال على حالها..

و حتّى الرّفّ لا يزال لم يقع بعد..

أبعدت يديها ببطء عن وجهها للتفاجأ بما رأته..

كان ذلك الرّفّ الخشبيّ على بعد انشات قليلة عنها فقط...و لكنّه لم يتحرّك أكثر من ذلك..

لقد كان متجمّدا مكانه..

التفتت حولها بحركة سريعة لتجد أنّ كلّ من حولها متصنّمون في أماكنهم دون حراك..

هل تجمّد الوقت؟!

من دون تفكير، زحفت مبتعدة من أسفله...و فور أن أصبحت في منطقة آمنة سمعت صوت اصطدام كبير، لتستدير خلفها و تجد أنّ الرّفّ قد وقع أرضا و تناثرت كلّ الكتب في الأرجاء..

شعرت بالإحراج حينما وجدت الجميع يحدّق بها بعدم رضى..

بالطّبع سيفعلون..ففوق تسبّبها بضجيج غير مرغوب به في المكتبة، فقد أوقعت رفّا كامل مع الكتب

أحنت رأسها و قد احمرّت وجنتاها ثمّ تمتمت بصوت مسموع:

«أعتذر حقّا..سأقوم بترتيب كلّ شيء»

بعد كلماتها تلك، عاد كلّ شخص لمواصلة ما يقوم به متجاهلين إيّاها

تقدّمت كيرا من الرّفّ الضّخم و حاولت رفعه..

محاولتان..ثلاث محاولات..

و لم تستطع سوى رفعه قليلا عن مستوى الأرض..

«دعيني أساعدك يا آنسة»

لفت انتباهها ذلك الصّوت الذّكوريّ لتلتفت خلفها بسرعة و ترى شابّا طويل القامة ببشرة بيضاء، شعر أسود، و أعين سوداء كذلك يقف و هو يحدّق بها بابتسامة هادئة

لم تجد كيرا ما تقوله، فاكتفت بإيماءة خفيفة برأسها كدليل على قبولها المساعدة..

تقدّم الشّابّ من الرّفّ و ثبّت كلتا يديه أسفله ثمّ و بحركة سريعة رفعه و أعاده لمكانه كما كان قبلا..

«شكرا لك يا سيّد»

أصدر الشّابّ ضحكة خفيفة حين لاحظ أنّها تتحاشى النّظر له ثمّ نطق ممازحا و هو يمدّ يده نحوها:

«سيّد؟ تجعلينني أشعر بأنّني عجوز و أنا على الأرجح قد أكون أكبرك بسنتين تقريبا يا فتاة...أدعى إزرا»

مدّت يدها تبادله المصافحة ثمّ نطقت قبل أن تسحب يدها بسرعة:

«أنا كيرا»

«اسم جميل، تشرّفت بمعرفتك كيرا»

ابتسمت بهدوء ثمّ نطقت بامتنان:

«شكرا»

التفت إزرا و أشار ناحية كومة الكتب المبعثرة أرضا، لينطق بابتسامة عريضة على ثغره:

«دعينا نجمع هذه الكتب...هكذا سننتهي بسرعة أكبر»

أومأت كيرا برأسها قبولا ليتقدّم الاثنان و يبدآ في جمع الكتب و إعادة ترتيبها

ساد صمت رهيب بينهما لبضع دقائق كسره إزرا حينما نطق فجأة من دون مقدّمات

«كيف جئتِ إلى هذا البعد؟»

تصنّمت كيرا مكانها...و لم تقوَ على الحركة لدرجة أوقعت الكتاب الّذي بيدها ليواصل الآخر بلامبالاة

«أعلم أنّكٌ لست من هنا...أخبريني عن البعد الّذي جئتِ منه»

و أخيرا، أدارت رأسها ناحيته ببطء و علامات الصّدمة بادية على وجهها ثمّ أجابت بعدم تصديق

«كيف تعلم أنت؟ حتّى أنا لم أكن متيقّنة من الأمر»

«رأيت ما حدث عند وقوع الرّفّ...أنا لست من هذا البعد كذلك..»

لم تنبس كيرا بحرف من شدّة الصّدمة...و لم يبدُ أنّ إزرا كان متفاجئا و هو يتكلّم...و كأنّ الأمر عاديّ بالنّسبة له..

حمل هو آخر كتاب من على الأرض و أعاده مكانه ثمّ أشار لها لمنضدة قريبة منهما قائلة

«تفضّلي بالجلوس هناك لنتحدّث»

تقدّم هو ناحية المنضدة لتتبعه هي و الصّدمة لا تزال تكتسح ملامحها..

جلسا على الكراسي و كان أوّل من تحدّث كاسرا جدار الصّمت هي كيرا:

«كيف رأيت ما حدث و أنا بعينيّ شهدت على تجمّد الوقت؟»

شبك إزرا كفّيه ببعضهما ثمّ أجاب بهدوء و هو يقرّب وجهه أكثر منها:

«لأنّني مثلك تماما...لا أنتمي إلى هنا»

أخفضت كيرا رأسها محاولة الاستيعاب قبل أن تقرّر الاستسلام للواقع...حيث رفعت أنظارها مجدّدا للجالس أمامها و تساءلت بفضول

«كيف وصلت إلى هذا البعد إذا يا إزرا؟»

«أنتِ أجيبي على هذا السّؤال أوّلا لو سمحتِ..»

عقدت حاجبيها باستغراب من طلبه..فما الفرق إن تحدّث هو قبلها؟

و رغم ذلك تنهّدت بقلّة حيلة و أردفت تشرح له:

«قدّم لي معلّم الرّسم لوحة لأقوم بترميمها...و قد حدث أمر غريب اللّيلة الماضية بحيث توهّجت و لمع اسم ما أسفلها، لكنّ الوهج اختفى بعدها فعدت للنّوم، فقط لأستيقظ و قد تغيّرت الكثير من الأشياء»

فتح إزرا فمه بدهشة و قد استطاعت كيرا أن تلمح نوعا من البهجة في ملامح وجهه..

«ماذا كان الاسم الّذي ذكرته؟»

«بيكاسو الثّاني..»

«إذا مفتاح عودتي معكِ أنتِ كما توقّعت»

تمتم بغير تصديق جاعلا الأخرى تزيد من استغرابها حين نطقت بحيرة و هي تمسك برأسها من الخلف:

«أرجو منك أن توضّح كلامك قليلا»

صمت إزرا قليلا و هو يحاول التّفكير في ما إذا كان يجدر به إخبارها بالأمر أم إبقاؤه سرّا..

الأمر فيه مخاطرة..

هل يثق بها؟

«هلّا أريتني اللًوحة رجاءً؟»

«تركتها في المنزل...لكن أملك صورة لها على هاتفي، التقطتها قبل خروجي من المنزل في حال احتجتها»

ردّت و هي تبحث في جيوبها بسرعة عن هاتفها لتخرجه بعد لحظات و تبدأ في البحث عن الصّورة..

ثوانٍ قليلة حتّى مدّت له الهاتف قائلة:

«هذه هي»

أخذ إزرا الهاتف و أمعن النّظر جيّدا لكلّ تفصيل في الصّورة قبل أن ينبس و هو يشير لأسفل اللّوحة:

«قلتي أنّ الاسم لمع هنا، صحيح؟»

أومأت كيرا برأسها إيجابا ليواصل هو بارتياح

«هذا رائع حقّا! كنت أنتظر وصول شخص لهذا البعد منذ وقتٍ طويل»

لمح الحيرة تتجلّى على ملامح وجهها، و قد أكّد له التزامها الصّمت بأنّها لا تملك أدنى فكرة عن ما يقوله...لذا أضاف موضّحا أكثر:

«هذه يا آنسة كيرا هي لوحتي...هي الّتي جاءت بنا إلى هنا و هي السّبيل الوحيد لنعود إلى البعد الّذي يفترض أن نعيش فيه..»

شعرت كيرا بقشعريرة تسري في جسدها...ففكرة أنّ اللّوحة قد تكون "بوابة لبعد آخر" بدت خياليّة مهما وجدت من إثباتات على صحّتها..

«هل أفهم من كلامك أنّك أنت الرّسّام المفقود؟ بيكاسو الثّاني؟!»

«أجل»

أمسكت كيرا رأسها بكلتا يديها من الصّداع الّذي ضرب رأسها على حين غرّة و ظلّت تصارع أفكارها المتضاربة تحت أنظار إزرا الّذي اكتفى بالمراقبة بهدوء إلى أن هدأت و عادت لحالتها الطّبيعيّة..

«كيرا، ستساعدينني صحيح؟ لأجلك قبل أن يكون لأجلي...حتّى نعود لبعدنا الأصليّ»

ظلّت تحدّق به بصمت غير قادرة على اتّخاذ قرار بشأن الموضوع، لذا واصل مترجّيا:

«أنتِ لم تختفِ من البعد الآخر، فلا تزال هناك نسخة منكِ هناك...و لكن أنا..لقد اختفيت تماما و لا نسخة تعوّض غيابي»

أمعنت كيرا التّفكير بكلماته هذه...و لا أبالغ إن قلت أنّ معرفتها بوجود نسخة مكانها قد بثّت في نفسها راحة كبيرة...و في نفس الوقت، مشكلة إزرا ليست بسيطة إطلاقا..

«حسمت أمري...سأساعدك»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الرسام المفقود

المؤلف _aerithra_
2025/10/31 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة