بدأت صباحي في انتظار زينة للذهاب معًا إلى مقابلة العمل المنتظرة في القصر الكبير. كنت أشعر بمزيج من الحماس والقلق. القصر كان يبدو وكأنه جزء من قصة قديمة، لا يمكن التنبؤ بما يخفيه من أسرار. بعد فترة ليست طويلة، وصلنا إلى القصر. وقفنا أمام بوابته الحديدية الضخمة، وخرج حارس الأمن لاستقبالنا. كانت نظراته غريبة، ولكن لم أشك في شيء آنذاك. أدخلنا الحارس إلى البهو الواسع للقصر، حيث كانت هناك أجواء غامضة تعم المكان. بينما كنا نسير داخل القصر، شعرت بأنفاسي تتسارع. في أحد أركان البهو، قابلت امرأة سمينة الجسم، بغيضة الشكل، وسمراء اللون. كانت تنظر إليّ بغضب شديد، ونظراتها أثارت الرعب في داخلي. حاولت تجاهلها، ولكن تلك النظرة لم تفارق مخيلتي. "من تكون هذه؟" سألت زينة، مشيرة إلى المرأة التي كانت تقف في أحد أرجاء القصر. نظرت زينة نحو المكان الذي أشرت إليه، لكنها لم ترَ شيئًا. "ما بك، سالين؟ اليوم لستِ بمزاجٍ رائق. ربما كنتِ تتخيلين." أجبتها بنبرة غير واثقة، "نعم، أظن أنني لم أنم بما يكفي." أخيرًا، وصلنا إلى الغرفة التي كانت تنتظرنا فيها السيدة العجوز، صاحبة القصر. "أهلاً بكم في قصر آثليت. أنا آثليت، من فضلكم عرّفوني على أنفسكم." كانت السيدة آثليت تتحدث بابتسامة جميلة تزين ثغرها، وكانت تبدو كأنها من طبقة راقية. جمالها الأخاذ وأناقتها جعلتني أنسى للحظة الشعور الغريب الذي سيطر عليّ في بداية زيارتنا. كانت ترتدي فستانًا قصيرًا يصل إلى ركبتها، وشعرها مصفف بتسريحة جذابة. كنت متأكدة أنني لن أنسى هذا المظهر أبدًا. بعد تقديم أنفسنا، بدأت السيدة آثليت بطرح بعض الأسئلة البسيطة التي لم يكن لها علاقة مباشرة بالعمل. ربما كانت تحاول معرفة شخصياتنا أو اختبار مدى توافقنا مع روح القصر. "أنا سعيدة جدًا برؤيتكم. أتمنى أن أراكم مجددًا قريبًا." قالت السيدة آثليت وهي تودعنا، مضيفة أن الاتصال بنا سيتم قريبًا لتحديد خطواتنا التالية. في طريق العودة، كانت زينة تثرثر بحماس عن القصر وعن رغبتها في العيش فيه أو على الأقل أن تصبح مثل السيدة آثليت عندما تكبر. "فعلاً، مدام آثليت في غاية الجمال والرقي." قلت بزفرة، مستمتعة بالحديث الخفيف بعد التوتر. "جميلة وراقية فقط؟ ألم تلاحظي صوتها الناعم ورقتها في الحديث؟" قالت زينة بابتسامة عريضة. ضحكت، "نعم، لقد كانت مدهشة. لا يمكنني إنكار ذلك." وصلنا أخيرًا إلى المنزل، وودعت زينة. قضيت بقية الليلة وأنا أحدث أمي عما جرى في المقابلة. كنت مشدوهة بتفاصيل القصر وتلك المرأة الغامضة. **الفصل الثاني: رسالة غير متوقعة** في صباح اليوم التالي، استيقظت على صوت جرس الباب. ركضت لأرى من الطارق. "سالين، هذه رسالة وصلت اليوم." "رسالة؟!" فتحت الرسالة بلهفة وقرأت الكلمات المكتوبة بعناية: "كيف حالك، سالين؟ أود أن أخبرك أنه تم قبولك في العمل في قصر آثليت، وأن تأتي في تمام الساعة الثامنة لتستلمي عملك." كانت الرسالة موقعة من آثليت. شعرت بمزيج من الحماس والارتباك. "من تكون هذه المرأة التي تدعى آثليت؟" سألتني أمي، وهي تحمل بعض السخرية في صوتها. "هذه هي صاحبة القصر الذي سأعمل فيه." ضحكت أمي، "أهذه هي المرأة العجوز؟ يبدو أنني أنا العجوز الحقيقية هنا." على الرغم من سخريتها، شعرت ببعض الشك. كيف لم يخطر ببالي أننا سنعتني بعجوز تبدو في صحة جيدة؟ ولكنني لم أعر هذا الأمر اهتمامًا كبيرًا، معتقدة أن هناك تفسيرًا بسيطًا. وصلت إلى القصر في الوقت المحدد، وقابلت زينة هناك. جلسنا مع السيدة آثليت التي شرحت لنا ماهية العمل. كان العمل يتضمن تنظيم البيت والعناية بحديقته، وأمور أخرى تبدو بسيطة نسبيًا. كانت السيدة آثليت تحثنا على الاستمرار في العمل بتفانٍ. فجأة، سمعنا أصواتًا عالية في الطابق الأرضي. نزلنا لاستكشاف ما يحدث، ووجدنا شابين وثلاث نساء يقفون في المدخل. "كيف يمكنني مساعدتكم؟" سألت زينة. أجاب أحدهم، "نحن هنا للقاء مدام آثليت بشأن الوظيفة الجديدة." ابتسمت آثليت وهي تستقبلهم، "أهلاً، أهلاً. تفضلوا معي." نظرت إلى زينة بدهشة. "كم هو عدد الموظفين المطلوب لهذه الوظيفة؟" بعد فترة قصيرة، خرجت المجموعة من غرفة الاجتماع. اكتشفنا أنهم جميعًا سيقومون بنفس العمل الذي كنا قد قبلنا فيه. لم أعطِ الأمر اهتمامًا كبيرًا، فقد افترضت أن القصر ربما يحتاج إلى عدد كبير من الموظفين. في اليوم التالي، بدأت أنا وزينة عملنا في إحدى غرف القصر. بينما كنت أرتب بعض الأشياء في الغرفة، ظهرت المرأة التي رأيتها في اليوم الأول مرة أخرى. ولكن هذه المرة، كانت تبدو أكثر وضوحًا واقتربت مني بخطوات ثابتة. شعرت برعب شديد، كأنها كانت تسعى لإيذائي. حاولت أن أنادي زينة، ولكنها لم تسمعني. كان الأمر وكأنني في عالم موازٍ. اقتربت المرأة أكثر، وعيناي متسعتان برعب لا يمكن وصفه. رفعت يديها نحو عنقي وبدأت في خنقي. حاولت الفرار، ولكن قبضتها كانت قوية. شعرت بقلبي يكاد يخرج من صدري، واستسلمت للموت المحتوم بين يديها. لم يكن هناك مهرب، ولم يكن لدي سوى الاستسلام لما يبدو أنه نهايتي كان الظلام يبتلع كل شيء حولي، وتسلل اليأس إلى أعماقي، يخبرني بأن لا سبيل لي للعيش بعد الآن. شعرت بثقل لا يُحتمل في صدري وأنا أحاول فتح عيني ببطء، فقط لأجد نفسي محاطة بالظلام، كما لو أنني أعيش في كابوس لا نهاية له. أخذت أستجمع شجاعتي وناديت بصوت مبحوح: "زينة! زينة!"، آملاً أن يجيبني أحد، أن ينقذني أي شخص من هذا الرعب الذي أنا فيه. لكن المكان كان صامتًا، صمتًا يجعل الرعب يتسلل إلى عظامي. بخطوات متعثرة، بدأت أتجول في أرجاء المكان، قلبي ينبض بقوة وأنا أتلمس طريقي في هذا الظلام الدامس. فجأة، رأيت شخصًا في نهاية الممر، امرأة ذات وجه مقيت لم أستطع إلا أن أكرهه يوماً بعد يوم. كانت تقف هناك، صامتة، تراقبني بنظرات مليئة بالغموض والخطر. دون تفكير، ركضت نحوها، الغضب والخوف يتصارعان في داخلي، محاولًا إيذاءها بأي وسيلة. لكن كل محاولاتي باءت بالفشل. كانت واقفة بلا حراك، تنظر إليّ بتلك النظرات التي جعلتني أشعر بالرعب أكثر فأكثر. وفجأة، تحركت. صوتها الأجش يخترق السكون، قالت: "ما بكِ يا فتاة؟ أنا جئت هنا لأجلك. أحذرك من القيام بأي شيء في هذا المنزل. أنا هنا كحراسة، لمنعكِ من اقتراف أي خطأ. إذا كنتِ ترغبين في معرفة المزيد، فأهلاً بكِ في عذابي. أنا أعلم أنكِ كائن فضولي، جئت أحذرك قبل فوات الأوان. إلى اللقاء، سالين." كانت كلماتها كأنها صفعة على وجهي، لم أتمكن من الرد. وفي لحظات قليلة، اختفت عن ناظري، تاركة خلفها غبارًا يتطاير في الهواء. شعرت بالأرض تهتز تحت قدمي، بعنف يجعلني أرتجف. ثم فجأة، كل شيء اختفى. وجدت نفسي أستيقظ، كأنني كنت في غيبوبة، ولكن الشعور بالخوف لم يزل يسيطر عليّ. لم يكن ما حدث مجرد حلم. كان شيئًا حقيقيًا، شيئًا ينبض بالحياة في ذلك الظلام. في لحظة يأس مطلق، شعرت بالهواء يعود فجأة إلى رئتي، وتلاشت قبضتها. اختفت المرأة وكأنها لم تكن هناك أبدًا. سقطت على الأرض، محاولة التقاط أنفاسي، وكانت الدموع تسيل على وجهي. كانت زينة تقف بجانب السرير، تتنفس بقلق واضح، وهي تحاول إيقاظ صديقتها سالين من إغماءتها. كانت ملامح الخوف ترتسم على وجهها بوضوح، في تلك اللحظات التي تلت سقوط سالين مغشية بينما كانتا تعملان في القصر القديم. شيئًا فشيئًا، بدأت سالين في فتح عينيها، شعرت لوهلة وكأنها في قبر مظلم، لكن الواقع كان مختلفًا. كانت مستلقية على سرير قديم، تحيطها جدران الغرفة المظلمة وزينة تحدق بها بملامح مليئة بالقلق. استفاقت سالين ببطء، وبدأت تروي لزينة ما حدث لها في تلك اللحظات المرعبة. "لقد كانت هنا، أقسم لكِ، رأيتها بعينيّ. كانت تحاول خنقي، ناديت عليك مرارًا وتكرارًا، لكنك لم تأتي لإنقاذي." تجمدت ملامح زينة عند سماعها حديث سالين، وكأنها لا تصدق ما تسمعه. بدت وكأنها تعتقد أن صديقتها قد جنّت، لكن سالين كانت واثقة بكل كلمة قالتها. "سالين، لا يوجد شيء حولك. لقد كنتِ فقط متعبة وسقطتِ مغشية. كنا نتحدث فقط، لا شيء آخر." عقدت الدهشة حاجبي سالين. "نتحدث؟!" كيف يمكن أن يكون ذلك؟ كانت تتذكر بوضوح أنها لم تتحدث مع زينة، بل كانت تعمل وحدها. لكن زينة كانت تؤكد أنها كانت تتحدث معها طوال الوقت. تركَتْ زينة الغرفة ببطء، طالبة من سالين أن تستريح، معتقدة أنها مرهقة من العمل. قررت سالين في نفسها أنها لا تستطيع البقاء في هذا المنزل المخيف، حتى لو كلفها ذلك حياتها. ذهبت لمقابلة مدام آثليت، المسؤولة عن القصر، لإخبارها بقرارها. لكنها صُدمت من رد فعل آثليت. تحولت ملامح مدام آثليت بشكل مخيف، وبدأت تحدق في سالين بعيون مليئة بالشك، وكأنها تدرك شيئًا خطيرًا. "ممنوع الخروج من العمل بدون سبب وجيه." ردت سالين بحزم، "أنا لا أشعر بالراحة هنا، وأريد ترك العمل." بدأت مدام آثليت تدور حولها بنظرات حادة، وكأنها تصطاد فريسة. "لقد وقّعتِ على ورقة الالتزام بالأوامر، لا يمكنك المغادرة." نظرت سالين إليها بريبة. "هل تهددينني؟" رفعت مدام آثليت كتفها بتحدٍ، وأجابت بصوت بارد، "الورقة تحتوي على شرط جزائي، ووقعتِ عليها." شعرت سالين بالصدمة. لم تكن تتذكر وجود هذا الشرط في الأوراق. طالبت بمراجعة الورقة، وعندما أظهرتها مدام آثليت، كانت توقيعها موجودًا بالفعل. أمرت مدام آثليت سالين بالعودة إلى عملها، وخرجت سالين من الغرفة غاضبة، تقفل الباب خلفها بقوة. كان الشك يتغلغل في عقل سالين. لم تكن متأكدة مما يجري في هذا المنزل، لكنها الآن عازمة على اكتشاف الحقيقة. بنظرات مدام آثليت المليئة بالكذب، تأكدت سالين أن هناك شيئًا غامضًا يجب أن تكتشفه. في الوقت نفسه، كانت زينة تجلس مع مجموعة من الموظفين الجدد في القصر، تحاول معرفة المزيد عنهم وعن وظائفهم. سألت الفتاة التي تجلس أمامها، والتي تدعى حوراء، "ماذا جاء بكِ إلى هنا؟" ردت حوراء بابتسامة مرحة، "قرأت الإعلان عن الحاجة لموظفين. ظننت للحظة أنهم يريدون شخصًا واحدًا للمساعدة في الأعمال، لكني اكتشفت أنها سيدة صارمة جدًا، الله يعيننا عليها." ضحكت حوراء بصخب، وهي تتذكر تجربتها مع مدام آثليت. نظرت زينة إليها، مفكرة في مدى صحة كلامها. "هل تعرفين من يكونون؟" سألت زينة. هزّت حوراء كتفيها بلامبالاة، "لا أعرف، قابلتهم فقط عند البوابة." بدأت مريم، إحدى الفتيات، بالتعريف عن نفسها وعن الآخرين. كان هناك مريم وإسراء ونوح ويونس، جميعهم في منتصف العشرينات. ** شعرت سالين بحزن شديد، محاصرة في مأزق لم تتوقعه. كانت تتذكر وعد زينة بأنهما سيتركان العمل فور حدوث أي شيء غريب، لكن ها هي الآن تواجه شرطًا جزائيًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. صعدت السلم متجهة إلى زينة التي كانت تجلس مع الشباب الجدد. روت لهم ما حدث معها، محذرة من الجزء المتعلق بالمرأة المخيفة، حتى لا يعتقدوا أنها مجنونة. نوح، أحد الشباب، قال بدهشة، "يا للهول! لقد وقعنا في ورطة كبيرة. كيف لم ألاحظ هذا الشرط في الأوراق التي وقعت عليها؟" هزت سالين رأسها موافقة، ورأت القلق في عيونهم جميعًا. في تلك اللحظة، سُمعت خطوات مدام آثليت بنعالها العالية على الأرضية السيراميكية، وهي تنادي بصوتها العالي، "ما بكم جميعًا؟ لماذا أنتم جالسون حتى الآن؟ كلٌ منكم يتجه إلى عمله وإلا سيخصم من مرتباتكم." ألقت مدام آثليت جملتها بلغة عربية فصحى مشوبة بلكنة نتيجة إقامتها الطويلة في بريطانيا. تساءلت إسراء، "أنا لا أفهم، كيف لنا أن نعتني بها وهي هكذا؟" بعد دقائق قليلة، اتجه كل واحد منهم إلى عمله المخصص. كان توزيع العمل كالتالي: سالين وزينة في الطابق العلوي من المنزل، مريم وإسراء في الطابق الأرضي، ونوح ويونس في الحديقة الخارجية للقصر، وحوراء في غرفة مدام آثليت. كان الجو هادئًا تمامًا، حتى انطلق صراخ عالٍ من الطابق السفلي... ______________________________________ في هدوء القصر الغامض، تمزق صمت المكان صوت صراخ عالي هزّ الجدران الحجرية. كانت مريم، تلك الفتاة الشابة التي كُلفت بالعمل في الطابق السفلي، تصرخ بحدة، صوتها يتردد في الممرات مثل نداء مستغيث. هرع الجميع نحوها، قلوبهم تخفق بالقلق والخوف، غير مدركين ما قد يكون السبب وراء هذا الصراخ المرعب. عندما وصلوا إلى الطابق السفلي، وجدوا مريم واقفة في زاوية مظلمة، عيناها مفتوحتان على مصراعيهما بصدمة، تشير بيدها المرتعشة إلى شيء ما في الظلام. كانت تحاول التحدث، لكن الكلمات كانت تعجز عن الخروج من فمها. وأخيراً، استطاعت أن تنطق بصوت مختنق، "جثة...! جثة...!" لم تتحمل مريم مشهد الرعب أمامها، فسقطت مغشية على الأرض، تاركة الجميع في حالة من الذهول والرعب