"والان، عليّ الذهاب لوسط المدينة لأحضر لكنَّ طلباتكنّ يا آنسات."
ظهرت غمازتها اليسرى وهي تبتسم نصف إبتسامة لتلك الأزهار على حواف سور النافذة
خرجت من المنزل الكبير، الذي لا يوجد فيه سواها وسوى مجموعتها من النباتات و الأزهار وبالخارج بعض الأشجار بجميع الأحجام.
ورائحة الرياحين المنعشة تفوح فى أرجاء المنزل بأكمله كرفيق عمر أو حبيب سابق وأصوات الطيور المنتشرة فى المنطقة مع خرير الماء العالي تدل على وجود معالم طبيعية قريبة جداً من المنزل.
أمسكت بحقيبتها للمغادرة، واستوقفها مشهد السيارة المركونة بجانب المنزل المجاور لمنزلها، مما أثار غيظها، لكنها سرعان ما استعادت ثباتها وتجاهلت الأمر.
ظلت تسمع صوت خطواتها مع صوت الطبيعة كانغام تطرب أذنها حتى ظهرت سيارتها من بعيد مركونة فى المكان مخصص لها.
استقلت سيارتها وتوجهت إلى المدينة المليئة بالصخب والفوضى والازدحام البشري الذي يثير استفزازها، تمتمت غاضبة:
"أتعلمين "باربرا" ما هو المشترك بينك وبين النملة في فصل الشتاء؟"
اصطدمت سيارتها الصغيرة بأخرى تفوقها حجماً مصدرة صوتا مزعجاً، لتكمل:
"الحظ العاثر."
صرخ سائق السيارة الذي يبدو جيداً بأنه يعمل كسائق لآخرين يجلسون بالداخل وصوته الخشن يعلو، يلعنها ويلعن معارفها بالتساوي.
لكنها لم تعره أهتماماً بل ظلت تحدق بالأفق تنتظر تحركه حتى تبدأ بالتحرك هي الأخرى.
تحولت الإشارة إلى اللون الأخضر وبدأت جميع السيارات المتوقفة بتحرك، بما فى ذلك سيارتها، مما أعطاها الفرصة لتدقيق فى لوحة الإعلانية التي ظهرت فجأة بطول وعرض يبعد منظر طيور الحمام المنتظمة والسماء الزرقاء الواسعة.
كانت ستلعن شئ يفسد عليها لحظة كهذة، لولا أن عينيها أبحرت بين كل تفصيله من شخصه، ذلك الذي احتل الإعلان بردائه الابيض، ليس كطبيب، بل كـ طاهى.
فكان يتميز بعينان عسليتان وشعرا اشقر، نعم كان ذلك ما يميزه، عدا ذلك فلا يوجد، فـ ملامحه لم تكن ذات مستوى عال من جمال.
كـردة فعل سريعة، استعادت ثباتها وألقت تركيزها علي الطريق، حتي لا تكرر خطأها السابق وتتوجه إلى وجهتها بسلام، من أجل النباتات، فأن السبب الوحيد الذي جعلها تترك فردوس نباتاتها وتأتي إلي جحيم مدينتهم، هو مبيدات الآفات.
دخلت متجر من متاجر بيع مستلزمات الزراعة، ثم أحضرت ما أتت لأجله ودفعت حسابها وخرجت، ولكن من إن نظرت خلفها حتى وقعت عينيها على بذور صغيرة الحجم يبدو أنها تحتاج إلي عناية خاصة عند زراعتها، شكلها مستدير ولونها بني.
اشترت منها، فهي لا تستطيع مقاومة "ملك الزهور" إنه الفل، المحبب لقلبها يصاحبه "الياسمين" المزروع فى كل ركن فى منزلها، حاولت الخروج من المتجر دون إنفاق راتبها الشهري بأكمله، لكنها فشلت، ما إن تلمح نوعًا من الأزهار مثل "الجوري والزنبق" اللذان تستخدمها عادة فى الزينة تحديداً داخل أروقة المنزل، وقعت عينياها على أخرى، فلم تكن سوى، سواها زهرة "النرجس"، تلك التي لم ترغب ابدا فى رؤيتها.
وأما أزهار مثل "الخزامى والقرنفل والبنفسج" فقد تستطيع أن تشم رائحتها النفاذة بمجرد أن تقترب من حديقة منزلها.
ولا أحد الأزهار كالـ"زعفران" المحظوظ فهو قد يكون الوحيد الذي يصل إلى أعماق مطبخها، لا بل يصل إلي اطباق طعامها.
خرجت من المتجر بعدما أنفقت نصف الراتب، وضعت الأكياس داخل السيارة ثم تنهدت بتعب، لا تستطيع كبت جماحها فى شراء كل ما يخص اعزائها النباتات، إنه شغفها الوحيد.
عادت لمنزلها بهدوء وروتين حتي أنها ألقت نظرة على سيارة الصباح فوجدتها مازالت بمكانها، أمام المنزل المجاور، كانت تمسك بالأكياس بيديها الإثنين وأستطاعت الوصول للباب ولم تستطيع اخراج المفتاح، بالتأكيد لو كان أحد بجانبها..؟ لا من المستحيل أن تطلب مساعدته.
لأن "باربرا" ليست من ذلك النوع، فـوضعت الأكياس برفق شديد على عتبه السلم، ثم فتحت باب منزلها بمساعدتها هي، ليس غيرها قد يساعدها فى يوما من الأيام.
إنها لها و"باربرا" ليس لها سوى "باربرا" منذ زمن طويل جداً قد يقارب الثلاث سنوات.
_______________حـديقة بـاربـرا👀🤍__
خرجت لتطمئن على صديقتها الوحيدة إنها حديقتها، الأثمن و الأقرب إلى قلبها، كل عائلتها بما أنها بلا عائلة، كل أصدقائها، وبملء اختيارها أختارتها، إنها الجميع، كشخص واحد تلخص فيه العالم بأسره ليصير أقرب لقلبك من ضلوعه وشرايينه واوردته.
كانت الحديقة تعج بالأشجار الضخمه والشجيرات الصغيرة أما الورود فكانت ثلاث "الخزامى والقرنفل والبنفسج" وبنفس الترتيب يرتصون وروائحهم منها المهدئه والمريحة، خفيفة على القلب، ومنها ما أشبه برائحة التوابل حارة المركزة.
وبين التمشى هنا وهناك، اقتربت من سور الذي يفصل بينها وبين المنزل المجاور، لم يكن السور طويلاً بل قصيرا، حيث كانت ترى ما تريد أن تراه من أنوار مضاءة وتلك السيارة عند باب المنزل.
"باربرا" لم تهتم كثيراً وقررت أن تعود إدراجها، لكن أوقفها صوت لشابً كان يتحدث وهو يقترب من السور.
"اهلا يا انسة .."
ثم صمت وهو ينظر إليها، لعيونها البنية وشعرها المجعد المربوط بربطة خضراء اللون، أكمل بغزل يبرع به:
"تبدين كزهرة من حديقة مثل حديقتك، تفوحين عطرًا وجمالًا."
إنه هو، لم تصدق فى بداية الأمر ولكنه هو، هو ذلك الطاهى صاحب الإعلان فى المدينة المزعجة، تذكرت أنه كان يُدعى "دانيال".
لم تكترث لغزله أكثر مما أكترثت لعروق يديه البارزة، تبدو جميلة، ثم حان الوقت لاستيعاب غزله.
شملته بنظرة تعبر فيها عن أشمئزازها وأزدراءها منه، ثم أعطته ظهرها وأهتمت بـورودها تحت نظراته لبضع دقائق، من ثم تركها وهو يتساءل ما حصل لتو؟.
_______________حـديقة بـاربـرا👀🤍__
مر يوم وفى اليوم التالى أستيقظت مع أشعة الشمس التي تزعجها مثل ذلك الطاهى "دانيال" الذي عد ساكناً جديدة منذ الأمس، أمر واقع عليها تقبله.
خرجت لتطمئن على أزهارها ككل صباح وقادتها قدمها حتى ذلك السور الفاصل، فرأت ما أثار صدمتها.
إنها نباتاتها.. إنها شجيراتها.. كيف فعلها ذلك الوغد؟.. كيف طاوعه قلبه فـفعل بهن هكذا فعل؟
كان قد مر ذلك الوغد من السور ودهس أحدى نباتاتها، أنها نبته مسكينة، صغيرة، وحيدة، ليس لها معين غير "باربرا".
جلست بصدمة واحتضنت نبتتها وأقسمت على الانتقام.. وكان المشهد أكثر سخافة، فحرصًا على قلوب ذوي الأمراض، نكتفى بهذا القدر.
كان آخر ما ترغب فيه هو رؤية وجه "دانيال" بعدما فعل فعلته الشنيعة، فقد تقتله، لمَ قد نستبعد ذلك؟
ظهر بشعره الأشقر المستفز، من منزله المستفز، وضحكته المستفزة، بنظرها، لكنه فى الحقيقة خاطبها بشيء من اللطف:
"ما بكِ تقفين هكذا؟"
صرخت فى وجهه:
"ما بي؟ ما بي؟! ألا تعلم ما بي؟"
ظن أنها تعاني من خلل عقلي أو ما شابه.
رد قائلاً:
"نعم، لا اعلم ما بكِ، ولهذا سألتك.'"
عدّت من واحد إلى خمسة بسرعة، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتحدث:
"سؤال واحد؟."
عادت الى الصراخ:
"كيف تجرأت وخاطرت وأقدمت على خطوةٍ متهورة كهذه ودخلت حديقتي العزيزة؟"
وقبل أن يجيب أكملت:
"هيا قُل، أليس لديك قلب؟ لا يتوفر لديك الضمير؟ .. كيف حظيت بالنوم؟ أأنت قاتل؟ سفاح؟"
شهقت بقوة حتى صار صدرها يعلو ويهبط من شدة الغضب:
"أأنت تطبخ اللحوم البشر؟ أأنت طاهٍ سفّاح؟ أجل بالتأكيد، قد رأيت امرأ مشابها، كيف ستقابل ربك ياقاتل؟"
ثم عادت لصراخ:
"هيا أجبني، ياساقط يامهترئ الفكر."
علق ساخرًا على كل ما سبق:
"مهترئ الفكر؟"
وقبل أن تتحدث قاطعها هو هذه المرة:
" اصمتِ، لا تتحدثِ فقط لا تتحدثِ."
تجمعت الدموع فى مقلتيها، وأوشكت علي المغادرة، فأوقفها وهو يقفز فوق السور برشاقة، ويخطو الى حديقتها مرة أخرى.
"ماذا تظن نفسك فاعلا؟"
صرخت فيه لكن "دانيال" لم يستوعب، أين الخطا؟ فأشارت الى الزهرة "القتيلة":
"هل تظن أنني سأسمح لك بفعلها مجددا؟"
"آه .. أنا أسف، قد دهستها، دون قصد بالأمس."
لم تهتم أبدًا بأنه دخل حديقتها دون إذنها، كل ما كان يشغل بالها هو: كيف ينام ذلك الرجل فى سريره ليلًا بعد أن يقتل النباتات؟ والأسوأ: كيف يعتذر منها وكأنه يتوقع أن تسامحه؟
قاطع شرودها:
"كيف استطيع تعويضك؟"
"أنظر إلى فوق، أترى كم يبعد عنا القمر؟ إن لم تغرب عن وجهي الآن، فبضربة واحدة سأرسلك إليه."
ابتسم "دانيال" باتساع ثم رفع يديه ليهذب لحيته الشقراء:
" القمر؟ يا له من قمر! إنه لأجمل قمر رأته عيني."
"اغرب عن وجهي، فأنا الآن ابحث عن حق نباتاتي، ولا أستطيع طرد فكرة ذبحك كالدجاج عن راسي."
"أجمل حبّ هو الذي نعثُر عليه أثناء بحثِنا عن شيء آخر."
"ماذا؟ ما هذا؟"
غمز لها بعبث:
"مقولة -أحلام مستغانمي- تعلمين."
حاولت كتم أبتسامتها:
"ما أعلمه أنك تحاول استغلالي كأمراة لتُغطي علي جريمتك."
هز رأسه بأستياء مصطنع:
"لقد كُشف امري."
أغمضت "باربرا" عينيها:
"وقد نجحت فعلا."
بدت معالم اليأس على وجه "دانيال" فرفع شفته العليا بشفته السفلى لتحاذي انفه، ثم قال متذمرا:
"وبما أنكِ تبدين لى بعقل طفلة ولم أكن أظن أنني قد أفعلها يوماً، علي الإطلاق."
مد يده للمصافحة وبأبتسامة لطيفة أظهرت إعجابه:
"أصدقاء؟"
نظرت داخل عينيه العسليتين وهي تعلم ما معنى تلك النظرة والتردد داخلها يجبرها على الرفض:
"انسَ ايها الطاهً."
أوقفها "دانيال" مرة أخرى قبل أن تغادر:
"لماذا؟"
حركت رأسها لتلتقي بنظراته، ثم قالت بأبتسامة:
"كل ما في الأمر، أنني لا أثق بنتائج القرارات السريعة، والشعور بـ "غير واثقة" تحديداً يأتينا من بعده ندم، فلا أستطيع أن أعطيك الموافقة."
أفترقا، دخلت "باربرا" منزلها، بينما عاد "دانيال" أدراجه إلى حديقة منزله، وظل كلا منهما يفكر فى محادثتهما، لأن كليهما بعيدين عن المدينة، عن العائلة والأصدقاء، عن المجتمع والناس، حيث يسكنان قرب الغابة، ليس هناك الكثير ليشغلهم، حتى "دانيال" الطاهي المشهور، صار يجد الكثير من الأيام المملة منذ أن بدأ وسكن بذلك المنزل.
وظلا يفكران فى ذلك الموقف حيث مرت أيام وأيام دون أن يتحدثا، أما عن إعجاب "دانيال" فقد شعر بأنه يزداد، لم تكن "باربرا" تُمثّل مواصفات فتاة أحلامه أبدا، كان فقط يكفيه كونها تفكر بنفس طريقته، أن المدينة مزعجة.
واصل هو تقديم الوصفات والابتكارات، وظهر على التلفاز كعادة له وظلت هي تتابعه وتنتظره لتراه وتُشغل عقلها به كعادة لها.
حتى أتى اليوم الذي ظهر فيه "دانيال" مجدداً وهو يطرق بابها وكأنه يطرق حياتها بضربات متساوية يفسد متعمدًا هدوئها وسلامها.
فتحت الباب له ووضعت يدها اليمنى على خاصرها بأستغراب، فشملها بنظرة من بداية شعرها المجعد المربوط بربطة خضراء اللون وملابسها المنزلية الفضفاضة والمُهمله حتى قدميها وخفها المنزلي.
لم يترك لها مساحة للحديث حيث قال فجأة بأبتسامة:
"حسنا إن لم توافقي على صداقتي سـ أفسد لكِ تلك الحديقة، الجميلة، العزيزة، الغالية."
شمرت أكمامها بهدوء غريب قائله:
"أنت من أخترت، لنصنع من الطاهي، سلطة لذيذة."
ضحكت ضحكة شريرة، لتتسع عينيه قبل أن يقرر الركض، نحو الحديقة:
"تبدو كمجنونة، كسفاحة الآن، ما الذي فعلته بنفسي."
لحقت به وهي تصرخ بشر:
"أيها الطاهي، ألا ترغب في تذوق طعامي، دعني أعد لك أفضل سلطة من لحوم البشر قد تتذوقها في حياتك."
_______________حـديقة بـاربـرا👀🤍__
"الحب؟."
"ربما لا تعلم شيئا عن الحب، ولكن، ألا تشعر أحيانا بالدفء داخلك؟"
يتبع..
ما رأيكم بالفصل الأول؟
بالشخصيات؟
عرفت اوصل لكم المشهد؟
حابين الفصل يطول أو يقصر عن كدا؟
عندكم اي تعليقات على السرد؟
أشوفكم قريباً🤍.
ساندي السريانِ