طرقٌ عنيف على الباب قطع سُباتي بعنف. قفزت من السرير إلى الأرض كأنني في عرضٍ بهلواني.
"ما اللعنة، يا أحمق! هل تتعرض للاختطاف؟!"
"فقط انهضي قبل أن أحطم هذا الباب. أمي نادتك مليون مرة، رأسي سينفجر!"
يبدو أن صباحي مصمم ليكون كارثيًا. بدأت بكابوس عن وحوش تلتهمني، وانتهيت بأخي يسقطني أرضًا بصوته المزعج.
وقفت، نفضت ملابسي بلا سبب واضح. لماذا أفعل هذا أصلًا؟ تنهدت وأنا أرمق التقويم المعلّق على الحائط... رمشت. رمشت مجددًا. ثم تجمّدت.
غدًا؟ غدًا؟!
موعد رحيلي للحياة الجامعية! لأول مرة أدرك أهمية النظر في التاريخ. شعرت كأن قلبي انكمش من التوتر.
سحبت نفسي إلى الحمّام وفتحت الماء الساخن. احتجت إلى لحظة هدوء. فكرة أن أعيش وحدي تُربكني. أن أواجه وجوهًا جديدة، وأحاول أن أندمج... ماذا لو لم أتقبّلهم؟ ماذا لو لم يتقبّلوني؟
أنا أعاني من مرض اخترعته بنفسي: رُهاب العالم الخارجي. ثقتي في الناس؟ تحت الصفر.
أنا فتاة تخرج من الثانوية بنظاراتٍ سميكة وملابس توحي بأن جدتي اختارتها لي. ما المميز في هذا؟ لا شيء... لا شيء على الإطلاق.
أغلقت الماء، لفيت المنشفة حول جسدي، ووقفت أمام المرآة. أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت إلى انعكاسي:
"أنتِ فقط ستذهبين هناك، تدرسين، وتحافظين على المنحة. الناس... مجرد ناس. لا تهوّلي الأمور."
صفقت لنفسي بخفة، ارتديت ملابسي، وفتحت باب الغرفة بثقة مصطنعة... ثم سقطت على وجهي.
"أوووتش!"
حدّقت في الفازة التي اصطدمت بها. "فازة غبية... سأرميكِ من فوق برج إيفل حين أزوره."
آه، نظارتي... نسيت نظارتي، من الجيد أنني سأستبدلها بعدسات .
عاد وليد خلف باب الغرفة
"ما رأيك أن نقدّم طعامك في الغرفة يا سيدة النبلاء؟" قال وليد ساخرًا.
"وليد، اصمت... أنت وصباحك."
"إياس، والدك ينتظرك بعد الإفطار." قالت أمي من المطبخ.
"علم وسينفذ."، تنهدت. استعدي لمحاضرة مطوّلة عن الحياة الجامعية.
"أوه، فتاة الجامعة! ستتركينني وحيدًا في جحيم الثانوية؟"
"أتمنى أن تتعفن فيه، بسلام."
"ألفاظكِ، يا إياس!" صاحت أمي.
"هل ستذهبين للتسوّق من أجل المستلزمات؟" سأل وليد بحماس طفولي.
"بدونك." اختصر ردي كل شيء... وقتل حماسه في لحظة.
"هذا ليس عدلًا! لا يمكنك اختيار ملابس الجامعة وحدك. ستشترين ستائر وتلفّينها على جسدك كعادك!"
"مستر خبير الأزياء، ماذا تقترح؟" قلت وأنا أسند وجهي إلى كفيّ.
"ملايين التنانير... مئات النظارات... آلاف الفساتين المنقوشة!" قالها كأنه يعلن عن حملة تخفيضات.
"هل أنت أخي؟ أم أنك بدأت تتقمّص دور عشيق وهمي؟ سأذهب إلى أبي الآن، ثم أبدأ التخطيط."
"أنا لن أطيل الحديث يا ابنتي." قالها أبي، وأنا جالسة أمامه منذ ثلاث ساعات... يبدو أن هذا اختصار بالنسبة له.
"شكرًا، أبي. فهمت كل شيء. أعلم أننا نمر بظروف صعبة، وسأحافظ على المنحة. أعدك. وسأهتم بنفسي. فقط... ثق بي."
"خذي النقود التي تركتها لك مع والدتك، وابدئي تجهيزاتك."
"شكرًا."
"وليد، ما هذا؟ لن أرتدي هذه الملابس الفاضحة!"
اشار على "تعلمين؟ بهذه الملابس، أنتِ تشبهينجدتي تمامًا."
"وليد، انتهينا. لنشترِ ما تبقّى. لا أحتاج كل هذا."
الآن... أنا على سريري. أقضي آخر ساعاتي في بلدتي الصغيرة. غدًا أرحل إلى هناك. إلى مكان جديد تمامًا.
أنا خائفة. فقط خائفة. لكن لا بأس... سأتعامل مع الأمر.
أنا بحاجة إلى أن أعتمد على نفسي. عائلتي تمر بوقت عصيب، وسأبحث عن عمل حين أصل. لن أكون مضطرة للتقرب من أحد، لا صداقات ولا أحاديث... فقط أنا، وجداري..
كنت أرى القصة من زاوية مختلفة تمامًا عن تلك التي كنت أعيش فيها. كان همي الوحيد الآن هو كيفية التكيف مع الحياة الجامعية. استيقظت صباحًا ودموعي لم تجف بعد. كيف لم أوجه أي مشاعر اشتياق تجاه عائلتي؟ كيف سأتركهم؟ صراخ وليد في المنزل وتذمر أمي بسبب ألفاظي، أصبح يؤلمني أكثر من أي وقت مضى. إحساس الفراغ كان يملأني. لم أكن أستطيع التفكير في نفسي وحدي دونهم. لم أستطع التخيل كيف ستكون حياتي بعيدًا عنهم.
هم حولي ينقلون أغراضي وحقائبي إلى السيارة، وأنا جالسة بجانب أمي. يديها تتسلل إلى يدي، وتقبض عليها كما لو أنها تريد أن تمنعني من الذهاب.
"أنتِ قوية، ولكن صدقيني، يمكنكِ البكاء. لا تحرمي قلبكِ من هذا الشعور."
"لن أبكي يا أمي. ليس الآن. أحتاج إلى القوة."
"أنا هنا، في أي وقت تحتاجين فيه إلى صديقة."
بدأت أعي حجم البعد، وصارت المسافة بيننا أكبر من أن أستطيع تحمّلها.
ثم جاء صوت أخي وليد: "يا سنجاب، هل ستأتي أم أذهب أنا؟" نظر وليد نحوي ساخرا، لكنني ابتسمت في وجهه. كانت الابتسامة الأخيرة قبل أن أبدأ فصلاً جديدًا في حياتي. "أحتاج إلى وقت، وليد. لا تستعجل."
وصلنا إلى بوابة الجامعة، وحين نظرت إليها من نافذة السيارة شعرت كما لو أنني في ديزني لاند لأول مرة. كانت الحياة هناك تسرع كل شيء، لكنها كانت غريبة، جديدة. الجميع مهتم بما يفعلونه، ولا أحد يهتم بالآخر. شعرت بالراحة لحظة دخولنا الجامعة، كما لو أنني أخذت خطوة إلى عالم آخر، بعيدًا عن القلق.
عندما توقفت السيارة، تحدث وليد بصوت جاف: "هل تريدين مني الدخول معك إلى المدير؟"
قلت له، مبتسمة: "وليد، أنت تقود منذ ست ساعات، وهذه أول مرة أسمع صوتك." لكن ملامحه ظلت جامدة.
"حسنًا، تعالي معي." قلت له.
في لحظة، دخلنا إلى باب الجامعة. وبدأت أتفحص المكان بعيون مفتوحة. الغموض والخوف كانا يلتهماني. ومع ذلك، تقدمت. كنت أدرك جيدًا أنه ليس هناك مجال للعودة.
عندما دخلنا إلى مكتب المدير، كان يضع رأسه في الأوراق، وأصدر صوتًا هادئًا: "هل هناك شيء؟"
شعرت بالارتباك، فكل شيء كان جديدًا. بدأت أقول: "أنا... فقط..." ثم توقف الكلام. رفع عينيه عن الأوراق وقال: "جديدة؟"
"نعم، أنا كذلك."
"اسمك؟"
"إياس... إياس عامر."
مرّ لحظات ثقيلة قبل أن يخرج ملفًا كبيرًا من درج المكتب. كان قلبي يكاد يتوقف، حتى أنه شعر وكأن الوقت متجمد. ثم سألني:
"منحة؟"
أجبته بسرعة: "نعم، أستاذ."
"غرفتك ستكون مشتركة مع فتاة أخرى. أنا آسف، هناك نقص في الغرف."
"لا مشكلة." أجبته وأنا في حالة من الإنهاك الداخلي.
"هذا جدولك الدراسي. حظًا موفقًا." قالها بابتسامة خفيفة .
"اسمعي، إياس، لا تخبري أحدًا أنكِ طالبة منحة، لأنهم لن يحترموكِ." قالها بلهجة حازمة، وأظن أنه كان يريد أن يعطيني نصيحة لحمايتي.
"لا تقلق، لن أتحدث مع أحد." قلتها في نفسي.
بعد الشكر، خرجت من المكتب. ولكن عند الباب، لاحظت وليد يختبئ في زاوية بعيدًا عني. "وليد؟" قلت، محاولة لفت انتباهه.
"سأذهب لأحضر أغراضكِ. فقط أرسلي لي رقم الغرفة." قالها وهو يتجنب النظر إليّ.
عندما دخلت غرفتي، اكتشفت أنها فارغة. الزميلة لم تأتِ بعد. اخترت السرير الذي تحت النافذة مباشرة. كنت أبحث في الغرفة بخفة، أتحسس كل زاوية. كانت فاخرة، تكفيني تمامًا. العائلة بأكملها يمكن أن تعيش هنا، لكنني كنت في حالة غريبة. وحين دخل أخي، ألقيت عليه نظرة عميقة.
"وليد، هل أنت بخير؟"
أجابني بنبرة باردة: "فقط أخبريني، هل تحتاجين شيئًا آخر أم أذهب؟"
لم أتوقع أن أراه بهذه الطريقة. عيناه كانت مليئة بالحزن، وكأن كل شيء في عالمه انهار.
"لا تتجاهل سؤالي، وليد!" أجبت، فالتفت إليّ قائلاً: "فقط استمري في دور القوية. أنا سأعطيكِ ظهري وأذهب، وأنتِ لن تهتمي بي."
شعرت بدموعي تتساقط، وأخي يندفع نحو حضني.
"أنتِ غبية. عودي معي. لا أريد دخول المنزل وهو فارغ منكِ. إياس، هل تهتمين لأمري؟ إذا كنتِ تهتمين، ابقي معي!" قالها بحرقة، وشدّد عليّ حتى شعرت بكل ضيق في قلبه.
"وليد، أنا... لا أستطيع العودة. أنا خائفة من الوحدة. أرجوك، وليد، لا تجعلها أصعب عليّ."
ضحك قليلاً وقال: "لن أشعر، يا سنجاب." ثم استمر في إلقاء نكاته السخيفة، وكأنه يرفض أن يظهر ضعفه. كنت أضحك معه وأكملنا ترتيب الغرفة.
مع اقتراب المساء، قال: "اذهب الآن، حتى لا تضطر إلى السير في الظلام."
"عليكِ أن تنبهي الظلام مني، وليس العكس." ضحكت قليلاً وودعته
وقررت أن أنام مبكرًا. لديّ يوم طويل غدًا، وأحتاج أن أكون في أتم استعداد ليوم جديد
رن المنبه في الساعة الرابعة صباحًا...
"فقط اخرسيه." قالها صوت ناعس
"أوه، حسنًا." قلت وأنا ما زلت غارقة في نومي. نهضت ببطء، ودعكت وجهي قليلًا في محاولة الاستيقاظ عقلي الذي كان لا يزال في سبات عميق. بدأ عقلي يفيق بهدوء، وكان أول شيء بحثت عنه هو حذائي الفرو اللطيف. حسنًا، وجودي في الجامعة لن يمنعني من ارتدائه! نظرت إلى الساعة ببطء، ثم نهضت ومددت جسدي بكسل، ثم فتحت عينيّ على مصرعيهما... هناك شخص ما تحدث غيري! التفت إلى السرير، فوجدت فتاة نائمة بإهمال تام. هل هي حقًا لم تغير ملابسها؟ أو أن هذه هي بيجامات هذا الجيل؟ شعرت بشيء غريب تجاهها، نظرت إلى شعرها الذي بدا أقرب إلى العشوائية، يكاد لا يُعتبر شعر فتاة. كان قصيرًا جدًا! لم أفهم كيف تُفكر هذه الفتاة، ولماذا اختارت هذا المظهر المبالغ فيه؟
"هل ستستمرين بالتحديق؟" قالتها فتاة الثلج بصوت خافت، مما جعلني أكتشف أنني كنت أنظر إليها وأنا مفتوحة الفم. شعرت بالإحراج سريعًا، فالتفت وأعطيتها ظهري، متجهة إلى الحمام. كنت فقط أتمنى أن أجد رفيقة غرفة هادئة، تحب القراءة والمذاكرة، ويتسم حديثها بالبساطة والهدوء. لكن هذه الفتاة... كانت تبدو غريبة تمامًا بالنسبة لي.
أكملت روتيني اليومي في الحمام بحركة بطيئة. شعرت بحاجتي إلى الوقت لأستوعب ما حولي. خرجت لأخذ باقي ملابسي وأنا أحاول أن أكون هادئة. لا أريدها أن تشعر بي. لا أريدها أن تستيقظ الآن وتبدأ الحديث معي. فقط سأمضي في طريقي. أنا طالبة ملتزمة ولا أريد أن أزعزع ثقة عائلتي بسببها.
" لماذا أنتي مستيقظة؟" قاطعتني هذه الكلمات، مما جعلني أخلط بين أفكاري. لقد سقطت ملابسي من يدي! سمعت ضحكاتها الخفيفة، فتحت عينيّ مجددًا، لأراها تستند على يدها وتنظر إليَّ بعين واحدة. حسنًا، هي ليست سيئة للغاية. بدت لطيفة على الرغم من فوضويتها.
"آه، أنتِ من ذاك النوع..." قالتها وهي تغلق عينيها مجددًا وتدفن رأسها في المخدة. أي نوع تقصد؟ كان لدي شعور غريب، لكنني قررت أن أظل صامتة وأخذت ثيابي وعدت إلى الحمام.
خرجت بسرعة، التقطت كتبي ومفاتيحي، ثم خرجت من الغرفة. ما زال الوقت مبكرًا، الساعة السادسة صباحًا. قررت أن أذهب إلى أقرب مقهى في الجامعة، وأحصل على كوب قهوة هادئ ثم أقوم بجولة في الجامعة.
دخلت المقهى الصغير الذي كان له لوحة كبيرة تُظهر إطلالة عريقة. لا أعرف لماذا شعرت بشيء مميز في هذا المكان. هناك شيء دافئ في الأجواء. ابتسمت لي فتاة كانت تقف خلف الطاولة، وكانت ابتسامتها أكثر من مجرد تحية. أحببت ذلك.
"هذه أول مرة أراكِ، يا جميلة..." قالت صاحبة الابتسامة.
"هذا لأنني جديدة هنا، وهذه سنتي الأولى، ويومي الأول." أجبتها وأنا أطلب قهوتي.
"لابد أنكِ تشعرين ببعض التوتر الآن. فقط اسأليني عن اليوم الأول، فهو حقًا مخيف." قالتها، وكانت محقة. أنا بالكاد أتكلم مع أحد. كنت أشعر بالكثير من التوتر من جميع الجوانب.
"نعم، الأمر متعب جدًا... لكنني سأتعامل مع الوضع، يا...؟" سئلتها بلطف.
"ليلى." قالتها مع ابتسامة مشرقة، وكان هناك شيء في عينيها يجعلني أستطيع أن أطمئن قليلًا. ليلى كانت لطيفة حقًا.
"لا تعتادي، ليس الجميع هنا لطيف." ردت ليلى وكأنها قرأت أفكاري .
"لا أهتم، المهم أنكِ موجودة." قلتها بابتسامة، وأخذت قهوتي وخرجت. لا مانع لدي من تكوين صداقات مع أشخاص مثل ليلى.
أخذت جولة في أنحاء الجامعة. كانت أبعاد المبنى أكبر مما توقعت، والهدوء الذي يعم المكان كان يُشعرني بشيء من الراحة. لا أعلم لماذا، لكن كل شيء هنا يبدو فخمًا جدًا. دخلت أغلب القاعات، وكأنني أعيش في عالم جديد. لا شيء هنا يشبه حياتي القديمة.
أخذتني قدماي لإحدى القاعات ، هنا تنقش الأفكار وتنبت براعم الإبداع.
"من أنتِ؟" صدمتني هذه الكلمات المفاجئة. لقد سقط قلبي حرفيًا. وليس قلبي فقط، إلتفت مع مصدر الصوت ومن سرعة الالتفاتة قهوتي أيضًا سقطت... على الشخص الذي أمامي بالطبع!، تراجع إلى الوراء بسرعة، وبدأ في القفز وكأنه في حالة من الذعر. حاولت تهدئته، لكن القهوة كانت حارة جدًا.
"أ... أ... أنا آسفة، لم أقصد!" قلتها، وأنا أرتبك أكثر.
" ولا كلمة !" صرخ في وجهي. لقد ارتكب خطأً كبيرًا.
"أتمنى أن يكون الألم بحجم صراخك ، أيها الأحمق! من أخبرك أن تأتي وتهمس خلفي؟... أنت استحققتها!" صرخت عليه دون أن أفكر، وعينيه كانت مليئة بالدهشة.، دفعته عن الباب وخرجت سريعًا، وأنا أشعر بأنني بحاجة للهواء.
كانت أول محاضراتي على بعد نصف ساعة فقط ، وحين هدأ انفعالي بدأت أفكر في العودة للاعتذار، لكن ما الذي يمكن أن يحدث إذا أحرجني؟ تخلصت من الفكرة، وأخرجت رواية "هاملت" لشكسبير، فربما تكون هي ما أحتاجه الآن.
مرَّ نصف ساعة من الوقت، وكانت الرواية فعلاً تُحسن مزاجي. ذهبت إلى قاعتي كانت القاعة شبه فارغة، فقررت أن أجلس في الأمام حتى أتمكن من متابعة المحاضرة بأفضل شكل.
بدأت الخطوات تقترب… إيقاعها واثق، رتيب، وكأن صاحبها يملك الأرض التي يسير عليها.
ثم ظهر أخيرًا .
وقف للحظة عند باب القاعة، وسكت كل شيء. لا صوت يُسمع سوى حذائه المصقول على الأرضية الرخامية.
عيناه مسحوبتان بلونٍ بحريّ داكن، كأن البحر قرر أن يُخفي فيه عاصفة.
وجهه حاد، كأن كل ملامحه وُضعت بقلم رصاص لا يعرف الهزل… فكٌ مرسوم بدقة، وأنف مستقيم، ونظرة لا تُكذّب.
كان يرتدي بدلة رسمية داكنة، غير أن جسده الرياضي خذلها وجعلها تبدو أقل صرامة مما يُفترض ،تسللت فكرة الى عقلي وسط الزحام ، كيف نظف قميصه المتسخ بالقهوة ؟.
شيء ما فيه يجبرك على التحديق… على التحفّظ… أو على الدفاع عن نفسك دون سبب.
أعطيه سبعا وعشرين عامًا، لكن شيئًا في حضوره يقول إنه تجاوز العمرالمتوقع بعشرين سنة من الصمت والمعارك.
وقف أمام الطاولة الطويلة، وضع يديه في جيبيه بهدوء، ثم بخفّة مريبة مشى حتى المايكروفون.
ضرب بأصابعه على طرف الطاولة في نغمة قصيرة، ثم ناظر الموجودين كمن يستعد لاختيار فريسة.
ثم… وقعت عيناه عليّ.
كأن شيئًا برد في صدري.
تجمدت في مكاني، لا أعرف أين أنظر، ولا كيف أجلس.
"وجدت تسليتي هذا العام." قالها بصوت عالٍ، فيه نغمة تهكم ناعمة كخنجر مغطى بالحرير.
ثم أدار ظهره ببطء، يداه لا تزال في جيوبه، وسار نحو المايك.
الضوء العلوي سلّط ظلًا خفيفًا على وجهه وهو يقول:
"مرحبًا بكم… يوسف رسلان يحدثكم. لنعود لأيام الثانوية. عرفوني بأنفسكم…؟"
ثم التفت فجأة نحوي، ببطء، كأن رأسه يزن ألف فكرة في الثانية.
"الديكي مشكلة في أن تبدأي؟"
عيناه أطلقا طلقة صامتة نحوي.
لم أنطق، شرد لساني، وابتلعت ريقي.
"أ… أنا إياس." نطقتها وأنا أحاول أن أبدو طبيعية، أرسم ابتسامة متماسكة.
"إيناس؟" قالها بتهكم، حاجبه مرفوع كأن الاسم ذاته تهمة.
هززت رأسي نافية، وقلت بثبات حاولت استعارته:
"إيـاس."
رفع أحد حاجبيه، ضحك، ثم تمتم:
"إياس؟! هذا اسم بنت؟"
الهواء اختنق. هو يتواقح؟
"هو فقط اسمي." قلتها وأنا أشد على أسناني تحت ابتسامتي.
قهقه بصوت عالٍ، وقال:
"طبعًا… فقط اسمك. من غير والدك يسمي ابنته بهكذا اسم؟"
كادت الكلمات تتزاحم على لساني، أردت أن أشرح…
"أبي اختاره لي، لأ—"
لكنه قاطعني ببرود حاد، ووجهه يغلق كأن الستار سقط على المسرح:
"انتهى وقتك. وأنت، ما اسمك؟"
هل… هل تجاهلني للتو؟
تجمد الزمن.
الوجوه من حولي تذبذبت، الألوان بهتت، كأن كل شيء فقد طعمه.
شعرت بنفسي عارية في وسط القاعة.
لم أستطع النظر إليه، فثبتّ بصري عليه بلا وعي، كأن عيني تأبى أن تنزل.
كيف… كيف أهانني بهذا الشكل؟ أمام الجميع؟!
لم أعد أسمع باقي الأصوات. كل شيء أصبح بعيدًا، مكتومًا.
أمسكت قلمي، وفتحت دفتري، وبحركة غريزية، بدأت أرسم.
أنا الآن شخص آخر. لا أحد يستطيع الوصول إليّ ، هكذا اعتادت نفسي ان تفعل حين تخاف وحين تخجل وحين تغضب .. وانا الثلاثةُ الآن
الرسم ينقذني من نفسي، من العالم، من يوسف.
لكن…
ضربة قوية على الطاولة قطعت أنفاسي. ارتجفت.
كأن أحدهم سحبني من رئتيّ.
هو أمامي. واقف. عيناه تلتهب .
اقتربت يده من دفتري. غطيت الرسم بسرعة، وقلت بصوت منكسر:
"أرجوك… لا!"
للحظة… رأيت قلبه. نعم، قلبه في عينيه.
عيناه هدأتا، ثم نزلتا إلى الورقة. نظراته تتابعت، من وجهي إلى الورقة .. نظر وطالت نظرته
ابتلع ريقه، كشّر حاجباه… كأنه رأى شبحه مرسومًا.
ثم…
وقف، واستدار، ومشى.
سحبت نفسا سريعا لرئتي ، دقيقه أخرى وكان سيقف قلبي .
"حين يخبرونك إنك لا تدرسين رسم في كلية الطب… ارجعي هنا."
قالها دون أن ينظر خلفه.
هو طردني…
أهو يسخر مني؟ أم يمنحني مخرجًا؟
خرجت، ولم ألتفت.
مشيت بسرعة، وقلبي يضرب بقوة… ليس لأنني ضعيفة، بل لأنني فقدت شيئًا لا أعرف اسمه.
أنا حرفيًا واقفة خلف الباب، أستند عليه وأنا في حالة شرود.
رفعت رسومي لأفهم ما الذي أرعبه… ثم ارتعبت أنا أيضًا.
لقد… رسمته!
رسمت وجهه… عيناه، واحدة تلمع بشيء يشبه الحنان، والأخرى مظلمة… مظلمة جدًا.
يا إلهي، أين كان عقلي؟!
كوّرت الورقة بلا اهتمام، ورميتها في أول سلة مهملات قابلتني.
كل ما أحتاجه الآن… هو النوم.
يوم واحد فقط وحدث كل هذا؟!
تبقّى ساعة ونصف على محاضرتي التالية… وقت مثالي لأخذ قيلولة.
...
فتحت باب غرفتي، فوجدت فتاة الثلج تملأ المكان، تحمل أغراضها وتضغط على هاتفها في عجلة.
رفعت عينيها إليّ، وابتسمت وهي ترفع شعرها للأعلى.
نظرت سريعًا إلى ملابسها… بنطال أسود ممزق من الأسفل، وقميص أسود واسع.
"مرحبًا." قالتها وهي تمد يدها لي.
"هل… أنتِ حتى مؤنثة؟" سألتها باستهجان، وارتسمت الصدمة على وجهها، فسحبت يدها.
"أحدنا لم يقضِ يومه الأول جيدًا… أتفهّمك. أنا فقط أردت التعرّف عليكِ." بدأت بالثرثرة.
قلبت عينيّ، وتوجهت لسريري، لكنها لم تتوقف عن الحديث.
"أنا دارين. ما اسمك؟" قالتها وهي تجلس على سريري!
"دارين؟… هو سخر من اسمي… عليكِ حقًا أن تلتقي به!"
ضحكت بتوتر، ثم قالت: "أعلم أنه اسم غريب…"
"وشكل غريب." أكملت لها جملتها، وجلست باعتدال.
"اسمي إياس."
"تشرفت، إياس. لكني حقًا متأخرة، أخشى أن أطرد من أول محاضرة لي." قالت وهي تقف وتتوجه للباب.
"هل كل الأطباء هنا لعناء؟" سألتها وأنا أنفخ وجنتي.
نظرت إليّ بلطف، وقالت:
"ليس كلهم… فقط يعطون الانطباع الأول."
"وأنا أعطيت انطباعًا سيدخلني الجحيم…" قلت وأنا أمسح وجهي بتوتر.
هدأت ملامحها، ثم سألت:
"عند من كنتِ؟"
رددت همسًا:
"يوسف…"
"أوه، لا!" قالتها بدهشة.
يبدو أنه حقًا مخيف.
"تعرفينه؟ كيف؟" سألت
"هذه سنتي الثانية هنا… إن كنتِ محظوظة، سينساكِ."
شعرت بشيء داخلي يريد أن يقول: لا أريده أن ينساني…
لكني تجاهلت ذلك.
"إنه يتصرف بدناءة، صدقيني." قالتها وهي تخرج وتغلق الباب.
رميت رأسي على الوسادة، وتنهدت…
ليذهب كل شيء للجحيم… سأغفو قليلًا.
أحتاج النوم، والبحث عن عمل قريب، وبعض الأغراض المهمة…
والرد على ملايين الرسائل من وليد، وإلا سيظن أنني في موعد مع شخص سيء!
ضحكت على ذكرياتي مع أخي، ثم… استسلمت للنوم.
مرّ الأسبوع الأول بسلام، أو على الأقل، دون كوارث تذكر.
دارين فتاة مرحة، وربما أكثر من اللازم. تضحك كثيرًا، وتعلق على كل شيء، وتحاول أن تجرّني إلى دائرتها، لكنها ببساطة ليست من النوع الذي أرتاح له.
في حضورها، أشعر أنني أحتاج إلى قناع، وأنني أُجبر على أن أكون نسخة اجتماعية من نفسي لا احبها. ورغم ذلك، لا يمكنني إنكار أنها تبذل جهدًا واضحا لتقرب المسافة بيننا. وربما... ربما كنت قاسية في حكمي المسبق عليها.
أما ليلى، فقد أصبحت جزءًا من روتيني اليومي. وجهها المألوف وسط زحام الوجوه، وابتسامتها الهادئة، وصوتها الدافئ حين تقول "قهوة بالحليب، كالمعتاد؟"
أجلس معها دقائق معدودة كل صباح، أسترق تلك اللحظات كأنها طوق نجاة قبل أن أغوص في محيط الجامعة.
هي لا تعرف الكثير عني، ولا تعرف عن قلقي وارتباكي، لكنها تعاملني وكأنها تعرف، وكأنها تفهم... وهذا يكفي. أشعر أننا صديقتان، دون حاجة لتعقيد الكلمات.
عائلتي...
أشتاق لهم بطريقة لا يمكن وصفها. أشتاق لصوت أمي وهي توقظني، لضحكات أبي وهو يمازحني وقت الغداء، وحتى لصراخ وليد وهو يحاول اختطاف هاتفي.
أمي تحادثني يوميا تقريبا تحاول أن تخفي قلقها خلف أسئلة يومية عادية، أما أبي، فمشغول دائما ، لكنه لا ينسى أن يرسل رسالة قصيرة كل بضعة أيام: "هل تحتاجين شيئا؟"، وكأنها طريقته ليقول "أنا هنا."
أما وليد، فيفتعل الشجار في كل مكالمة، ثم ينهار في النهاية ويقول بصوت خافت: "لقد اشتقت."
ما زلت أذكر دموعه يوم رحيلي، نظراته المتوسلة ألا أذهب، كيف طوقني بذراعيه كأنني سأذوب بين أنامله إن ابتعدت. كان عليّ أن أكون قوية... فهل كنت؟
الدكتور يوسف...
ذلك الاسم الذي أكتبه على أوراقي بحذر، وافكر فيه أكثر مما ينبغي.
في اليوم التالي من رؤيته لرسمتي لم يحضر المحاضرة. وفي الذي يليه، دخل القاعة وكأنه لا يراني. لم ينظر إليّ ولو مرة، رغم أنني كنت أجلس مباشرة أمامه. ظلّ طوال المحاضرة محدقا في أوراقه، في السبورة، في أي شيء عداي.
أشعر أنه غاضب... أو منزعج... أو ربما محرج؟ لا أعلم.
كل ما أعلمه أنني شعرت كطفلة ارتكبت خطأ فادحا ولا تملك الشجاعة للاعتذار.
يوسف شخصية مختلفة. له هيبة غريبة، وهدوء لا يخلو من التوتر. عندما يفاجئ بسؤال، يرفع حاجبه الأيسر وتظهر تلك الابتسامة المائلة التي لا أفهم معناها. عينيه زرقاوان بطريقة تربكك، كأنك تنظر في بحرٍ ساكن وتنتظر عاصفة.
يضع يده في جيبه طوال الوقت، وكأنها عادة لا يفكر بها، لكنه يخرجها فجأة ليكتب شيئا بسرعة خاطفة على السبورة. أسلوبه في الشرح واضح، لكنه صارم. لا يبتسم كثيرًا، لا يتساهل، وقد سمعت بعض الطالبات يقلن إنه السبب وراء تغيير تخصص كثير من زملائنا.
وفي الطرف المقابل تماما... دكتور جاسم.
رجل في الخمسينات، ذو نظرات حادة ونبرة صوت كأنها صفارة إنذار. حضوره ثقيل، ليس فيه دفء يوسف ولا غموضه. بل هو صريح، قاطع، قاسٍ.
كلما نظرت إليه، شعرت أنني ارتكبت جريمة، وأنه يقرأ أفكاري، يحاكم نواياي.
طريقة حديثه معي دائما تحمل نبرة فوقية، وكأنني متهمة دون أن أعلم السبب.
وهكذا مرّ أسبوعي الأول، بخليط من التوتر والترقب، وبعض لحظات الراحة النادرة.
في أول يوم عطلة، قررت أن أرتاح، أن أتنفس. تناولت قهوتي وعدت إلى الغرفة، لم يكن في بالي سوى كتاب ممل وبعض الملاحظات.
لكنّ الباب كان مفتوحا قليلاً، وهذا وحده كان كفيلا بإشعال إنذارات القلق في رأسي.
دفعت الباب بهدوء، ودخلت... لأتجمد في مكاني.
على سريري، يرقد فتى غريب، نائمٌ بعمق، وملامحه هادئة كما لو كان في بيته.
في البداية، حسبت أنني دخلت غرفة غيري بالخطأ، لكن نظري انتقل إلى سرير دارين، فوجدتها نائمة هناك ايضا.
غضبي انفجر فجأة. هل هذا معقول؟! أتقبل وجود زميلة فوضوية بصعوبة، والآن تأتي برجل إلى غرفتنا؟
خطوت بسرعة نحو السرير، وصعدت فوقه ودفعته بعنف ليسقط على الأرض. اصطدم رأسه بالطاولة الصغيرة، فأحدث صوتًا قويا جعل قلبي يقفز من مكانه.
توقعت أن ينهض صارخا، أن يشتمني، أن يغضب... لكنه فقط تأوّه، سحب وسادتي، ووضعها تحت رأسه، وأكمل نومه وكأن شيئا لم يكن!
في تلك اللحظة، استيقظت دارين ونظرت إليّ بنعاس شديد.
"متى عدتِ؟" سألت، وصوتها لا يزال محمّلًا بالنعاس.
صرخت في وجهها:
"دارين! من هذا؟! ومن سمح له بالنوم هنا؟! هذه غرفتي! ماذا تظنين نفسك تفعلين؟! بالكاد أحتملك، والآن تجلبين أصدقاءك؟!"
فتحت فمها لترد، لكنني قاطعتها بشدة:
"اخرجي أنتِ ولعناتكِ من غرفتي الآن!"
في تلك اللحظة، انتفض الفتى عن الأرض، اصطدم رأسه مجددًا بالطاولة وهو ينهض مرتبكًا.
"اللعنة!.. داي؟" سأل بنبرة ناعسة مرتبكة.
قالت دارين بهدوء وهي تبحث عن مفاتيحها وهاتفها:
"انهض، آدم..."
وقف ممسكًا رأسه المتألم، قال محتجًا:
"دارين، لم ترتاحي بعد! لن تكملي يومك بهذا الشكل!"
ثم التفت إليّ، نظراتها تنضح بالسخرية والغضب:
"هي تريدنا أن نخرج من غرفتها الطاهرة، لا بأس."
غادرا الغرفة، وبقيت وحدي. استلقيت على سريري، التقطت وسادتي عن الأرض، وأخفيت وجهي بها. كنت في طريقي للراحة، فهل هذا جزائي؟
راسلني وليد، فحدثته عن ما جرى، ثم حدثني هو عن فتاته الغريبة التي يراقبها. أرسل لها باقة ورد كتب عليها "محبك المجهول، وليد عامر"! يا إلهي... عقله لا بد أن يكون في مؤخرته. ظل يتذمر لأنه نسي وكتب اسمه، ويخشى رؤيتها غدًا. حاولت تهدئته ببعض النصائح.
طرقات على الباب أيقظتني من قيلولتي. من الطارق الآن؟ دارين تملك مفتاحها...
وقفت خلف الباب، سألته بحذر:
"من؟"
"آدم."
تجمدت.
"ماذا تريد؟ وأين دارين؟"
"أحتاج شيئًا يخصها."
"اجعلها تأتي وتأخذ ما تشاء."
صاح فجأة، صوته اخترق الجدران:
"افتحي الباب اللعين!"
ارتجفت وتراجعت خطوة إلى الوراء.
ثم قال بنبرة حادة ممزوجة برجفة واضحة:
"اسمعي، داي مريضة... أصيبت بأزمة، وأنا لست بخير. يداي ترتجفان... هل ستتركينها تموت فقط لأن شكلها لا يعجبك...؟!"
كلماته اخترقت قلبي. فتحت الباب بسرعة، اندفع إلى الداخل، بدأ يفتش بعصبية عن شيء لا أعرفه.
سألته بهدوء:
"هل تريد مساعدة؟ هل... هل هي بخير؟"
عثر على علبة دواء، تنفس بارتياح كما لو زال جبل عن صدره.
قال غاضبًا، بنبرة حانقة متهدجة:
"أحقًا تسألين إن كانت بخير؟ لو تركتها ترتاح صباحًا، لما اضطررت للجري كالمجنون في الشوارع لأحصل على دوائها!"
صفق الباب خلفه بقوة هزّت الغرفة... تسمرت في مكاني. كانت مريضة؟ كيف لم ألاحظ؟ نعتُّها بأبشع الصفات... يا إلهي، كم أنا قاسية!
حين عادت دارين في المساء، أغلقت الباب بهدوء، تظنني نائمة. انتظرت حتى استلقت على سريرها، ثم همست:
"دارين؟"
"أأنتِ مستيقظة؟" سألت بلطف.
"نعم..."
"تحدثي." تعطيني مساحتي
"أنا... آسفة لما قلته صباحًا... كان يجب أن تخبريني."حاولت التبرير
"وكأنكِ أعطيتني الفرصة؟ لا بأس، مضى كل شيء بخير."
نزلت دموعي بصمت، ثم استدرت نحوها وقلت:
"لستِ كما قلت... أنا من كانت وقحة. لستِ كما ظننت... بل أنا من خذلتك."
قالت وهي تبتسم بدفء:
"لا تبكي، أرجوكِ... أنا معتادة على تلك النوبات، وآدم بقي معي طوال الصباح. لم تكن غلطتكِ، إياس."
"بلى كانت. كان كل شيء يثبت أنكِ رائعة... لكنني لم أُرد أن أرى. فقط لأن مظهرك مختلف... أنا..."
"لا تكرريها، إياس. لن أطلب منكِ أن تتقبلي مظهري، لكن كنتُ أتمنى فقط أن تمنحيني فرصة."
"والآن أنا من تحتاج الفرصة... فهل لي بذلك؟"
ضحكت وقالت:
"بالطبع."
بدأنا نتحادث، عن أنفسنا، عن ذكرياتنا. أخبرتني أنها يتيمة وتحب العزف على الغيتار.
ضحكت قائلة:
"نحن حقًا بحاجة للنوم."
"غدًا عطلة، أيتها الدجاجة!" قالتها وهي ترميني بالوسادة.
ضحكت ورددت:
"أحتاج للاستيقاظ باكرًا... أريد البحث عن عمل. أؤمن بالاعتماد على النفس."
"حقًا؟! كان يجب أن تسأليني منذ زمن! المقهى الذي أعمل به بحاجة إلى موظفين!"
"سنعمل معًا؟"
"بالطبع، سأهتم بكِ."
"شكرًا، أبي." قلتها بحب ساخر .
بعد يومين :
"وصلنا..." قالتها دارين بنبرة غنائية وهي ترفع يدها في الهواء وكأنها تعلن الانتصار. كنت ألهث قليلاً من المشي، فقد أجبرتني على القدوم سيرًا، والمكان ليس ببعيد تمامًا، لكنه أيضًا ليس قريبًا كما زعمت.
رفعت بصري إلى لافتة المقهى المعلّقة فوق المدخل، كانت أنيقة ذات خطوط ذهبية على خلفية سوداء، توحي بالفخامة. واجهة المقهى كانت من الزجاج الشفاف، ومن خلفه أمكنني رؤية الطاولات المرتبة بعناية، والنباتات الصغيرة المتوزعة على الزوايا.
أمسكت يدي بلهفة، شدّتني إلى الداخل دون أن تترك لي مجالًا للتردد، ودفعت الباب بقوة مبالغ فيها حتى رنّ الجرس المثبت في أعلاه، ثم صاحت:
"مرحباً يا رفاق!"
الداخل بدا دافئًا بطريقة غريبة، الإضاءة خافتة مائلة للذهبي، والموسيقى الهادئة تملأ الفراغ بهمسٍ خفيف.
كان هناك ثلاثة أشخاص: أحدهم كان مُنهمكًا في إراحة رأسه على الطاولة، يبدو وكأنه بين اليقظة والنوم، رفع يده بتكاسل وهو يحيي دارين من دون أن يفتح عينيه حتى.
الثانية، فتاة خلف ركن الغسيل، كانت تغسل بعض الأكواب والأواني بصوت الماء المتقطّع، رفعت رأسها وردّت التحية ببرود، وعادت لما بيدها. أمّا الثالث، فكان يتحدث في الهاتف بصوت منخفض، وما إن دوّى صوت دارين، حتى وضع يده على السماعة، وألقى علينا نظرة سريعة قبل أن يختفي داخل غرفة جانبية خلف الستارة.
"يا رفاق، لقد وجدت أميرة في طريقي، وجلبتها لتعمل معنا!" قالتها دارين بأسلوب درامي، ثم تنهدت كأنها اعتادت هذا التجاهل.
رفع النائم رأسه، كان شابًا بملامح هادئة وشعرٍ فوضويّ، نظر إليّ بعينين نصف مفتوحتين وكأنه لم يستيقظ تمامًا بعد، في حين توقفت فتاة الغسيل عن فرك الكوب في يدها ونظرت إليّ، عيناها تُفحصاني من الرأس حتى القدمين، ثم قالت ببرود:
"لا تبدو كأميرة..."
حقًا؟! حدّثت نفسي وأنا أحبس تنهيدة في صدري، وهل تبدين أنتِ كذلك؟ لكنني لم أرد. لم أكن أريد بدايات عدائية.
شعرت بضغط خفيف على يدي، كانت دارين تمسكها، فابتسمت لها امتنانًا.
"أنتِ جميلة." قالها النائم وهو يستند بكوعه على الطاولة، بعينين مغمضتين ونبرة نعاسية، لكن كلماته أصابت وجنتيّ مباشرةً، فاشتعلتا بحرارة مفاجئة.
ضحكت دارين واحتضنتني من جانب واحد، ثم قالت بصوت مرتفع:
"أهلاً بكِ في عالمنا الموازي! هذه رغد، وهذا النائم هو باسل، وبقي فقط الفارس الأخير في مجموعتنا، وأظنه على وشك الوصول."
بعد دقائق، فُتح باب المقهى، ودخل شاب يرتدي سترة داكنة وقبعة منخفضة تخفي ملامحه. كان يسير بخطوات هادئة وكتفيه مائلين إلى الأمام. رفع رأسه، وأزاح القبعة فاندفع شعره الكثيف إلى الأمام، وبينما نزع سماعاته عن أذنيه، لم أستطع إلا أن أراقبه.
كيف يمكن للمرء أن يكون بهذا القدر من الجاذبية؟ فكرت، ثم تذكّرت... إنه هو. آدم. آدم الذي وبّخني بالأمس. انقلب الإعجاب في داخلي إلى برود فجائي.
"أين كنتَ يا آدم؟ لقد تأخرت دقيقتين!" ضحكت دارين وهي تشير له، بينما كنت أحاول التراجع إلى الخلف دون جدوى.
"هل فاتني حفل استقبال الأميرة؟" سأل بنبرة ساخرة، نظر إليّ للحظة، ثم قلب عينيه وتجاوزني دون أن يتوقف.
"أتظن أن الأميرة كانت تعلم بوجودك أصلًا؟ أنت غير موجود في قائمتها." قلتها بهدوءٍ قاتل، وأنا أرسم على وجهي ابتسامة واسعة لا تشبه ما أشعر به إطلاقًا. تمنّيت لو أصفعه على شعره الجميل ذاك، لكني احترمت المكان، والحضور، وأعصابي التي بدأت تنفلت.
سحبتني دارين من يدي، وهمست بمرح:
"هيا، إياس، لنُرِك عملك."
سرنا عبر المقهى وهي تُلقي التعليمات كمن يوزّع أسرار الحياة، وأنا أُحاول أن ألتقط أنفاسي وسط كل هذه الفوضى. عرفت أن الابتسامة هي المفتاح الأول لهذا العمل، وكأنها درع ضد ضجيج العالم الخارجي.
علمت أيضًا أن دارين تعزف هنا ليلًا، مما يعني أنها لن تكون معي في أغلب فترات العمل، وهذا... لم يكن مطمئنًا.
الجو داخل المقهى بدأ يزداد حرارةً مع دخول الزبائن، شعرت بتسارع دقات قلبي وأنا أرتدي زيّ العمل: بنطال جينز ضيّق كأنّه التفاف على كل توتري، وتيشيرت أبيض يحمل شعار المقهى، ومئزر مربوط عند خصري. رفعت شعري بعناية إلى الأعلى، وارتديت نظّارتي كمن يحتمي بها من العالم.
وقفت في الزاوية، أراقب دارين وهي تتعامل مع الزبائن. كانت تجيد التحدث بلغة العيون والابتسامات، تقترح وتضحك وتسمع. كانت تُشبه النادلات في الأفلام، أولئك اللواتي يشعرن الزبائن أن المكان وُجد من أجلهن.
وفجأة، خرج من خلفي صوتٌ أعرفه جيدًا، ناعمٌ لكنه مسموم:
"ماذا تفعلين بجوارها؟"
التفت، كان آدم.
تنهدت. نحن بحاجة لهذه المحادثة، نعم، لكن ليس الآن... وليس بهذه الطريقة.
"آدم، لا أعلم على من يجب الاعتذار هنا، لكنني بالفعل تأسفت لها. هل يمكنك فقط... تجاهلي؟" قلتها برجاء، وأنا أُحاول أن أبدو أقوى مما أشعر.
"تأسفتِ لتحصلي على الوظيفة؟ ألا تشعرين بالخجل؟!"
كلماته كانت صفعة. لم أكن أنتظر هذا النوع من الإجابة... كنت أحتاج قليلًا من الهدنة، لا مزيدًا من الطعن.
نقطة ضعفي؟ أن يُقال لي إنني أستغل الآخرين. والآن، هو قالها، دون أن يرفّ له جفن.
"أ...أ...أنا لم..." سقطت الكلمات من فمي، وسقطت معها دموعي، في أسوأ وقت ممكن.
هذا كثير. طبيب يرهبني بنظراته، شريكة غرفة تكاد تقتلني، وآدم... يراني دنيئة. والبقية؟ كأنهم يتمنّون رحيلي منذ اللحظة الأولى.
دفعت جسده بقوة لم أتوقعها من نفسي، وسرت بسرعة، فتحت باب المقهى كمن يهرب من حريق، ثم بدأت أركض. أركض بلا وجهة، بلا تفكير، فقط أهرب.
رأيت حديقة صغيرة، أشجارها خجولة، وهضبة خضراء بعيدة ترتفع قليلاً. صعدت إليها، ورميت جسدي فوق العشب.
أطلقت العنان لدموعي، لم أعد أملك طاقة لحبسها. كانت السماء فوقي، واسعة أكثر مما أحتمل، وحرارة الشمس بدأت تخفّ، كأن النهار ينحني للمساء.
"كان يجب أن أعود مع وليد..." همستها لنفسي. أنا لا أنتمي لهذا العالم. كنت دومًا فتاة والديها، لم أعرف طعم المسؤولية، لم أحتكّ بالناس، لم أرَ العالم إلّا من خلف نافذتي.
"سأعود... سأعود إلى بيتي... اللعنة على حياة المدن." وضعت ذراعيّ على عينيّ، لا أريد أن أرى شيئًا بعد الآن.
مر الوقت... لا أعلم كم.
ثم جاء صوته.
"أنتِ طفلة."
رفعتهما ببطء، بصعوبة. إنه يوسف. بطبيعة الحال، من غيره سيظهر في أكثر لحظاتي إحراجًا؟
"ليس من شأنك!" قلتها وأنا أعيد ذراعي فوق وجهي، أتمنى لو يتبخّر الآن.
لكنه لم يفعل. بل جلَس بجانبي، ثم استلقى كما أفعل أنا، كأن الأرض لنا وحدنا.
"في أول مرة هربت فيها من المنزل، اختبأت في البيت الزجاجي الخاص بمزروعات أمي..."
بدأ يحكي. صوته ناعم، كأنّه يروي حكاية قديمة يعرف نهايتها جيدًا. حدّثني عن الطفولة، عن الوحدة، عن الجوع والخوف... ثم عن إدراكه أنه واجه خوفه، ونجا.
كان يسحب الكلمات من داخلي، دون أن يدري. كأن كل جملة منه تخلخل شيئًا في قلبي.
حين انتهى، بقيت أنظر إليه. شيء ما بداخلي قال لي إنني لا أريد الهرب. لا أريد الرحيل. أريد أن أبدأ، من هنا.
نهض ببطء، تنهد، ثم قال:
"لا تقلقي... سأنسى أنني مررت من هنا." ثم مشى مبتعدًا، كمن أنهى مهمته ورحل.
"لكنك هربت مني!"
قلتُها بنبرة امتزج فيها العتاب بالحزن، وجلست جيدًا، أرتّب أطرافي المتشابكة أمامه، علّه يشعر بثباتي الظاهري.
"متى؟"
قالها يوسف دون أن يعيد بصره إليّ.
ارتحت لذلك قليلًا، فعيونه تشبه فخًا لا يُرى.
"أولًا… كيف عرفت أنني هنا بسبب كره الناس؟"
ابتسم بخفة، لا تصل لعينيه، وقال:
"لا أعلم… تذكرت أني جئت إلى هنا لنفس السبب، وحسب."
"هل تخاف الناس؟"
نطقتها بدهشة ظاهرة، نبرة صوتي انزلقت منها الصدمة قبل أن أستدركها.
كيف له أن يخاف؟ هو من يبدو دومًا سيد المكان، كأن شيئًا لا يربكه!
أجاب بصوت منخفض كأنه يحكي لنفسه:
"الخوف؟… انتهى دوره في حياتي منذ هروبي للبيت الزجاجي."
نظرت إليه بفضول مشوب بالحذر.
"ماذا حدث لك ذلك اليوم؟ عندما رأيت رسمتي؟"
سؤالي خرج خفيفًا، لكنه ثقيل بثقل انتظاري لإجابته.
تنهد يوسف وكأن صدره ضاق بكل الإجابات.
"ماذا حدث؟"
"أريد أن أعرف، ما الذي رأيته وأخافك؟ ما تلك التعابير التي ارتسمت على وجهك؟ ثم طردك لي بكل هدوء… هل كنت تطردني، أم تطرد شيئًا رأيته في الرسم؟"
ركّزت نظري على وجهه، على حركة حاجبيه، ارتجاف شفته السفلية، ميلان رأسه، أي شيء يدلّني على صدقه أو كذبه.
التفت إليّ أخيرًا، وعلى وجهه ابتسامة هادئة، باردة كجدار.
قال:
"كانت بحق أبشع رسمة رأيتها في حياتي… وطردتك لأن المحاضرة تصبح أسهل بدونك."
هل رأى أحدكم موقفًا أكثر إحراجًا من هذا؟!
ازدردت خيبتي بهدوء.
"هل تخافني إذًا؟"
لم أعد أنا التي تتحدث، بل كبريائي.
تحوّل الجو فجأة إلى ساحة تحدٍّ.
نظراتنا تشابكت كأننا نتصارع صامتين.
قال وهو ينهض واقفًا، ساخرًا:
"هل أنا يائس لدرجة أن تخيفني طفلة؟ بربك، إيناس!"
وقفت أمامه بعزم، وقلت بحدة، متناسية أنني قد أضع نهاية مبكرة لدراستي الجامعية
"إنه إياس!… لا تقلق، سترغمك الأيام على حفظه."
استدرت ومشيت. تركته واقفًا، جسده ساكن لكن عينيه…
عينيه تتقلّبان كأنهما تخوضان حربًا صامتة.
هذا الفتى… يدّعي أن الخوف انتهى من حياته، لكنه يختبئ وراء آلاف الأقنعة، وكل من ينظر لعينيه يمكنه أن يرى ما ينزف بداخله.
أخرجت "يوسف" من عقلي وأنا أسير بخطوات بطيئة نحو المقهى. الهواء صار ألطف، والسماء بدت بلونٍ غائم كأنها تشاركني حالتي.
إن كان هناك من يجب أن يغادر هذا المكان… فسيكون آدم، لا أنا.