جثــة

جثــة

13 0

"إياس!"

صوت دارين اخترق شرودي. رفعت رأسي لأراها تركض نحوي، ملامح القلق تسبق خطواتها.

ابتسمت لها بخفة.

"آسفة، داي… كنت أحتاج بعض الهواء."

اقتربت مني حتى صارت وجهاً لوجه وقالت بنبرة عاتبة ناعمة:

"كان عليكِ فقط أن تُعلميني."

تنهدت، وشعرت بظل ابتسامة مرهق يظهر على شفتيّ.

"هل أنا طفلة يا دارين؟"

لم ترد بكلمات، بل قرصت وجنتي بلطف وابتسمت، تلك الابتسامة التي تمحو التوتر بسهولة عجيبة.

"حسنًا، يا بطلة… أعطني رقمك حتى لا أترككِ تضيعين مرّة أخرى."

ضحكتُ، وأعطيتها رقمي، ثم وضعت يدها على كتفي، وسحبتني لنسير معًا.

قالت فجأة وهي تنظر للأمام، كأنها تحادث نفسها:

"هو حقًا أحمق… عندما يتعلّق الأمر بي."

استدرت نحوها، وجاء صوتي فضوليًا دون تفكير:

"هل أنتما تتواعدان أو… شيء من هذا القبيل؟"

رأيت رأس دارين يسقط على كتفي بتنهيدة، وقالت بهمس يوشك أن يكون اعترافًا:

"لماذا الجميع يظنّنا أحبابًا؟… إلا هو، بالطبع."

ضحكت، ثم أكملت:

"هو يفعل كل شيء يدل على أنه يحبني، لكنه لا يخبرني أبدًا أنه يحبني."

لم أستطع منع نفسي:

"وهل أنتِ؟…"

نظرت إليّ فجأة، وقفت في منتصف الطريق، وواجهتني بنظرة جدية مليئة بالنار.

رفعت يدها عاليًا وصرخت:

"أنا واقعة في جحيمه!"

ثم اقتربت وهمست في أذني:

"أحبّه… حدّ الموت."

اتسعت عيناي بدهشة، فضحكت وأشارت بإصبعها إلى شفتيها كعلامة على الكتمان.

شعرت بسعادة لم أعهدها، وكأننا أصبحنا أختين تقتسمان قلبًا واحدًا.

قلتُ بعفوية وعبوس مصطنع:

"أنا أكرهه."

انفجرت ضاحكة وقالت وهي تتمايل:

"لا، أرجوكِ! لا تدعيني أختار بينكما!"

ضحكت معها، وهذه المرّة، أنا من وضعت يدي على كتفها.

كنا نتمشى ونحن نضحك، خاصة عندما أخبرتها أنني لم أواعد أحدًا من قبل لأنني مقتنعة أن أول شخص قد يواعدني… إما سيقتلني أو يسرقني!

الثقة لا تُشترى، ودارين لا تفهم هذه المعادلة بعد.

دخلنا المقهى. الساعة كانت تقترب من السادسة، وقت بدءِ عزف دارين.

أنا عملي ينتهي في السابعة، لكنها تبدأ عزفها الآن.

"لا أراه ولا أريد أن أراه… أريد فقط أن أُكمل يومًا عاديًا."

قلت بنبرة يائسة.

طمأنتني وهي تنظر نحو البيانو:

"لقد ذهب، لا تقلقي."

قلت ممازحة:

"حبيبك خفّاش… يظهر ويختفي!"

قالتها بضحكة نصف حزينة:

"شكرًا لرشّ الملح على جرحي!… إنه ليس قريبًا حتى من كلمة حبيبي."

اقتربت من البيانو، وضغطت على مفاتيحه بعنف، كأنها تفرغ شحنة ألمها على تلك المفاتيح البيضاء والسوداء.

"هل تعزفين منذ زمن؟"

سألتها وأنا أراقب أصابعها تتراقص فوق البيانو.

جلست على الكرسي، وأشارت لي لأجلس بجانبها.

قالت بصوت ناعم، لكنها بدت وكأنها تحكي سرًا دفينًا:

"عندما تقع الدنيا بكل ثقلها فوق كتفيّ…

عندما أشعر أنني على وشك الانفجار من الداخل…

أضع يديّ هنا."

وضعت أصابعها على المفاتيح بحذر شديد، كما لو أنها تلامس قلبًا بشريًا.

"ثم… أغمض عيناي، وأنقل كل همومي لتلك الأصابع.

لا يمكنكِ التخيل بما تستطيع هذه الأصابع فعله، إياس!

أنا أبني عالَمًا كاملًا داخلي…

أنتقل إلى نعيم لا أستطيع تفسيره عندما أعزف.

لو رآني أحد من بعيد، سيقول ببساطة: 'إنها تجيد العزف.'

لكن لا أحد يعلم بالزلزال الذي يحدث داخلي.

أنا… أكون نفسي الحقيقية فقط، هنا."

كلماتها خرجت كأنها شعر.

نظرت إليها، وكان قلبي يطرق أبوابًا لم أعرفها من قبل.

ما أجمل الحياة حين تستمع إلى شخص يتحدث عن الشيء الذي تحبه روحه.

لو استمع آدم ولو مرة واحدة فقط…

لو أنصت لتلك الروح التي تحدّثت الآن،

لسقط في حبها، ليس لجسدها… بل لروحها.

بدأت تعزف، لحنًا هادئًا كنسمةٍ على خدّ الليل.

لو لم أكن قد سمعت حديثها، لقلت ببساطة:

"هذه الفتاة تجيد العزف."

لكنني الآن…

أشعر بروحها تعزف،

وأصابعها تلمس أعصابي قبل أن تلمس مفاتيح البيانو.

أنت مختلف… حينما يتعلّق الأمر بما تحبّه روحك.

وبعد مرور بعض الأسابيع ...

كنت أقضي وقتي ذهابًا وإيابًا في الرواق، أراجع أوراق اختبار الشهر لمادة "مبادئ علم التشريح". إنها من أحب المواد إلى قلبي، لذا أستطيع القول إنني شبه خبيرة في الطب الجنائي.

"وكل عصب يختلف عن الآخر، فهناك أعصاب للجلد، وأخرى للعضلات، وأخرى لل..."

قاطع استرسالي صوت ارتطام مفاجئ تبعه ضحكات عالية. التفتُّ فرأيت طالبتين تتعثران أرضًا بعد مطاردة عبثية، ورائحة الكحول تسبق خطواتهما المتعثرة. لا يمكنني تصديق أنني في كلية طب! كم هو مؤلم أن أرى هذا الانحدار الأخلاقي في مكانٍ يُفترض أنه مقدّسٌ للعلم. تنهدت بيأس وعدت إلى مراجعة أوراقي، محاوِلة تجاهل الفوضى من حولي.

لم أرغب بإيقاظ دارين، فهي تعمل ليلًا وهذا يستنزفها، فخرجت لأتمّ مراجعتي في هدوء.

لكن تركيزي لم يدم طويلًا. فتاة بملامح هادئة كانت تطرق أحد أبواب الغرف برفق وهي تنادي:

"دنيا؟ هل ما زلتِ نائمة؟صديقك يسأل عنكِ"

أشحت ببصري، لا شأن لي بالأمر. واصلت المشي وأنا أتمتم بالمعلومات، حتى شقّ سكون المكان صراخٌ حادّ، مفاجئ ومُفزع، جعل الأوراق تتساقط من يدي كأنها فزعت مثلي.

الصوت قادم من غرفة "دنيا". بقيتُ واقفة أحاول إقناع نفسي أن الأمر لا يعدو كونه مزحة ثقيلة، لكنه لم يتوقف. كان مستمرًا، يتصاعد كأنه نداء استغاثة مكتوم.

بدأت خطواتي تسحبني ببطء نحو الغرفة، وقلبي يدق بعنف.

طرقت الباب بخفة أولًا... لا إجابة.

ثم بصوتٍ أعلى... فجاءني صوت مرتجف أنثوي، مهتزّ لدرجة أنه أحدث قشعريرة في كل أطرافي:

"أرجوكم لا... لا! لستُ أنا! أخرجوني!"

ترددت، لكن خوفي لم يتغلب على ذلك الإحساس بالمسؤولية. دفعت الباب بقدمي بقوة.

...

تجمّدت.

كل شيء داخلي توقّف. نظري، عقلي، أنفاسي...

أمام عيني كانت تقف الجثة، أو بالأحرى معلّقة

عارية تمامًا، مشرحَة بعناية سادية، والدم يتساقط من كل جزء فيها عدا الرقبة والرأس!

عُلّقت بطريقة جعلتها تشبه دمية خشبية، وكأن من قتلها قرر أن يسخر من جسدها ويحوّله إلى عرضٍ شيطاني.

كل شيء في الغرفة تحوّل إلى صمت مطبق إلا ذلك المشهد. كان يتحدث من تلقاء نفسه، يصرخ في وجهي بصورته البشعة.

لم أتحرك. شعرت كأنني متصلبة، كأن الخوف تغلغل حتى في نخاعي الشوكي. لم أسمع الطلاب يصرخون إلا بعد دقائق، وكأن الصدمة فصلتني عن الواقع.

غاب عن عيني منظر الجثة حين وقف الحرس أمامي وبدأوا ب دفع حشد الطلاب للخلف ،وجدت نفسي خارج الغرفة وأنا مازلت لا أشعر بقدماي .

في الخارج، وقفت في الرواق أبحث عن وجه أعرفه. صوتي خرج همسًا:

"دارين؟"

بدا كأنني استدعيتها من داخل صدري، من بين ضلوعي المرتجفة.

أين هي؟ لماذا لم أراها وسط الحشود؟... قلبي بدأ يعلو صوته، وبدأت أركض.

دفعت الطلاب جانبًا، أسمع الشتائم تُرمى نحوي، ولا أبالي.

باب غرفتي بدا وكأنه يبتعد عني كلما اقتربت. لمّا وصلت، فتحته بقوة وأنا أصرخ باسمها، ثم...

يد ارغمتني على الالتفات و صفعة!

قوية، مفاجئة، جعلت وجهي يلتفّ.

"أين كنتِ؟!" صرختُ أنا وهي في ذات اللحظة.

ثم، هدأ كل شيء، ودموعي نزلت.

ارتميتُ في حضنها، كأني كنتُ تائهة في كابوس وعادت يداها لتعيداني إلى الحياة.

أجهشت بالبكاء. لم أستطع أن أشرح لها... لم أرد. أردت فقط أن أشعر بأن أحدهم ما زال حيًّا، أن من أحبها ما زالت هنا، تتنفس، تتكلم، تحضنني.

ثم، فجأة، ركضت للحمام.

صورة الجثة تتكرر في ذهني كما لو أنها تُعرض على شاشة داخلية لا تنطفئ. جثوت أرضًا وبدأت بالتقيؤ.

"ورقة وقلم!"

همست بها بصوتٍ متقطع، أجهدتني الدموع والتقيؤ، وأعيا عقلي المشهد العالق.

نظرت إليّ دارين بدهشة وارتباك، فكررت طلبي برجاءٍ أشد:

"داي، أحتاج ورقة وقلم حالًا!"

تردّدت لحظة، ثم جرت بسرعة، عادت بهما ووضعتهم في حجري، وجلست خلفي تمسّد ظهري المرتجف.

أغمضت عيناي وأمسكت القلم.

هذا هو علاجي...

منذ طفولتي، كان الرسم وسيلتي الوحيدة للنجاة من الخوف.

عندما كنت أرتعب من الأشباح التي تتسلل لعقلي قبل النوم، كنت أرسمها على الورق. أواجهها بالخطوط والألوان، أحاصرها في زاوية الصفحة، فتخرج من رأسي وتتحول إلى مجرد شكل جامد.

ثم أصبح الرسم عادتي... ملجأي.

كل كابوس، كل مشهد موجع، كل شعور سلبي لا أستطيع شرحه... كنت أرسُمه.

واليوم... أمام هذا الكابوس الحيّ، لم أجد وسيلة أخرى للنجاة.

بدأت أرسم، يدًا ترجف، وعقلًا يحاول طرد الصور من داخله. كل تفصيلة... موضع الجثة، السكين، الدم، السقف، ملامح "دنيا"، نظراتها الأخيرة، الغرفة، موقع الباب...

كل ما رأيته، أعدت تشكيله على الورقة، كأنني أستخرج السم من داخلي خطًا بخط.

كلما اكتمل جزء من الرسم، شعرت بشيء ينزاح من ذهني.

حتى انتهيت.

فتحت عيناي بسرعة، دفعت الورقة عني بعنف وكأنها تحمل لعنتها، ثم همست:

"أريد النوم..."

عادت إلى الواقع، ومدّت يدها إليّ.

ساعدتني على العودة للسرير. غطّتني بلطف وقالت:

"سأبقى بجانبك اليوم، لا اختبارات ولا عمل، فقط ارتاحي."

"لا أريد البقاء وحدي!" قلتُها بذعر.

"أنا هنا... لن أتركك."

ثم تسلّلت تحت الغطاء إلى جانبي.

"أأحكي لكِ قصة؟"

"تكفيني قصة اليوم."

"كيف تحملتِ كل هذا في رأسك؟" سألتني

"هاه؟"

"لا شيء... ارتاحي فقط." ابتسمت بسخرية فهمست لها "تبا لكِ."

أدرتُ ظهري لها، وشعرت بيدها تداعب شعري حتى غفوتُ.

لقد كانت دومًا فتاة والديها، لم تعرف يومًا معنى الهمّ أو المسؤولية، ولا حتى الذنب.

كانت والدتها تردد دومًا أن ما تفعله هو الصواب، وكان والدها يدعمها بلا حدود.

طلباتُها كانت تُلبّى قبل حتى أن تنطق بها.

لكنها لم تكن ترى حياتها مثالية كما قد يظنّ الآخرون.

كانت تحتاج إلى أن تخطئ، أن تشعر بالذنب، أن تختلف مع والديها كما يفعل جميع المراهقين.

كانت تتمنى أن تخرج، ولو قليلاً، من ظلّ والدتها لتكتشف العالم وحدها...

لكنها كانت أضعف من أن تواجهه بمفردها.

كل يوم بعيد عن أهلها يذكّرها بأنها ليست مستعدّة بعد، بأن عليها أن تعود كما كانت...

الطفلة الصغيرة التي لا تتجاوز حدود والديها.

لكن النفس البشرية، المتمرّدة بطبعها، لم تكن ترضى بذلك،

كانت تدفعها دفعًا للركض عكس التيار،

وإياس أضعف من أن تواجه نفسها كذلك.

خطوتها في التوظف دون علم والديها كانت، في نظرها، إنجازًا عظيمًا.

لم يكن المال هدفها، فوالدها يمنحها كل شهر أكثر مما تحتاج.

كانت فقط ترغب في الشعور بالمسؤولية.

أرادت أن ترى نفسها متعبة، منشغلة، قادرة على إنجاز الكثير دفعةً واحدة.

"التمرد"… تلك كانت الكلمة التي تسعى إياس لتحقيقها.

لكن الشهر الأول كان جحيمًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

كأنها كرة تتقاذفها الجدران، لا تهدأ ولا تستقر.

تتخبط بين نظرات يوسف الحادة، والمشادات اليومية مع آدم.

أما الذنب، فقد حازت عليه أيضًا.

كانت تصبّ جام غضبها على دارين ثم تعود كل ليلة لتعتذر منها قبل النوم،

وما كان من دارين إلا أن تسامحها وتمزح معها كأن شيئًا لم يكن.

كانت إياس تستطيع احتمال كل ذلك...

كل تلك الفوضى اليومية.

لكن ماذا عن الكابوس؟

تلك الجثة المعلّقة، والدماء المتدفقة من كل أطرافها…

ذلك المشهد كان أقوى من قدرتها على التحمل.

كان كالقشة التي قصمت ظهرها.

"داي؟"

همست بها وأنا أفتح عينَيّ، أبحث عن دارين بجانبي… لكنها لم تكن هناك.

اعتدلت جالسة بسرعة، ثم نزلت عن السرير وبدأت أناديها.

"دارين، أأنتِ هنا؟"

سألت وأنا أقترب من باب الحمّام، علّها تجيبني، لكن لم يصلني أي صوت.

وضعت يدي على مقبض الباب بتردد، للحظةٍ فقط ظننت أنني سأرى خلفه ما يوقف نبضاتي…

لكنني تراجعت، لم أفتحه.

عدت أناديها مرات أخرى، لكن الصمت ظلّ يلفّ المكان.

"أجيبي يا دارين!"

قلت بضيق ونفاد صبر، وأنا أتصل بها هاتفيًا وأضرب الأرض بقدمي بعصبية…

وأدعو الله في سرّي ألا أسمع رنين هاتفها هنا في الغرفة.

"مرحبًا، أيتها القطة."

جاءني صوتها أخيرًا، فخرج مني زفير طويل بحجم كل الخوف الذي كان ينهشني.

توقّفت قدماي عن الارتجاف.

"أين أنتِ؟" سألتها بنبرة حادة.

"في العمل... لم أرد أن أزعجكِ، كنتِ نائمة بعمق."

" أتشفقين عليّ الآن؟! ليس لأنني بكيتُ أمامكِ تعطين نفسك الحق لتقرّري بدلاً عني!

قلتُ لكِ: أيقظيني، وهذا يعني أن توقظيني!"

قاطعتها صارخة، نبرة غضبي تطغى على أي شيء آخر.

"حسنًا يا بطلتنا... أنا في انتظارك، فهل تستطيعين المجيء وحدك أم آتي لآخذكِ؟"

أهي تسخر مني الآن؟!

أغلقت الهاتف في وجهها، واتجهت للحمام بسرعة، غسلت وجهي، عدّلت شعري، ثم استعددت للخروج...

لكن شيئًا لفت نظري…

ورقة كبيرة، مكرمشة، وملقاة في سلّة القمامة.

تلك هي الورقة التي رسمتُ فيها الجثة!

شيءٌ داخلي أرادني أن ألتقطها… أن أفتحها…

لكني أبعدت الفكرة عن رأسي.

لا حاجة بي إلى كوابيس جديدة هذا اليوم،

خاصة وأنني لن أطلب المساعدة من فتاة الثلج تلك…

أبدًا لن أفعل!

كنت في طريقي للخروج… لكنني تذكرت شيئًا.

عدت بسرعة لأخذه، ثم أغلقت الباب خلفي، وركضت على الدرج بقفزات واسعة.

وضعت سماعات الهاتف في أذني، وغطيت وجهي بقبعة البلوفر الواسعة،

عقلي استعاد مشهد دخول آدم إلى المقهى قبل شهر…

كان يرتدي مثل هذا البلوفر.

لكنه بالطبع، أجمل!

لماذا فكّرت فيه الآن؟

لا يهم.

مررتُ بمقهى "ليلى اللطيفة"، وأطلقتُ عليها هذا الاسم لأنها حقًا لطيفة.

"مرحبًا، سندريلا!" نادتني ليلى عندما لمحتني أدخل المقهى،

ابتسمتُ لها ابتسامة عميقة، وشعرتُ أن مزاجي بدأ يتحسن.

"أهلاً ليلى!" قلتها وأنا أقترب منها.

"إلى أين الآن؟" سألتني بدهشة، فهي لم تراني أخرج من قبل.

عادةً، كان هذا هو وقت عودتي من العمل.

"أريد تغيير جو الجامعة." أجبتها وأنا آخذ كوب القهوة منها.

"مستعدة لأخذك لجولة لن تخطر على بالك في هذه المدينة الكئيبة." قالتها ليلى وهمست بالقرب من وجهي، وهي ترقص بحاجبيها بطريقة فكاهية.

ضحكتُ بشدة على تصرفها، وأجبتها وأنا أحاول إيقاف ضحكتي:

"حسنًا، هيا."

سمعتُ كلمة ليلى فخلعت مريلتها ورمتها على الكاونتر، ثم قفزت من فوقه، لتكون أمامي في لحظة.

انحنت قليلاً أمامي وقالت بكل جدية:

"الأميرات أولًا."

ضحكت بخفة، ثم تقدمت أمامها وأنا أخرج من المقهى.

"أين دارين؟" سألَت وهي تمشي أمامي، مستمتعةً بكل لحظة.

"سوف نمر عليها الآن، أريد فقط أن ألقي التحية عليها." أخبرتها وأنا أدس يديّ في جيوب البلوفر.

بعد ربع ساعة من الحكايات العشوائية، وصلنا إلى المقهى.

دخلت أولًا، وليلى خلفي، أبحث بعيني عن دارين، وفجأة…

انقطعت الأنوار، وتوقفت الأصوات كلها!

سمعتُ صرخة مكتومة من ليلى، كان شخص ما قد خنق كلامها قبل أن يخرج!

التفتُ بسرعة، ولم أرَ شيئًا سوى الظلام المحيط.

كان الصمت يطبق على المكان، فقط بعض الأنفاس المتوترة.

كيف تشعر عندما تقابل الموت أمامك؟

جسدي ارتجف من الخوف، وكأن هذا كله قد حدث في ثوانٍ قليلة!

فجأة، فتحت الأنوار، وصراخ الناس اجتاح المكان.

عيوني كانت تلتفت في كل اتجاه، لا أستطيع استيعاب ما يحدث.

سمعتهم يصرخون في نفس الوقت بجملة واحدة، لكن عقلي لم يستطع فهمها.

عدتُ إلى وعيي بسرعة، وضعت يدي في جيبي بهدوء تام، كأنني أبحث عن شيء…

هل كان ذلك قاتلًا؟

هل يقترب مني الآن؟

في تلك اللحظة، عاد صوت العقل المزعج في ذهني، ليذكّرني بتلك الجثة.

كيف يمكن أن تعود الآن؟

لقد تخلصتُ منها بالفعل!

هل سأبكي الآن؟

لا، لن أفعل. لن أسمح لنفسي بالبكاء.

هل هناك خوف أكبر من هذا؟

"عيد ميلاد سعيد، إياس!"

سمعت الصوت الذي جعلني أعود إلى الواقع، شعرت بجسدي يتراجع إلى الوراء بقوة،

ثم سقطت دارين عليّ، وضمتني بشدة، ورفعتني لتدور بي قليلاً، مما جعل عقلي يعود إلى الوضع الطبيعي.

"عيد ميلاد سعيد، إياس!" صرخت داي بينما كانت تضع قبلة على وجهي.

ضحكتُ ضحكة متوترة، شعرت أن الوضع كان سيكون أفضل لو لم أكن خائفة.

كنت أجيب كل من قال لي "عيد ميلاد سعيد"، ممتنة لدارين التي كانت تحاول أن تجعل هذا اليوم مميزًا رغم كل شيء.

في تلك اللحظة، وقع نظري على شخص كان يقف بعيدًا، يراقبني بعمق، بقلق…

آدم مجددًا.

حاولتُ أن أشتت نظري عنه ، لكن ذلك لم يكن ممكنًا.

كيف يمكن لعقلي أن يتجاهل هذا الرجل الذي يثير داخلي كل تلك المشاعر الغريبة؟

وفي نفس اللحظة، سمعت صوت ليلى قادمًا من بعيد، تسبّ وتصرخ على شيء ما.

"هل هذا مزاح حقًا؟ هذا اختطاف! سأحاسب هذا الطويل الأخرق الأحمق ذو رأس غزل البنات!"

ضحكتُ من الداخل، وعينيّ اتسعت عندما أدركت من كان يقف هناك.

"يا إلهي، هذا وليد!"

لقد اشتقت له بشدة!

ركضت نحوه، وعندما رآني، فتح ذراعيه لي، وضممته بقوة، وأنا أضحك فعلاً من قلبي.

كان هذا مبهجًا، جميلًا جدًا!

أن تكون محاطًا بكل هؤلاء الأشخاص، وهم من حولك، وتشعر بالسعادة، تلك هي الجنة على الأرض.

لكنني تمنيت لو كان والديّ هنا، لكن نفسي في الوقت نفسه كانت تشكر الله على عدم وجودهم.

كيف يمكن للمرء أن يطمئن قلبه إذا كان والديه يحتفلان به في مكانٍ يخفيه عنهم؟

"اشتقت إليكِ، يا غبية!" قال وليد بحماس وهو يقفز أمامي.

"اشتقت إليك أكثر بكثير!" أجبت وأنا أحاول منع الدموع من الانفجار في عينيّ.

كانت المشاعر كلها متضاربة: الكره، والخوف، والسعادة، كلها مزيجٌ لا يستطيع قلبي تحمّله.

"لا تبكي الآن، سأجعلك تبكين بعد قليل."

قالها وليد وهو يسحبني من يدي نحو طاولة بها كعكة كبيرة، مكتوب عليها "عيد ميلاد الجدة ".

نعم، بالطبع، هو الذي كتبها!

كان الجميع حولي، دارين على يميني، وليد على يساري، ليلى أمامي، وأدم الهادئ بجانبها كأنه إمتداد ظلها .

"هيا، تمني أمنية!" صرخت دارين في أذني، وضحكتُ بخفة، ثم انخفضت، وأغمضت عيناي، وتمنيتُ.

أطفأت الشموع، وسمعت تصفيقهم الحار وتصفيرهم من حولي.

"فكرة من هذه؟" سألتهم وأنا أبتسم.

"أنا بالطبع!" أجاب وليد بثقة.

ابتسمت له بحب وقلت "وليد، الوقت متأخر على عودتك، يا أحمق!"

"من قال إنني سأعود؟ سأبقى هنا أسبوعًا كاملاً!" قالها وهو يمدد كلمة "كامل".

"ماذا؟" رمشتُ بعينين متسعتين.

لا تظنوا أنني أكره أخي. لكن الحقيقة هي أن الأمور ستصبح كارثية إذا بقي هنا.

بالإضافة إلى أنني أخاف من الوضع الأمني في الجامعة، لا أريد أن يقترب منها!

"نعم، أخبرتك أنني سأجعلك تبكين."

قال وليد وهو يسحبني من يدي نحو الطاولة.

هل تصدقون أنه لطيف؟

إنه يتمسكن حتى يتمكن!

حمل حقيبة ظهره الثقيلة جدًا، كما يبدو.

هل أحضر غرفته معه؟!

استيقظت من نومي لأجد الغرفة فارغة، لا أحد هنا.

أزحت الغطاء عني، نزلت قدمي على الأرض بهدوء، لكن في اللحظة التي لامست فيها الأرض، انطفأت الأنوار فجأة، مما جعلني أعود بسرعة إلى السرير وألتصق بنهايته، وأواصل مناداة كل الأسماء التي أعرفها دون أن يجيبني أحد.

"هل... هل هذه مزحة؟" قلتها وأنا أشعر بالتوتر، واكتفيت بالصمت بعدها، متمنية أن تنتهي هذه المزحة السخيفة.

ثم جاء همس ضعيف، بالكاد أسمعه، ولكنني كنت أعرف صاحبه... إنها دارين!

"أين أنتِ؟" ناديتها وأنا أبتعد عن خشب السرير لأقف في منتصفه.

"إياس، أنا خائفة!" همست بصوت مخنوق، ثم أنهته بشهقة جعلت قلبي يتسارع ويشوش أعصابي.

"أين أنتِ؟" ناديتها مرة أخرى وأنا أعود إلى زاوية السرير.

"لا تأتي، لا يجب عليكِ رؤية هذا... إنه... إنه بشع!" كلماتها كانت مشوشة، لأنها كانت تبكي، وأنا لم أكن قادرة على التحرك. لكن عقلي كان يصر على أنها مجرد مزحة.

استمر الصمت، فلا يسمع سوى شهقات دارين، بينما كنت أحتفظ بأنفاسي بيدي، والدموع قد تجمدت في عيني.

استمرت دارين في تحذيري ألا أقترب وألا أتحرك، ما جعلني أتمسك بأمل صغير في أنني ما زلت أسمع أنفاسها... إنها على قيد الحياة.

فجأة، عادت الأنوار. أغمضت عيني في نفس اللحظة التي عادت فيها، وأنا في حالة من الارتباك.

حقاً، لم أكن أريد أن أرى ما هناك... لا أريد أن أفتح عيني وأكتشف أن هذه مجرد خدعة سخيفة من دارين، لأنني سأنفصل عن الواقع تماماً في تلك اللحظة!

لكن دارين كانت لا تزال تبكي وتصر على أن لا أفتح عيني، كانت تتوسل لي بشدة أن لا أراها.

اقتربت قدميّ أكثر نحو حضني وضممتها، وأخفَيت رأسي بين يدي، داعية الله أن يهدأ عقلي ويستقر قلبي.

ما الذي تفكر فيه عندما تشعر أن الموت قريب؟

رفعت رأسي بهدوء، لكن دارين صرخت فجأة!

"لا ترفعي رأسك، إبقي عينيك مغلقتين! أنا آسفة، آسفة، لا أعلم كيف حدث ذلك! لا تنظري، أرجوك!"

كان قلبي يكاد يتوقف في كل لحظة. كنت بحاجة لأن أرى... لأن أنهي هذا الخوف، مهما كان ما سأراه. كان ما يهمني فقط هو أن أتوقف عن الارتجاف!

رفعت رأسي أخيراً دون أن أستمع إلى صراخها، وفتحت عينيّ بينما كنت ما زلت أحتضن قدميّ... و...

انتفض جسدي، التصقت أكثر بخشب السرير، وزادت نبضات قلبي وارتجافي بشكل غير محتمل!

"آ... آ... أنا آسفة، ليس ذنبي! أقسم لكِ، آسفة، لا أعلم كيف حدث!" سقطت دارين على الأرض وهي تصرخ وتبكي، مرتجفة، ورمت السكين المملوءة بالدماء على الأرض!

أخيراً، انهار حاجز دموعي وكأنها سيول لا يمكن إيقافها.

تجمدت أنفاسي، ووقف جسدي، وكلماتي توقفت في فمي.

بدأت الرؤية تصبح مشوشة، وشعرت أن الغرفة تدور من حولي، لكنني لم أستطع أن أبتعد عن تلك الجثة المعلقة كما كانت الجثة السابقة. حتى أنني نسيت وجود دارين، نسيت صراخها، نسيت كل شيء!

تخيلت العديد من المصائب والكوارث التي قد أراها عند فتح عينيّ، لكنني لم أتخيل قط أن أجد جثة أخي أمامي، مقتولاً بسكين صديقتي!

شعرت أن الأكسجين قد انقطع من حولي. آخر ما رأيته هو دماء أخي التي لا تتوقف عن التدفق، وانهيار دارين، ثم جاء الظلام مجدداً.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إيــاس

المؤلف Rahma S Abdullah
2025/11/07 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة