تَنَاقُض

تَنَاقُض

28 1

.

.

.

رِيَام..

بعض الأمان يكمن في التّفاصيل الصّغيرة..  لطالما تغنّيتُ بهذا الاقتباس الذي نُقِشَ على ورقة  سلسلتي المفضّلة.. بل وأومن به.. قد يكون حملي لوشاح أمي.. نفحة من عطر أبي.. أنيسا لي في غربة جافّة ودِفئا يُذِيبُ صَقِيعَها..

رُؤيَتِي لصديقة قديمة فرّقنا الزّمن وسط جمع من الغرباء يُشعر خافقي بالرّاحة ولو لم نتحدّث بل وحتّى لو لم تنتبه لوجودي ولكن.. أن ألمح كيانا مألوفًا يحومُ حَوْلي لهُوَ تَرْبيتةٌ حنونَةٌ عَلَى الكتف..

تتلاقى مُقْلتاي بمُقْلتي طِفْلة صغيرة تُشِعُّ براءةً فيبْتِسِمُ ثُغْرُها الصّغيرُ وَكأنّها ألفتني.. وَأن تدعُو لي بالتّوفيق عابرةٌ بعُمر جدّتي لَهُوَ حُضْنٌ دافِئٌ من نوعٍ آخرٍ لخافقي..

لازلتُ لا أدرِي أمِنَ البَسَاطَةِ أُفَكِّرُ هكَذَا أمْ مِنَ افْتِقاري للأمِانِ بِتُّ أتَصَيّدُ تَفَاصيلهُ مُهْمَلَةَ الاعتِبار.. ولم أنته من المُضِيّ قُدُمًا حتّى وَجَدْتُني أحُومُ بين أرْوقةِ الإقامة الجامِعِيّة أبحثُ عن الغُرفة رقم 24 حيث سأسكُن..

مُتْعَبَةٌ أنا من طول الطّريق وأنا بالكاد أحاول ألّا أفقد توازني أصبّر نفسي بقرب موعدي مع مرقدي حيث سيُغْمى عليّ في أقَلّ من ثانية لشدّة الإرهاق الّذي ينتابني.. بالتّفكير في ذلك أنا لا أضمن أن أحصُلَ على سَرير صالح للعيش مع قدم الأثاث هنا وطبيعة البنات الساكنات هنا..

كما أتساءلُ.. من ياتُرى ستُشاركُني رِحْلَتي الجامعية هُنا.. بِجِدّيّة أتمنّى أن تكون حَسنَةَ المعشر طَيّبة الحاشية.. أن تكون بنتا صالحةً تُعينُني على الطّاعَةِ وفعل الخير.. تُوقِظُني فجرًا على صوت المؤذّن تارة وأعاتبُها إن هي قصّرت أحيانا أخرى..

أدري أنّني أبالغ في نسج أحلامي لقلّة وجود الفتيات المُلتزمات ولكنّهنّ موجوداتٌ رغْمَ ذلك.. حسنًا سأحاولُ أن أكون أكثر واقِعِيّة وأدعُو أن تكون فتاة بسيطة صافية النّوايا ولو لم تكن مُلْتِزمَة.. فقط أن لا تكُون نموذجًا مِنَ المرأةِ المُتَحَرِّرِةِ الّتي تتبنّى أفكارًا علمانيّة تُعادي الإسلام ومُلتزمي أحْكامِه.. لأنني حينها سأعاني صراعًا حادّا دائما حادًّا معها.. ولن تكون هناك خاسرة سِوَانا..

واصلتُ تتبُّعَ ترقيم الغرف من رواقٍ لآخر.. تبًّا.. لماذا دائمًا ما أُعاني مشكلة في حفظ الطُّرُق أو حتّى إيجادها..

أعرف نفسي وأُدركُ أنَّهُ لَوْ تمَّ مَنْحِي خارِطَةً مُفَصّلةً عن وجهَتي سأَلُفُّ الكون ذهابًا وإيَّابًا دون أن أجدها..

قرَّرْتُ أخيرًا سُؤال إحدى السَّاكِنات هنا.. وفي نفس مكاني تسيرُ فتاة هادِئة تحملُ كُتُبَها تمشي بِتُؤَادة وكأنّها في عالمها الخاصّ من العلوم والمعارف.. خمَّنْتُ ذلك من عينيها الشاردتان المخفيّتان خلف نظَّاراتها الواسعة وهندامها المُرَتّب بِمِثالِيَّة..

لفتُّ انتباهها بحمحمتي وسألتُها بلُطفٍ عن وجْهتي فأجابتني بصوت رقيق يتماشى مع رقّة ملامحها..

"الغرفة قريبة من هنا.. لو واصلت سيرك بضع خطوات لصادفتك على اليمين.."

شكرتها واعتذرت لها أخذي من وقتها ولم أنس أن أعتذر لنفسي كوني غبيّة أسألُ عن موقع غرفةٍ كنت سأصادفها على كلّ حال.. على أيٍّ قبل أن تسير كلتانا إلى حال سبيلها قاطعتنا إحدى الفتيات بحاجِبَان معقُودان يبْدُو أَنَّ لها معرِفةً بالفتاة صاحبة الكتب..

"مَنْ تَكُونُ هذه يا لَميس.. تبدو غريبَةً عن المكان لم ألتق بها من قبل.."

"لا أعرفها فقط سألتني عن رقم غرفة مريم فدللتها على موقعها.."

التفتت نحوي تُحدِّجُنِي بِنَظْرَةٍ مُسْتَفِزَّةٍ لتنبس..

"أهلًا بِكِ بَيْنَنَا آنِسَة مُعَقَّدة.. عَزائي لِمَرْيَم رَفِيقَة غُرْفَةٍ واضح أنّها متخلّفة من العصر الجاهِلِيِّ تُوَاكِبُ عَصْرَنا.."

"شُكْرًا على التَّرْحيبِ آنِسَتِي.. لكن على فكرة.. قد يكون شكلي من العصر الجاهلي لكن المُشْكِلَةَ أنَّ عقْلَكِ عَالِقٌ فِيه..عن إذنِكُنّ.. "

واصلتُ طَرِيقِي بِحِنْقٍ تِجَاهَهُمَا وَبالأَخَصِّ تِلْكَ النِّسْوِيَّةَ المُتَطَرِّفة التي تُطالني باحتقار.. تَبًّا لها أفسَدَتْ مِزَاجي الرَّائِق.. مُسْتَفِزَّةٌ بالكاد أُمْسِكُ نَفْسِي عنْ تَهْشِيمِ وَجْهِها المُلَوَّن بمساحيقٍ فاتحة..

لا أُنكرُ أنَّها جَمِيلة.. ممشوقٌ قوامُها ترفُلُ في فُسْتانٍ قصير من السّاتان مخمليّ اللّون.. ترفع شعرها الذّهبِيَّ بِعَشْوائيَّةّ لكنّ تبعثُرَهُ ذاك زادها جمالا.. كانت جميلة.. لكنّها جعلتني أكرهُهَا من أوّل لقاء.. لم أكُن تلك المتعصّبة التي تتجنّبُ الفتيات اللَّاتي لا تُشْبِهنها لكِنّي كنت تلك المُلْتَزِمَةً ما استطعتُ ومظهري يحكي ذلك بجِلبابي الفضفاض الطّويل الّذي يكادُ يُلامِسُ الأرض.. 

وصلتُ إلى الغرفة المنشودة ورفعتُ يدي لأطرُقَ البابَ ولكِنّي أوقفتُها في آخر لحظة.. الآن فقط أدركتُ ماقالته تلك النّسويّة.. قالت أنّي سأُشَارِكُ الغُرْفَةَ مع صديقَتِها المُسَمَّاةَ مريم..

صديقتها..

صديقة..

صديقةُ تلك النّسويَّة..

ستكونُ شريكَتِي في الغُرْفة..

أي أنّ أغلب الظَّنّ أن تُشاركها المعتقدات..

أيّ بلاء هذا..

نفضْتُ عنِّي الأفكارَ المُحْبِطَةَ التّي داهَمَتْني لأُقَرِّر الدُّخُولَ أُحَاوِلُ التَّشَبُّثَ بِبَقَايَا أمل.. لسْتُ مِمّن يأخُذُ أحْكامًا مُسبَقَةً عَنِ النّاسِ قَبْلَ مُقَابَلَتِهِم.. ولكِنّني فقط قلِقة.. حسَنًا.. فقط رِيام كُوني أنت.. على سَجِيّتكِ كُوني.. 

وبضعُ طرقاتٍ مُتقَطّعة افتعلتُها أرْسُمُ ابتِسَامةً هادِئةً حتّى سمعتُ خُطُواتٍ تقترِبُ من الباب..  وبِهُدُوءٍ فُتِح..

.

.

مريم..

أفقتُ على صوتِ طرقاتٍ على الباب.. مُجَدّدًّا..

هذه المرّة لم أتأخّر في الاستجابة لأنّي أردتُ اللّحاق بصاحبة الرّسالة إن كان الطّرقُ لنفس الغرض..

بخفّة فتحتُ الباب وتفاجأتُ بفتاة غريبة عن المكان.. كانت ترتدي جلبابا طويلًا داكن اللّون يخفي كامل جسدها عدا كفّيها ووجهها.. وجهها كانَ مُشرقًا رغمِ ما يبدو عليها من تعب السّفر.. ومِنَ الوَاضِحِ أنّها هُنا للسّكَن فحقيبَتُها وَاضِحٌ ثِقَلُها وامتِلاءُها بِأغْراضٍ للمَبيتِ طَويلًا..

تنهَّدتُ أُفْسِحُ لَها المَجالَ لتدخُلَ وأقْفِلَ البابَ خَلْفِها وبابتِسَامَة مُتَكَلِّفَةٍ قُلتُ باقتضاب..

"أهلًا بِكِ أُخْتي.. أرجو أن ترتاحي بِمُسْتِقَرِّكِ الجديد هُنا.. الخِزانَةٌ هُناكَ ُقَسَّمَةٌ إلى رُفُوفٍ أغْلَبُها فارِغةٌ لذا بإمكانِكِ أن تُوَضِّبي بها أغْرَاضِك.. خُذي راحتَكِ وَأيُّ أمرٍاحتجتيه يُمْكِنُكِ إعلامي.. اسمي مَرْيِم.. وَمُنْذُ اللّحْظَةِ أعْتَذِرُ عن الإزْعاجِ الذي سيُسَبّبُهُ لكِ قُرْبي.. على أيّ.."

لمحتُ عيناها وقد لانَتا نَحْوِي ولمْ أنْتَبه حتّى وجدْتُها تأخُذَني بحُضْنٍ دافئ.. تصَلَّبَ جَسَدي من شدّةِ المُفاجَأِةِ ثُمَّ بدأَ يَرْتخي بالتّدْريج.. رفعْتُ يداي نحو ظهرِها أُبادِلُها العناقَ وأقْبِضُ عَلَيْها بشدّةٍ وكأنّي أخشى أن تتلاشى..

لَو تعلَمُ كَمْ كُنْتُ بحاجَةٍ لِعناقٍ كهذا.. أشْعُرُ بالدّفئ يسري في أوصالي وَ.. لِتَوّي فقط انتبهتُ كَوْنَ الفَتاةَ غريبَةٌ عنّي وأنا الآن قد أرخيتُ حُصوني بِمُجِرّدِ أن قَرُبَتني.. فاليَرْثِ الشُّعَراءُ بُؤْسي..

دَفَعْتُها بلُطْفٍ أفصِلُ العناقَ أسيرُ نَحْوَ سَريري دُونَ أن أنبِس ليخترِقَ سَمعي صَوْتَها الوَدُود..

"وأنا رِيام.. شُكرًا أُختي وأتمَنّى من أعماقي أن ننسَجِمَ ما دام قَدْ قُدِّر لنا تَشَارُكُ السُّكنى.." رأيْتُها تُزيحُ بصَرَها عنّي لِتُكمِل "حتّى لو اختَلَفت وِجْهاتُ نظَرِنا الفكرِيّةُ والعَقَدِيّة.." رَفَعَت نَظَرَها نحْوي بِجِدّيّة وهِيَ تُشَكِّلُ قَبْضَةً بيَدَيْها.. "ولنتّفِق من الآن مريم لا  إهاناتَ بَيْنَنا.. إِمّا نِقأشٌ باحتِرامٍ أمْ تَجَنُّبٍ للمَواضيعِ المُثيرَةٍ للجِدال.. مريم.. لا أعرِفُكِ والمِثْلُ بالنّسبَةِ إليك ولكِنّ الوقْتَ كفيلٌ بِكَشْفِ ما قَد نَجْهلُهُ عنّا لِذا.. أتمنّى أن نبنِيَ ذكرياتٍ صَادِقَة وَسَطَ مُجتَمَعٍ نُعاصِرُهُ مِنَ الأكَاذيب.."

أنهتْ كَلامَها وانحنَت إلى حقيبَتِها المَرْكُونةٍ في الجانب تُقلّبُ مُحتَوَيَاتها قبل أن أنسحب إلى خارجِ الغُرفَةِ أُحدّثُها بابتسامة خافتة قبل أن أُغلِقَ الباب خلفي..

"سأخرجُ قَليلًا رِيام.. خُذي راحتك في غُرْفتِك.. غيّري ملابسك ووضّبي أغراضك.. إن احتجتني ستجدينني أتمشّى في الجِوار.."

خرجتُ أتمشّى بهُدوء أشرُدُ في الطّريقِ أمامي..

شريكةُ سَكَنٍ جديدة إذن.. رِيام.. اسمٌ مُمَيّز.. لأكُن صريحة مع نفسي أنا ارتَحتُ لها لكن.. هي لن ترتاح معي.. المسكينةُ تأمَلُ شريكةَ سكَنٍ تُؤنِسُها وتسهرُ معها لساعاتٍ مُتأَخِّرة يقصُصْن الحكايا ويتبادلنا النُّكات.. أعتذرُ ريام ولكِنّني لن أكونها رغم أنّي سأضمنُ لكِ الخُصوصيّة والسّلام.. عُمُري لا يزالُ في مُقتَبَلِ الشّبابِ لكِنّي قَد ودّعتُ شَبابي قبلَ سَنَتَين..

مُقلتاها كانتا واسِعتَين  كأحجارِ السّبَجِ* اللّامع انعِكاسُ بياضِ الضّوء بهما جعلتهُما تنبِضانِ بِبَريقٍ حيٍّ أنارَ وجهَها المُشرِق.. كانت تلبسُ جِلْبابٍا كخاصّةِ أخوات المساجِد المُتَدَيِّنَات.. سمعتُ كثيرًا عن تطَرُّفِهنّ  وتشدُّدِهِنّ الدّينيّ لدرجة التّعقيد.. أتساءلُ هلْ تكُونُ رِيام مِنهُنّ.. رَغْمَ كَوْنِها تبْدُوا ودُودةً واجتِماعِيّة وقد عانَقتني رَغْمَ حالي البائسِ وهيْأتي المُنَفِّرة ورَغْمَ كَوْني كيانًا مَجْهُولًا في قاموسِ معَارِفِها.. وعلى ذِكْرِ عِناقِها حقًّا لقد فاجأتْني.. حُضْنُها كان أخوِيًّا دافِئًا مَدّني بِشُعُورٍ مُسْتَحِيلِ الوصْف..

حُضْنُها يُشْبِهُ خاصّة سَبِيل أُخْتِي كَمْ اشْتَقْتُ إليْها.. كانت لِتُرَبِّتَ على كتفي وتُخْبِرَني أنْ لا شيءَ يَسْتَحِقّ.. كانت لِتَقْرُصني من وِجْنَتي بُغْيَةَ استفزازي وتقولَ أنّي لا أزالُ بِعُمْرِ خَمْسِ سَنواتٍ في نظرِها.. مضَتْ سَنَتَيْن.. نعم سَنَتَيْن..

قبلَ سَنتينِ مضت رُزْمَةٌ مِن أحْداثٍ مُتَتالِيَةٍ انتهتْ بِخَطِّها لِنُقْطَةِ اخْتِتامٍ لِحيَاتِي الرّوحِيّة وافتِتاحِ مَرْحَلَةِ مَوْتِ الأحْياء المُعَذِّبِ للرُّوح..

أنا مُتْعَبة.. ولا يَحِقُّ للأمْوَاتِ الرّاحة.. شعَرْتُ بُقْلتايَ تَحْرِقَانِني فشرعْتُ أعُضُّ شِفاهي أَكْبَحُ عَبَرَاتي مِنَ الهُطُول..

لَفَحَتْني ريحُ المساءِ البارِدة ما أن خرجْتُ للسّاحَةِ  وأخذثُ أتَمَشّى هُناكَ مِن غيرِ هَدَف.. السّاحَةُ كانت شِبه خالية.. سِوى من بضع فتياتٍ يتجوّلن هُنا وهُناك وبع.. يا إلاهي..

كانت فتاةً قَدْ سَقَطَت من الطّابقِ الرّابع.. هل.. ان.تحرت..

أنفاسي تضطرِبُ وضرباتُ قلبي قَدْ بلَغَت أقْصاَها.. بِلَمحِ البَصَرِ تَجَمهرتِ الفتياتُ وقَدِمَ الأمْنُ يحْجُبُونَ المَنْظَرَ عن مرْآي ولكِنّ بصَري عالِقٌ في مَشْهَدِ الفتاةِ المُسَجّى جسدُها وسط بِرْكةٍ قرمزِيّةٍ تشكّلتْ مِنْ دَمِها.. دَمِهَا.. دَم.. أعادَني المَشْهَدُ لِذلِك اليوم.. الدِّماء.. الموت.. نفيتُ بِرأسي أطرُدُ الصُّوَرَ القديمةَ الّتي داهمتني وعَبَراتي تنسابُ بِلا هَوادَةٍ ولا تَرَيُّث..عُدْتُ بِضْعَةَ خُطُواتٍ للوراءِ وكِدْتٌ أَفْقِدُ توازُني لأسْقُطِ على ظهري لولا اليَدُ التي تلقّفتني وأسندتني ومنْ ثَمّ قلبتِ الوضْعِيّةَ لِتُقابِلني وتُسْنِدَني على صَدْرِها وَتُرَبِّتَ على ظهري..  

رُبَّما كان معها حقّ.. أنا أيضًا سَئِمتُ من حياةٍ لا مَذاقَ لها.. ما جَدْوى أن يعيشَ المرءُ بِدُونِ هدَفٍ واضِح.. ولا سببٍ يُشَجِّعُنا على الاستِمرار..

كوني لا أزالُ بهذا العالِمِ لا يعني أنّني قد استطبتُ أيّامَهُ ولكِنّي فقط أخافُ مِنَ المجهُولِ الّذي سيُصَادِفُني هُناك.. تِلكَ الفتاةُ لا أعرِفُ ما دافِعُها وما كُرُباتُها لكِنّها على الأقَلِّ كانت أشجعَ مِنّي..

من استسلمَ جسَدي لها تَقتادُهُ نَحوَ رُكنٍ ما بعيدًا عن الحادِثِ كانتْ رِيام.. غيّرت لباسها الثّقيل ذاك إلى حِجابٍ أخفّ قُماشٍ يُيَسِّرُ الحركَة وحافظت على غِطاءِ رأسِها بِخِمارٍ مَرِنٍ قابِلٍ للتّمدُّد.. توقّفنا حينَ بَلَغنا الجِدارَ لِتترُكني أستَنِدُ عليهِ وَتترُكني لحَظاتٍ لم تَطُل تُسَلِّمُني قنّينَةَ ماءٍ تحُثُّني على تجّرُّعِ بضعِ حَسواتٍ مِنها.. 

أشْعُرُ بِالصُّداعِ يَصُمُّني وبِضيقٍ يَخنُقُ أنفاسي.. ولايزالُ مشهَدُ الجسدِ المُدْمَى يُعرَضُ على بصري وصوتُ الارتِطامِ يتكَرّرُ هِسْتيرِيّا على مَسْمَعي.. كُنتُ أرتَجِفُ وبعضُ خصلاتي التصَقَت بِوَجهي إثرَ تبَلُّلِها بالسّيْلِ الّذي فاضَ مِن مَدْمَعي..

ومُجَدّدًا وجَدتُ نفسي مُحاصَرَةً بِذِراعي رِيام الحنونتان.. 

رِيام.. دافِئَةٌ كَمَوقِدٍ أيّامَ الشِّتاء.. لكِنّني ويا للسّخَفِ أظهِرُ ضُعفي لها من أوّلِ سَاعَةٍ للقائِنا.. كم أنا مُثيرَةٌ للشّفَقَةِ..

ورغمَ ذلِكَ  عليّ التّحلّي بأسمالِ قُوّةٍ الآن.. كرامتي في الحضيضِ والوضعُ يَسُوء.. الأمرُ فقط أنّني..

في فَورَةِ غَضَبٍ للذَات دَفَعتُها بِعِدائِيّةٍ أرمي لها بِضْعَ كُليْماتٍ كانَتْ على طَرَفِ شِفاهي بِفظاظةٍ لم أعْهَدْها مِنّي وألتَفِتُّ اتّجاهَ السّكنِ أركُضُ بِأقْصَى سُرْعَةٍ أملِكُها.. 

كيْفَ سَمحتُ لهل بالتّقَرُّبِ مِنِّي بهذِه السُّهولة..؟ لماذا انهَارَتْ حُصُوني فوْرَ قَرُبَتْنِي وسَمَحْتُ لها باختِراقِ دائرَتي.. أنا حتّى لا أعْرِفُ عنْها سِوى اِسمِها ولا أعْرِفُ أيّ تفصيلَةٍ عنْها.. لا أُمورَ سطحِيّةٍ كدِراستها وعائلتها ولا عميقَةٍ كأفكارِها العقدِيّةِ ولا لأيّ فِرْقَةٍ تنتمي.. لوْ أمعَنْتُ قَليلًا لأَدْرَكْتُ مُنْذُ البِدايَةِ أنّنا لا ننتَمي إلى بعضِنا.. تبدو اجتِماعِيّةً سهلَةَ المَعْشَرِ وَأُناقِضُها في صِفَتي.. لِباسُها يُوحي بانتِمائِها لِجَماعَةِ الإِسْلامِيِّينَ ولسْتُ سِوى مُسْلِمَةٍ بالوِرِاثة..

كُنْتُ أرْكُضُ وَأرْتَطِمُ بالبَناتِ اللّواتي يَتَدَفَّقْنَ مِنْ غُرَفِهِنَّ يَسْتَطْلِعْنَ سِرَّ الضَّجَّةِ أسفَلَ المَبْنى.. ولم يوقِفِ اندِفاعِي سِوى وصولي لِغُرفَتي.. دخلْتُها أصْفَعُ البابَ خلفي وَأُسنِدُ ظَهْرِي عليْها وأُغَطِّي وجهي بيدايَ أنشُجُ بِصَوْتٍ مَسْمُوع..

ماذا فعلتِ أيّتُها الغبِيّة.. ماذَنْبُها هِيَ إن حاولتِ الطَّبْطَبَةَ على قلبي إذ صادَفَتني في حالةٍ يُرْثى لها.. لماذا دفعتُها وتركتُها مُسَمّرةً هُناك وكأنّ بُؤسي يعنيها..؟

لكنّ تصرُّفي هذا كفيلٌ بِجَعْلِها تفهَمُ حُدُودَها معي ولا تندفِعَ نَحوي ثانِيةً.. رَغْمَ أنّي أحْوجُ إلى من يستأصِلُني مِن قبري البئيس وإنعاش روحي.. 

مُتناقِضَةٌ أنا أدْري.. لكِنّ ليسَ بِيَدي وأنا قد ترعْرَعتُ بَيْنَ أحضانِ الجَحيم.. 

التّناقُض.. المِرْآةُ الّتي تنكَسِرُ لِتَرِيَك وجْهَيْنِ في نَفْسِ الحين.. أن يتَجاوَرَ النّاصِعُ معَ الدُّجى.. وأن يُعَشِّشَ المَوْتُ في كَنَفِ لحياة..

أنا فتاةٌ وُلِدَت مِنْ رَحِمِ التّناقُض.. أمشي وفي جَوْفي أسيرُ على سَبِيلانِ مُتَوازِيان.. أرْسُمُ بابتِسامَةٍ هادِئَةً تُواري عنْ شلّالِ بُكاءٍ مَريرٍ مكتوم.. أنا لا أعيشُ حياةً واحِدِةً بل حَيَواتٍ كَثُرَت تتصارَعُ للبَقاء.. كُلٌّ مِنها يُطالِبُ بِحَقِّهِ أن يكونَني.. ولكِنّني اخترتُ عَيْشَ رَمادِيّ اللّونِ مِن بَيْنِ كُلِّ الأطيافِ المُلَوّنة..

شهِقْتُ نَفسًا طَويلًا أخْتَتِمُ بِهِ نَوْبَتي وَ هَرَعْتُ نحْوَ دَفْتَري أُنَفِّسُ بِهِ ما ضَاقَ مِن رُوحي..

"مَرْحَبًا يا دَفْتري وَ أُنْسي وَ مُتَنَفّسي.. مَرْحَبًا يَا مَنْ لَا أَخْشَ مِنْهُ غَدْرًا وَلَا خِيَانة.. مَرْحَبًا يَا خُزَعْبَلَاتِ أَنْفَاسِي الضَّيِّقَة وَعَبَراتِي المَحْبُوسَةِ شَوْكًا يَحْرِقُ جَوْفي.. لَطَالَما فَهِمْتَ ما يعْتَريني من أحاسيسَ يا دفتري رَغْمَ أنَّ كَلِمَاتِي فَوْضَاوِيّةٌ تَحْتَاجُ لِمَوْسُوعَةِ تَفاسِير.. أمّا ما شَخِصَ بَصَري بِعَيْشِهِ قَبْلَ بُرْهَةٍ لم يَكُ سِوَى خِنْجَرٍ حَادٍّ مُرِّرَ عَلى جُرْحٍ أَبى أَنْ يَنْدَمِل..

صَدِّقْني يا دَفْتَري.. أَعْرِفُ أنَّها أَلاعِيبُ الحَيَاةٍ ثانِيَةً تأبَى لِيَ الاستِقرارَ ولَكِنّني فَقَط أَوَدُّ فَهْمَها..

مَاذا تَوَدُّ مِنّي الحَياةُ تَحْديدًا..؟  لِمَاذَا تُصِرُّ عَلى مُعَاقَبَتي عَلى ذُنُوبٍ لَمْ أَقْتَرِفْها وَأنْ أعيشَ حَيَاةً نُسِجَت مِنَ الرَّماد..؟

لِمَاذا دَائِمًا ما يَتَحَوَّلُ ما كُنْتُ أَظُنُّهُ قَبَسًا مِنْ نُورٍ إِلَى جَحيمٍ مِسْتَعِر..؟

حَتّى مَنْ كَانَ يَعْنِي لِي كُلَّ شَيْء.. لَمْ يُصْبِحْ لَا شَيْء بَل بَقِيَ كُلَّ شَيْء.. لَكِنْ هَذِهِ المَرَّة أَصْبَحَ كُلَّ شَيْءٍ يَقْتُلُنِي وَيُغْرِقُ رُوحي إلى القاع..

إلى أيِّ مُسْتَوى بَلَغَ تَنَاقُضي..أتَمَنّى المَوْتَ وأَخْشاه.. أَكْرَهُ الوَحْدَةَ وَأَتَعَمَّدُ تَجَنُّبَ الجَمِيع.. أُحِبُّ التِّجْوَالَ لَكِنَّني أتَعَمَّدُ حَبْسَ رُوحي في زِنْزانَتِها المُغْلَقَةِ فَلَوْ لَم تُوجَدِ الجامِعَةُ وَعَمَلي الجُزْئِيُّ فَلَرُبَّما صَارَ مَرْقَدي مَقْبَرَتي الدُّنْيَوِيّة..

أَتَدْري حَقًّا يَا دَفْتَري مالسّبب حَقًّا في تَمَسُّكي بالخيطِ الرّفيعِ الذّي يربِطُني بالحَياة..؟ أنّني تحمّلتُ كثيرًا.. 

فإنَّهُ يَعِزُّ عَلَيَّ استِئصالُ نَفْسي من جُذُورِها وأنا مُنْذُ أن دَبَّتِ الحَيَاةُ في أوصالي أُصارِعُ التَّقَلُّباتِ الصَّقيعِيّةِ للحُورِ الأبيض..

رِيَام حَاوَت مُسَاعَدَتي لَكِنِّي بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ قَابَلْتُهَا بِالصَّدِ وَرَبَّمَا آذَتْهَا كَلِمَاتِي.. وَلَا قُدْرَةَ لَدَيَّ للاِعْتِذَارِ لَهَا وَلَا مُقَاطَعَتِهَا كَوْنِي سَأِمْكُثُ مَعَهَا لِأَمَدٍ طَوِيل.. 

دَفْتَري.. أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ أَنَا.. أَنْ أَعْرِفَ مَنْ أَكُون.. بَلْ والغَايَةَ مِنْ وُجُودي أَسَاسًا..

دَفْتَرِي.. بِجِدِّيّة..

إِنْ كَانَ للقَدَرِ حِكَمٌ كَمَا يُشَاعُ فَمَا الحِكْمَةُ مِنْ وُجُودِ فَتَاةً عَاشَت عِقْدَيْنِ بِرُوحٍ مُكَبَّلَة.. هَذَا وَفَقَط.. وسَلَامًا لَا أمْلِكُهُ يَا دَفتَرِي.."

كَانَتْ نَوْبَتِي قَدْ هَدَأَت بَعْضَ الشَّيْءِ حينَ سَطَرْتُ آخِرَ حَرْفٍ في دَفْتَرِي وأَخَذْتُهُ قُبَالَةَ صَدْري.. ثُمَّ اسْتَوَيْتُ عَلى مَرْقَدِي أُتَصَفَّحُ بِهَاتِفي مَا لَا يَحْوِي أَيَّ فَائِدَةٍ سِوَى جَعْلِهِ للوَقْتِ يَمُرّ..

.

.

رِيَام..

"اِبْتَعِدِي عَنِّي مَنْ قَالَ أَنّي أَحْتَاجُ شَفَقَةً أَنْتِ تَفْتَقِرِينَ إِلَيْهَا.. لِلتَّوِّ تَقَابَلْنَا لَا تُعَامِلِينِي وَكأَنَّكِ تَعْرِفِينَنِي أَنْتِ لَا تَعْرِفِينَ شَيْئًا.."

نَعَم هَذَا مَا قَالَتْهُ مَرْيَم لِي قَبْلَ أَنْ تَدْفَعَنِي وَتَرْكُضَ تِجَاهَ السَّكَن.. مَهْلًا أنا لم أقْصِدِ الإِسَاءَة..

كِدْتُ أَلْحَقُ بِهَا لَوْلَا الفَتَاةُ الَّتِي أَمْسَكَتْ مِرْفَقِي تَجْعَلُنِي أَلْتَفِتُ نَحْوَهَا وَاُطالِعُهَا بِتَسَاؤُل..

"عَفْوًا أُخْتِي وَلَكِنْ أَرْجُوكِ دَعِيهَا هِيَ لَا تَعْني ما تَقُولُ فَقَطْ تَحْتَاجُ بَعْضًا مِنَ الوَقْتِ مَعَ نَفْسِها.."

أَوْمَأْتُ لَهَا أقِفُ بِجِوَارِها أَرِفَعُ يَدَايَ إلى رَأْسِي لِتُتَابِعَ بَعَْدَمَا نَجَحَتْ فِي شَدِّ اِنْتِبَاهِي..

"مَرْيَم أَكْثَرُ فَتَاةٍ انْطِوَائِيَّةٍ قَدْ تَلْتَقِينَها في حَيَاتِك.. حَسَنًا رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ نَتِيجَةً لِظُرُوفٍ كَوَّنَتْهَا بِهَذَا الطَّابِعِ لَكِنْ مَبْدَئِيًّا مَرْيَم حَسّاَسَةٌ بِصِفَةٍ مُبَالَغٍ فِيها ولا تَمْلِكُ أَيَّ صَدِيقَةٍ مُطْلَقًا.. وَحِينَ أَقُولُ مُطْلَقًا أَنَا أعْنِيهَا بِالحَرْف.."

مَرْيَم وَحِيدَةٌ وَحَسّاسَةٌ وانْطِوائِيَّةُ النَّمَط.. لَسْتُ مُتَفَاجِأَةً بَعْدَما طَالَعْتُ عَيْنَيْها.. عَيْنَاها كَانَتَا تَلْمَعَانِ لَكِنَّهُمَا كَانَتَا تَنْبِضَانِ بِاليَأْسِ لَاحَظْتُ ذَلِك.. فَارِغَتَانِ مِنْ أَيِّ مَعْنَى وَكَأنّمَا تَعِبَتَا مِنْ كَوْنِهِمَا مُقْلَتَانِ لِرُوحٍ مُسْتَنْزَفَة..

"عَفْوًا لَكِنّي التَقَيْتُ قَبْلَ دَقَائِقَ بِمَنْ فَهِمْتُ أَنَّهُمَا صَدِيقَتَيْهَا.. إِحْدَاهُمَا أَظُنُّ اسْمَهَا لَمِيس.."

لَمَحْتُهَا تَسْتَبْدِلُ قِنَاعَ الحِكْمَةِ وَالهُدُوءِ بِاتِّسَاعِ حَدِقَتَيْهَا وَابْتِسَامَةٍ عَرِِيضَةٍ تَنُمُّ عَنِ الاِبْتِهَاج..

"أَهَا إِذَنْ الْتَقَيْتِ بِجَِارَاتِ سَكَنِكِ وااا.. حَسَنًا هُنَّ صَدِيقَاتِي وَنَحْنُ نُشَكِّلُ خُمَاسِيًّا مِنَ الجَمَال.. يَاإِلَهِي لَابُدَّ أَنَّهُنَّ أَحْبَبْنَك.. "

طَالَعْتُهَا بِنَبْرَةٍ هَازِئَةٍ وَهَزَّةٍ خَفِيفَةٍ لِكَتِفَيْ..

"بِالطَّبْعِ أَحْبَبْنَنِي فَقَدْ عَبَّرْنَ عَنْ ذَلِكَ بِمَدْحِي الحَارَّ لِجِلْبَابِي الَّذي قَدِمْتُ بِه.."

"ماذا..؟ لَمِيس تَنَمَّرَت على لِبَاسِك.. رُبَّمَا أَخْطَأْتِ وَكَانَت مَارِيّا مَنْ فَعَلَت فَهِيَ تَكْرَهُ المُلْتَزِمَاتِ بَعْضَ الشَّيْء.. "

"حَسَنًا فِي الحَقِيقَة لَميس كَانَت مَنْ دَلَّتْنِي عَلَى غُرْفَةِ مَرْيَم حِينَ لَحِقَتْ بِهَا مَنْ عَابَت لِبَاسي.. عَلَى كُلٍّ.. وُقُوفُ لَمِيس مَعَهَا دُونَ أَنْ تُحَرِّكَ سَاكِنًا جَعَلَنِي أُصَنِّفُهُمَا فِي نَفْسِ الصَّف عَلى كُلِّ حَال لَا تَبْدِينَ مِثْلَ الّتي قُلْتِ أَنَّهَا مَارِيّا.. أَنَا رِيَام.. سَاكِنَةٌ جَديدَة.."

مَدَدْتُ لَهَا يَدِي أُصَافِحُهَا فِي مَا بَادَلَتْنِي هِيَ الاِبْتِسامَة..

"مَرْحَبًا بَيْنَنَا رِيَام.. أَنَا سِرِين.. وَأَعْتَذِرُ عَمَّا بَدَرَ مِنْ صَدِيقَتَي.. وَ.."

لَانَتْ عَيْنَيْهَا وَهِيَ تُخْفِضُهُمَا وَهِيَ تَقُول..

"أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا صَعْبٌ وَلَكِنَّنِي أَتَمَنّى أَنْ تَتَمَكَّنِي مِنْ إِنَارَةِ فَتِيلِ مَرْيَم المُحْتَرِقِ لِأَنُّهُ وَرَغْمَ أَنَّ العُزْلَةَ خِيَارُهَا لَكِنَّنِي قَلِقَةٌ بِشَأْنِه.. وَحِيَالَ مَا قُلْتِهِ قَبْلَ قَلِيلٍ عَنْ صَدَاقَتِنَا بِمَرْيَم.. نَحْنُ فَقَط جَارَاتٌ لِمَرْيَمَ وَحِينَ حَاوَلْنَا التَّقَرُّبَ مِنْهَا صَدَّتْنَا فَامْتَهَنَّا إِزْعَاجَهَا وَتَكْدِيرَ صَفْوَ يَوْمِهَا مَا دَامَ مَاؤُهَا رَاكِدٌ مِنْ سِوانَا.. عَلَى أَيٍّ تُرِيدِينَ جَوْلَةً لِاسْتِكْشَافِ الْمَكَان..؟"

"لَا شُكْرًا سَأَعُودُ لِغُرْفَتِي وَلِمَرْيَم.. تَأَثُّرُهَا شَدِيدٌ بِالحَادِثَةِ لِذَا.. أَرَاكِ لَاحِقًا سِرِين.."

.

.

.

الغُرْفَةُ 24.. الجناح الأَيْمَن.. أَيَّتُها الغَبِيِّةُ رَكِّزِي..

طَرَقْتُ بَابَ غُرْفَتِي الجَدِيدَةِ بِالنِّسْبَةِ لِي وَوَلَجْتُ لِأَجِدَ مَرْيَمَ نَائِمَة.. أَظُنُّهَا عَلَى هَذِهِ الحَالَةِ مُنْذُ غَادَرَتْنِي..

قَالَتْ أَنَّنِي أَرَاهَا مُثِيرَةً لِلشَّفَقَة.. لَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّي أَشْعُرُ بِالعَطْفِ تِجَاهَهَا.. بِدَاخِلِي نِدَاءٌ مَا يَصْرُخُ أَنَّهَا طَائِرٌ جَرِيحٌ يُصَارِعُ بَلَاءَهُ لِيَحْيَا.. وَقَطْعًا لَنْ أُقَصِّرَ فِي إِهْدَاءِ أَحَدِهِمْ طَوْقَ نَجَاتِي مَا دُمْتُ قَادِرَةً عَلَى جَعْلِ رُوحِهِ تَرْسُوا وَتَرْتَقِي.. هَذَا وَعْدٌ قَطَعَتْهُ عَلَى نَفْسِي قَبْلَ وُلُوجِي هَذَهِ المَرْحَلَةَ الجَدِدَةَ مِنْ حَيَاتِي.. وَوَاجِبِي كَوْنِي شَابَّةٌ مِنْ شَبَابِ الجِيلِ الصَّاعِد.. الّذِي أَفْخَرُ بِانْتِمَائِي إِلَيْه..

تَخَفَّفْتُ مِنْ مَلَابِسِي كَوْنِي مُرْتَاحَةٌ الآنَ فِي غُرْفَتِي وَبَدَأْتُ عَمَلِيَّةَ المَسْحِ الضَّوْئِيِّ لِأَثَاث الغُرْفَة.. وَ..

الغُرْفَةُ لَيْسَتْ بِالسُّوءِ الّذي خَمَّنْتُ أنّي سَأَلْقَاه.. سَرِيري لَيْسَ جَيِّدًا وَلَكِنَّهُ مَقْبُول.. الجِدَارُ يَحْمِلُ عِدَّةَ قُشُورٍ وَبِضْعِ ثُقُوبٍ وَمَسَامِيرٍلَكِنْ لَا تَضُرّ.. طَاوِلَتَا دِرَاسَةٍ وَكُرْسِيَّانِ مُعَلَّقٌ عَلَيْهِمَا أَغْرَاضُ مَرْيَم وَ.. ماذا أَيْضًا.. إِصِّيصُ مِسْكِ اللَّيل..؟

اِنْخَفَضْتُ إِلَى مُسْتَوَاهُ أَتَحَسَّسُ سَطْحَ أَوْرَقِهِ وَوُرَيْقَاتِهِ البَيْضَاء..

"كَانَتْ أُمِّي تُغَلِّيهِ فِي المَاءِ لِتُدَاوِي بِهِ أبِي.. وَكَانَتْ تَغْرِسُهُ فِي حَدِيقَةِ مَنْزِلِنَا طَرْدًا لِلْحَشَرَات.. أَقْتَنَيْتِهِ لِذَاتِ الغَرَض..؟"

 

لَمَحْتُ تَصَلُّبَ جَسَدِهَا عَقِبَ كَلَامِي كَوْنَهُ يُفْتَرَضُ أَنْ تَكُونَ نَائِمَةً بَيْنَمَا أُكَلِّمُهَا..

"أَعْلَمُ أَنَّكِ مُسْتَيْقِظَةٌ وَتَسْمَعِينَنِي مَرْيَم.. صَدْرُكِ يَعْلُو وَيَنْخَفِضُ بِغَيْرِ اِنْتِظَامٍ وَجِفْنَاكِ يَرْتَجِفَان.."

انْكَمَشَتْ مَلَامِحُهَا تَتَشَبَّثُ بِالغِطَاِءِ أَكْثَر وَتَضْغَطُ عَلَى أَنَامِلِهَا مِنْ غَيْرِ أنْ تَرُدّ عَلَى سُؤَالِي السَّالِف..

"مَرْيَم.. أَنَا عَلَى يَقِينٍ أَنَّكِ لَمْ تَعْنِ مَا قُلْتِهِ قَبْلَ قَلِيلٍ وَحَتّى لَوْ عَنَيْتِ صَدِّقِينِي أَنَا لَا أَهْتَمّ.. حَالِيًّا نَحْنُ زَمِيلَتَا غُرْفَةٍ وَ.. أَظُنُّ أَنَّ عَليْنَا أَنْ نَعِيشَ كَزَهْرَةِ مِسْكِ اللَّيْل.."

"كَزَهْرَةِ مِسْكِ الَّليْل..؟"

كَانَتْ قَدْ أَعَارَتْنِي اِنْتِبَاهَهَا وَاعْتَدَلَت جُزْئِيَّا وبَصَرُهَا لَا يَزَالُ مُعَلَّقًا لِلْجَانِبِ بِجَانِبِ قَبْضَتِهَا..

"لَمْ أُفَكِّر بِهَا قَبْلَ الآنِ وَلَكِنّي أجِدُ مِسْكَ اللَّيْلِ رَاحَةً وَسَطَ الحَرْب.. أَتَدْرِي.. مَا أعْرِفُهُ عَنْ مِسْكِ اللَّيْلِ أَنَّهُ يَنْشُرُ عِبْقَهُ حِينَ يُسْدِفُ* اللّيْل.. قَدْ يَكُونُ يَوْمُكِ مُرْهِقًا مَلِيئًا بِمَتَاعِبِ الحَيَاةِ وَحَرَكَتِهَا المُتَوَاصِلَةِ كَالحَرْب.. لَكِنَّ مِسْكَهُ سَلَامٌ لَهَا كَالسُّكُونِ وَقْتَ الدُّجَى.."

  وَقَفْتُ أَنْفُضُ غُبَارًا وَهْمِيًّا عَنْ مَلَابِسِي وَأَسيرُ نَحْوَهَا..

"لِتَكُنِ زَهْرَتُكِ شَاهِدَةً عَنْ وَعْدِ سَلَامِنَا يَا مَرْيَم.."

مَدَدْتُ لَهَا يَدِي بُغْيَةَ مُصَافَحَتِهَا لَكِنَّها لَمْ تَسْتَجِب تَشُدُّ يَدَهَا أَكْثَرَ إِلَيْهَا لَكِنَّنِي تَابَعْتُ مُبْقِيَةَ عَلَى امْتِدَادِ يَدِي..

"مِسْكُ اللَّيْلِ رَغْمَ سَلَامِهِ يُعْتَبَرُ نَبْتَةً سَامَّةً حِينَ تَنَاوُلِه..أَيَّامُنَا هُنَا لَنْ تَسْلَمَ مِنْ خُطّافَاتِ الحَيَاةِ المُؤْذؤيَةِ لِلعَلَاقَات.. لَكِنَّنَا لَنْ نَأْكُلَ سَلَامَنَا لِنَأْمَنَ سُمَّه.. وَلَوِ اِضْطُرِرْنَا فَالدَّوَاء وُجِدَ لِمُعَالَجَةِ الدَّاء.."  

اِقْتَرَبْتُ أَكْثَرَ مِنْهَا لِأُتَابِع..

"أَدْرِي أَنَّ الصَّدَاقَةَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا وَعْدًا بِعَقْدِ خُنْصُرَيْنِ فِي أَوَّلِ لِقَاء.. لَكِن يُمْكِنُنَا اعْتِمَادُهَا كَعَقْدِ شَرَاكَةِ غُرْفَةٍ لِمُدَّةِ سَنَةٍ كَامِلَة.. أَتُوَقِّعِينَ عَلى عَقْدِ شَرَاكَتِي آنِسَتِي..؟"

اِبْتِسَامَةٌ هَادِئَةٌ تَشَكَّلَتْ عَلَى شِفَاهِهَا تُبَادِلُنِي المُصَافَحَةَ بِصَمْت..وَقَبْلَ أَنْ تَنْبِسَ كِلْتَانَا بِبِنْتِ شَفَةٍ رَنَّ هَتِفِي مُعْلِنًا عَنِ اِتِّصَال.. أُمّي..!!

يَا إِلَهِي نَسِيتُ الاِتِّصَالَ عَلَيْهَا بِمُجَرِّدِ وُصُولِي سَتَكُونُ قَلِقَةً عَلَيَّ بِشَِّدّة..

عِمَاد..

*مرحبًا أنا نرجس .. سعيدةٌ بمراسلتك.. أدري أنّ اسمي جميل لا داعي لقول ذلك.. وأدري أن اسمكَ عِمَاد أنا أعرفكَ لا داعيَ لقولِ ذلك أيضا.. وأعلم أيضا أنَّك لا تعرفُني ولا تدري من أكونُ إذًا لا داعيَ لأن تعَلِّق على رسالتي أصلًا.. وأعلم أيضا بأنك ترى هذه الرسائل غريبة.. فأنا المسيطرة على دفَّة الحديث هُنا..

ولحظةً أيضًا.. أعلمُ أنّكَ الآن محتارٌ بما تجيبُ وأكادُ أرى عقدةَ حاجبَيْك الآن وأنتَ تقرأ..*

طالعتُ الرسائل الوارِدة من رقم غير معروف.. من تكون وماذا تريد هذه النرّجس التي يبدو وكأنَّها مصابةٌ بجنون العظمة.. فكَّرتُ بأن لا أردَّ عليها وَطَفِقْتُ أَتَأَرْجَحُ بين فضولي وكرامتي لِأَرُدَّ عليها بسؤال بسيطٍ وسَطحي..

*ماذا تريدين؟*

أرسلتُ الرِّسالة وألقيتُ بهاتفي على المكتب مجدّدًا أُريحُ رأسي على إحدى يداي بإنهاك..

كم أحتاج بعض الراحة.. بعض المطالب البسيطة والضرورية في حياة الفرد محرومٌ منها طالب الطِّب.. بعضُ الرَّاحة لا أكثر.. أن يمرَّ وقتٌ قصير.. قصيرٌ جدًّا أضغطُ فيه على زرِّ التوقُّف لأرتاح من دوران عجلاتِ عقلي المتواصل..

رفعت يديّ خلف رأسي متَّكئا على ظهر الكرسيِّ أطالعُ السّقفَ بشُرود.. متى ينتهي كلُّ هذا وأستقلَّ بعملي الخاص وأعيش الحياة السّعيدة تحت كنف الاستقرار.. وأكوِّن أسرة وربما أسافر إلى بلاد أكثر تطورا ورفاهية..

يا إلهي كيف أخذني تفكيري لهذا المنحنى الحالم.. أظنُّها الآثار الجانبيةُ للضّغط الدراسي.. أطلقتُ تنهيدةً طويلةً ومسكتُ قلمي لأعاودَ التّركيزَ مع الدّروس..

اهتزّ هاتفي مرّتين معلنًا عن وصول رسالةٍ جديدة.. متأكّدٌ أنّه فؤاد يرسلُ لي النّكاتَ التّافهةَ التي ليس لديّ وقتٌ لها..لكن.. مهلًا لحظة.. قد تكون رسالةً من تلك المجهولةِ التي تسمِّي نفسها نرجس..

رفعتُ هاتفي وصدق ظنّي.. قرأت رسالتها وعقدة تشكّلت بين حاجبيّ..

*مالكَ تقرأُ رسالتي بهذه اللَّهفة؟ أأثرت فضولك لهذه الدرجة؟ لا يهم .. لكنَّكَ أخطأتَ ترتيبَ الأحداث.. الأَوْلى أن تسألَ من تكونين وبعدها تسأل ماذا تريدين.. لكن لا بأس أتفهم مدى فارق الذكاء والتقدير لدى اختلاف عقول الناس وسأجيبك على كلا السؤالين..من أكون؟ أنا سرُّ تطوُّر الحضارات وازدهار الأمم والحمامة الناشرة للسلام.. كاختصار يمكنُكَ أن تقول مِحْوَرُ الكَوْن.. أما عن السؤال الثاني ماذا أريد.. فأنا قد ضعت بين ثنايا عوالم متضاربة ومتوازية.. وقعت في مستنقع النقيض لكنّني أحاول فك كبّةِ الخيوطٍِ المعقّدة من خلال التفتيش عن أخبار تباين الأزمان وأريد فكّ شفرة عجزت درجاتي العالية في الرياضيات عبر سنين انقضت عن حلها *

طالعت رسالتها رافِعًا إحدى حَاجِبَي باستغراب..أهذه تعتبر أجوبةً عن السّؤال أم ألغاز.. كما أن كلماتها ترمي إلى أنها مصابة بالNPD هوس العظمة..أم أن دراستي الحديثة لكتاب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية قد جعلني أهلوس وأسقط جميع المتلازمات على من حولي..

"الفطور على المائدة"

أفقت من سهوتي على على صوت أختي الوحيدة وهي تدعوني إلى الطاولة فقمت دون أن أردّ على الرسالة السالفة..

لا أحبُّ التّأخُّر على أختي خاصّةً وأنا وحيدُها ولا أريدُها أن تشْعر يومًا أنَّها محتاجةٌ لأبسط الأمور وأنا حولها.. فعلاوةً على أنها أختي فإنَّها بئرُ أسراري ودفتري الذي يستقبل خربشاتي ومُتنفسي من تعب دراستي وتقلُّبات أيامي.. سحبت كرسيًّا أجلس قبالتها وهي تحوم كنحْلة شرقًا وغربًا تضعُ طبقانا هنا هناك وترتِّب الأواني وتطفئ الفرن..

"ألهذه الدرجة جائع وتريد ابتلاع كل شيء قبلي.. لم أكد أنادي عليك حتى وجدتُك أمامي وتنظرُ إليَّ وكأنّني قد أخّرت فطورك لساعات.. هذا وأنت مَعْطوبُ القَدَمِ تَنُطُّ على قَدَمٍ واحِدَةٍ فكيفَ لو كُنْتَ صَحيحًا..!! "

"ماهذا الاتِّهامُ العقيمُ يا حضْرة الأخت.. خِفتُ سخطك على تأخّري لا ينقصني سوى نقِّك على سُرعة استجابتي.. لكن لابأس سأصبرُ على تقلُّباتك المزاجية.. ماذا عساني أن أفعل مثلا.."

جَلَست قُبالتي ضامَّةً شفتيْها في غضبٍ مُزيَّف وشرعْنا بتناول طبقانا بنَهم..

"اشتقتُ إلى أمي.."

لمحتها تقلّب طَبقها بلا شهيّةٍ وهي تطالعُ الفراغ بشرود.. حقًّا لا أدري بما أواسيها.. أنا أيضا أشتاق إلى أمي.. وكثيرًا.. ورغم كل شيء أحسُّ  بحنينٍ إلى حياتِنا قبل سنوات.. لا أنكرُ اسْوِدادَ أيّامها لكن.. على الأقلّ كنّا كتلة واحدة.. لا كحالنا الآن وقد كُسِر شملُنا ليتناثر أشْلاءً غُلِّفت بمظهرٍ متكامل.. تخدعُ النّاظرين بأنَّها بأبهى حُلَلِها لكنّ كُلّا منها وسم بندبة لجرحٍ عميقٍ استحى أن يندمل..

لكنّ الأهمّ الآن.. كيف أواسي الآن فتاةً لم تتجاوز سنتها الثانية والعشرين.. رغم كل شيء هي فتاة وتفتقر إلى عطف الأم وتربيتة على الكتف..

قد أكون أبذل ما بوسعي لأكون لها الأخ والأخت والأب والأم وحتى الجدّ والجدّة لو لزم الأمر..ولكن يستحيل أن أوفيها حقها.. أختي وأفديها ولكن أنّى لي هذا الآن.. 

"يعع..ما هذا الطّعامُ الكَفْن.. من يتذوّقُ بعضًا من هذا يشكُّ في أنّك لطالما أحسنت إعداد الطعام.. ماهذه الكارثة بالله عليك يا ريم.."

طالعتني بنصف حاجب مرفوع بتعال وقد تبددت هالة الحزن لديها نسبيّا..

"هااا.. قبل ثوان قليلة كنت تأكلُه بشراهةِ كمن حُرِمَ الطّعامَ لأيّام.. أم أنّ الشّبع بدأ يتسلل إلى بطنك المتدلّي فأخذت تختلق حججا واهية حتى أسمح لك بعدم إنهاء طبقك.. حسم الأمر سيّد عِمَاد.. ستنهي طبقك قبل أن تقوم من مقامك هذا.. لا تجعلني أعاملك كالأطفال.."

حسنا..سحبت كلامي.. ماهذا الهجوم الشرس المُشَنُّ ضدّي من حيث لا أدري.. غيّرتُ رأيي لو أنّني تركتها حزينة وهي تبدو كالحمل الوديع خير من قطة غاضبة كهذه..

عليّ تحمل مسؤوليّة كلماتي لابأس على كل حال..

.

.

.

شعرتُ باهتزاز هاتفي بعد أن عاودْت الصعود إلى غرفتي.. قد تكون نرجس.. على ذكرها لقد نسيت الردّ على آخر رسالة أرسلتها..

 المهم.. ليست هي..

لكن رسالة من رقم مجهول..!

مابال المجاهيل اليوم قد قرّروا زيارة رقمي المهجور أساسا..

فتحت الرسالة و.. م.. مم..ما مناسبة إرسال هذه الرسالة..!

أجفلت أُحدق نحو الفراغ بغير استيعاب وأنا أحس بارتجاف كلتا يداي..

نفيت برأسي أحاول تجاهل ما يراودني من أفكار سوداوية مشؤومة..

و..هيهات.. ظننتُ أنِّي قد بالغتُ بخيالاتي ولكن..

الرسالة التي أُرسلت تاليًا هي ماجعلتي..

أفغر فاهي..من الصّدمة..!

✿   ✿   ✿   ✿   ✿   ✿   ✿

أَحْجَارِ السَّبَج : أََحْجَارٌ كَرِيمَةٌ سَوْدَاءُ اللَّوْن..

يُسْدِف : يُظْلِم // مِنَ السَّدَفِ وَهُوَ الظَّلَام..

الطَّعَامُ الكَفْن : الطَّعَامُ الّذي لَا مِلْحَ فِيه..

★★ أنر فتيل روايتي بقبس من نجمة ★★

★~(◠‿◕✿)

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رَوْحٌ وَرَيْحَان

المؤلف Writer Houdjr
2025/08/05 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة