❀
قطيراتٌ مالحةٌ ضربَت سطَح المَاء الذِي يعكِس صورَتي المتعرّجة وسطَ إحتضَاني لنفسِي وتلكُم الأصواتُ لَا ترضَخ ساكنَة البتّة.
كلّما أقُول هدأَت تأتينِي بصوتٍ أشدّ علوًّا مِن سابقتِها ثاقبةً طبلتَي أذنِي، كأنّها تنذرنِي باقترابِ أجلِي.
كلّا! توقّف!
قبضتُ عَلى جانبَي رأسِي بشعرٍ مبعثَرٍ وخصلاتٍ موجيّة ناعمةٍ تستُر ثنايَا وجهِي.
أشعُر بالهوَاء يُسحب مِن رئتَاي بينمَا روحِي تنَازع عَلى ألّا تخرُج مِن جَوفي إلَى السّماء مرتديةً الكفَن.
إنّني أتشدّق أنفاسِي ولَا أستطِيع التنفّس كأنّ الهوَاء حُرم علَي واستحلّه غيرِي ممتصًا إيّاه دُون رأفةٍ بِي.
أبِي! أبِي! توقف، أرجُوك!
كنتُ ساذجةً عِندما صدّقته..
وإِن كَان لَا يبالِي لأمرِي فليبَالي لأمرِ والدتِي، كَان قشّاته تقسمهَا يومًا بعدَ يَوم وأرَاها تذبُل أمَامي ساعةً ورَاء ساعَة.
عِندما أرَى القِصص الخياليّة أَو حتّى فِي الوَاقع كَيف يعامِل الآباءُ بنَاتهن أنصدِم مِن الحقيقةِ البشعَة التِي أمرّ بِها، لَا أحضَان آمنُ نفسِي بِها، لَا قبلًا عَلى جبينِي تطمئنُني، لَا جوًّا يسمَح لِي باستساغِ طعمِ العَائلة والنّوم معًا أمَام المدفأَة..
كَان هوَ مختلفًا بشكلٍ خاطِىء.
هذَا.. إِن كَان بالفعلِ والدِي.
.
•
قطبتُ حاجبَاي لشعورِي بالضّيق يعترينِي، وقلبِي يتخبّط فِي صدرِي يبتغِي الهرُوب مِنه لبشاعةِ مَا راودنِي.
لأفرجَ عَن عينَي محدّقةً بالسّطحِ فوقِي، فأجلِس خافضةً بصرِي للغطَاء الذِي يدثّرني.
أخذتُ نفسًا عميقًا لأخرجَه برويّةٍ علّه يفرّغ مَا بِجوفي أطبطِب عَلى جهةِ قلبِي برفقٍ محاولةً تخفيفَ وتيرتِي.
عليّ أَن أهدَأ.. يجبُ ألّا أسمحَ لكوابيسِي بقضمِ روحِي عَلى آخرهَا..
لكِن.. أنَا خائفَة.. كأنّ ذاكرتِي تصنعُ المشهدَ نفسَه أمَامي مِن جَديد..
أرغبُ بالبكَاء والصّراخ لكنّني لَا أستطِيع.. كأنّه خلفِي يتربّص بِي حابسًا أخفتَ أنفَاسي لدرجةِ الاختنَاق.
كلّا... عليّ أَن أتمالكَ نفسِي هوَ ليسَ هنَا وحتّى إِن كَان لَم أعُد طفلَة.
أنتِ قويةٌ يَا أوتَم.
أحتَاج لغسلِ وجهِي بسرعَة، كَي أفِيق ممّا أنَا فِيه.
نهضتُ مِن أعلَى السرِير بهدُوء، وبالكَاد آخذُ أنفاسِي بسبَب شعُوري بالدّوار لأجرّ جسدِي بقدمَي المتهالكتَين جرًّا إلَى الحمّام.
لمَا عَلى البَشر أَن يكُونوا عديمِي رحمةٍ لهذِه الدّرجة؟ أيتخلّى الإنسَان عَن أقربائِه مِن أجلِ أَن يرضِي نفسَه؟ أهذَا هوَ الإنسَان؟
لتعيشَ عليكَ أَن تكُون الأقوَى، ولكَي تَكون الأقوَى عليكَ بشربِ دمَاء الأضعَف، فِي الوقتِ آنِه يبحثُ الأضعفُ عَن أيّ وسيلةٍ أَو ضحيةٍ ليفدِي بِها نفسَه.
منذُ متَى أصبحنَا غيرَ قادرِين عَلى التمييزِ كالحيوانَات؟ منذُ متَى أصبحَ يأكُل القويّ منّا الضّعيف؟ أَمِ الأرضُ أضحَت غابةً بالفِعل دُون أَن نُدرك؟
جعلتُ مِن المَاء يغسِل وجهِي لتنجرِف الميَاه لفتحةِ الصرفِ كإنجرافِ أفكارِي مَع تيّاري.
هَل أليس مستيقظةٌ الآن؟
أودّ أَن أكُون أوّل مَن يقُول لهَا صباحُ الخيرِ كمَا كَانت تفعلُ معِي.
وبالفِعل خرجتُ مِن الحمّام لأمشّط خطوَاتي خارِج الغُرفة أنزِل السّلالم غيرَ ملقيةٍ بالًا أنّي مَا زلتُ بثوبِ النّوم، فأتسلّل نحوَ بابِ غُرفتها طارقةً إيّاه ثلاثًا خفيفَات، ولَم يصلنِي ردُّها.
ألَم تستيقِظ بَعد؟
فتحتُ البَاب بنسبةٍ تمكّنني مِن رؤيةِ جزءٍ مِن غرفتِها.
ضوءُ الشّمس الذِي تسرّب مِن بَين السّتائر، خزَانة الملَابس يجَاورها منضدةُ أليس ومَا فوقَها مِن عطرِ اللّاڤندر إلَى رفّ مكتبتهَا الصّغيرة الذِي يعتليهَا.
دحرَجت حدقتَاي لألمَح أليس مغلّفةً نفسَها كالشرنقَة، خصلاتُها المبعثرَة وتجديلتُها المُفسدة.
أرَاهن كَون مَن سيطرُق بَاب أليس طالبًا يدَها للزّواج أنّه محظوظٌ بحَق!
وَاربتُ البَاب عائدةً أدرَاجي وشفتَاي مقوّستان للأعلَى لأُكمل نُزول الدّرجات متلمسةً الدّربزين أوجّه مسِيري تجَاه المطبَخ.
طرأَ عَلى بَالي أنّ قَول صبَاخ الخَير والفطُور جاهِز سيكُون أكثرَ إبهارًا.
أعنِي تخيّلوا شكلَ أليس عِندما أعدّ الإفطَار بنفسِي.
أستطِيع تخيّلها وهِي تتعرّض لصدمَة تفقدُها وعيهَا كَوني لستُ شيفًا محبوبًا بينَ جماهِيري، بَل فتاةً فقيرةَ الخبرةِ فِي المَطبخ..
لكنّي سأذهلهَا حالمَا تستيقِظ وتجِد أكثرَ مَا تحبّ يشرّف عَلى طاولةِ إفطارهَا! لَن أسمحَ لأحدٍ بالتّقليل مِن قدرَاتي الفذّة فِي المطبَخ!
حسبَ مَا أتذكّر المقادِير كَانت بيضتَان أَو ثلَاث، زيْت أو زُبدة، طَحين، مَسحوق الخَبز، حلِيب،مِلح، وڤانِيليا.
وجدتُ كلّ مَا سبَق عدَا الطّحين..
فتشتُ فِي كلّ الأدرَاج والدوالِيب ولَم أجِده.
أينَ سأجِده؟
-"مَاذا تفعلِين؟"
جفلتُ لظهُور كيانٍ مَا مِن خلفِي حتّى أنّني إبتعدتُ خطوتَين للجَانب ليتّضح أنّها أليس فقَط.
-"كدتِ تسبّبين لِي أزمةً قلبيّة!"
-"آسفَة آسفَة، لَم أكُن أودّ مقاطعةَ تركيزِك كنتِ كَمن يفتّش عَن ثروةٍ مَا، لذَا أردتُ مداعبتكِ لَا أكثَر، مَاذا تعدّين؟ كيكيّة؟"
قالَت وسطَ إبتسامَاتها الدّافئة لأردِف
-"تقريبًا.. كُنت سأعدّه لكِن يبدُو أنّ للطّحين رأيٌ آخر"
-"ألَا يُوجد فِي ذَاك الكِيس؟ هَل تُراني ألقيتُه فِي القمَامة حَال إنتهَاء الطّحين؟"
نبسَت واضعةً سبّابتها عَلى ذقنِها تحَاول الإمسَاك بذكرَى هاربةٍ منهَا لتفرقِع بيدِها مردِفة
-"لَا حلّ آخر إذًا"
طرفتُ مرّتين لتتقدّم هيَ ناحيَة الأكيَاس آخذةً بواحدٍ مِنهم راجعةً بِه لِي، فتتأرجَح علامَات الاستفهَام فوقَ رأسِي لتصرّح هيَ كالآتي
-"هنَاك قبوٌ فِي الأسفَل، أضَع فِيه مستلزمَاتي مِن كلّ شَيء، ستذهبِين كالفتَاة المطِيعة وتمْلأي هذَا الكِيس بالطّحين وتأتِي"
-"ق قَبو؟"
-"صحِيح قَبو، بَابه يبقَى مغلقًا دائمًا والمفتَاح بجانبِه، إفتحِيه ولَا تنسَي إغلَاقه خلفَك، الظّلام دامسٌ هنَاك لذلكَ ستجدِين طاولةً عَلى يسارِك موضوعٌ عَليها مصباحٌ زيتِي حالمَا تدخلِين لتنِير لَك"
هذَا يعِيد لِي ذِكرى سيّئة..
حيثُ أخذتُ الكِيس بتردّد والإضطرَاب ينهشنِي.
أ أعلَي الذّهاب بمفردِي؟ كمَا أنّني أخشَى الظّلام..
خرجتُ مِن المطبَخ متجهةً لأسفَل السّلالم، فيصلنِي صوتُ أليس
-"إحذرِي كَي لَا يقفِز فِي وجهكِ شبحٌ أَو عفريتٌ خارجًا مِن ثنَايا الظّلام ليَأكل روحَك!"
-"أليس، توقفِي بربّك! هذَا ليسَ مضحكًا!"
قضمتُ وجنتِي أطَالع البَاب المغلَق أمَامي وبجَانبه ذَلك المفتَاح الذِي عُلّق عَلى مسمارٍ دَاخل مربعٍ ثَقب نفسَه بجوفِ الجدَار، فأتنَاول المِفتاح أدِير بِه المقبَض ليعطينِي صوتًا دلّ عَلى فتحِه.
بمجرّد إنفراجِ البَاب عَلى مصرعِه أبصرتُ ظلامًا دامسًا كأنّي عَلى وشكِ التوغّل فِي كهفٍ مَا.
لَم يتضِح لِي سوَى درجٍ يؤدّي إلَى الأسفَل لأبلّل حلقِي نازلةً إيّاه وخافقِي يتخبّط محاصَرًا بينَ رئتَاي.
ه هوَ مجرّد قبوٍ ليسَ إلّا، صحيح؟
ل لَا يوجَد شيءٌ أَو شخصٌ غيرِي هنَا..
لَا أرِيد تخيّل روحِي تؤكَل مِن قِبل عفريتٍ مَا!
أَو حتّى سلبيَ إيّاها عَن طرِيق قاتلٍ متسلسلٍ قفزَ مِن خلالِ النّافذة واختَار القبوَ مسكنًا لَه!
ألَا يوجَد أنوارٌ أَو مصابيحٌ هنَا؟
لَا أستطِيع رؤيَة شيءٍ لكَوني بكنفِ الظلَام..
بقيتُ أتحسّس الطّريق بيدٍ و أحمِل الكيسُ بيدِي الأخرَى حتّى ارتطمتُ بهيكلٍ مَا لأدركَ كَونها الطاولَة التِي قصدَتها أليس، فتلمّست الأرضَ علّي أجِدها كَي تنقذنِي مِن عتمةٍ تضاهِي خاصّتي لتنشَرح أسارِيري لعثورِي عَلى شيءٍ طويلٍ ذُو رأسٌ مدبّب لهُ قاعدَة.
إنّه المصبَاح الزّيتي بلَا شَك.
لكِن.. كيفَ سأضِيئه؟
أسندتُ يدِي عَلى سطحِ الطّاولة لتصلنِي إجابتِي دَاخل كفّي.
كنتُ عَلى وشكِ الصّراخ بأليس عسَاها تشفِق عَلى حَالي..
أخرجتُ عودَ الثّقاب وأشعلتُ النّار أشابِك بينَه وبينَ رأسِ الشّمعة، إِذ برأسهَا يحترقُ منيرةً الطّريق فاضحةً مكَان شِوال الطّحين لِي، فأتقدّم نحوَه أغرفُ مِنه بالمُنخل واضعةً إيّاه دَاخل الكِيس والشمعةَ بجانبِي.
كَان هنَاك طبقٌ لأغرِف بِه بسرعَة إلّا أنّي إخترتُ المنخُل لكَي يصفّي الطّحين ولَا تضطرّ أليس لذلِك.
حالمَا انتهيتُ أخذتُ كيسَ الطّحين وتنَاولت الشّمعة لأقتربَ مِن نقطةٍ معينةٍ مِن البَاب أنفُخ عَلى الشّمعة مسرعةً بخطواتِي أطرقُ عَلى الدرجَات بأقدَامي غالقةً البَاب بقلبٍ يقرَع.
ها! أنَا فُزت! أخيرًا خرجتُ مِن الجحِيم بالأسفَل! خسِئت أَن تأكلَ رُوحي!
-"أستطيعُ سمَاع أوتَار قلبكِ وهيَ تعزفُ لحنًا بنوتةٍ مضطربَة خائفَة، أتخافِين لهذِه الدرجَة مِن الظّلام؟"
زممتُ شفاهِي أقضمُ وجنتَاي لنبرتهَا المغيظَة لأتجِه للمطبَخ مهرّبة بعضَ التذمرَات مِن فمِي بصوتٍ خافِت.
-"لمَا علَي أَن أكُون الطّرف الذِي يتمّ إغاظتهُ مِن قِبل الآخرين.."
-"هذَا لأنّ ردودكِ، وتعبيرَات وجهكِ ظريفةٌ جدًا عِندما تتمّ إغاظتُك"
كيفَ سمعتنِي، أنَا لَا أدرِي.
وضعتُ كيسَ الطّحين عَلى طاولةِ التجهِيز لأكشفَ عَن ساعدَاي وأربِط شريطةَ المئزرِ الذِي ناولتنِي إيّاه أليس لتفعَل هِي كذلِك.
-"مِن أينَ تعلّمتي إعدَاد الكيكيّة؟"
حشرَت أليس سؤالهَا أثنَاء تقليبِي للبَيض لترسُم شفاهِي إبتسامةً تائهَة.
-"أعددتُه مَع أمّي وشقيقتَاي قبلًا"
هذَا صحِيح..
كُنت مَا زلتُ فِي الرابعةِ عشرَة، ومعَ ذَلك أتذكّر أنّي أصررتُ فوقَ رأسِ أمّي حتّى وافقَت.
هيَ تكرَه المعجنَات التِي تحتوِي عَلى البَيض حتّى عِندما تعدّ كعكةَ البرتقَال أَو الشّوكولا بالكَاد تستخدِم بيضَة.
وقتهَا تظَاهرت بأنّي طبّاخة ماهرَة وقررتُ الطّهو بمفردِي.
ولَا ننسَى شقيقتَاي التِي لَا تخفَى عنهُم خافيَة صرعتَا رأسِي بالأسئلَة كلّ دقيقتَين بمَا هذَا، مَاذا تفعلِين، كيفَ ستصنعينَه؟
بقِيت أصنعُ إبتساماتٍ لنفسِي كالبلهَاء لتنحدِر رويدًا للأسفَل حالمَا تذكرتُ مَا يمكِن أَن يعيشُوه هنَاك بمفردهِم..
أتمنّى لَو أنهمْ معِي.. أتمنّى لَو لدَي قوًا خارقَة تمكنُني مِن جلبهِم بسرعةِ البَرق إلَى هنَا.
لَا أستحلّ عَلى نفسِي شَيء وهُم..
قبضتُ عَلى تلابيبِ ثوبِي بينمَا خصلاتِي سترَت مقلتيّ لأنتفضَ إثرَ عطسِ أليس المفاجِىء بجانبِي وهيَ تحرّك يدهَا يمنةً ويسرَى عِند أنفهَا لأربّت عَلى ظهرِها برِفق.
-"سلامتَك"
-"آه كانَت عطسةً جعلَت مِن صدرِي يتنفّس مَن ترَاه جلبَ بسيرتِي عَلى لسَانه؟"
طالعتُها والحيرةُ كسَت ملامحِي بينمَا علامَات الإستفهَام تزاحمَت فوقَ رأسِي لتقهقِه أليس عَلى مظهرِي واضعةً قبضتهَا عَلى فمهَا.
أتَى بسيرتِها؟
كيفَ؟ أستدلّت ذلِك مِن حاجتهَا للعَطس؟
حملَت زرقتَيها نحوِي مبتسِمةً لترفَع سبّابتها بجانبِ رأسِها شارحَة.
-"يعتقِد اليابَانيون أنّ العطسَ يدلّ عَلى أنّ أحدهُم أتَى بسيرتِك سواءًا بالسّوء أو بالحسنَى"
-"هكذَا الأَمر"
إبتسمتُ لأضعَ البيضَ المخفُوق فِي خليطِ الكيكيّة الذِي صنعتهُ أليس.
الأمرُ أشدّ متعَة عِندما تنجِز شيئًا مَع شخصٍ تحبّه.
.
•
°
-"إبتعدِي عَن طريقِي يَا هذِه!"
أردفتُ رافعةً كيسَ البقالةِ لأحاوِل التملّص مِن إزدحَام السّوق والمارّة يتخبّطون ببعضِهم نتيجَة ضئالةِ المسافاتِ المفرّقة بينهُم.
سحقًا هذا مزعِج..
مَا هذَا بربّكم؟ هلِ اليَوم عيدٌ وطنيٌ أَو مناسبةٌ لاحتفالٍ مِن شعوذَاتهم الغرِيبة لخلقِ كلّ هذَا الإزدحَام؟
تنهدتُ بقوًا خائرَة لأنظُر لسمَاء لَندن فِي ضيَاعٍ أثنَاء مسِيري للمنزِل وأذنَاي تلتقطَان أصواتَ الباعةِ المتجوّلين ملَأ محِيطي.
أمّي منذُ مغادرةِ أوتَم تتصرّف بغرابَة عَلى غيرِ عادتهَا..
كثيرةُ القَلق، شدِيدة الحذَر، تستشِيط لأهيفِ سبَب، متحفظةٌ بشكلٍ أكبَر مِن ذِي قَبل..
يَا ترَى.. أكَان لمصلحتنَا مِن الأسَاس؟
أوتَم لَم تكُن بالشّخص القَوي ولَا الضّعيف كذَلك، كَانت شخصًا تائهًا لَا يعرفُ وُجهتَه، تمشِي مَع الرّيح وفِي نفسِ الوقتِ تسبحُ بعكسِ التيّار.
تِلك البلهَاء، كَم اشتقتُ لهَا.
قَد لَا أفهمُ فِي المشاعِر ولَا خِبرة لِي لكِن..
أوتَم حساسَة وأمثالهَا لَا يعيشُون فِي هذهِ الحيَاة.
هيَ الكبيرةُ بينَنا إلّا أنّنا نعاملهَا علَى أنّها الصغرَى.
أتذكّر أنّي تشَاجرت مَع فتيانٍ ألقُوا بنكاتٍ ساخرينَ منهَا وكلّ مَا فعلتهُ هوَ تهدئتِي ومحاولةِ فكّ تلاحمِي مَع أولائِك الخُردة.
ذَلك يثِير حنقِي بشدّة!
قَد تكُون أوتَم حسّاسة لكنّني لَا أنكِر أنّ لهَا شخصيةً تعجبنِي.
هذِه هيَ أوتَم بعدَ كلّ شَيء..
لَو كَان لِي شقيقٌ فقَط! لتعاونتُ أنَا وهوَ عَلى تفجِير منزِل تِلك الحقيرةِ ورفاقهَا.
أوه، وعَلى ذِكرها هَا هيَ أمَامِي.
يَا للحَظ، سأفرّغ بأحدِهم حنقِي وأخيرًا!
لكِن مهلًا.. مَا اللّذي تفعلُه هنَا؟ وأمَام المشفَى تحديدًا؟
بدَا علَيها الإنهاكُ لانتظارهَا فترةً مِن الزّمن لأحدِهم حاملةً أكياسًا بكفتيهَا.
فليتحبّس الدّم بينَ مفاصلكِ بسببِ ثقلِ مَا تحملِين وتموتِي لنتخلّص مِن وجهكِ القبِيح ذَاك!
أدَارت رأسهَا لِي عِندما أحسّت بتحدِيقي لتظهَر علاماتُ الإستغرَاب مدركةً عدمَ تعرّفها علَي بَعد.
تغيّرت تعابيرهَا للبرُود حالَ استوعابهَا أنّها أنَا لأبتسِم لهَا بشماتَة.
سيكُون هذَا ممتعًا..
-"آه يَا لسُوء الحَظ، شقيقةُ تِلك الغرَاء"
-"أنظرُوا مَن تتحدّث؟ قطعةُ الحلوَى المكشُوفة المتسِخة التِي ترِيد إبرازَ نفسهَا ليلعقهَا الفتيَان؟"
لَاحظت تضيِيقها لعينَيها وقبضِ يدِها عَلى حمّالة أكياسهَا لتبتسِم فِي تعجرفٍ تنبِس باستعلَاء وأنفهَا مرفُوعٌ أودّ تهشيمَه لكثرةِ مَا ترفعُه.
-"لَن أرُد عَلى طفلةٍ لَا تعرِف رأسهَا مِن أصابِع قدمِها، لَا عجبَ أنّكما أختَان لكنّك أكثَر صلابةً مِن شقيقتكِ الهشّة كرمَاد عُود الكِبريت حينَ يرشّ فوَق رأسِه المَاء لإطفائِه، فيغدُو متفحمًا بعدمَا كَان يعينُ صاحبَه عَلى الإضاءةِ بنورِه"
-"لَن أنهكَ عقليَ الجمِيل وأضعَه فِي عقلِك الذِي لَا يسَاوي حجمَ هلاليّة ظفرِي، لَن أرهِقه بالدخُول فِي نقاشٍ مَع فتاةٍ لَا تعرِف سوَى اللهثِ ورَاء مساعِيها أوه المعذِرة أعنِي.. الصّبيان"
أوداجهَا برزَت وتعابيرهَا انكمشَت فِي غيظٍ ممّا أتفوّه لأبتسِم بازدراءٍ أطالعهَا مِن الأعلَى إلَى الأسفَل فِي تقزّز مسترسلةً الحدِيث
-"قَد نكُون أنَا وأوتَم شقيقتَان لكنّنا لَا نحمِل ذَات الطّباع، هيَ رحيمةٌ مَع أمثالكُم كونهَا لَا ترِيد إيجاعَ رأسهَا بتفاهاتِكم تِلك، تظنّ الجمِيع مثلهَا طيبٌ وقلبُه مليءٌ بالفراشَات لَا تدرِي أنّها ستقابِل أناسًا قمامَة غيرَ صالحةٍ لإعادةِ التدوِير أمثالكُم"
-"تتحدّثين وكأنّها ملاكٌ بريءٌ علَى الأَرض، مَن يعرِف ربمَا لَو لَم تكُن موجودَة لمَا كَانت أمّك..-"
لَم ألبَث حتّى تحرّك جسدِي بنفسِه ومُدت يدِي لأمسِك بياقةِ ثوبِها المطرّز مكمِلةً مَا بدأتُه
-"إسمعِي يَا هذِه، إيّاك جلبُ سيرةِ إحداهنّ ومَا جمعهمَا بينَ تِلك القضيّة عَلى لسانِك"
هيَ ابتسمَت فِي سخريةٍ ممسِكةٍ بيدِي وعينَيها تلطخَت بالسّواد كهاويةِ جرفٍ لَا رجعةَ منهُ لتردِف
-"تعجبينَني وأنتِ تنكرِين كطفلةٍ صغيرَة تحاوِل طمسَ حقيقةٍ لَا مفرّ منهَا، أختكِ تِلك جبانَة لذَا ذهبَت وتركتكُم لينَال هوَ مِنكن، أشفِق عليكُم كونهَا خدعتكُم جميعًا بوجهِها الذِي يحمِل أطنانًا مِن البرائةِ.. لكنّه لَن يسَاعد فِي تطهِير سوادِ رُوحها، لَن يخفِي تعابِيرها الحقيقيّة، إنتظرِي وسترَين أنّه تمّ مضغُكم كالعلكَة بينَ النّاس بسبَبها، أنتُم فقَط غافِلون عمّا يدُور مِن حولكُم، ستستيقظُون يومًا مَا ووجنتكُم حمرَاء مِن صفعةِ أَمس"
مَا الذِي تتفوّه بِه هذِه المختلّه؟!
بالكَاد أُمسك نفسِي مِن لكمِ وجههَا وجعلِه لوحةً تُعتبر لمَن يعتبِر!
لكِن لَا بَأس سأتحَامل عَلى نفسِي، أمّي لَا ينقصهَا وجعُ رَأس.
-"أكلَ القِط لسَانك؟"
-"أنتِ ظريفةٌ عزيزتِي شانيل، تدّعين أنّك الأكثرُ محبةً ،الأقوَى، والأجمَل، تظنّين نفسكِ ذكيّة؟ لَا تضحكِيني، تدّعين الطيبَة والخبثُ مترسبٌ فِي دماءِك، مَا معنَى أَن تسلبِي كلّ شيءٍ ممّن أعطتكِ كلّ شَيء، قَد تنسَى أوتَم ولكنّني عكسُها تمامًا كمَا ذكرتُ مسبقًا، فأوتَم سمحةٌ جدًّا مَع خردَة ظنّتهم أصدقَائهَا لكنّي لستُ كذَلك، أودّ إخباركِ أنّك لَا شَيء مقارنةً بأُوتم..-"
-"أصمتِي!"
تصلّبت ملامحِي إثرَ اندفاعهَا فِي الكلَام، وهيَ تشدّد قبضتهَا عَلى معصمِي الممسكِ بياقتهَا لتخرِج سخطهَا بِي
-"أصمتِي! أنتِ لَا تَعلمِين ولَا تفقهِين شيئًا! هيَ أضعفُ منّي وهشّةٌ بخلَافي، لدَي عائلةٌ تحبّني ولدَي رجلٌ يحمِي ظهرِي، كلّ مَا أطلُبه يجَاب لِي، لدَي الملَابس والمجوهرَات بَل كلّ مَا تشتهِيه فتَاةٌ فِي عمرِي أمّا عنهَا، فهيَ لَا تمتلِك أيًّا مِنهم!"
ضيّقت مقلتَاي زامةً شفاهِي وفكّي مشتَد مفرّغةً غيظِي بياقةِ ثوبهَا.
أقسِم أنّها بحاجةٍ لضربةٍ عَلى الرّأس تعِيد وعيهَا.
هذَا إِن كَان لديهَا واحدٌ مِن الأسَاس.
-"إلّا أنّها.. ومعَ كلّ ذَلك كَانت تبتسِم.. كَانت تبتسِم بكلّ رحابةِ صدرٍ وكأنّ لَا شيءَ ينغّص عليهَا عيشتهَا، تسقُط لكنّها تنهضُ مِن جدِيد، فِي الوَقت الذِي كنتُ أرِيد أَن أستلذّ دموعهَا فيهَا كَانت تقِف عَلى قدميهَا بجناحيهَا المكسُورين وهذَا.. مَا يغِيظني، تبكِي لكِن تبتسِم، تتضايقُ لكِن تنسَى بسُرعة، تنهَار ليعُود بنائُها أقوَى مِن قَبل"
-"مثيرةٌ للشفقَة، أتغارِين مِن شخصٍ كَان يَقلق إذَا مَا أخذتِي دوائكِ أَم لَا؟"
-"كَانت تمثيليّةً منهَا لتتقرّب منّي لَا أكثَر، وقريبًا سينكشفُ لكِ وجهُها القبِيح أيضًا ستشمئزّين لكونكِ أختًا لشخصٍ بشِع الملَامح كأوتَم إنتظرِي فقَط وستشهدِين عَلى ذَلك، برأيكِ لمَا أسرَعت والدتكِ بإبعَادها بعدَ قضيّة الإلتبَاس تِلك مباشرَة؟"
مهلًا..
بعدَ القضيّة..
-"أوتَم، عليكِ الذّهاب"
-"لكِن أمّي كيفَ أتركُكم؟! أفضّل التورّط عَلى الهَرب! لستُ خائفةً مِنه، فليفعَل بِي مَا يشَاء! فِي الأساسِ لَم يبقَى شَيء إلّا وفعلَه"
-"ليسَ وقتَ عنَادك، ألَا تدركِين حجمَ الورطةِ التِي أوقعكِ بهَا؟ إذهبِي ولَا تنظرِي خلفَك!"
وقتهَا.. دفعتهَا والدتِي بلَا هوادَة لكَي تخرُج فِي أسرعِ وَقت بعدَها حدثَ مَا حدَث.
لكِن.. مَا اللذِي جعلَ أوتَم صاحبةَ الرّأس المتحجّر أَن تغيّر رأيهَا مئةً وثمانِين درجَة؟
إرتخَت قبضتِي عَن ياقةِ ثوبهَا لتعدّل هيَ هندامهَا واضعةً الأكياسَ بيدهَا الأخرَى لتبتسِم فِي تهكّمٍ كأنّها اصطادَت فريسةً بعدَ أَن وجّهت سهامهَا السّامة نحوهَا.
-"مَن يدرِي، ربّما تخفِي عنكُم شيئًا كبيرًا.. لدرجَة لَن يستوعِب أيّ واحدٍ مِنكم حقيقةَ أوتَم يَا آمبر"
رمَت بكلمَاتها راسمةً إبتسامةً شامتةً بشرُودي أثنَاء لعبِها برأسِي لتدِير جسدهَا حينمَا سمعَت منادَاة صديقتهَا إنجي عليهَا.
تِلك ال..
تبًّا كيفَ لِي أَن أشكّ بوالدتِي وأوتَم ولَو للحظَة!
هذِه الفتَاة شجرةٌ مليئةٌ بالآفاتِ تنشُر السّموم أينمَا حلّت.
بقِيت أقلّب كلمَاتها فِي عقلِي أثنَاء سيرِي جاعلةً مِن قدمَي تضربُ السّلالم فِي تنفيسٍ عَن حاجتِي لركلِ أحدِهم والجةً المشفَى.
أوتَم.. كيفَ ستكُون عِندما تعلَم مَا قالتهُ تِلك الحِرباء طاعنةً إيّاها بظهرِها؟
تحمّلتهم وهيَ تعلَم حقيقتهُم.. لَم تشكّك للحظةٍ ببرائتِي حينمَا ألصقُوا التهمةَ بِي..
أوتَم.. كأمّي تمامًا.
قَد تبدُو ضعيفَة لكنّها قويةٌ جدًّا، أوتَم لَو قَابلتهَا شانيل فِي حالةٍ غيرَ تِلك المزريَة لكَانت علمَت كيفَ تتصرّف ولَن تسمَح لهَا بمدّ طرفِ أنملتهَا علَى خصلةٍ مِن شعرهَا.
لكِن..
أوتَم لَم تكُن بخَير، تتعامَل بطبيعيّة لكنّها ليسَت بخَير، لَا أخفِي كونهَا تجمَع بينَ صفاتٍ متناقضةٍ تمامًا وعَلى الرّغم مِن ذَلك.. ضوئُها، سطُوعها، وهالتهُا المشرقَة خفتُوا جميعًا.
طالعتُ أمامِي لأجدَني ولجتُ بالفِعل لدَاخل المَشفى تحديدًا أمَام غرفةِ أمّي بجسمٍ متصلّب ضاغطةً عَلى المقبضِ.
هوَ سبَب وجودُ أمّي هنَا..
أنَا متأكدةٌ مِن كونِ أوتَم بريئَة.
فتحتُ البَاب بقلبٍ يقرَع لتتسِع عينَاي لوجودِ أحدِهم فيِ الدّاخل..
كَان ممرّضًا يعطِيني ظهرَه والريَاح تداعبُ معطفهُ الأبيضَ كونَ النّافذة مفتوحةً تنعشُ الغرفةَ بنسماتٍ ملاطِفة ويبدُو أنّه يتأكّد مِن عدمِ وجودِ أيّ خللٍ أَو مشكِلة بينمَا أمّي تداعبهَا نسمَات الهوَاء والجبيرةُ تلتفّ حولَ رأسِها غاطةً بنومٍ عمِيق.
ظ ظننتُه هوَ لوهلَة لكنّه ممرضٌ لَا أكثَر.
-"سيدِي أيمكنِني الدّخول؟ أتيتُ بصحبةِ خالتِي للمرِيضة إلينور هاملتِن"
هوَ أدَار نفسَه إلَي ليتفحّص مظهرِي بعينَيه ليردفَ باسمًا
-"آنسَة آمبر، إِن لَم يخِب ظنّي"
-"بلَى ولكِن.. كيفَ عرَفت؟ لَا أظنّ أنّي رأيتكَ مسبقًا"
-"لَم تكفَّ والدتكِ عَن السّؤال عنكُن ووصفكُن لِي لأعلمهَا حالَ مجيئكُن، تبدُو متلهفةً للخرُوج مِن المَشفى حقيقةً هيَ قويّة وتمتلِك جسمًا صلبًا لهُ رغبةٌ كبيرةٌ فِي العَيش، شريَان الحيَاة لديهَا ينبضُ باندفاعٍ لعزيمتهَا بأَن تقِف عَلى قدميهَا مِن جدِيد"
طرفتُ مرّتين عاقدةً حاجبيّ لغرابَة كلامِه فيطلقَ هوَ قهقاتٍ خافتَة حينمَا رأَى مظهرِي المستغرِب.
هَل كلّ مَن لهُ علاقةٌ بالطّب كلامهُم غريبٌ هكذَا؟
-"أعنِي أنّها تتحسّن باستمرارٍ مَع الوَقت"
-"مَتى ستخرجُ أمّي مِن فضلِك؟"
إلتقطَ المذكّرة مِن علَى منضدةٍ بالقربِ مِن وَالدتِي ممشّطا خطواتِه ببطءٍ إلَى البَاب لأفسح لهُ المجالَ حتّى يعبُر لينبِس بنبرةٍ جهلتُ مِن أيّ بئرٍ خرجَت
-"ضربةٌ عَلى الرّأس، رضوضٌ فِي الجِسم، فقدَانٌ للوَعي ليتضِح وجُود شرخٍ فِي الجمجمَة يبدُو أنّ شيئًا حادًّا أَو لنقُل زجاجيًّا تسبّب بحالتهَا وأيضًا الذِي أقدَم عَلى فعلةٍ كتلِك لَا يبدُو أنّه إقترفَها بيدٍ ضعيفةٍ مرتجفَة إنّما يدٌ متعمّدةٌ متمردَة يجبُ الاعتناءُ بهَا نفسيًّا وجسديًّا جيدًا حتّى تتعافَى"
اتسعَت حَدقتَاي حالمَا أهطَل عليّ بحقائقٍ لَا مفرّ مِن التستّر عليهَا لأنقِل بصرِي للأرضِ أشدّ عَلى قبضتِي أعتصرهَا فِي توبِيخ.
بالتّأكيد يَعلم.. الفحوصَات الطبيّة كشفَت أنّ أمّي.. معنّفة.
-"لحينِ إثبَات التهمَة عَلى والدكِ ستشرّفنَا والدتكِ فِي المشفَى، الوقتُ المقدّر للعلاجِ الفعليّ هوَ ستةٌ أشهُر مضَى أربعَة بقيَ شهرَان والآن.. بالإِذن"
هوَ خرجَ مغلقًا البَاب خلفَه لأحدّق بالفرَاغ بقلبٍ ينهشُ نفسَه لأتقدّم نحوَ والدتِي أجلِس بقربِها لأعنّف ملائةَ السّرير تحتَ رحمةِ قبضتِي.
لَم أستطِع حمايَة أمّي..
بقيتُ كصنمٍ لَا حركةَ لهُ ولَا حقّ لهُ بكلمةٍ يخرِجها.
كمَا بقيتُ مقيّدةً ورَاء البَاب أطرقُ عَليه ولَم أحدِث فرقًا سأبقَى هكذَا طَوال عمرِي.
تبًّا..
أنَا كنتُ الشّخص الضّعيف تِلك الليلَة.. بينمَا أوتَم..
تعجبينَني وأنتِ تنكرِين كطفلةٍ صغيرَة تحاوِل طمسَ حقيقةٍ لَا مفرّ منهَا، أختكِ تِلك جبانَة لذَا ذهبَت وتركتكُم لينَال هوَ مِنكن، أشفِق عليكُم كونهَا خدعتكُم جميعًا بوجهِها الذِي يحمِل أطنانًا مِن البرائةِ.. لكنّه لَن يسَاعد فِي تطهِير سوادِ رُوحها، لَن يخفِي تعابِيرها الحقيقيّة، إنتظرِي وسترَين أنّه تمّ مضغُكم كالعلكَة بينَ النّاس بسبَبها، أنتُم فقَط غافِلون عمّا يدُور مِن حولكُم، ستستيقظُون يومًا مَا ووجنتكُم حمرَاء مِن صفعةِ أَمس
كلّا مستحِيل!
هيَ تلعبُ بِي لَا أكثَر يستحِيل عَلى أوتَم لمسُ شعرةٍ مِن أمّي!
المذنبُ هوَ وليسَ أوتَم! أنَا واثقةٌ بمَا أقُول!
كلّه بسبَبه، تركَ أثرَه بكلّ واحدٍ فينَا وأكثرُ مَن تضرّرت هيَ أوتَم، فكيفَ أشكّ بأنّها قَد تقدِم علَى شيءٍ للشّخص الذِي احتضنهَا بينَ جناحيه؟!
سحقًا لَه!
لمَا؟ فقَط لمَا؟!
هَل كلّ ذَلك مِن أجلِ المَال؟ كلّ ذَلك لأجلِ بعضِ عملٍ نقديّة؟
باعَ أسرتَه وكنزَه لغرباءٍ يعيشُون فِي رغدٍ وثراءٍ فقَط مِن أجلِ النّقود؟
أيّ رجلٍ يكُون؟ بَل وورّط فتاةً لَم تبلُغ عامهَا العشرِين معَه.
كيفَ تحمّلته عائلتِي بَل كيفَ تحمّلته والدتِي طوَال هذِه السّنين؟
هذَا الرّجل هوَ سمٌّ تغلغلَ ليسَ فِي عائلتِه فقَط إنمَا عائلةُ والدتِي أيضًا لكَي يفرقنَا، فيتمّ فضّ الساحَة لأجلِه.
لَم يكتفِي بحرقِ قلبِ والدتِي فحَسب إنّما طمِع بأوتَم أيضًا..
لكِن..
لمَا أوتَم؟ لمَا مِن بينِنا تمّ إختيَار أوتَم؟
ألكونِها الأكبَر؟ أمِ الأضعَف حصانَة؟
هوَ جعلهَا تستَحرم عِصيان أيٍّ ممّا يَقول.
قَد تكُون عنيدَة ورأسهَا يابِس لكنّها تخافُ كلمةَ العِصيان خاصةً مِن عائلتهَا وتتوتّر إِن نكزهَا أحدهُم وإِن كَان صدفَة.
أودّ رؤيةَ أوتَم عِندما تنضِج وتتخطّى هذِه المرَاحل، رؤيتهَا وهيَ تشقّ طريقهَا سينعِش والدتِي لتستيقِظ قواهَا مِن جدِيد.
وإليزا.. لَم تكفّ عَن نعتِ أوتَم بالورطةِ التِي تسبّبت هولَ مَا حدثَ لنَا جميعًا.
كلمَاتها لَا تزَال ترنّ بأذنِي قَبل أَن أسبِقهم لهنَا..
-"مَاذا؟ أستدافعينَ عنهَا؟ ليسَ لأنّها الكُبرى يعنِي كونهَا مثاليّة لَا تخطِىء، لَم تكونِي معِي عِندما كانَت تصرخُ فِي وجهِي، لَم تكُوني معِي حينمَا نسيتنِي فِي السّوق وضِعت، آمبر أفيقِي! أوتَم لَم تكُن يومًا أختًا جيدةً لأحَد! حتّى راي ذهبَ وتخلّى عنهَا بعدمَا علِم حقيقتهَا البشعَة!"
-"آمبر، ليسَ لأنّ أوتَم أختنَا سنتغاضَى عمّا اقترفَته، هيَ مَن زجّت نفسهَا فِي الحَبس كونهَا حاولَت قتلَ والدتنَا!"
إِن سمعتهَا أوتَم لَن تتنَاثر بقايَاها فحَسب إنّما ستقدِم علَى شيءٍ سنندمُ عليهِ كلّنا.
أنَا ضائعَة أقسِم أنّي ضائعَة..
متَى ستنهضينَ يَا أمّي؟
.
•
❀