❀
-"م ميني.. مينيرارو.. مينيرارو ووتَر؟"
رفعتُ برأسِي لأطلِق أنينًا متألمًا أمسحُ بكلتَا يدايَ علَى جبهتِي حالمَا قامَت بضربهَا بواسطةِ جريدتهَا التِي وضعتهَا كعصًا بكفّها إِن أخطأتُ، فتهمّ بتوبيخِي.
-"إنّها قنينةُ مَاء! ووتا! ووتا وليسَ ووتَر!"
-"حَاضر يَا حضرةَ الأستَاذ"
هذَا مؤلِم، لَم أكَد أهنَأ بتفاخرِي لإعدَادي الكيكيّة حتّى تفاجئنِي هيَ باختبارٍ مفاجىءٍ للغةِ اليَابانيّة..
ويبدُو أنّي فشلتُ بِه فشلًا ذريعًا..
-"نطقكِ ولغتكِ جيّدةٌ للغَاية، مخارجكِ الصّوتية ممتازَة لكنّك لَا تستطيعينَ القراءةَ ولَا كتابةَ الحُروف؟! ستتسبّبين بأزمةٍ قلبيةٍ لِي أقسمُ بذَلك"
-"آسفةٌ يَا حضرةَ الأستَا..-"
أطلقتُ أنينًا مرةً أخرَى أمسكُ جبهتِي فِي تألّم لمّا عاودَت ضربِي مرَارًا بالجريدَة لتستكمِل تأنِيبي.
-"يجبُ علينَا تطوِير لغتِك، ولَا تعتذِري! كَم مرةً أخبرتكِ بألّا تعتذرِي كثيرًا؟!"
أليس صارمَة..
أشعُر أنّي رجعتُ للثّانوية أمَام مدرّس الفيزيَاء!
كَان ذَلك المدرّس أحدَ أكبرِ كوابيسِي هوَ ومَادته عَلى الرّغم مِن اجتهادِي بهَا.
وضعتُ الأطباقَ المتسخةَ فِي الحَوض لآخذَ إسفنجةَ الجليِ بيدِي وأبدأَ بتنظيفِ مَا سبّبته تجربتِي فِي تحضِير فطورٍ ملكيٍ لوريثةِ العرشِ أليس.
أحبّ جليَ الصّحون إبتداءًا مِن الإعدَاد للإنتقَال لمرحلةِ إسكاتِ وحشِ الجوعِ ألَا وهوَ المعدَة.
بدأتُ أشكّ أنّ ديدانًا تتقاسمُ العيشَ مَع ذَلك الوَحش..
مَن قَد يتركُ الكيكيّة ويذهبَ ليتعلّم قراءةَ وكتابةَ اللغةِ اليابانيّة فِي المطبَخ؟!
بالطّبع ليسَت أنَا!
-"لأوّل مرةٍ أرَى شخصًا يغسِل الأطبَاق قبلَ أَن يأكُل"
تقوّست شفتَاي للأعلَى حينمَا وصلنِي صوتُ أليس وهيَ تستنِد عَلى إطارِ المطبَخ لأستذكِر حدثًا إثرَ انزلاقِ الطبقِ منّي بالحَوض.
كَانت أمّي تنفجِر ضاحكةً آنَ ذَاك ولَا تكفّ آمبر ولَا إليزَا عَن مضايقتِي بكونِي رقيقةً حتّى عَلى تِلك الأشيَاء التِي لَا تشعُر.
وقتهَا أردتُ أَن أريهمَا مَاذا تستطِيع هذِه الرّقيقة أَن تفعَل!
أنهيتُ غسلَ الأطبَاق لأشرعَ بتنَاول أطباقِ الكيكيّة بعدَما حكمتُ عَلى أليس أَن تبقَى خارجَ المطبخِ ولَا تمدّ إصبعًا مِن أجلِ مساعدتِي.
أستطِيع القولَ أنّي أبرعُ بصنعِ المعجنَات ورتوشَات الطّعام أكثَر مِن غَيرها نتاجَ حبّي بَل عشقِي لهَا!
تناولتُ الطبقَين لتجذبَ أليس إنتباهِي بندائهَا لِي
-"أُوت، لمَا لَا نأكلُ بينمَا نشاهِد الطبيعَة؟ أعلَم كَم تعشقِين الأجوَاء هنَا"
طرفتُ مرّتين لتُرشّ النجُوم عَلى مقلتَاي.
-"أليس، أنتِ الأفضَل!"
قهقهَت أليس فِي خفوتٍ لتشِير لِي بتتبعِها وبالفعلِ فعَلت أتبعهَا كأنّي طيرٌ يتبِع سربَه وقتَ الهِجرة.
جيدٌ أنّي بدّلت ملابسِي مسبقًا.
ليشدّ انتباهِي وجودُ البَاب المنزِلق.
ترَى مَاذا يسمّى؟
طفقَت أليس تفتحُه ليُسرق وهجُ عينَاي مِن ألوَان مَا أبصَرت.
جنّة بهَا عشبٌ يانعٌ يعِيد لكَ خضَار رُوحك، بحيرةٌ دافئةٌ تعكِس زرقةَ عينَي أليس، صوتُ تضاربِ عودُ نقلِ الميَاه نزولًا وصعودًا بصخرةٍ تقبعُ تحتَه، وأرضيةٌ خشبيةٌ إستطعتُ الإحساسَ بنعومتهَا أسفلِي بالرّغم مِن إرتدائِي جواربِي.
الشجرُ يعتبرُ فروعًا صغيرَة تلوّن بصبغةِ الرّبيع.
الأمرُ وكأنّ أليس أرَادت غرسَ لكلّ كتابٍ قَامت بإنهائِه شجرةً رفيعةً تخلّد ذكرَاه..
جلسَت أليس عَلى حافةِ الأرضيّة لتربّت عَلى جانبهَا تتبسّم لِي فِي دمَاثة، فأسرِع بالجلُوس معيرةً إيّاها أطبَاق الكيكيّة وهالةٌ دافِئةٌ تحيطنِي.
كلّ مَا أستطِيع الشّعور بِه هوَ السّكون والرّاحة، لَا يعكّر الصّفو شيءٌ كأنّ ساعةَ ولادتِي دقّت مِن جدِيد.
عينَاي تأكُل المكَان قَبل أَن يتذَوق لسَاني مَا أعددَت لألحَظ هبوطَ عصفورٍ عَلى أحدِ فروعِ الأشجَار.
هذَا عصفورٌ جبليٌ أليسَ كذَلك؟
أدخَلت أكبَر قدرٍ مِن الهوَاء بصدرِي لأزفرَه برويةٍ منظفةً الغبَار دَاخل رئتَاي، فتلكزنِي أليس برفقٍ مرّتين عَلى ذراعِي جاذبةً إنتبَاهي.
-"هَل أريكِي شيئًا رائعًا؟"
طرفتُ مرّتين لأبتسِم برحابةِ صدرِي أومِىء فِي لهفَة لتردّها لِي، إِذ بهَا تنزِع جواربهَا مادةً قدميهَا للبحيرةِ بالأسفَل، فتتسِع مقلتَاي لتجمّع أسمَاك الجاراروفَا حولَها.
قرأتُ مسبقًا أنّها مفيدةٌ جدًّا لدرجةِ أطلقُوا عليهَا مطلَق السمكَة الطبيبَة وذَلك لدقةِ عملهَا والذِي هوَ أكلُ الجلدِ الميتِ فِي الجِسم.
-"ألَا تريدينَ التجرِبة؟"
-"ألَا يضايقكِ؟"
هزّت برأسهَا نافيةٍ لِي لتحركَ قدميهَا بحذرٍ وبطءٍ فِي المَاء تنبِس
-"هيَ أسمَاك غيرُ مضرّة تشبِه الطّبيب فِي دقّة عملِه، حالمَا تنتهِي ستشعرِين كأنّك عدتِ بنعومةِ أظافِرك"
حشرتُ قطعةً مِن الكيكيّة فِي فمِي بينمَا أعطيهَا كامِل حوَاسي فيطرأَ عَلى بَالي مَا نسيتُه.
-"أليس"
-"أجَل؟"
-"مَاذا يسمّى البَاب المنزلِق هنَا؟"
أردفتُ أشِير لهُ برأسِي لتحطّ زرقاوتيهَا علَيه
-"أوه، تقصدين الشّوجي؟"
-"إسمُه شوجِي؟"
أومأَت تحشُر قطعةً دَاخل فمهَا لأتبسّم مظهرةً صفّ أسنَاني فِي دفءٍ إعترانِي.
أَن يتذوّق أحدُهم مَا طهوتَ بيدِك وترَى لمعةَ عينَيه تتوهّج أمرٌ يبعثُ بِي أنّي قمتُ بأكبَر إنجازٍ بحياتِي كلّها
-"إذًا؟ كيفَ هيَ؟"
-"لَم أتوقّع أنّك تجيدِين صنعهَا بهذِه البراعَة، إنهَا تذُوب بفمِي كالهلَام وملمسهَا طريٌ للغَاية أبهرتنِي بصراحَة يَا حضرةَ الحلوانِي"
-"لَا زلتُ فِي بداياتِي فمَا بالُك إِن تعلّمت؟"
هيَ قهقهَت واضعةً ظهرَ يدهَا عَلى فمهَا لأضعَ طبقِي جانبًا آنَ انتهَائه.
أنزلتُ بصرِي والنسمَات تدَاعب خصلاتِ شعرِي أحدّق بالبحيرةِ أسفلنَا.
تعكِس المياهُ وجهِي الذِي يطفُو عَلى سطحهَا النقِي.
هذَا الوجهُ الذِي تعرّض لصفعاتٍ طمسَت ملامحَه، شوّهته، إنتزعتهُ وألقتهُ بعيدًا حتّى مَا عُدت قادرةً عَلى معرفةِ مَن أنَا أَو بالأحرَى..
مَا أنَا؟
أنتِ هنَا مثلكِ مِثل أثَاث البَيت، لَا أرِيد سماعَ صوتِ تنفسِك
أقسِم إِن نطقتِ بحرفٍ واحدٍ بفمكِ ذَاك
إعترفِي بكلّ شَيءٍ وصدّقيني لَن ترَي والدتكِ مجددًا إنمَا دمائهَا الذِي سيلطّخ يديكِ
كلّا..
لستُ أثاثًا لَا حركةَ لَه، لستُ جمادًا لَا روحَ فِيه، لستُ شيئًا ماديًّا يتمّ أخذُه هنَا وهنَاك يُرمى بِلا اكتراثٍ عَلى أرضٍ متسخةٍ لتلوّثه.
قَد لَا أعرِف ملامحِي ولَا تكوِيني لكنّني..
شدَدت عَلى تلَابيب ثوبِي لأشعرَ بعقدةٍ تتوسّط حاجبيَّ أطالعُ صورتِي المنكسرةَ عَلى سطحِ المَاء.
أنَا إنسانَة.
إنسانةٌ لهَا جناحينِ أسودَان مكسورَان يغلفانهَا ونزيفهمَا يأبَى التوقّف.
رؤيتِي لأشخاصٍ متقدمِين فاردِي أجنحتهِم ليسارعُوا بالتحليقِ بينمَا أنَا فِي آخر الصّف وريشِي يختلِف عنهُم لتلطخِه بسوادِهم، يحرزُون نقاطًا للأمَام بينمَا لَا زلتُ ضريرةً فِي المنتصَف.
أَنا تائهةٌ نسيَت وجهتَها، تبحِر فِي صلبِ العالمِ ولَا مينَاء يحتضِن سفينتهَا، تسبحُ ولَا يابسةَ تستدلّ وجودَ آمانٍ فيهَا.
كلّما أخبرتُ أحدَهم عَن شعُوري أخبرنِي أنّه طبيعيٌ لمثلِ مَن هُم بسنّي وأنّي لَا أزَال صغيرةً بعدَ كلّ شَيء.
ومَع ذَلك لَا أرِيد أَن أبقَى فِي المنتصَف، أريدُ الإبحارَ حتّى ترسُو سفينتِي، أريدُ السبَاحة حتّى أجِد يابسةً تؤوينِي.
سأجِد وُجهتي حتمًا حتّى وإِن كَان ذَلك يعنِي الدّهس عَليه والمضيّ قدمًا، أمّي وأليس، آمبر وإليزا، عائلتِي معِي، فمَن أنَا كَي أنكسِر أمَام حفنةٍ مِن الضّباع تتجوّل بحثًا عَن لحمٍ طريٍ وصيدٍ سهلِ المنَال لتنهشَه؟
سأحَارب للنّهاية.
أفقتُ مِن سرحانِي بالفرَاغ عَلى هزّ أليس لكتفِي برفقٍ ويبدُو أنّها نادتنِي كثيرًا لتوقظنِي مِن قرصنةِ ظلَامي لتسترسِل حديثهَا فِي وجُوم.
-"أوتَم ناديتكِ عدةَ مراتٍ ولَم تجيبِيني فيمَا كنتِ شاردَة؟"
تبسّمت أخبّىء ظلالِي أنفِي برأسِي بلَا شَيء لترمقنِي هيَ بنظراتِ فيهَا توطّن الشّك.
-"أوتَم تعلمِين أنّي هنَا مِن أجلِك صحِيح؟"
أومأتُ أرسمُ بسمةً بلونِ الشّمس ودفءِ العشبِ علّي أبثّ الرّاحة بهَا لتكمِل
-"تستطيعِين إخبارِي عمّا يجُول فِي خاطركِ، لَا تخبئِي شيئًا يضايقكِ أستطيعُ مساعدتكِ فِيه إتفقنَا؟"
أومأتُ مجددًا لتتنهّد مزيلةً يدهَا مِن عَلى كتفِي، فأستشعِر تلبدَ سمَاء أليس بالغيومِ.
ل لَم أقصِد!
هَل بسببِي؟!
أكرَه إشعارَ أحدهِم بالسّوء وخاصةً إِن كَان بسببِي..
فكّري! مَاذا أفعَل.. مَاذا أفعَل..
ثانيَةً واحدَة.. أليس تحبّ المناقشَات صحِيح؟
لمَا لَا أختلِق واحِدة؟ هيَ تفضّل الكتابَة عنِ الفلسفَة لذَا ستكُون فكرةً جيّدة.
السؤَال هنَا ماذَا أختلِق..؟
كَانت أليس تقرَأ فِي الآونةِ الأخيرَة مَا بينَ ديستويفسكي والفلسفةِ اليونانيّة.
مَاذا قَد يختلِف بينهمَا؟ مَا هيَ وجهاتُ النّظر التِي اختلفُوا وتشابهُوا بهَا؟
عليّ التفكِير بسرعَة!
الوجُود؟ السيَاسة؟ الأخلَاق؟ العَقل؟ المنطِق؟
هنَاك الكثِير لكِن..-
وجدتهَا! أنَا غالبًا مَا ألتزِم الصّمت! إذًا هذِه هيَ!
بقيَت أرتّب الحُروف فِي تناسقٍ دَاخل رأسِي علّها تكوّن جملًا تلمِس الدّواخل بهَا لأستمرّ باللعبِ بأطرافِ أصابعِي وكأنّي أحيكُ خطةً محكمةً بلَا ارتجالٍ يهدّ مخططاتِي عَلى رأسِي، فأحمحِم سارقةً انتباههَا نحوِي.
-"إستوقفنِي ديستويفسكي ذَات مرّة وهوَ يقُول: أعترِف أنّ لسانِي يجيدُ الصمتَ جيدًا ولكنّ عقلِي لَا يكفّ عنِ الكلَام والثّرثرة، وفِي أقوالٍ أخرَى يشِير بلَا جدوَى للحدِيث طالمَا أنّ الآخرينَ لَا يفهمُون صمتَك، ليأتِي أرسطُو قائلًا: تكلّم حتّى أرَاك"
هيَ أعطتنِي حواسّها، فأحيكَ إبتسامةً بإشراقِ السّماء لأوَاري حدقتَاي أثنَاء كلامِي تجنبًا لتلعثمِي وسطَ نسجِي قمَاش كلمَاتي.
-"فِي البدَاية إستغربتُ لتنَاقض كليهمَا وإذَا مَا أردتُ إتبَاع منهجِ أحدهمَا فمَن سأتّبع؟ وقتهَا لَم أكُن بالعِلم الكافِي لأرَى عمقَ الفلسفَة، شدّني فضولِي لأعلَم مَا المَقصد؟ لمَا وجهَات النّظر مختلفةٌ حدّ التنَاقض؟ هَل همَا يقصدَان صمتَ العقلِ أَم الرّوح؟ لكنّني وجدتُ ضالتِي بعدَ دراستِي لمادّة الفلسفَة فِي الثّانوية، فالأوّل ألَا وهوَ ديستويفسكي قصدَ صرَاخ روحِه لَا يرِيد لأحدٍ سمَاعه مريدًا تعريفَك نهايَة مَن يضعُ سلّة أسرارِه لدَى تاجِر فِتن، الصمتُ درعُه ليشِير بأنّ مَن فهمَ صمتَه سيفهمُه إِن تحدّث، أمّا عَن أرسطُو فقصدَ صدحَ صوتِ العَقل بتمييزِه للصحِيح والخاطِىء أنّ العقلَ لديهِ القدرةُ علَى التغيِير إِن أرَاد حيثُ ينبثِق مِنه أسلاكٌ توصِله بغيرِه مِن أجهزَة التحكُّم لدَى النّاس، عنَى هنَا الشجَاعة الفكريّة، فمعنَى جملَة تكلّم حتّى أرَاك هيَ توضِيح موقفِك، مبادئكِ ووجهةُ نظرِك لتعرّف الآخرين كيفَ تعمَل محرّكات عقلِك"
-"وأنتِ مَا رأيُك؟"
أدرتُ رأسِي لهَا لسؤالهَا لِي منتظرةً إجابتِي
-"أرَى أنّ كلاهمَا صحِيح، هنَاك مواقفٌ تستدعِي كلاهمَا، فالصّمت وقتَ الغضبِ إنتصَار، وقتَ المصائِب عليكَ أَن تبقَى هادئًا حتّى تستطِيع فكّ عقدِ المشكِلة، فلَا أحدَ منّا يجِيد ضبطَ نفسِه آنَ تحلّ مصيبةٌ فوقَ رأسِه معكرةً صفوَ حياتِه، لَا أظنّ أنّ بمقدُوري تفكيكَ أيّ شيءٍ بيدٍ مهزوزَة خضعَت للهلَع، أمّا عنِ الحديثِ يتطلبُ شجاعةً جبّارة لترتيبِ أفكَارك وصنعِ قماشٍ يبهرُ مَن التمسَ فِيه وجهةَ النّظر المقصُودة، يقُولون عنِ الفلاسفةِ مجرّد مجانِين لكنّي أجِد خلافَ ذَلك فِي الكتُب، الفلاسفةُ أشخاصٌ قامَت الحيَاة بتدليكهِم ليخرجُوا بتلكَ الصّورة، يصفُون شعورَ كلّ موقفٍ بدقّة، يخلطُون بينَ الخيَال والوَاقع، يحبذُون التشبيهَات وجلبَ أمثلةٍ لتصلَ الفِكرة، أشعرُ أنّي قابلتُ ذويِي ومنظوراتِي فِي الكتُب"
بقيتُ أثرثِر وإبتسامةٌ تجلَّت شفاهِي أتحدثُ كأنّي وأخيرًا أتنفّس لتردّ أليس.
جيّد..
لَم تعُد حزِينة.
تبادلنَا الإبتسامَات لآخذَ الأطبَاق ذهابًا إلَى المطبَخ وعقبتنِي أليس باقينَ فِي سكونٍ تقطعَه هيَ كعادتهَا
-"إذًا أوتَم ألَا تريدِين رؤيةَ عيادتِي البيطريّة؟"
-"بحَق؟! متَى؟"
قهقهَت عَلى عيونِي اللَّامعة ومظهرِي المتحمّس عَلى كلَامها.
-"الآن مَا قولُك؟.. أوتَم؟"
استطعتُ سماعَ حيرتهَا حينَ اختفيتُ وذهبتُ مباشرةً لغرفتِي لكَي أجهّز لخروجِي أقهقهُ لهزّ أليس رأسهَا.
أتوقُ لرؤيتهَا.
-"أليس، هَل مِن الطبيعِي ندرةُ وجُود حاوياتِ القمامَة؟"
نبستُ أثنَاء تمشّينا جنبًا إلَى جنبٍ لتطرفَ أليس متبسّمةً لِي لأدركَ كونهَا ستشرعُ بشرحِ السّبب لِي كمَا تكتبُ هيَ فِي أسطرِها.
-"في السنةِ الماضيَة حدثَ أكبرُ هجومٍ إرهابيٍ عهده تاريخُ اليَابان، وسطَ آلافِ المدنيينَ بمحطةِ القطَار بطوكيُو والتِي قامَت بِه واحدةٌ مِن أشرسِ وأشدّ الطوائفِ الإرهابيّة قوّة، حيثُ دسّت غازَ السّارين بينَ حاوياتِ القمامَة ممّا نجمَ عنهُ وفاةَ اثنَي عشرَ شخصٍ ومَا فَوق، بالإضافةِ لإصابةِ ألفَين وخمسمائةِ مواطِن لتصدِر حكومَة اليَابان حظرَ تواجدِ الحاويَات بكلّ مكَان، فتجدينهَا شفافةً تتيحُ لكِ رؤيَة مَا بداخلهَا، أَو بالقربِ مِن أمَاكن الطّعام ،وآلاتِ البَيع"
وقفنَا آنَ إنهائِها منتظرينَ إشارةَ المرُور أَن تأذنَ لنَا بشقّ طريقنَا نحوَ الطّرف الآخر مِن الشّارع لتسترسِل أليس حديثهَا فِي شُرود
-"هنَا فِي اليَابان ستجدِين كلّ شيءٍ مختلِف حتّى مجرميهَا، فغالبًا تكُون العاصمةُ أكثرَ مكانٍ تتكدّس بِها الجرائِم ومنظماتُ الفسَاد بينمَا هنَا سأخبركِ أنّ يوكوهَاما لكثرةِ مَا يقطنهَا مِن أعمالٍ فِي الخفَاء والعَلن لقّبت بجنّة العصابَات"
-"جنّة العصَابات؟"
أومأَت لِي لنستكمِل الطّريق بإذنٍ مِن إشارةِ المرُور، فتغيظنِي أليس بنبرتهَا اللعُوب
-"مَاذا؟ أخفتُك؟"
-"أهناكَ أحدٌ عاقِل لَن يكُون مرعوبًا ممّا تقولِين يَا أليس؟"
ابتسمَت لكلَامي لتكسرَ طريقهَا يسارًا متجهةً لمبنَى العيَادة تفتحُه واقفةً أنتظرُ فِي حماسٍ.
-"أعرّفك ببيتيَ الثّاني تعالَي"
ولجتُ للدّاخل وكلّ شيءٍ لَا يزالُ فارغًا ومليئًا بالغبَار واضعةً يدِي عَلى أنفِي كَي أمنعَ حساسيتِي ضدّه بقلبِ حربٍ مِن العطسِ فِي مجرَى تنفسِي.
-"ألَم يوجَد أحدٌ يهتمّ بهِ غيركِ يَا أليس؟"
-"كلّا كنتُ أهتمّ بكلّ شيءٍ بنفسِي تقريبًا ولَم أجِد شخصًا موثوقًا"
-"يمكننِي المساعدةُ"
أخرجتُ كمّامة لتغطِي نصفَ وجهِي المدوّر أتّخذه حاميًا مِن الغبَار مشمّرة عَن ساعديّ أتنَاول المكنسَة منهَا.
-"سأجعَله يلمَع!"
قلتُ بثقَة
-"لَن أقُول لَا بصراحَة"
وبدأنَا عندهَا التنظِيف.
كَان المكَان كبيرًا بعضَ الشّيء لذَا أخذَ وقتًا جعلتنِي أليس أتوّلى غرفةَ الإستقبَال بينمَا هيَ اعتنَت بغرفةِ العلَاج والمكتَب.
فأخذتُ أهمهمُ وأغنّي ترنيمةً حفظتُها فِي صغرِي لكَي لَا أشعرَ بالوَقت.
لسببٍ مَا يرجعنِي ذَلك لأيامٍ أحنّ لهَا.
مَن منّا لَا يتمنّى أَن يعودَ طفلًا صغيرًا.
خرجتُ لأرميَ مَا وجدنَاه مِن أوساخٍ فِي زقاقٍ كَان ملاصقًا للعيَادة.
انحنَيت مستكشفةً الزّقاق بعينيّ قبلَ قدمِي فكَان صغيرًا وبهِ حاويتَي قمَامة.
استدرتُ لأعُود فِي طرِيقي فأسمعَ أنينًا خيّل لِي أنّه صوتُ جروٍ صغِير نظرتِ بينَ الزّوايا ولَم أجِد شيئًا غيرَ مكعبِ كرتونٍ يخرجُ الصّوت مِنه.
رفعتُ الكرتُون متفاجئةً بصندوقٍ للحيواناتِ حُبس فِيه جروٌ صغِير ويبدُو أنّه لَيس مِن مدةٍ طوِيلة.
كَان خائفًا للغايَة وينظرُ إليّ بعَينيه وجسدِه المرتجِف.
-"لَا أدرِي لمَ قَد يفعلُ شخصٌ مَا بكائنٍ مسكينٍ هذَا.."
تمتمتُ فِي امتعاظٍ رافعةً سبّابتِي لأنفهِ الصّغير ليشمّه ويرتَاح بعضَ الشّيء لاعقًا إيّاه.
-"أنتَ أليفٌ للغايَة"
قلتُ مقهقهةً لذيلِه المهزوزِ خلفَ ظهرِه فاتحةً شبكَ الصّندوق الصدِىء بعدَ عنَاء أقابلِه بيدِي أخففُ خوفَه قليلًا فأحملَه بينَ ذراعيّ عائدةً لأليس.
-"أوتَم كنتُ أريدُ أَن أخبركِ أنّ..- يَا إلهِي!"
وقفتُ بترددٍ معَ ابتسامةٍ بريئَة تقريبًا كالجروِ فِي حضنِي.
-"أحضرتُ لكِ أوّل زبُون هه"
-"أيهَا المسكِين، ألستَ أظرفَ شيءٍ عَلى الإطلَاق؟ مَن هوَ الفتَى المُطيع؟ أوه إنّه أَنت حتمًا أَنت"
اتسعَت ابتسامتِي لملاعبتهَا لَه وأخذِه لكَي تفحصَه.
-"أتوقّع كَان نوعُه عَلى حسبِ خبرتِي الفقيرَة جولدن ريتريڤر"
-"أحسنتِ أثمرَت جهودِي بكِ"
-"مَاذا كنتِ تريدِين إخبارِي؟"
أردفتُ أشاهدهَا أثنَاء فحصهَا للجَرو سارقةً انتباههَا لمَا أرادَت محادثتِي بشأنِه.
-"كنتُ سأقُول أنّي تلقّيت رسالةً مِن شخصٍ مُهم فِي مجالِ الكتبِ الطّبية وقَد دعانِي لأحضرَ خطابَه فِي دارِ الأوبرَا غدًا وأنّ لدَينا بعضَ أنشطةَ الكبارِ المملّة هنَاك لذَا وددتُ أخذكِ معِي"
أومضتُ وقبلَ ردّي هيَ أكملَت.
-"سأجعلكِ تتجوّلين كمَا تشائِين فِي المكَان كلّه هوَ يشبِه مَا يُوجد بالرّوايات فقلتُ أنّك ربّما قَد ترغبينَ برؤيتِ..-"
-"سأذهَب!"
-"جيّد"
ردّت بابتسامتهَا المعتادَة لينبحَ الكلبُ ماسحًا رأسَه بذراعِي فأداعبَ فروَه البرتقالِي النّاعم.
-"أحبّك، مَا رأيكِ أَن نحتفظَ بِه؟"
-"تريديِن الاحتفاظَ بِه؟"
أومأَت لتسأَل
-"لدَيك اقتراحاتٌ بشأنِ تسميةِ هذَا الفتَى الصّغير؟"
طالعتُها واقفةً أفكّر موجهةً حدقتَاي لهُ فأبتسمَ بدفءٍ عانقنِي.
-"هوَ يشبِه الشّمس لمَا لَا يكُون صَن؟"
يبدُو أنّه أحبّها وهوَ يهزّ ذيلَه فِي سعادَة جعلَت قلبِي يرفرِف.
أخذنَاه معنَا للبَيت، اهتمّت أليس باستحمامِه وجففتُه أنَا وأخذَ يلعبُ كثيرًا يستكشفُ هنَا وهنَاك.
يجرِي ويقفزُ بحيويةٍ فِي كلّ مكانٍ أثنَاء مشاهدتِي لَه.
صَن.
حقًّا اسمٌ يلائمُه جدًّا.
.
.
-"هَل انتهيتِ يَا أليس؟"
-"أمهلِيني دقائقًا معدودَة"
-"عَلى مهلِك"
قلتُ مِن خارجِ بابهَا أنزلُ الدّرج فينبحَ صن مرحبًا بِي بذلِه المهزوزِ وابتسامتِه المشرِقة لأجثُو ملاعبةً فروَه.
-"آسفةٌ يَا صن لكِن لَا أعتقدُ أنّ أليس ستوافقُ عَلى اصطحابكَ معنَا"
سرعانَ مَا تجهّم وجههُ وطالعنِي بعينَيه البريئتَين يترجانِي مستغلًا ظرافتَه فِي إذابةِ قلبِي.
-"كُن فتًا مطيعًا اتفقنَا؟"
نبحَ رادّة بابتسامةٍ أربّت عَلى فروِه أنتظرُ أليس مَن عقّبتنَا بعدَ دقائِق لأرتدِي البلارينَا خاصّتي خارجتَان للطّريق الرئِيسي.
صعدَت أليس لأصعدَ أنَا أتأمّل سماءَ يوكوهاما ونحنُ تحتهَا.
سماءُ هذِه المدينَة تغلّفني بالهدُوء كأنّني وُلدت بهَا، كأنّي اعتدتُ علَيها فِي صغرِي، أحِس بألفةٍ غريبَة هنَا بينمَا كنتُ فِي وسطِ عائلتِي أنَا هوَ الغريبُ ويحاوطُه علامَات الاستفهَام..
قَد تكونُ هذِه السّماء لوحتيَ المُقبلة.
سرحتُ مِن النّافذة المفتوحَة لتلكزنِي أليس برفقٍ جاذبةً انتباهِي لجمالِ الشّوارع هنَاك مخفيةً حقيقةَ أنّي اصطحبتُ صن معِي.
-"أنتِ متحمسةٌ يَا أليس"
-"بالطّبع! تمّت دعوتِي أكبرِ أوبرَا فِي اليابانِ كلّها كيفَ سيكُون مظهرِي فِي رأيِك؟"
امتزجَت أصواتُ قهقهتنَا ببعضهَا ليتوقّف سائِق سيارةِ الأجرَة امَام العنوانِ المقصُود، فننزِل أنَا وأليس.
انتظرتُ أليس حتّى خطَت بجانبِي لأرفعَ برأسِي للمبنَى.
أنَا.. لَم يسبِق أَن دخلتُ أوبرَا مِن قَبل، لكِن هذَا؟
أقرّ أنّه مِن أروعِ مَا رأَيت فِي حياتِي مِن قَبل.
وحالمَا دخلنَا سرحتُ بالتفاصِيل أكثَر، ولَم أعرِ النّاس اهتمامِي حتّى.
الكريستالاتُ الموزّعة فوقَ رؤوسِنا هنَا وهنَاك تعطِي منظرًا مبهجًا رغمَ هدوءِ المكَان، السجّادات الحمراءُ لهَا حضورهَا فِي كلّ وطأةِ قدَم، السلالِم وكثرتهَا كأنّك ولجتَ للعصرِ الفيكتوريّ بالخطَأ.
عِندما وضعتُ اهتمامِي عَلى النّاس وجدتُ أنّهم تمامًا بالفِعل كالعصورِ الفكتوريّة، الأسودُ والأبيضُ يهَيمن عَلى المكَان، الألوانُ الفاقعةُ لهَا عزّتها كذلِك التِي تؤذي عينِي بالطّبع، وكلٌّ مَع شريكِه.
-"انظرِي يَا أليس! إنّه-"
تلَاشت ابتسامتِي حين لمحتُ شحُوب أليس فجأَة كأنّها رأَت شبحًا لينتابنِي القلقُ بأوردتِي واضعةً يدِي عَلى كتفهَا
-"أليس؟ أليس أنتِ بخَير؟"
-"أنَا.. بخَير فقَط.. أحتَاج للذّهاب للحمّام"
اتجهَت جاذبةً إيّاي معهَا بسرعةٍ كأنّها تحاولُ التخفّي والابتعَاد.
ما الذِي حدثَ لهَا فجأَة؟
.
•
❀