كان السيد ستيفن رجلا أرملا، بلا أولاد، و قد بلغ الخمسين من عمره منذ أشهر قليلة. لم يكن له أبدا عمل مستقر، و لا مكان إقامة واحد، فقد كان يتنقل من مدينة لأخرى و يعمل في وظائف مختلفة و متنوعة. و منذ أسبوع وصل لمدينة جديدة حيث حصل على عقد عمل كحارس ليلي لأحدى الشركات الكبيرة.
كان السيد ستيفن، بسبب مكان إقامته البعيد، يسير كل يوم إلى عمله سيرا على الأقدام، لمسافة تزيد عن الميلين، حيث يمر بجانب مقبرة ذات سور منخفض، فيمكنه رؤية جميع القبور. كان دائما يشعر بالخوف عندما يمر من هناك، لأنه يشعر دائما بأن أحدا ما يراقبه.. يسير بجانبه.. و يتنفس في وجهه، رائحة كريهة مثل النسيم الحار المزعج، فتراه دائما عندما يمر بجانب المقبة يحاول كتم أنفاسه قدر الإمكان، و عدم الالتفات، و المرور بأسرع ما يمكنه.
ذات يوم، بينما كان يسير إلى عمله مثل المعتاد، سمع أحدا يناديه، كان صوتا مألوفا ٱتيا من داخل المقبرة. لم يرد السيد ستيفن الالتفات، لكنه لم يستطع المقاومة، أدار رأسه فلم يرى شيئا، فقد كانت المقبرة خالية، مظلمة، فقط العشرات من القبور القديمة المنتشرة بغير انتظام في كل مكان، ثم فجأة.. أحس بنسيم قوي و رائحة كريهة، التفت أمامه، فرأى رجلا عجوزا، كانت عينيه مفتوحة لأقصى ما يكون، و كان لا يرمش أبدا، بدا شاحب الوجه، رث الثياب، حزينا، و كان يحمل سكينا، كما أنه عندما فتح فمه ليتحدث، لم يكن يملك أسنانا.
قال الرجل العجوز بصوت يشبه الهمس:
- أعطني لسانك و ستعيش.
ثم مد يده ذات الأظافر الطويلة و المتسخة لينتزع له لسانه. أحس السيد ستيفن بالخوف، أراد الهروب، لكنه لم يستطع، كان مجمدا في مكانه، لم يستطع أن يتحرك أو أن يتكلم، ثم فجأة.. فقد الوعي.
استيقظ السيد ستيفن في اليوم التالي في المستشفى، كان مشوش التفكير و لا يتذكر ما حدث، لذلك عندما رأى الممرضة قادمة نحوه سألها عما حصل له، لكنه لسبب ما لم يستطع التكلم بكلمات مفهومة فكان يهمهم و يتمتم بما يريد قوله. أما الممرضة فقد فهمت ما يريد قوله فأخبرته بأن هناك هن عثر عليه أمام المقبرة، عثر عليه فاقدا للوعي و من دون لسان. أخبرته بأن لا يفزع لأن الطبيب سيأتي و سيفسر له كل شيء، ثم غادرت. بعد قليل دخل الطبيب، كان شابا صغيرا، و كان يحمل حقنة في يده، اقترب من السرير، فأحس السيد ستيفن بالرائحة الكريهة و النسيم الحار مثل السابق، عندئذ تذكر الرجل العجوز الذي اعترضه بجانب المقبرة.
قال الطبيب بصوت مثل الهمس:
- اللسان لا يكفي، أعطني قلبك.
تسارعت دقات قلب السيد ستيفن بشكل جنوني و فقد وعيه مجددا، و عندما استيقظ كان ممددا على التراب و بجانبه الكثير من القبور. كانت رائحته كريهة، كانت ملابسه رثة و قديمة، و عندما وقف أحس بدهشة شديدة و لم يفهم شيئا مما يحدث معه. كان قد رأى شخصا يمشي في الخارج بجانب السور، فأسرع إليه، و قفز فوق السور و هو ينادي عليه، لكن لسبب ما هذا الرجل لم يسمعه، و لم يره و هو يمشي بجانبه. رفع السيد ستيفن يديه ليمسكه، فلاحظ أنه كان يمسك بسكين، فتوقف في مكانه مندهشا، ثم بدأ يتراجع إلى الخلف حتى اصطدم يشيء ما، التفت، فرأى أشخاصا ٱخرين، أشخاصا برائحة كريهة و ثياب رثة، أمسكوا به و أخبروه أنه يمنع عليه مغادرة المقبرة، ثم أعادوه معهم.
Mondher Rhamni