الفصل الأول♡
«حمامه في وكر الذئب»
.
.
كان المطر يضرب نوافذ المكتب الضخم في قصر "روكس" وكأنه يطالب بالدخول. في الداخل، كان الجو خانقاً برائحة الورق القديم والسيجار الفاخر.
جلس روكس خلف مكتبه، رجل في الثلاثينات من عمره، ملامحه كأنها نُحتت من صخر بركاني؛ عينان حادتان كالنصل وشعر أسود فاحم. كان يراقب الرجل الجالس أمامه بقرابة، والد جيسيكا، الذي كان يتصبب عرقاً رغم برودة الغرفة.
"الأسهم مقابل حياتي يا روكس.. أريد شركتي أن تقف على قدميها مجدداً،" قال الوالد بصوت يرتجف.
أخرج روكس سيجاراً ونفث دخانه ببطء، ثم قال بنبرة جليدية: "الأسهم لا تكفي لتسديد ديونك لي.. أنت تعرف شروطي."
فتح الوالد الباب، ودخلت فتاة صغيرة، نحيلة، ذات عيون واسعة مليئة بالخوف والدهشة. كانت جيسيكا، في الرابعة عشرة من عمرها، ترتدي فستاناً بسيطاً وتمسك بطرف قميص والدها.
توقف روكس عن التدخين. نظر إليها، لم تكن مجرد طفلة بالنسبة له في تلك اللحظة، كانت "الضمان" الأخير. قام من خلف مكتبه ببطء، وخطا نحوها. انكمشت جيسيكا على نفسها، لكن روكس انحنى لمستواها ورفع وجهها بإصبعه.
"من اليوم.. هذا القصر هو بيتكِ، وأنا قانونكِ الوحيد،" قال روكس بصوت منخفض. ثم التفت إلى والدها وقال ببرود: "اخرج.. والأسهم أصبحت لي، وهي أيضاً."
بكت جيسيكا بصمت وهي تشاهد والدها يغادر دون أن يلتفت خلفه. شعرت بيد قوية وباردة توضع على كتفها. كان روكس. رغم قوته وعنفه مع العالم، إلا أنه نظر إليها وقال بلهجة آمرة لكنها تحمل نوعاً غريباً من الحماية: "توقفي عن البكاء.. في مملكتي، الضعفاء فقط هم من يبكون يا صغيره."
.........
مرت السنوات داخل القصر المحصن. تحول روكس من شخص غريب مخيف إلى "الأب، المعلم، والسجان". كان يعاملها بصرامة؛ منعها من الخروج دون حراسة مشددة، أشرف على تعليمها بنفسه، وكان يشتري لها أجمل الفساتين لكنه لا يسمح لأحد برؤيتها بها.
في عيد ميلادها السادس عشر، أحضر لها عقداً من الزمرد. وبينما كان يغلقه حول عنقها، نظرت جيسيكا إلى انعكاسهما في المرآة. كان روكس يقف خلفها كالجبل، يداه الخشنتان تتناقضان مع نعومة بشرتها.
"لماذا تفعل كل هذا يا روكس؟" سألت بهمس.
أجاب وهو ينظر إلى عينيها في المرآة: "لأنكِ ملكي.. وما يملكه روكس لا يلمسه أحد، ولا يجرؤ أحد على الحلم به."
مرت السنوات داخل القصر المحصن وكأنها حلم ثقيل. تحول روكس في نظر جيسيكا من ذلك الغريب الذي اشتراها، إلى محور كونها الوحيد. كان يعاملها بصرامة عسكرية؛ لا خروج دون حراسة، لا أصدقاء، ولا تواصل مع العالم الخارجي إلا من خلال الكتب والمعلمين الذين يأتون إليها.
في أحد الأيام، عندما كانت جيسيكا في الخامسة عشرة من عمرها، كانت تسير في الممرات الطويلة للقصر، تحمل كتاباً بين يديها. توقفت أمام باب مكتبه الضخم المصنوع من خشب الأبنوس. كان الجميع في القصر يرتجفون من فكرة الاقتراب من هذا الباب، لكن بالنسبة لها، كان هذا الباب هو المكان الوحيد الذي تشعر فيه بأنها مرئية حقاً.
طرق الباب بخفة، وجاء صوته العميق من الداخل: "ادخلي."
فتحت الباب ببطء. كان المكتب غارقاً في الظلام إلا من ضوء خافت ينبعث من المصباح فوق مكتبه. كان روكس يجلس بظهره المستقيم، يراجع بعض الأوراق، وبجانبه مسدسه الشخصي الذي لا يفارقه.
نظر إليها، وتلاشت حدة عينيه قليلاً. أشار بيده نحو الكرسي المقابل له، لكنه سرعان ما غير رأيه. ربّت على فخذه وقال بنبرة هادئة ولكنها تحمل أمراً غير قابل للنقاش: "تعالي إلى هنا، جيسيكا."
مشيت بخطوات مترددة وجلست بحذر على ركبته. أحاط خصرها بذراعه القوية، وشعرت جيسيكا بضخامة جسده مقارنة بجسدها الصغير. كان يفوح منه عطر ممزوج برائحة الورق والغموض.
رفع يده ليزيح خصلة شعر عن وجهها، وسألها بصوته الأجش: "أخبريني.. كيف كان يومكِ مع المعلمين؟ هل ضايقكِ أحد بكلمة أو نظرة؟"
نظرت إلى الأسفل بخجل وقالت بصوت خافت: "لا، الجميع يعاملني باحترام.. أو ربما بخوف لأنني تخصك."
ابتسم ابتسامة صغيرة لم تظهر إلا لها، وضغط برفق على خصرها: "هذا جيد. يجب أن يعرفوا أنكِ أغلى ما أملك في هذا المكان القاسي. هل انتهيتِ من قراءة الكتاب الذي أعطيتكِ إياه؟"
أومأت برأسها، فشعر بالرضا. مالت برأسها على صدره العريض، وشعرت بدقات قلبه المنتظمة. في تلك اللحظة، لم يكن روكس بالنسبة لها زعيم المافيا الذي يرتعد منه الرجال، بل كان الأمان الوحيد الذي تملكه.
قال لها وهو يشدد من ضمتها: "تذكري دائماً يا جيسيكا.. العالم في الخارج مليء بالذئاب، وأنا الوحيد الذي سيحميكِ منهم. لا تخفي عني شيئاً أبداً، هل تفهمين؟"
همست بضعف: "أفهم يا روكس."
.
.
أصبحت جيسيكا الآن في التاسعة عشرة. لم تعد تلك الطفلة النحيلة، بل تحولت إلى شابة فاتنة، بجمال لافت وعينين تحملان بريقاً من التمرد المكبوت. سمح لها روكس أخيراً بالذهاب إلى الجامعة، لكن بشرط واحد: حراسة لا تفارق ظلها، ومنع تام للتواصل مع أي شخص خارج نطاق الدراسة.
في ساحة الجامعة، كانت جيسيكا تقف مع زميل لها يناقشان مسألة دراسية. كانت تضحك بعفوية وهي تشرح له وجهة نظرها، غير مدركة أن خلف زجاج السيارة السوداء المصفحة التي تقف بعيداً، كان هناك بركان على وشك الانفجار.
كان روكس يراقب المشهد من الداخل. لم تعد تلك "الحماية الأبوية" هي ما يحركه؛ بل كان شعوراً أسود، حارقاً، ينهش صدره. رؤية رجل آخر يقف قريباً منها، أو يراها تضحك، كانت تجعله يرغب في إحراق المدينة بأكملها.
عاد إلى القصر قبل وصولها. وعندما دخلت جيسيكا الردهة، وجدته واقفاً في الظلام ، وعيناه تلمعان كعيون نمر يتربص بفريسته.
"من كان ذلك الشخص الذي كنت تتحدثين معه عند بوابه الجامعه ؟" سأل بصوت منخفض جعل شعر بدنها يقف.
توقفت مكانها، وشعرت بالتوتر يعود إليها: "إنه مجرد زميل، روكس.. كنا نتحدث عن الامتحان
."
اقترب منها بخطوات بطيئة، وعندما وصل إليها، أمسك بذقنها ورفعه بقوة لتنظر إليه: "لقد كبرتِ يا جيسيكا.. وبدأتِ تظنين أنكِ تستطيعين توزيع ابتساماتكِ على الغرباء. هل نسيتِ من تكونين؟ هل نسيتِ لمن تنتمين؟"
"أنا لست ملكية خاصة يا روكس!" صرخت بتحدٍ لأول مرة في حياتها.
تغيرت ملامحه تماماً، واقترب من أذنها وهمس بفحيح مرعب: "بل أنتِ ملكي.. كل إنش منكِ ملك لروكس. واليوم، ستعرفين أن خرق قوانيني له ثمن باهظ."
.
كان الهواء في الردهة يبدو وكأنه انسحب فجأة، تاركاً جيسيكا في مواجهة مباشرة مع بركان غضب الهادئ والمخيف. لم يتحرك روكس من مكانه، لكن حضوره كان يطغى على المكان كله. كان يرتدي قميصه الأسود المعتاد، وقد شمّر أكمامه لتظهر عروق يديه البارزة وقبضته المشدودة.
خطت جيسيكا خطوة للخلف محاولة للهروب منه، لكن صوته أوقفها كالسلسلة: "إلى أين يا جيسيكا؟ هل تظنين أن جدران هذا القصر لا تملك عيوناً؟ أم أنكِ ظننتِ أن انشغالي بأعمالي سيجعلني أغفل عن "تجاربكِ" في تكوين الصداقات؟"
رفعت جيسيكا ذقنها، محاولةً استجماع شتات شجاعتها التي بدأت تذوب أمام نظراته الحارقة: "لقد كان مجرد حديث عن مشروع التخرج، روكس! إنه زميلي، والجميع هناك يتحدثون مع بعضهم. أنا لستُ لوحة في متحف لكي تكتفي بالنظر إليّ وتمنع الآخرين من الاقتراب!"
ضحك روكس ضحكة قصيرة، جافة، لم تصل إلى عينيه. اقترب منها بخطوات بطيئة وموزونة، مثل نمر يحاصر فريسته في زاوية ضيقة. ومع كل خطوة يخطوها، كانت جيسيكا تشعر بمدى صغر حجمها أمام ضخامته وقوته.
عندما وصل إليها، لم يترك لها مجالاً للهرب. وضع يده الضخمة على الجدار خلف رأسها، ومال بجسده نحوها لدرجة أنها استنشقت رائحة عطره القوية الممزوجة برائحة الغضب. شعرت بحرارة أنفاسه على وجهها، وهمس بصوت منخفض كأنه الرعد قبل العاصفة:
"لوحة في متحف؟ بل أنتِ أثمن من ذلك بكثير. اللوحات تُباع وتُشترى، أما أنتِ.. فقد دُفع ثمنكِ من دمي وسنواتي. هل تعتقدين حقاً أن ذلك الصبي الذي يقف في ساحة الجامعة يدرك ماذا يعني أن تمتلككِ امرأة مثلكِ؟"
رفعت جيسيكا يديها لتضعهما على صدره العريض، محاولةً دفعه بعيداً، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة. "أنت تخنقني، روكس! هذه ليست حماية، هذا سجن!"
اشتعلت عيناه بوميض مرعب، وانحنى أكثر حتى لامست شفتيه أذنها، وقال بفحيح حاد: "إنه سجن بأسوار من ذهب، وجدران من أمان لن تجديه في الخارج. واليوم، بما أنكِ قررتِ التمرد، سأعيد رسم حدود مملكتكِ."
سحب يده من على الجدار، وبحركة خاطفة، أمسك بمعصمها وسحبها خلفه نحو الدرج المؤدي إلى الجناح الخاص. كانت جيسيكا تحاول مقاومته، لكن قبضة يده كانت كالطوق الحديدي.
"إلى أين تأخذني؟ روكس، اتركني!" صرخت وهي تحاول الإفلات.
لم يلتفت إليها، بل صعد الدرج بخطوات ثابتة، وقال ببرود يجمّد العروق: "ستعودين إلى المكان الذي تنتمين إليه حقاً. الجامعة كانت امتيازاً، والامتيازات تُسحب ممن لا يقدر قيمتها."
فتح باب غرفتها العلوية، تلك الغرفة التي كانت تشبه الجناح الملكي، ودفعها للداخل برفق لا يخلو من الحزم. أغلق الباب خلفه بالمفتاح، ثم استدار ليرى نظرة الرعب في عينيها.
"منذ هذه اللحظة، لا جامعة، لا خروج، ولا تواصل مع أي كائن بشري إلا من خلالي،" قال وهو يضع المفتاح في جيبه. "ستتعلمين يا جيسيكا أن العالم ينتهي عند حدود باب هذا القصر. وأن الرجل الوحيد الذي يحق له أن يرى ابتسامتكِ.. هو أنا."
ارتمت جيسيكا على سريرها وأجهشت بالبكاء، بينما وقف هو يراقبها بجمود، قلبه يتمزق بين رغبته في احتضانها وبين هوسه بامتلاكها وحمايتها من عالم يراه غابة مظلمة. اقترب منها وجلس على حافة السرير، ومد يده ليمسح دموعها بخشونة، ثم قال بهدوء مخيف:
"لا تبكي.. ألم أخبركِ يوماً أن الضعفاء فقط هم من يبكون؟ وأنتِ لستِ ضعيفة.. أنتِ ملكة روكس، والملكات لا يظهرن إلا لمن يستحق."
نظرت إليه من بين دموعها، ورغم كرهها لسيطرته، شعرت بتلك الجاذبية المظلمة التي تربطها به منذ طفولتها.
.
.
.
.
مرت ساعات الليل ثقيلة على جيسيكا، كانت تسمع وقع خطواته المنتظمة خارج غرفتها، كأنه حارس يقف على بوابة قلعته، لا ينام ولا يغفل. لم تكن تعلم هل هو الخوف ما يشل حركتها أم ذلك الشعور الغريب بالانتماء لهذا الرجل الذي سلبها كل شيء وأعطاها كل شيء.
في الصباح الباكر، فُتح الباب بهدوء. دخل روكس وبيده صينية فضية تحمل إفطاراً فاخراً، لكن ملامحه كانت لا تزال مغلفة بذلك البرود القاسي. وضع الصينية على الطاولة واقترب من السرير حيث كانت جيسيكا تجلس شاحبة الوجه.
"تناولي طعامكِ،" قال بنبرة هادئة لكنها تحمل صرامة الأمر.
نظرت إليه جيسيكا بعيون متعبة وقالت: "إلى متى يا روكس؟ هل ستبقيني حبيسة هنا لأنني تجرأت وتصرفت كبشر؟"
جلس روكس على المقعد المقابل لها، وشبك أصابعه ببعضها، ونظر إليها بعمق: "سأبقيكِ هنا حتى تدركي أن حريتكِ تبدأ وتنتهي عندي. العالم الذي تظنين أنكِ تفتقدينه لا يرى فيكِ سوى طعم سهل، أما أنا.. فأرى فيكِ حياتي."
"هذا ليس حباً، هذا تملك!" صرخت وهي تقف وتواجهه.
قام روكس من مكانه ببطء، مما جعلها تتراجع تلقائياً حتى اصطدمت بالحائط. وضع يده بجانب رأسها ومال نحوها، وهمس بصوت أجش: "التملك هو أعلى درجات الحب في عالمي يا جيسيكا. الرجل الذي ضحك معكِ بالأمس، هل كان ليحرق العالم من أجلكِ؟ هل كان سيقتل بدم بارد ليحمي شعرة واحدة من رأسكِ؟"
صمتت جيسيكا، لأنها كانت تعرف الإجابة. كانت تعرف أن روكس ليس مجرد رجل، بل هو قدرها الذي اختاره لها والدها قبل سنوات، والذي اختارته هي بصمتها وخضوعها له.
"اليوم.." تابع روكس وهو يبتعد قليلاً، "سآخذكِ معي إلى المكتب الرئيسي. لن تذهبي للجامعة، لكنكِ لن تبقي وحيدة هنا. ستكونين بجانبي، تحت نظري، لتعرفي من هو الرجل الذي تنتمين إليه حقاً، ولترَي كيف يركع العالم تحت أقدام من يملك القوة."
أخرج من جيبه علبة مخملية صغيرة، فتحها ليظهر خاتم من الماس الأسود، نادر وقوي. أمسك يدها، ورغم محاولتها البسيطة للمقاومة، انزلق الخاتم في إصبعها بسلاسة.
"هذا ليس مجرد زينة،" قال وهو يقبل يدها بلمسة باردة أرسلت قشعريرة في جسدها. "هذا وسم. ليعرف الجميع، قبل أن يفكروا حتى في النظر إليكِ، أنكِ محرمة عليهم تماماً كما هي أرواحهم."
نظرت جيسيكا إلى الخاتم، ثم إلى عينيه اللتين لم تظهرا أي ندم. في تلك اللحظة، أدركت أن الصراع بينهما قد بدأ للتو؛ صراع بين رغبتها في التحرر، وبين جاذبية القيود الذهبية التي يلفها روكس حول عنقها بإحكام.
......
في الصباح
دخل روكس غرفتها بهدوء لينظر لها وهي تفرك عينيها من ٱثار النوم لكن نظراته ظلت مثبتة على عينيها كأنها قيد غير مرئي. استدار نحو الخزانة الكبيرة، وأخرج رداءً طويلاً من الحرير الأسود، ثم ألقاه على السرير بجانبها.
"ارتدي ملابسكِ. أمامكِ عشر دقائق لتكوني في الأسفل،" قالها وهو يتجه نحو الباب، ثم توقف فجأة دون أن يلتفت، "وإياكِ أن تفكري في مسح آثار دموعكِ.. أريدكِ أن تتذكري سببها في كل مرة تنظرين فيها إلى المرآة اليوم."
خرج وأغلق الباب خلفه، وسمعت صوت القفل وهو يُغلق من الخارج مرة أخرى. شعرت جيسيكا بضعف في ركبتيها فجلست على طرف السرير، تنظر إلى الخاتم ذو الماس الأسود في إصبعها. كان ثقيلاً، ليس بوزنه، بل بما يمثله؛ لقد كان إعلاناً رسمياً بانتهاء حياتها كفتاة عادية، وبداية حياتها كـ "ممتلكات خاصة" لزعيم لا يعرف الرحمة.
بعد دقائق، كانت تقف أمام المرآة. ارتدت فستاناً بسيطاً لكنه راقٍ، ووضعت الرداء الأسود فوق كتفيها. كانت تبدو كأميرة في حكاية مظلمة. عندما فتح الحارس الباب لها، وجدت روكس ينتظرها عند رأس الدرج. لم يقل كلمة، بل مد يده العريضة نحوها. ترددت للحظة، ثم وضعت يدها الصغيرة في كفه، ليطبق عليها بقوة طمأنتها وأرعبتها في آن واحد.
نزلا الدرج معاً، حيث كان العشرات من رجاله يقفون في الردهة ببدلاتهم السوداء ووجوههم الجامدة. بمجرد ظهور روكس وجيسيكا، خيّم صمت مطبق على المكان، وانحنى الجميع برؤوسهم في إشارة احترام لم تره جيسيكا من قبل.
"السيارة جاهزة يا سيدي،" قال كبير الحراس وهو يفتح الباب الخارجي.
خرجا إلى المطر الذي كان لا يزال يهطل بغزارة. تحت المظلة الكبيرة التي كان يحملها الحارس فوقهما، أحاط روكس خصرها بذراعه وقرّبها إليه ليحميها من رذاذ الماء، وهمس بالقرب من أذنها:
"منذ هذه اللحظة، ستدخلين عالمي الحقيقي. هناك، الكلمات لها ثمن، والأنظار لها عواقب. ابقي بجانبي، ولا تنظري لأحد.. فأنظاركِ أغلى من أن تضيع على هؤلاء الحثالة."
انطلقت السيارة السوداء المصفحة تشق طريقها عبر شوارع المدينة، وجيسيكا تراقب العالم من وراء الزجاج الداكن، تشعر وكأنها تبتعد عن واقعها القديم نحو ثقب أسود لا قرار له، حيث روكس هو الشمس والقمر، وهو القانون والجلاد.
.
.
توقفت السيارة السوداء المصفحة أمام ناطحة سحاب عملاقة تتوسط المدينة، تحمل شعار "مجموعة روكس" بحروف فضية بارزة. بمجرد توقف المحرك، هرع الحراس لفتح الأبواب وتشكيل ممر بشري يمنع أي شخص من الاقتراب.
نزل روكس أولاً، ثم مد يده لجيسيكا التي كانت تشعر بقلبها يخفق بشدة. ما إن وضعت قدمها خارج السيارة حتى شعرت بثقل نظرات العشرات من الموظفين والمارة الذين توقفوا عن الحركة تماماً بمجرد رؤيتها بجانبه.
أمسك روكس يدها بقوة، وسحبها لتمشي بمحاذاته. لم يكن يمشي فحسب، بل كان يقتحم المكان بهيبة جعلت الجميع ينحنون له بصمت. دخلوا الردهة الواسعة، وكان صدى حذاء جيسيكا على الرخام المصقول هو الصوت الوحيد المسموع وسط هذا الصمت المهيب.
اتجهوا مباشرة نحو المصعد الخاص، وبمجرد انغلاق الأبواب المعدنية، شعرت جيسيكا بالهواء يعود لرئتيها. نظرت إليه في مرآة المصعد
"لماذا ينظرون إليّ هكذا؟" سألت بهمس.
التفت إليها، واقترب حتى حاصرها في زاوية المصعد الصغير، وقال بنبرة هادئة وخطيرة: "لأنهم يحاولون حفظ ملامح المرأة التي قد تنهي حياتهم بكلمة واحدة منها لي. أنتِ لستِ مجرد ضيفة اليوم يا جيسيكا.. أنتِ السلطة التي يخشونها."
فُتح باب المصعد في الطابق الأخير، طابق "العرش". كان هناك اجتماع لمجلس الإدارة منعقداً بالفعل. دفع روكس البابين الضخمين لقاعة الاجتماعات دون استئذان. صمت جميع الرجال الجالسين حول الطاولة الطويلة، ووقفوا احتراماً فور دخوله.
تلاقت نظراتهم بذهول وهم يرون فتاة فاتنة تمسك بيد "الوحش" الذي يخشونه. لم يهتم روكس بارتباكهم، بل سحب كرسياً ضخماً بجانبه مباشرة، وأشار لجيسيكا بالجلوس.
"سيدي.. لم نكن نعلم بوجود ضيفة في اجتماع اليوم،" قال أحد كبار الشركاء بصوت مرتجف.
ثبت روكس نظراته الحادة على الرجل، ووضع يده على كتف جيسيكا وضغط برفق، وقال بصوت هزّ أرجاء القاعة: "هذه ليست ضيفة. هذه جيسيكا.. ومن اليوم، وجودها في هذا المكتب يعني وجودي، وصوتها هو صدى لصوتي. أي تقليل من شأنها أو حتى نظرة لا تعجبني، سأعتبرها إعلاناً للحرب ضدي شخصياً."
ساد صمت خانق، بينما كانت جيسيكا تشعر بنظرات الغيرة، الخوف، والفضول تنهشها. أحست برغبة في الهرب، لكن يد روكس التي لا تزال على كتفها كانت تذكرها في كل ثانية بأنها الآن جزء من هذا العالم المظلم، سواء أرادت ذلك أم لا.
Sadan Sarahneh