في قبضتي ♡
كانت الأنفاس محبوسة في القاعة، والعيون مصوبة نحو تلك الفتاة التي دخلت بصحبة "الإعصار". وبينما كان روكس يتحدث بنبرته التي لا تقبل الجدل، ساد صمت مطبق، إلا من صوت نقر قلم أحد الشركاء على الطاولة، رجل يدعى "ماركوس"، معروف بطموحه وجرأته التي تصل حد الحماقة.
تجرأ ماركوس ونظر إلى جيسيكا بنظرة تفحصية، من قدميها وصولاً إلى عينيها، ثم ابتسم بسخرية وقال: "سيد روكس، نحن هنا لمناقشة صفقات بمليارات الدولارات، وليست لدينا مشكلة في وجود الجميلات.. لكن ألا تعتقد أن مكانها هو القصر وليس طاولة يقرر عليها مصير السوق؟"
تجمدت الدماء في عروق جيسيكا، وشعرت بيد روكس فوق كتفها تصبح أكثر صلابة وبرودة. لم يرد روكس فوراً، بل سحب سيجاره ونفث الدخان ببطء شديد، وهو ينظر إلى ماركوس بنظرة جعلت الأخير يبتلع ريقه بصعوبة.
قام روكس من مكانه ببطء، والتف حول الطاولة حتى وقف خلف ماركوس مباشرة. انحنى لمستوى أذنه وقال بصوت منخفض سمعه الجميع: "ماركوس.. لقد أخطأت مرتين. الأولى، عندما سمحت لعينيك أن تطيلا النظر فيما يخصني. والثانية، عندما ظننت أنني سأسمح لك بمغادرة هذه الغرفة وأنت لا تزال تملك لسانك."
قبل أن ينطق ماركوس بكلمة، أشار روكس لرجاله. في لمح البصر، سُحب ماركوس من كرسيه وسط ذهول الجميع. كانت جيسيكا ترتجف، حاولت النهوض لكن روكس وضع يده الأخرى على كتفها ليثبتها في مكانها، هامساً لها: "انظري يا جيسيكا.. هذا ما يحدث لمن يتجاوز حدوده مع ممتلكات روكس."
التفت روكس إلى بقية الحاضرين الذين كانوا يتصببون عرقاً، وقال ببرود: "الآن.. هل لدى أحدكم أي تعليق آخر على وجودها؟ أم يمكننا البدء بالعمل؟"
لم يجرؤ أحد على رفع عينه. جلست جيسيكا وهي تشعر أن القوة التي يمارسها روكس ليست لحمايتها فقط، بل هي قيدٌ يربطها به أكثر، فكلما زاد خوف العالم منه، زاد شعورها بأنه لا يوجد مهرب من قبضته.
بعد انتهاء الاجتماع الذي مرّ كأنه دهور، سحبها روكس نحو مكتبه الخاص. بمجرد أن أُغلق الباب، أسندها على الجدار، ونظر إلى عينيها المليئة بالاضطراب.
"هل رأيتِ؟" سألها وهو يحيط وجهها بيديه. "هذا العالم لا يحترم الرقة، لا يحترم سوى القوة. ولهذا السبب، ستبقين تحت ظلي دائماً."
..........
بعد انتهاء ذلك اليوم العنيف في الشركة، سحبها روكس من يدها بصمت، متجاوزاً نظرات الموظفين المرتعبة. انطلقت السيارة المصفحة، لكن هذه المرة لم تتجه نحو القصر.
كان الطريق يضيق والأشجار تتكاثف على الجانبين مع صعودهم نحو المرتفعات. خيم السكون داخل السيارة، ولم يقطعه سوى صوت المطر الذي تحول إلى رذاذ خفيف. كانت جيسيكا تنظر من النافذة، تشعر بانقباض في صدرها كلما ابتعدوا عن أضواء المدينة.
"إلى أين نحن ذاهبون؟" سألت بصوت خافت، وهي تلاحظ أن الحراسة التي كانت تتبعهم في سيارات أخرى قد تراجعت بأمر من روكس، ليبقى هو وهي والسائق فقط.
لم يلتفت إليها، بل ظل يراقب الطريق بعينين صقريتين. "إلى بيت الجبل. هناك.. حيث لا يوجد زملاء، ولا اجتماعات، ولا أحد يمكنه أن يشتت انتباهكِ عن الحقيقة الوحيدة في حياتك."
"وأي حقيقة هي؟" سألت بتحدٍ مشوب بالخوف.
استدار روكس نحوها فجأة، وأمسك يدها التي ترتدي الخاتم الأسود، وضغط عليها برفق كاد أن يؤلمها. "أنكِ خُلقتِ من أجلي، جيسيكا. وأن كل محاولاتكِ للهروب أو التمرد ليست سوى رقصة في قفصي.. سآخذكِ لمكان لا تسمعين فيه سوى صوتي، ولا ترين فيه سوى وجهي، حتى يتطهر عقلكِ من أفكار الحرية الواهمة التي زرعتها الجامعة في رأسك."
توقفت السيارة أمام كوخ ضخم مبني من الخشب والحجر، يتربع على حافة جرف شاهق، يحيطه الضباب من كل جانب كأنه قلعة معزولة عن العالم. ترجل روكس وسحبها خلفه، والبرودة بدأت تتسلل إلى عظامها.
دخلوا إلى الداخل، كان المكان دافئاً برائحة خشب الصنوبر المشتعل في المدفأة الكبيرة، لكن هدوءه كان مرعباً. أغلق روكس الباب بالمزلاج، واستدار ليرى وقوفها المتردد في وسط الصالة.
نزع معطفه الثقيل وألقاه جانباً، ثم تقدم نحوها بخطوات بطيئة جعلت قلبها يقرع كالطبول. "في هذا البيت، لا توجد حراسة.. أنا الحارس، وأنا السجان، وأنا العالم كله."
تراجعت جيسيكا حتى اصطدمت بظهرها بخشب الحائط البارد، وقالت بضعف: "روكس.. أنت تخيفني."
ابتسم ابتسامة باهتة ومظلمة، ووضع يديه على الحائط حولها، محاصراً إياها بالكامل. "الخوف هو بداية الاحترام يا صغيرتي. واليوم، سنعيد كتابة قواعد علاقتنا من جديد.. بعيداً عن أعين الجميع."
........
جلس روكس على الأريكة الجلدية الواسعة أمام المدفأة المشتعلة، وأشار لجيسيكا بالجلوس بجانبه. ساد صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت طقطقة الخشب في النار وصوت المطر في الخارج. كانت جيسيكا تجلس متصلبة، تحاول التركيز في الفيلم المعروض على الشاشة الضخمة، لكن عقلها كان في مكان آخر تماماً.
فجأة، اهتز هاتفها الموضوع على الطاولة الرخامية أمامها. أضاءت الشاشة معلنة عن اتصال وارد.. كان الاسم "ياسين - زميل الجامعة".
توقف الزمن في تلك اللحظة. شعرت جيسيكا ببرودة تجتاح جسدها، بينما تحولت نظرات روكس من الشاشة إلى الهاتف ببطء مرعب. لم يتحرك، لم يصرخ، لكن الهالة المظلمة التي انبعثت منه كانت كفيلة بجعل الغرفة تبدو وكأنها تضيق.
مد روكس يده الطويلة، وبحركة هادئة جداً، التقط الهاتف. نظر إلى الاسم المكتوب، ثم رفع عينيه نحو جيسيكا التي كانت تنظر إليه بتوسل.
"زميل الجامعة.. أليس كذلك؟" قال بصوت منخفض، هادئ بشكل مخيف. "يبدو أنه لم يفهم الرسالة جيداً في الصباح."
"روكس، أرجوك.. إنه لا يعرف شيئاً، ربما يتصل بخصوص التكليف الدراسي فقط،" قالت وصوتها يرتجف.
لم يجبها. ضغط على زر الرد وفتح مكبر الصوت، ووضعه على الطاولة بينهما. جاء صوت الشاب من الطرف الآخر، بدا قلقاً: "جيسيكا؟ هل أنتِ بخير؟ لقد اختفيتِ فجأة اليوم بعد المحاضرة، وسمعتُ أن رجلاً غريباً أخذكِ.. هل أنتِ في أمان؟"
كانت جيسيكا تفتح فمها لتتحدث، لكن نظرة واحدة من روكس جعلت الكلمات تجف في حلقها. وضع روكس إصبعه على شفاهه بحركة تأمرها بالصمت، ثم انحنى نحو الهاتف وقال بنبرة جليدية:
"هي في المكان الذي تنتمي إليه.. بجانبي."
ساد صمت صادم من الطرف الآخر، قبل أن يكمل روكس بفحيح مرعب: "هذا الرقم سيمحى من ذاكرتك، وهذه الفتاة أبعد من خيالك. إذا فكرت في الاتصال مجدداً، فلن تجد هاتفاً لترد عليه.. ولا يداً لتمسكه."
أغلق الخط ببرود، وبحركة خاطفة، حطم الهاتف بيده وضغطه بقوة حتى تشققت شاشته تماماً. ثم استدار نحو جيسيكا التي كانت الدموع قد بدأت تتجمع في عينيها.
"هل رأيتِ؟" همس وهو يقترب منها حتى تلامست جباههما، "يحاولون لعب دور الأبطال معكِ، وهم لا يدركون أنهم مجرد حشرات في طريقي. هل ما زلتِ تعتقدين أن الجامعة مكان آمن لكِ؟"
أمسك ذقنها بقوة ليرغمها على النظر في عينيه المشتعلتين بالغيرة: "أنتِ هنا.. معي. وأي صوت غريب يحاول الوصول إليكِ، سأخرسه للأبد. هل فهمتِ يا جيسيكا؟"
سحبت جيسيكا يدها من قبضته بقوة، ووقفت بابتسامة مريرة تتخللها الدموع. لم تعد تحتمل هذا الحصار الذي يطبق على أنفاسها.
"لماذا يا روكس؟" صرخت وصوتها يتردد صداه في أركان الكوخ الخشبي. "لماذا تحول كل شيء جميل في حياتي إلى حطام؟ لماذا تقتل كل شخص يحاول فقط أن يكون بشرياً معي؟ أنت لا تحميني، أنت تمحوني!"
ظل روكس جالساً في مكانه، يراقب النيران وهي تنعكس في عينيه السوداوين. ساد صمت طويل، ظنت جيسيكا أنه سيتجاهلها كالعادة، لكنه قام ببطء، ولم تكن حركته هذه المرة عدائية، بل كانت مثقلة بشيء لم تره من قبل.. بضعف مخفي.
اقترب منها حتى لم يعد يفصلهما سوى إنشات قليلة. لم يمسكها، بل نظر إلى عينيها بعمق وجلست نبرة صوته تصبح أكثر انخفاضاً وصدقاً: "هل تظنين أنني استمتع برؤية الخوف في عينيكِ؟ هل تظنين أنني اخترت أن أكون هذا الوحش الذي ترينه الآن؟"
سكت للحظة ثم تابع بمرارة: "عندما اشتريتُ أسهم والدكِ، لم يكن يهمني المال. كان بإمكاني تركه يسقط. لكنني رأيتكِ.. رأيت طفلة بريئة في عالم لا يرحم الضعفاء. والدكِ لم يبعكِ ليحمي نفسه فقط، بل باعكِ لأنه كان يعلم أنني الوحيد في هذا العالم القذر الذي سيموت ليحيا جسدكِ بسلام."
مد يده ببطء وتردد، ولمس وجنتها بظهر أصابعه بخشونة لم تعهدها منه: "لقد نشأتُ وسط الدماء والغدر، جيسيكا. تعلمتُ أن كل ما نحبه هو نقطة ضعف يمكن للعدو أن يغرس نصله فيها. إذا تركتكِ تبتسمين للغرباء، وإذا سمحتُ لكِ بالخروج دون حراسة، فأنا لا أعطيكِ الحرية.. أنا أعطيهم خارطة طريق لقتلي من خلالكِ."
تراجعت نبرة التحدي عند جيسيكا، وحل محلها ذهول. "لكنني أريد أن أعيش.. لا أن أكون مجرد "ذكرى" محفوظة في قصرك."
أطبق روكس يده على يدها، ووضعها فوق قلبه الذي كان ينبض بقوة وعنف خلف قميصه الأسود. "أنتِ لستِ ذكرى. أنتِ النبض الوحيد الذي يخبرني أنني لا زلتُ إنساناً. إذا فقدتُ السيطرة عليكِ، سأفقد السيطرة على العالم، وسأفقد نفسي. هوسي بكِ ليس رغبة في سجنك، بل هو رغبة في البقاء حياً في عالم يحاول قتلي كل يوم."
نزلت دمعة وحيدة من عين جيسيكا، لكن هذه المرة لم تكن دمعة خوف، بل دمعة إدراك. لقد أدركت أن روكس ليس مجرد سجان، بل هو رجل غارق في حبه لها لدرجة أنه لم يعد يعرف كيف يحب دون أن يدمر كل ما حوله.
انحنى ووضع جبينه على جبينها، وهس بصوت مكسور: "لا تطلبي مني أن أترككِ تذهبين.. اطلبي مني أي شيء آخر، حتى روحي، وسأعطيكِ إياها."
.
.
.
.
.
يتبع
Sadan Sarahneh