ذات يوم عاد والدي إلى المنزل وبيده شيء غريب، قطعة قماش سميكة ملفوفة بإحكام كالكفن. كل ما استطعت أن أراه منها كان بضع خصلات سوداء تخرج منها بلا ترتيب، كأنها تحاول التنفس.
رائحة غبار الطريق والعرق الباهت علقت به، وثنية غامضة في القماش تشي بشيء صغير الحجم بداخله.
حينها، وبغير وعي، تسربت أفكاري الداخلية قبل أن ألجم لساني:
«أبي… هل جننت أخيرًا؟»
صوتي كان مجرد همسة جافة خارجة من بين شفتيّ.
وقبل أن يلومني أحد، يجب أن يعيد النظر في هذا الموقف.
الدوق الذي غاب عن منزله مدة شهر كامل عاد وهو يحمل بين يديه شيئًا أقرب إلى شوال قمح. لم يبدُ عليه التعب، فقط دخل كما لو أنه خرج قبل دقائق، وكأن الشهر الذي اختفى فيه مجرد تفصيل تافه.
والخصلات السوداء التي برزت لم تكن عادية. ذلك اللون القاتم الذي يبتلع النور، رمز عائلتنا.
لذا، وبصفتي ابنًا بارًا يعرف أباه جيدًا، كنت متأكدًا أن لحظة فقدان عقله ستأتي يومًا ما.
وأنه تجول في كل مكان، باحثًا عن كل من له شعر أسود، ليجتزّه ثم يجمعه ويعود به منتصرًا.
بعد كل شيء، هذه ليست طريقة يمكن أن يُحمل بها إنسان.
تجاهل والدي كلامي تمامًا، وكأنه لم يسمع شيئًا. تقدم خطوتين داخلاً إلى ردهة القصر الرخامية، ثم ألقى بالشـ… أقصد بالطفل بين يديه نحوي بحركة مرتجلة. ألم أخبركم؟ هذه ليست طريقة تعامل بشر.
كاد جسدي يتحرك للخلف غريزيًا، لكن يداي التقطتاه قبل أن يسقط على البلاط البارد.
كان خفيفًا على نحو غير مريح.
رفعت الطفل إلى مستوى نظري ورحت أحدق به لوهلة. القماش الرث تحرك قليلاً. ملامحه لم تكن واضحة؛ شعره الأسود الكثيف كان يغطي وجهه بإحكام.
لكن يداه الصغيرتان المرتجفتان، وأصابعه الشاحبة التي انكمشت حول القماش بقوة مذهلة لضآلته، شرحتا كل شيء دون حاجة لكلمات.
كان يرتجف.
هذا الطفل المسكين… ما الذي اقترفه ليبتلى بأبي؟
رفعت بصري نحو والدي. ااذي وقف هناك، يداه على خاصرتيه، ينتظر.
تبادلنا نظرات قصيرة، نظرة سؤال واستفهام غاضب من جانبي، ونظرة رضا مطلق وانتظار للإعجاب من جانبه. ثم هز كتفيه بفخْر واضح، وكأن الأمر بديهي، وقال بصوته العادي:
«لقد التقطته، يمكنك الاحتفاظ به.»
«أبي…»
بدأت، وشعرت كيف يتجمع الصداع في رأسي.
«نعم بني؟»
رد وهو يرفع حاجبًا واحدًا.
«أعرف دار مسنين قريب من هنا، لمَ لا—»
لم أكمل.
حجر كبير اندفع نحوي فجأة. تفاديته بالكاد، وشعرت بالهواء يمر بجانب وجهي قبل أن يصطدم بالعمود خلفي بشيء يشبه الطقة الحادة.
وإن كنتم تتساءلون لماذا يحمل الدوق حجرًا في المنزل، فقد قام ببساطة بنزع حجر كريم من زيه الرسمي على صدره واستخدمه كسلاح.
وضعت الطفل أرضًا بحذر، وأشرت للخدم الذين كانوا يقفون صامتين عند الجدران أن يأخذوه.
المسكين، لا بد أن دمه قد جف خلال رحلته مع والدي.
تحرك الخدم بسرعة، بوجوه متوترة، خشية أن يكون عليهم الدور.
التقط أحدهم الطفل بترفق واضح وابتعد.
ثم التفت إلى أبي من جديد.
ابتسامته الفخورة، ذلك الانحناء الطفيف لزاويتي فمه، كانت كافية لإشعال ما تبقى من صبري.
«إذًا.»
قلت، وحاولت أن أسيطر على ارتعاش غضب خفي في يدي.
«ماذا؟»
سأل وهو يعدل أكمامه.
رفعت قبضتي وشددتها حتى أبيضت مفاصلي، علّه يفهم أنني على وشك فقدان السيطرة.
«اشرح!»
«آه،»
قال كما لو تذكر أمرًا ثانويًا،
«لقد أخبرتك. التقطته.»
لم أستطع تمالك أعصابي.
انتهى بي الأمر بالصراخ، صوتي ارتد بين الجدران العالية:
«من أين ولم جلبت هذا الطفل؟!»
رحت ألقي بأي شيء تصل إليه يداي نحوه.
كتاب من المنضدة القريبة، مزهرية خزفية صغيرة، حتى وسادة ديكور مطرزة كانت على إحدى الدعائم...ما ال....لم هناك وسادة في الممر؟
لا، هذا لا يهم الآن!
أردت حقًا إصابته لكن هذا المراوغ كان يتفادى كل شيء ببراعة مستفزة، ينحني أو يلتفت وكأننا في رقصة مجنونة.
«هل جننت؟ أين كنت طيلة الشهر الماضي؟ ولمَ عدت بطفل دون أي كلمة؟»
عند هذه النقطة لم يكن الأمر مزاحًا. كنت غاضبًا حقًا. غضب متراكم من أسابيع من الإرهاق.
أُجبرت على تولي مكانه طوال فترة غيابه، توقيع الأوراق الرتيبة، وغيرها من الأشغال التي لا أطيقها، بينما هو يتسكع هنا وهناك.
كيف لي ألا أغضب؟
لكن رده المازح واللامبالي كان الأسوأ:
«قررت تربيته. من يدري؟ ربما يكون أخاك الخفي الذي نسيناه، أو شيئًا ما.»
قالها وهو يداعب ذقنه بتفكر زائف.
يقال إنك حين تصل إلى أقصى درجات الغضب، تتسلل البرودة إليك، ويهدأ عقلك فجأة، ويصبح الكلام بلا معنى. أعتقد أنني أفهم هذا الآن.
هذا الـ @#$%#%#%#.
لا، عليّ أن أتمالك نفسي.
أخذت نفسًا عميقًا، وشعرت بالهواء البارد لقاعة القصر يملأ صدري ببطء، ثم زفرته محاولًا ألا أهاجمه جسديًا.
«أبي،»
واجهته بصوت هادئ مفاجئ،
«أمي توفيت بعد خمس سنين من إنجابي، ولطالما كانت مريضة. فأي أخ صغير هذا؟»
حينها نظر إليّ والدي وكأنه اقتنع أخيرًا بأنني أطرح سؤالاً جديًا.
أومأ برأسه، وراح يفكر بشكل هادئ… وهذا ما أخافني.
«إذًا…هل خنت أمي؟»
رفع بصره نحوي متفاجئًا، وكأنني قلت شيئًا غير متوقع تمامًا. ثم ضحك، ضحكة قصيرة مكتومة.
«بني… حتى لو فعلت، أتعتقد أن الطفل سينمو هكذا خلال شهر؟»
الآن… هل ينظر إليّ على أنني الغبي هنا؟!!
هز والدي رأسه بأسف صريح، كما لو كان يشفق على نقص فهمي.
«يبدو أن ابني بحاجة للتعليم من جديد، ولهذا…»
توقف قليلًا، ثم أشار بإصبعه لخادمه الشخصي الذي كان واقفًا صامتًا عند المدخل البعيد.
عندها فقط لاحظت الصندوق الغريب الذي كان الخادم يحمله منذ البداية.
رؤية ذلك الشـ… الطفل أنستني وجوده تمامًا. كان صندوقًا خشبيًا عاديًا، غير مزخرف.
ما الذي أحضره؟ هدية؟
إن كانت كذلك فلا أريدها.
ذكريات الهدايا السابقة تسللت إلى ذهني، وجعلت جسدي يرتعش قليلاً.
من الذي يجلب لطفل في الثانية من عمره أفعى سامة ضخمة فقط لأن ألوانها زاهية؟
ومن الذي يقدم دمية ملعونة لابنه ويقول إن عينيها الميتتين الزجاجيتين تشبهان عيناي؟
لا يسعني في هذه المرحلة إلا أن أتساءل إن كانت هذه محاولات اغتيال فاشلة، وأبحث جديًا عن طريقة للرد عليها.
بدأ والدي ينبش داخل الصندوق للحظات، ظهره لي.
وأنا أسمع صوت احتكاك من الداخل. ثم التفت إليّ وهو يضع مجموعة من الكتب ذات الأغلفة الزاهية بين يدي بفخر واضح.
كتب؟
كانت هذه هدية… عادية.
وهذا بحد ذاته مريب.
لا، لا يجب أن أرخي دفاعي. ربما بداخلها شيء يقفز فجأة، أو لعنة مكتوبة بين السطور!!
خفضت بصري بحذر نحو العناوين. وليتني لم أفعل.
«أنا الابنة المحبوبة للدوق؟»
«لقد كنت في الواقع ابنته!»
«أبي وإخوتي مهووسون بي...؟»
أعدت النظر مرة أخرى، ببطء، للتأكد مما أراه.
الأغلفة كانت مبهرجة، صور لنساء ذوات عيون كبيرة ودموع لامعة.
ثم رفعت بصري لأجد أبي يفرك أنفه، واقفًا باعتزاز وكأنه أنجز أمرًا عظيمًا.
«ما هذا؟»
ضحك بخفة، ونظر إليّ باستهزاء واضح.
«تسك تسك تسك. ابني العزيز ينقصه الكثير ليتعلم، لذلك جلبت لك المراجع. أفضل ما في السوق.»
مراجع؟ عن ماذا يهذي الآن؟
فتحت أحد الكتب عشوائيًا. راحت رائحة الحبر الرخيص تفوح.
سطور مكتظة بكلمات مثل «قلبي المكسور»، «الدم النبيل»، «سر العائلة».
«انظر هنا،»
قال وهو يمد يده ويقلب الصفحات ببراعة حتى وصل إلى فقرة معينة، ثم أشار بإصبعه، «لقد كانت ابنة الدوق الحقيقية بعد أن نا—»
ه… هذا المجنون!
«توقف!!!»
صرخت وأغلقت الكتاب بعنف.
«ما الذي تقوله بصوت مرتفع هكذا وبكل هذا الفخر؟! أليس لديك خجل؟!»
بغض النظر عن لا مبالاته، كيف له أن يتفوه بهذا أمام الخدم؟
التفت حولي بسرعة، ونظرت بحدة جعلت الخدم المتبقين ينسحبون فورًا من المكان، أقدامهم تخطو بهدوء سريع على البلاط.
حقًا.....
لو قال أنه يريد تربيته لما اعترضت.
إن كان يريد تبنيه فليفعل!!
لكن... هل عليّ حقًا أن أشارك في حبكة مختلة ليجعله ابنه؟
والأهم… كيف للدوق الوحيد للإمبراطورية، أن يقرأ هذا النوع من القصص؟!
............
بقيت واقفًا هناك، الكتب في يدي، والدماغ يحاول معالجة الموقف.
كان الصمت الذي أعقب ضجيجنا ثقيلاً. في الأعلى، على الشرفة المستديرة، رأيت ظل الخادم وهو يبتعد حاملاً الطفل الملفوف. القماش الأسود تمايل مع كل خطوة.
.........
بعد لحظات في مكتب والدي....
وفي حين كنت مستاءً، يغلي الدم في عروقي، كان والدي على الجانب الآخر من المكتب يجلس باسترخاء تام.
ظهره مستند إلى كرسي الجلد الواسع، ذراعاه مرتاحتان على المسندين، ولم تمض لحظات حتى بدأ يتذمر بصوت متكاسل، وكأنه هو الضحية هنا.
«بني، أما كان يجدر بك أن تترك والدك المتعب يرتاح أولًا؟»
راحة؟
أهذا ما يقوله الشخص الذي ألقى بكل أعماله عليّ واختفى؟
نظرت إليه جيدًا هذه المرة. بشرته تلمع بنضارة مستفزة، أنفاسه هادئة ومنتظمة.
ثم قارنت ذلك بالهالات السوداء العميقة تحت عيني، بكتفيّ المشدودين، وبثقل الأيام التي تراكمت عليّ باسمه.
في يدي اليمنى بقعة حبر داكنة من سهرة البارحة، وخلفي تتراكم الأوراق الرسمية بانتظار ختم الدوق، ختمه هو، لا ختمي.
لا أعرف حقًا من يحتاج للراحة من بيننا.
لكن لا.
لا يجب أن أغضب.
ليس بعد.
«حقًا، يا لي من ولد عاق.»
توقفت لحظة، ثم أكملت بنبرة هادئة أكثر مما أشعر به، صوتي منخفض لكنه واضح في صمت المكتب:
«إذا ما رأيك أن ترتاح يا أبي؟»
ابتهج وجهه فورًا. نهض من مكانه بسرعة لا تليق برجل يدّعي الإرهاق، بحركة خفيفة وسلسة. لم يفهم السخرية. لم يلتقطها أصلًا.
قبل أن يخطو خطوة أخرى، مددت يدي ببطء والتقطت السكين الرفيعة القريبة من سطح المكتب
كانت هناك منذ الصباح، أداة لفتح الرسائل، لم أستخدمها، لكن وجودها كان كافيًا.
ابتسمت له وأنا أرفعها ببطء، ابتسامة لا تحمل أي مرح، زوايا فمي مشدودة للأعلى لكن عيني باردة.
«سأدعك ترتاح للأبد.»
جلس والدي في مكانه من جديد بهدوء غريب.
ثم التفت ببطء إلى مساعده روبرت الذي كان واقفًا كتمثال خلفه، وكأنني لم أكن موجودًا أصلًا.
«إذًا، أين طفلي الجديد؟ فلتُحضروه لأراه.»
أجل…
لقد كنت ساذجًا للغاية.
ظننت أنه سيفهم أي خط قد تجاوز، لكنه لا يعترف حتى بوجود خطوط.
غرست السكين بقوة في سطح المكتب المصنوع من خشب البلوط الغالي. ارتجفت القطعة وعلق نصلها وهو يهتز.
«سمو الدوق، في المرة القادمة لن تكون بالطاولة.»
وأخيرًا… نظرة.
نظرة ارتباك حقيقية على وجهه، حاجبان مرتفعان، عينان تتسعان قليلًا.
شعرت بشيء من الانتعاش.
هذا أفضل.
«إذًا، أخبرني عن السبب الحقيقي.»
توقفت قليلًا، لأبحث عن الحد الأدنى من السيطرة على صوتي.
لم أرد أن يتحول الحوار إلى صراخ منذ البداية، رغم أن صدري كان يضيق مع كل ثانية صمت، وكأن حبلًا يلتف حوله.
«لمَ أحضرت هذا الفتى؟ وأين اختفيت؟ لقد احتملت الأمر حين كان يومًا أو اثنين، حتى حين كان أسبوعًا فقد تجاوزته، لكن…»
تركت الجملة معلّقة عمدًا.
كنت أراقب وجهه، أنتظر أي إشارة تدل على أنه يفهم خطورة ما فعل، أي ومضة من الوعي بالعواقب التي تركها على كاهلي.
لم أجد شيئًا. فقط نظرة فضول صامتة، كما لو كان يستمع لقصة عن شخص آخر.
رفعت بصري بنظرة حادة نحوه، مباشرة إلى عينيه.
«هذه المرة شهر. في المرة القادمة اثنان، وبعد ذلك سيصبح الاثنان سنة، والسنة ثلاث.»
وأنا أتكلم، شعرت بالغضب يتصاعد بداخلي من مكان عميق مظلم. لم يكن غضب اللحظة فقط، بل تراكم كل تلك المرات التي وقفت فيها في هذا المكتب نفسه، أتظاهر بسلطة لا أملكها.
رأيت المشهد يتكرر في رأسي: اختفاءه المفاجئ دون رسالة، الوجوه الشاحبة للنبلاء والوزراء الذين ينتظرون قرارات لا أملك حق إصدارها، وغيرها الكثير.
هذا…
هذا فقط—
«إذًا لمَ لا تتنازل عن منصبك وتعيش في كوخ ما أنت وابنك الجديد هذا!!»
لم أعد أتمالك نفسي.
ارتفع صوتي رغمًا عني، مشققًا هدوء المكتب المهيب.
«سأحرص على أن تعيش مرتاحًا. لمَ لا تغادر، ها؟ أم يجب أن أغادر أنا؟»
انفجرت في وجهه.
كان التخيل وحده كفيلًا بقلب أمعائي. فكرة أن أكرر هذا السيناريو مرة أخرى، أن أعود إلى تلك الأسابيع من القلق والغضب المكبوت، لم تكن محتملة. ليس لدي أي استعداد للمرور بهذا على أرض الواقع.
إن كان الأمر كذلك، فربما يكون الانقلاب حلًا عمليًا في هذه المرحلة!
الاستيلاء على السلطة يبدو أقل إرهاقًا من العيش في هذا العبث الأبدي.
ورغم كل هذا الغليان، كل هذا الوضوح في صوتي وهيئتي، كانت نظرات أبي الهادئة هي نفسها. لم يغضب، أو يدافع عن نفسه، أو حتى يبدي أي اهتمام. فقط مال قليلًا نحو خادمه روبرت وهمس بصوت منخفض واضح، متعمدًا أن أسمع:
«روبرت، هل تعتقد أنه قد جن أخيرًا؟»
جاءه الرد دون تردد، بنفس الهمس الواضح:
«اعذرني يا سيدي، لكن لطالما كان سموه هكذا.»
شدّت قبضتي على حافة المكتب حتى ألم عظامي.
«لكن هل هذا يبرر طمعه بمنصبي؟»
همس والدي مرة أخرى.
تصلبت عضلات وجهي. شعرت بلهب الغضب وهو يشتعل بداخلي. كانا يتحدثان كما لو كنت مجرد قطعة أثاث.
«هذا… أعتقد أنك بالغت هذه المرة، إذ إنها أول مرة يصرّح بنيته بشكل علني.»
رد روبرت، محدقًا في الفراغ أمامه بجدية تامة.
مثل الخادم مثل السيد!!
هل يعتقدان أنني لا أسمعهما؟
أم يفعلان هذا عمدًا لإغاظتي، ليريا متى سأنفجر؟
لا.
لا يجب أن أغضب.
تنفست بعمق، محاولًا ألا أتحرك، ألا أنفجر. الهواء دخل باردا وخرج حارقا.
«يبدو أنه يخطط لقتلي، ما رأيك؟ أيجب أن أزيد الحراسة؟»
قال والدي، ممسكًا بذقنهمتظاهرًا بقلقه.
«الفرسان يطيعونه أكثر منك يا سيدي. أعتقد أنه يجدر بك استئجار مرتزقة من الخارج.»
كان صوت روبرت الذي جاراه في تفاهاه جافًا وحاسماً.
ثم...سقط الصمت لثانية واحدة.
كنت ما أزال جالسًا في مكاني، ظهري مستقيم بشكل مؤلم، وصدري يرتفع ويهبط ببطء مصطنع. قبضتاي مشدودتان إلى حد الألم، أظافري تغرز في راحتي، لكنني كنت أضغط على نفسي بقوة أكبر، كي لا أتحرك، كي لا أتحطم.
أنا هادئ.
أجل… هادئ.
ثم قالها والدي، بنبرة القرار النهائي:
«أنت محق، أرسل لهم.»
في تلك اللحظة، انقطع شيء ما داخلي. ليس غضبًا مفاجئًا، بل آخر خيط كان يمسك كل هذا الجنون معًا.
شعرت بالحرارة ترتفع إلى رأسي فجأة، بنبضي يطرق أذني. رأيت بقعًا سوداء في طرف عيني.
لم أعد أرى المشهد كاملًا. حوافي ضبابية، المركز فقط واضح: وجهه الهادئ.
«أيها ال#@%%#%@%@$$#»
خرجت الشتيمة من فمي بلا تفكير. تبعتها خطوة للأمام. ثم أخرى. ساقاي تتحركان بقوة غريبة.
امتدت يدي إلى أقرب شيء. لم أنظر حتى.
كان إناءً زجاجيًا للزهور، جافًا ومغبرًا. التقطته وألقيته بكل ما لدي من قوة نحوه. ارتطم بالجدار خلفه، ثم بسطح المكتب، وتناثرت شظايا الزجاج في كل مكان بصوت عالٍ حاد.
لم أتوقف.
كتاب ثقيل، محبرة حجرية ممتلئة، أي شيء يصل إليه غضبي تحوّل إلى سلاح. ألقيت واحدًا تلو الآخر.
«تتحدثان وكأنني غير موجود!»
كان صوتي أعلى الآن، مشروخًا، يخرج من صدري لا من حلقي. كل كلمة كانت تخرج مع زفير غاضب.
«مرتزقة؟ حراسة؟!»
تراجع روبرت خطوة إلى الخلف، رفع يده لا شعوريًا ليحمي وجهه من سيل الأشياء الطائرة.
كانت سلسلة متصلة من الارتطامات والتكسرات.
والدي اتكأ للخلف في مقعده أكثر، يتفادى كل شيء ألقي نحوه ببراعة وهدوء تام.
مرّت محبرة فوق كتفه، وارتطم كتاب بذراع الكرسي. بينما كان يراقبني، كمن يراقب عاصفة شديدة من وراء نافذة آمنة.
..........
hind