اغفر لي

اغفر لي

14 0

«ليور، لا تنسى!!!»

انقضت يداها من تحت الثقل الباهت للأغطية. لم تكن حركة أم تتوق لملامسة ابنها، بل كانت كقبضة شبح يائس.

الأصابع، التي صارت عظامًا مغطاة بجلد شفاف أزرق، انغرزت في كتفي. كانت البرودة تخترق القماش واللحم حتى العظم.

لم يحوِ الضغط على المودة، إنما كان محملًا بفزعها، كما لو أن روحها قد ترنحت على حافة عالم آخر.

بدا الأمر لوهلة وكأنها تسعى لتثبيتي خشية أن أسقط في تلك الهاوية لا يبصرها إلا هي.

دون أن تعلم أن عيناها الورديتان وقد فقدتا ضوئهما باتا هاويتي وسجني الأبدي.

كانت ملاذي الوحيد، فاستبدلت ذاك النور ببريق زجاجي، رطب وبارد.

الغياب فيها كان أقسى من أي حقد. كانت نظراتها نحوي بلا شك، لكن ليور لم يكن موجودًا في وعيها المتشظي. كان يحل محله شيء آخر، أو ربما لا شيء على الإطلاق.

خرج صوتها كخرير مياه عكرة من حنجرة مسدودة.

«لا ... لا...»

الكلمات كانت متقطعة، مختنقة بسعال يهز جسدها الهش بعنف.

وفي الذروة، كان الفم يفتح وتندفع منه كتلة رطبة حمراء قاتمة تلطّخ الشفتين الجافتين والذقن والوسادة البيضاء. لتملأ رائحة النحاس والمرض الهواء الراكد في الغرفة.

يديها على كتفي لم تتوقف عن الارتعاش. ارتعاشة سريعة بلا إرادة منها، ولكن في نفس الوقت، كانت القبضة حديدية، ثابتة.

كانت تحاول نقل شيء ما لي، ليس بالكلمات وحدها، بل بهذا التشبث اليائس، بهذه النظرة المجنونة الغائبة.

تحفر الكلمات في لحمي لا تنطقها فقط. وتنفسها المتقطع، يدفع بها إلى أذني في دفعات قصيرة وحارقة.

"أنت... إنسان..."

كررت الكلمة وكأنها تلعن بها الهواء الذي نتنفسه معًا.

"لا... تتخلى..."

بدا وكأن الألم الجسدي يزيدها تمسكًا بي، بتلك اللحظة، بتلك الوصية. عندما استعادت أنفاسها، كان صوتها أكثر بحة، وأكثر إلحاحًا، وكأن كل ما تبقى من قواها تركز في هذا الهمس الأخير:

"عن إنسانيتك!!"

ثم أفلتت يداها فجأة، وسقطتا على الفراش، وكل مابقي تلك الكلمات.

لم تكن تلك نصيحة.

كانت لعنة.

لعنة من أم تحتضر، تخشى أن تفقد ابنها للإنسانية قبل أن تفقده للموت.

لتكون تلك آخر هدية قدمتها لي، حملتني مسؤوليتي كإنسان، كما حملتني قبضتها في لحظة رحيلها.

إذًا.....ما الذي يصوغ روحنا البشرية؟

هل هو ذلك الوميض من التعاطف حين نمد يد العون لآخر، أم ذاك الذهن الذي يخترع الأدوات ويتحكم بالعالم من حولنا؟

لا.

ليست تلك الإجابة التي بحثت عنها.

إنما كان...

ذلك القرار الهادئ والصعب في رفع الحمل الثقيل. حينما أعرضت كل المخلوقات عنها فكان هو من باء بها.

في اللحظة التي يتسلم فيها الوالدان تلك الحياة الهشة، يوقنان حينها بوجود حمل جديد يثقل كاهلهما.

ذات القرار الذي يدركه الطفل مع أول تنهيدة وعي، حين يعلم أن جسده الصغير يحمل أمانة وجوده نفسه، ثم أمانة التأثير في كل ما حوله.

بهذا المقياس... ألا يفقد مثل هذا الدوق شيئًا جوهريًا من إنسانيته؟

لذلك، ورغم أني أعلم أن الطفل بريء، أن لا ذنب له فيما حصل، إلا أنني مررت بجانبه دون أن ألمسه.

شعرت بوجوده فقط، بذلك التوتر الصامت الذي ينتشر منه كحقل شائك. المسافة بيننا كانت تكفي لشخص بالغ، لكنها أشعرتني بالضيق.

ومع ابتعادي، التفتت عيناي إليه لوهلة قصيرة.

نظرة حادة، جافة، لم تحمل كراهية بقدر ما حملت رفضًا تامًا. رفضًا لوجوده، للقصة التي سيجبرونني على التمثيل فيها.

أعرف أن هذا تصرف جبان.

لكن…

ما الذنب الذي ارتكبته أنا؟

لأستحق أن يُعاد رسم تاريخ عائلتي بجرة قلم من نزوة؟

للوهلة الأولى، أردت أن ألتفت إلى الخلف.

أردت أن أرى التعبير الذي سيبديه والدي عند رؤية الطفل واقفاً هناك.

أردت أن أعرف إن كان سيتردد، إن كان سيتوقف ولو للحظة، إن كان سينظر إليّ قبل أن ينظر للطفل.

لكن… لن أفعل ذلك.

لا شأن لي بهذا. المشهد بينهما ليس من شأني.

تابعت السير في الممر الطويل المظلم دون أن أبطئ خطواتي.

لقد اتخذت قراري، بغض النظر عن أي شيء، بغض النظر عن هذا الطفل أو أي قصة يأتي بها، سأحمي هذا المكان.

هذا المنزل، وهذه الدوقية، كل ما تركته والدتي خلفها، كل ما بنته هذا واجبي......لأجل ذلك الوعد.

ورغم ذلك، لم أستطع منع سيل الأفكار الذي باغتني دون إنذار.

ماذا لو كان هذا الطفل حقًا ابن والدي؟

إذًا… هل هذا يعني أنه خان أمي؟

هل يعني أن كل تلك القصص عن حبه الأبدي لها، عن يأسه بعد رحيلها… كلها كانت كذبة؟

لا.

هذا مستحيل.

لقد كان يحبها.

رأيت ذلك في عينيه، في الأيام النادرة التي كان يتحدث فيها عنها. كان الألم حقيقياً.

لكن… إن خانها حقًا… فأنا—

توقفت الفكرة قبل أن تكتمل. كان الطعم مراً لدرجة أنني كدت أتقيأ.

ثم جاءت فكرة أخرى، أكثر إزعاجًا، تزحف من مكان أعمق.

ماذا لو كان طفل أمي حقًا؟

صحيح أنها كانت ضعيفة بعد إنجابي، وتوفيت بعد ثلاث سنوات، لكن ربما… ربما كانت هناك محاولة أخيرة.

ربما أخفوا الأمر.

لا.

ما الذي أفكر به الآن؟

أي هراء هذا؟

والدتي توفيت بسببي أنا!

جسمها لم يعد قادرًا على التعافي، فكيف لها أن تنجب مرة أخرى؟

كيف يمكن أن يحدث هذا دون أن يعلم أحد؟

دون أن يخترق السر جدران هذا القصر التي تتسرب منها كل الهمسات؟

شدّدت قبضتي دون وعي حتى ألمت عظام كفي.

إنها مجرد نزوة من ذلك الأب الوغد. لا أكثر.

نزوة مدمرة كالعادة، لكنها تبقى مجرد نزوة.

أجل. هي فقط نزوة.

كررت ذلك في رأسي وكأنه حقيقة ثابتة، واحدة تلو الأخرى، مع كل خطوة أخطوها مبتعداً، وكأن تكرارها سيجعلها كذلك، سيدفن الشك تحت طبقات من اليقين المصطنع.

وأنا أتخبط بهذه الأفكار، لم أكن ألاحظ الطريق.

خطواتي قادتني وحدها، حتى توقفت فجأة. رفعت بصري لأجد نفسي في ممر يخلو من الخدم تمامًا.

لست أدري إن كانوا يتجنبونني عمدًا، أم أن هناك سببًا آخر. لكن حيرتي لم تدم طويلًا.

الغرفة التي أقف أمامها الآن كانت كافية لتفسير كل شيء.

وقفت أمام الباب.

لم أطرقه.

استندت عليه للحظات.

شعرت ببرود الخشب تحت جبيني، وكأنني أطلب منه أن يحمل عني شيئًا من هذا الثقل.

لم أنطق بشيء. لا أعرف كم من الوقت مر وأنا واقف هناك، ولا إن كان أحد في الداخل قد لاحظ وجودي أصلًا.

وأخيرًا، استجمعت شجاعتي.

كتفاي كانا مشدودين، وظهري مستقيمًا قسرًا، وكأنني أفرض على جسدي ألا ينهار هنا.

صدري يضيق، لكنني كنت أتحكم في أنفاسي، حتى لا يفضحني صوتي.

مر وقت قبل أن أتكلم.

وعندما فعلت، خرج صوتي أخفض مما توقعت، لكنه كان ثابتًا، ثابتًا أكثر مما أشعر به.

«أبي أحضر طفلًا غريبًا للمنزل.»

لم ترتجف الكلمات، لكن ما بعدها احتاج جهدًا أكبر.

ابتلعت ريقي قبل أن أتابع، خوفًا من أن ينهار إيقاعي إن توقفت طويلًا.

«قال أنه سيجعله ابنه، ويعلن أنه كان مفقودًا.»

نبرتي بقيت متزنة، أقرب للإبلاغ منها للشكوى، وكأني أقدم تقريرًا.

أي تغير في النبرة، كان كفيلًا بكشف ما لا أريد كشفه.

«أليس هذا مثيرًا للسخرية؟ إنه الشخص الذي أهمل أطفاله حتى…»

توقفت.

لم أرفع صوتي.

التوقف نفسه كان أثقل من إكمال الجملة.

شعرت بشيء يشد صدري إلى الداخل، لكنني رفضت أن أتنفس بسرعة. أبطأت أنفاسي عمدًا، ثانية تلو أخرى.

«أنا…»

خرجت الكلمة مترددة. ليست ضعيفة، لكنها لم تكن حادة أيضًا. رفعت رأسي قليلًا، وكأنني أخاطب الباب لا من خلفه.

«يجدر بي حماية هذا المكان. المنزل الذي تحبه والدتي…»

عند ذكرها، ثقل صوتي ازداد. لم ينكسر، لكنه أصبح أثقل، أبطأ. كان عليّ أن أضغط على حنجرتي كي لا يتغير.

«يجدر بي حمايته حتى تعود.»

لم أتحرك. يدي كانت مسطحة على الباب، أصابعي مشدودة، كأنني أستمد منه ثباتًا لا أملكه.

«أخي.»

خرجت الكلمة أخيرًا. اعتراف صامت لا نداء. توقفت بعدها طويلًا، أطول مما ينبغي، لكنني لم أملأ الفراغ.

«كم من الوقت ستحبس نفسك هناك؟»

نبرتي لم تحمل لومًا. فقط سؤالًا هادئًا، متعبًا.

«سنة؟ سنتان؟ أم عشر؟»

صوتي لم يعلُ، ولم يهبط. كنت أمسكه بوعي، أفرض عليه البقاء ثابتًا.

«بغض النظر عن المدة، أنا سأنتظرك.»

هنا فقط سمحت لنفسي بزفير أعمق.

«سأحافظ على هذا المكان حتى تعود…»

توقفت لحظة قصيرة جدًا.

«لذا… أرجوك فقط لا تتأخر.»

بعدها، لم أتكلم.

بقيت واقفًا، جبيني قريب من الباب، ظهري مستقيم، قدماي ثابتتان في مكانهما.

من الخارج، كنت واقفًا بثبات، ومن الداخل، كنت ممسكًا نفسي بالقوة نفسها التي أمسكت بها الباب.

تلك كانت حدودي.

كانت الكلمات التي أردت قولها منذ زمن.

لكن…

لم أقل كل شيء.

لم أقل إنني خائف، أنني متعب، أو أنني...أشعر بالذنب.

لم أرد أن يعلم. أردته أن يثق. أن يظن أن كل شيء سيكون بخير حين يعود.

وعندها…

عندها فقط…

ألن يغفر لي؟

.....

رفعت يدي ببطء عن الباب.

الخشب بدا دافئًا قليلاً حيث كان جبيني مستندًا إليه.

تحركت للخلف خطوة واحدة، ثم أخرى، حتى لم يعد هناك اتصال بيني وبين الباب. فشعرت بفراغ غريب في المكان الذي كان جبيني يلامسه.

ثم، بقيت واقفًا في الممر الفارغ لبرهة. أصواتي، حتى الهمس السابق، بدا صاخبًا في هذا الصمت المطلق.

الضوء الخافت من النوافذ العالية في نهاية الممر كان يتراجع، يتحول من أصفر باهت إلى رمادي شاحب.

المساء يقترب.

أدرت ظهري وأنا أتحرك للانصراف،

بدأت بالمشي بعيدًا. لكن قبل أن أصل إلى النهاية، حيث ينعطف الممر نحو أجزاء القصر المأهولة، سمعت صوتًا.

لم يكن صوت كلمات. لم يكن صوتًا بشريًا واضحًا. كان أكثر خفوتًا من ذلك.

كان صوت قفل يُفتَح.

صوت معدني خفيف، واضح في الصمت المطبق. صرير بسيط، ثم نقر خافت، وكأن شيئًا ثقيلًا تم تحريره.

توقفت في مكاني.

ظهري لا يزال للباب. لم أستدر. لم أتحرك. فقط استمعت.

لم يتبع الصوت أي خطوات.

لم يُفتَح الباب. فقط ذلك الصوت الوحيد، الذي قطع الصمت ثم اختفى، تاركًا وراءه هدوءًا أعمق مما كان عليه قبلًا.

بقيت واقفًا هناك، أتساءل إن كان الصوت حقيقيًا أم خيالًا ولّده رجائي الخفي.

ثم، ببطء شديد، واصلت السير.

..........

عدت إلى غرفتي، وأغلقت الباب خلفي دون صوت، وتقدمت حتى السرير، ثم ألقيت نفسي عليه أخيرًا باستسلام كامل، وكأن الجسد فقط هو من سقط، بينما العقل ظل واقفًا.

أغمضت عيني على أمل أن أغفو للحظات. لحظات فقط.

لكن النوم لم يكن رحيمًا.

ما إن انزلقت إلى الغفوة حتى بدأت الكوابيس.

لم تأتِ فجأة، بل تسللت واحدة تلو الأخرى، مشاهد مشوشة، أصوات مألوفة، وجوه أعرفها جيدًا لكنها كانت صامتة، تراقبني.

كنت أستيقظ للحظة، أتنفس، ثم أعود للسقوط من جديد، بدا أن الليل يرفض تركي وشأني.

ولم ينتهِ الليل إلا جسدًا منهكًا، وعقلًا لم ينل لحظة صمت واحدة.

..........

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عبء يوريل: ثقل التاج

المؤلف hind
2026/01/27 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة