~على أطلال الذَّاكِرة~
~مقدِّمة~
.
.
.
.
عتمةٌ سرمَديَّةٌ هي ما تُغطِّي وحشةَ المكانِ ومدىٰ سوئه.. وعلىٰ عكس العادة، كانت العتمةُ مُفضَّلةٌ على النُّورِ في غياهِبِ ذلكَ العالم!
وقعُ خطواتٍ ثقيلةٍ تردَّدَ صداها في ذاكَ الممرِ الذي يعكِسُ كآبة مكانٍ لن تتمنَّىٰ أن تطأهُ قدمُكَ يوماً...
توقَّفت قدماهُ أمامَ بابٍ حديديٍّ صدئٍ في نهاية الممر، أصدرت مجموعةُ المفاتيح التي أخرجها من جيبيهِ صوتاً بارزاً قوياً؛ نظراً لخلوِّ المكانِ وسكونِهِ المُخيف
دلفَ إلى داخل الغُرفة يتقدَّمُ بخطواتٍ لن يتغلَّبَ أحدٌ على مُبالغتِها في الثِّقة
عيناهُ القُرمُزيَّة الحادة جالت بأرجائها لثوانٍ، قبلَ أن تستقرَّ علىٰ جسدٍ أنهكهُ التعذيبُ مُعلقاً في مُنتصفِها وقال :" قامَ الرِّجالُ بعملٍ جيد .. أتمنىٰ أنَّكَ تعلَّمتَ درسك! "
بحركةّ بطيئةٍ مُرهقة، رفعَ الفتىٰ المُعلَّقُ رأسهُ ناظِراً لعيني الرَّجُلِ بكلِّ حدة، معَ ابتسامةٍ لطالما مقتها الطَّرفُ الآخرُ لخُلُوِّها من الخوفِ ورد :" ليسَ الأمرُ وكأنَّكَ لن تقتُلني بعدَ ما فعلت، فحسبَ قانونِكُم <الخيانةُ تُعادِلُ موتاً مُحتَّماً> !"
ابتسامةٌ مُتكلِّفة احتلَّت ثغرَ سيد المكانِ بعدَ رد الأصغر، دفنَ يدهُ تختَ سُترتِهِ مُخرِجاً مُسدَّسه مُصوِّبهُ نحو رأس الفتى :" ذكيٌ كعادتِكَ ماسارو، لكِنَّ ذكاءكَ خانكَ هذهِ المرَّة جعلكَ مُعلَّقاً أمامي هُنا تواجِهُ مصيراً لا مهربَ مِنه.. مع ذلك، لن أُنكِرَ أنَّني أحببتُ الموهبةَ والذكاء اللذانِ تتمتَّعُ بِهما "
قهقهَ الصغيرُ لِما سمِع :" لا أُصدِّقُ أنِّي انتزعتُ إطراءً مِنك! "
تجاهلهُ الرَّجُلُ وتحدَّث :" أنتَ فقط آذيتَ نفسكَ وصديقكَ الأشقر بفعلتِكَ تِـلك، مِنَ الغريبِ أنَّكَ لم تُفكِّر بمصلحتِهِ كما تزعُم "
- لستُ قلِقاً بشأنِ سابورو، فالغدُ أجمل! وبي وبدُوني هوَ سيواصِلُ الطَّريقَ وينجو، لن تنجحَ أبداً في إفسادهِ أنتَ وهذا المكان؛ لأنَّكُم لن تكونوا أكثرَ من مُجرَّدِ ذكرياتٍ سيِّئةٍ بالنِّسبةِ له! "
صوتُ إطلاقِ النَّارِ علا في المكان، كانت ملامِحُ الرَّجُلِ مُظلِمة..ورصاصتُهُ اخترقت جبينَ الفتىٰ وأردتهُ قتيلاً...
فقدت صفراوتيهِ بريقها، ولوَّثتِ الدِّماءُ القاتمة خصلاتِهِ ذاتَ لونِ العسل
اقتربَ الرَّجلُ من جُثَّتهِ وفكَّ قُيودهُ ليسقطَ ذلكَ الجسدُ الخاوي علىٰ الأرضِ دونَ حراك
انخفضَ الرَّجلُ أرضاً ناظِراً لملامح ماسارو التي ظلَّت مُحافِظةً علىٰ هُدوئها حتىٰ في موته،ِ مُبتسِماً بجنونٍ وهَمَس :" كونُكَ كُنتَ في حياتِهِ يوماً، سأجعلُهُ يندمُ علىٰ ذلك.. وستكونُ إحدىَ ذكرياتِهِ السيئة، ماسارو! "
نهضَ مُمسِكاً الجُثَّةَ من يدِها وجرَّها معهُ جرَّاً خارِجاً من الغُرفة التي شهِدت أكثرَ الجرائمِ قسوةً غيرَ هذه، وفي طريقه استوقفهُ رجُلٌ فائقُ الوسامة ذو ملامِحَ حادةٍ وجذَّابة تجعلُكَ تقعُ لها رغماً عنك قائلاً له :" لقد كانَ مُجرَّدَ طِفلٍ في التاسِعة، أكانَ مِنَ الضَّروريِّ قتلُه؟! "
طالعهُ المعنيُّ بحمراوتيهِ وتحدَّثَ بنبرةٍ قاطِعة :" إن كُنتَ ستتفوَّهُ بهذا الهُراءِ ثانيةً فلا مكانَ لكَ هُنا، بل لن يكونَ لكَ مكانٌ علىٰ وجهِ الأرض! ولا تحسب أنَّ علاقتي بِكَ قد تُنقِذُك!! "
تخطَّاهُ بعد ذلكَ جاراً جُثةَ ماسارو خلفهُ بطريقةٍ وحشية، في حين امتعضت ملامِحُ الرَّجُلِ الآخر لعجزِهِ وقلَّةِ حيلته
.
.
.
في أحدِ سراديب ذاكَ المكان، اصطفَّت الكثيرُ مِنَ الغُرف علىٰ جانِبَيه والتي كانت أشبهَ بالزنازن...
جسدٌ صغيرٌ يرتعِشُ بقوةٍ في إحدىٰ زوايا غُرفةٍ مُعدمةٍ مُظلِمة لا من برودتِها؛ بل لشدَّةِ خوفه
هو لن يستطِيعَ تمالُكَ نفسِهِ بعدَ الآن، لن يقدِرَ على المُضيِّ قُدُماً أكثرَ من هذا.. خارت قُواهُ بالكامل وما عادَ يحتمِل
ومن سيلُومُهُ علىٰ استسلامِهِ وهو فقط طِفلٌ في التاسِعةِ من عُمُرِه تربىٰ وسطَ الحُبِّ والدَّلال؟
صوتُ قُفلِ غُرفتِهِ الذي فُتِح، جعلَ أنفاسُهُ تتوقَّفُ للحظة قبلَ أن يضُمَّ نفسهُ بقوةٍ حاشِراً جسدهُ الصغيرَ في الزاويةِ أكثر، الخوفُ نالَ مِنه!
لا يُريد، هو لا يُريدُ ذلك! لا يرغبُ برؤيةِ ذاكَ الرَّجُلِ أبداً!!
ثوانٍ حتى اقتحمَ الأكبر الغُرفةَ بحِدَّة، حطَّت أنظارُهُ مُباشرةً علىٰ الصَّغير المُنكمِش خوفاً وقالَ بصوتِ عالٍ أفزعَ سابورو أكثر :" يا إلهي أنتَ تبدو بحالٍ مُزرية! لا بأس، أحضرتُ لكَ هديَّةً من المؤكَّدِ أنَّها ستُعجِبُك "
شحُبَ وجهُ سابورو وقلبُهُ باتَ يضرِبُ صدرهُ بعُنف، تسارعت وتيرةُ أنفاسِه، تجمَّعت الدُّموعُ في زرقاوتيه، إنَّهُ يُحاوِلُ بجدٍ ألا يبكي؛ ليسَ أمامَ هذا الشخص!
فتحَ الأكبرُ البابَ أكثرَ ليتسلَّلَ بعضُ الضَّوءِ إلى الدَّاخل، ورمىٰ جُثَّةَ ماسارو بلا اكراثٍ في مُنتصفِ الغُرفة
شهقةٌ خرجت من ثُغرِ سابورو رَغماً عنه حالما وقعَ بصرُهُ علىٰ جسدِ صديقه، الصَّدمةُ جمَّدتهُ وزادَ ارتعاشُ أطرافه
انتابهُ ذُعرٌ حاد؛ فقد كانَ جسدُ صديقهِ الوحيد خالٍ من الحياة! خصلاتُهُ ووجهُهُ صُبِغا بالدِّماء! لقد قُتِل!!!
كلُّ ما كانَ يُسمعُ في الغُرفة هو صوتُ تنفُّس الصَّغير الغير منتظم وشهقاتُهُ المصدومة، لم يكُن قادِراً علىٰ الصُّراخ رَغم كونهِ في حاجةٍ إلىٰ ذلكَ بحق
هذا أكثرُ من أن يحتمِلهُ وحده، ما حدثَ كانَ بالفعل القشَّة التي قسمت ظهرَ البعير!
تقدَّمَ الرَّجُل مُتَّجِهاً نحو سابورو، وفي إحدىٰ خطواتِهِ داسَ علىٰ جسدِ ماسارو عامِداً!
إرتفعَ فجأةً صوتُ الفتىٰ باكِياً بقهر
نهضَ مع تعبِ جسدهِ ومشىٰ مُترنِحاً مُقاوِماً كُلَّ خوفِهِ ليُقرفِصَ أمامَ جسدِ رفيقه، احتضنهُ وبكىٰ! بكىٰ بُكاءً مريراً مُعبِّراً عن ألمه
تظاهرَ الجاني بالحُزنِ قائلاً :" لمَ البُكاءُ سابورو؟ هوَ لا يستحقُّ حُزنك.. حاولَ الهربَ وحدهُ وترككَ خلفهُ هُنا تُعاني، ولكنَّني أمسكتُ بهِ وانتقمتُ من أجلك، أليسَ الثَّقبُ الذي يُزيِّنُ جبينهُ جميلاً ؟!"
كانَ كُلُّ شيءٍ ضبابيَّاً أمام سابورو، فقدَ للتَّوِّ آخِرَ سببٍ يدفعهُ للبقاءِ علىٰ قيد الحياة، فقدَ أمله! فلمَ عساهُ يستمرُّ في عيشها؟!
لم يستطع التحكُّمَ في ألمِ قلبهِ الشَّديد، فماسارو قد مات! لن يعودَ للحياةِ أبداً، صارَ وحيداً في هذا المكانِ المُوحش
غرِقت وجنتيهِ بالدموع الحارِقة رغم خفوتِ صوتِ بُكائه
اخرجَ الرَّجُلُ مُسدَّسهُ وصوَّبهُ نحوَ سابورو ناوياً قتله؛ فقد ملَّ هذه المسرحيَّة ولا فائدةَ من بقاء هذا الطِّفل الضعيفِ بينهُم علىٰ كُلِّ حال...
حافظَ سابورو على ملامِحهِ ولم يسمح للخوفِ بأن يُسيطِرَ عليه، على الأقلِّ سيموتُ دونَ أن يسمحَ للآخر برؤيةِ خوفه.. فشدَّ علىٰ جسدِ ماسارو مُستعِدَّاً لمُلاقاةِ مصيره،
إلا أنَّ قُدومَ أحد رجال الأكبر حالَ دونَ ذلِكَ بقوله :" سيدي، قاعدتُنا تتعرَّضُ لهُجومٍ إلكتروني وهناكَ من تسلَّل للدَّاخل "
وفي اللَّحظة التَّالية تلقى التابِعُ رصاصةً قتلتهُ بدلاً من سابورو الذي شهقَ من بشاعةِ المنظر وفقدَ وعيهُ حالاً...
بملامحَ مُظلمة حدَّثَ الرَّجُل نفسه :" كيفَ يسمحونَ بحدوثِ هذا؟ لا أحدَ يتعدَّىٰ حُدودي ويبقىٰ حياً! "