~ علىٰ أطلال الذَّاكرة ~
~ الفصل السادس ~
.
.
.
رنين هاتفه شدّ انتباهه بنغمةٍ مميّزة، أخرجه من جيب سترته الرمادية لينطق متعجبًا بعد أن تفقّد المتصل:
"الزعيم؟ ولكن نحن في طريقنا إليه بالفعل"
ابتسم تاكومو الذي كان يسير بجانب سابورو بتوتّر؛ فلا يأتي من وراء مكالمات زعيمهم وقائدهم إلا الشّجارات.. تنهّد سابورو وأجاب على المكالمة ليأتيه صوت الطّرف الآخر المتذمّر:
"أين أنتَ سابو؟~ إن تأخرت دقيقة إضافية سأغفو"
عقد ذو الزرقاوين حاجبيه بغضب زداد عند سماعه لتثاؤب الآخر:
"اقتربت من الوصول، واقسم إن وجدتك نائمًا سأسكب دلو ماءٍ على وجهك لأطرد كل ذرّة نوم في عينيك"
اغلق سابورو الخط في وجه زعيمه دون سماع رد، لتخرج " تشه " من ثغره.
وصلا إلى منزلٍ متوسّط الحجم على أطراف المدينة، بعد أن سارا لفترة وسط تذمّر تاكومو حول عدم قدومهما بالسيّارة.
دفع سابورو الباب بقوة ليتفاجأ بالأضواء مطفأة وبالكاد يرى كون الشّمس بدأت بالغروب، بحث عن قابس الضوء وتقدّم خطوةً إلى الأمام ليتعثّر بشيءٍ ما ويسقط أرضًا.
تأوه متألمًا بخفةٍ إثر اصطدامه، فركض تاكومو إليه رغبةً بتفقّده منتهيًا بتعثّره هو الآخر مرتميًا بجانب سابورو.
نهض الأكبر وقد اعتادت عيناه الظّلام الذي غلف المكان متفقدًا ما تعثّرا به، فزع تاكومو متراجعًا إلى الخلف بعد أن وقعت أنظاره على شخصٍ ممدّدٍ على الأرض، في حين ركل سابورو ذلك الجسد المستلقي على تلك الأرضية الخشبية في مزاجٍ معكّر سلفًا.
لم يتحرّك الشّخص قيد أنملة وزفر الأشقر بسخط صارخًا فيه:
"استيقظ حالًا!"
نهض الشخص متكاسلًا:
" بواااااه~ انتظرتك طويلًا لعلمك سابورو، مساء الخير"
كان الأخير يكتم غيظه بصعوبة، سيُقضى عليه يومًا بسبب هذا الشّخص.
شغّل تاكومو المصابيح داخل المنزل الصّغير قائلًا مخاطبًا الزّعيم المزعوم:
"ألم تجد مكانًا أفضل للنّوم غير الأرض وأمام الباب؟"
اكتفى المعنيّ فقط بأن أشار ببلاهةٍ مُرحبًا بتاكومو.
نهض عن الأرض عقب سؤال الأصغر، الذي تجهّم وجهه عندما لم يجد ردًّا، رتّب ثيابه التي تبعثرت جرّاء ركلة سابورو، وانتهى بترتيب شعره الكحلي الطويل نسبيًا الذي تتخلله خصلات حمراء متفرّقة عاقدًا نهايته بربطة سوداء.
في لحظة، علت الجدّية ملامحه بدل اللامبالاة المعتادة، وتحدّث:
"طلبت لقاءك اليوم لأن هناك أمرًا مهمًا عليك أن تعلمه، أظنّ بأنّ الأوضاع ليست بصالحنا!"
.
.
.
استقرّ كلّ منهم بجلسته في تلك الغرفة الصّغيرة، طُليت جدرانها بلونٍ صنوبريٍّ فاتح يبعث على الرّاحة، وتتوسّطها جلسةٌ بسيطة، مكونة من أريكتين كبيرتين بلون رمادي نشر التناسق في المكان.
كان المنزل ملكًا لعائلة زعيمهم في يومٍ ما، ولكنّهم تركوه بعد أن انتقلو لآخر جديد.
ابتدأ الزعيم حديثه عن آخر ما عرفه عن كوروس، وعمّ كان قد اكتشفه بنفسه قائلًا:
"البارحة تسللت إلى مبنى كوروس الرئيسي، لم أجمع الكثير من المعلومات. لكن ما حصلت عليه كان كافيًا!"
أحسّ سابورو بقلقٍ عظيم لم يُبده، لكنّه تسمّر عند سماع كلمات المقابل له حين استأنف حديثه:
"هوكايرو برفقتهم سابورو"
زيّنت الصدمة وجه الآخر، تائهًا للحظة غير متأكدٍ من صحّة ما سمعه، حملق بزعيمه لوقتٍ ليس بالقصير، يعالج تلك الكلمات ذات الوقع الثّقيل، ونبس بسؤاله غير واثقٍ مما إن كان في محله:
"
كـ كيف يمكن أن يحدث هذا؟ هوكايرو احترق مع والديّ في منزلنا قبل أحد عشر عامًا! أنتَ تعلم ذلك جيدًا"
أومأ الزعيم شابكًا يديه معًا:
"أعلم أنّ هذا صعب التّصديق، قضيت يوم أمس كاملًا أبحث عن تفسيرٍ لذلك، لا بأس خذ وقتك"
هزّ سابورو رأسه بوتيرة بطيئة مخفيًا زرقاويه خلف أجفانه، وكأنّه يطرد كلّ فكرةٍ لا يحتاجها ليجد مكانًا للحقيقة الصّادمة، وتأثيرها على ما حدث وما سيحدث.
وضع تاكومو يده على كتف سابورو بجانبه داعمًا له، ابتسم الأكبر ممتنًّا واستند على ظهر الأريكة خلفه:
"أخي الأكبر على قيد الحياة؟"
سأل بصوتٍ خافت راجيًا تأكيدًا يُطمئن قلبه الخائف من الخيبة، همهم الزعيم بهدوء، وتكلم بصوتٍ ضعيفٍ وكأنّما يحدّث نفسه:
"نحن غافلون تمامًا، رغم إدراكي لكون كوروس ليست شيئًا يمكن العبث معه، استهنت بهم! أتلعم ما يعني ذلك؟"
سكت بعد سؤاله، ولم يتلقَّ سوى تنهيدةً يائسة من رفيقه الأشقر، فأكمل الزعيم مخبرًا الاثنين بما وقع على أذهانهم جميعًا:
"ذلك يعني، أن هوكايرو مهم منذ أحد عشر عامً! أي ذات الفترة التي خُطِفتَ فيها أنتَ وماسارو"
–"كلّ ذاك الوقت..."
برجفة لا تكاد تكون واضحةً في صوته، نطق سابورو جملته بنوعٍ من الأسى والتّحسّر، أسند رأسه إلى ظهر الأريكة وغطّى عينيه بكفّه الأيمن، محولًا تمالك نفسه.
وجّه تاكومو سؤالًا إلى أكبرهم:
"كيف لم تعلموا بأمرٍ كهذا في ذلك الوقت؟ ألم تكن أنتَ وماسارو ملمَّين بأدق تفاصيل كوروس؟"
–"مهما كانت معرفتنا بهم دقيقة، فنحن نتحدّث عن كوروس هنا! صحيحٌ أن مُرادنا الأساسيّ تحقق آنذاك لكنّنا دفعنا ثمنًا باهضًا بالمقابل"
أكمل سابورو ما عجز زعيمه عن قوله، مراعاةً له:
"باهضًا جدًا، لم يكن فقدان ماسارو سهلًا، إلى الآن يبدو الأمر بالنسبة لي كما لو كان حلمًا واقعيًّا لدرجةٍ مدمّرة"
تلاشت كلماته في الهواء، وساد جوٌّ كئيب بينهم للحظاتٍ راودتهم فيها الكثير من الأفكار.
فتح سابورو فمه ثانيةً ملقيًا سؤاله بشيءٍ من تعب، وكأنّه يسأل نفسه:
"هوكايرو.. تُرى كيف يبدو بعد كلّ تلك السنين؟"
ابتسم الزعيم ابتسامةً صفراء، ليقول عندما مرّت ذكرى خاطفةٌ في ذهنه، في محاولةٍ لدفع هذا الجو:
"لا أزال أكثر وسامةً منه، لقد خسِر!"
نجحت كلماته تلك في جعل قهقهةٍ خافتة تغادر ثغر الأشقر، متذكرًا تلك المسابقة السّخيفة التي كانت بين شقيقه وزعيمه عندما كانا في الرّابعة عشر من عمرهما.
–"إذًا ما التّالي؟"
لفت سؤال تاكومو انتباه الآخريْن معه معيدهم إلى سياق الحديث، ليقول الزّعيم بلهجةٍ صارمة، قاصدًا بها سابورو:
"عليك أن تدرك أنّه بين يدي كوروس، إيّاك أن تتهوّر، إن أمسك بكَ تشويا فسينتهي أمرنا جميعًا! تكفي الرهائن التي في حوزته سلفًا"
ردّ المعنيّ:
"لم أجرّ أحدًا إلى الهلاك، أنا أعي ما أفعل"
أومأ الأكبر بينهم، والتقت فضيّتاه بعينا رفيقه، مكملًا بحذر وكأنّ الكلمات تحارب لتخرج من ثغره:
"وأيضًا..."
صمت يستجمع حروفه ويرتّبها، في حين ركّز تاكومو وسابورو معه عندما استشعرا نبرته الغريبة:
"هوكايرو.. لم يتعرف عليّ!"
رمش تاحومو عدّة مرّات محاولًا فهم تلك الكلمات، أمّا الأشقر فقد سكت، وكأنّما يعرف التّتمّة.
استند الزّعيم بظهره على الأريكة وتابع:
"هو لم يتعرف عليّ رغم رؤيته لوجهي بالكامل، وكانت تلك زلّة منّي"
عادت عيناه تلتقي بخاصة سابورو الذي امتقع وجهه، مع كلّ كلمة يقولها تحقّق مخاوفه:
"أظنّ أنّه لم يسلم من تجاربهم غير القانونيّة، ولكن لسببٍ ما هم لم يغيّروا في ملامح وجهه ولو قليلًا! يبدو الأمر كما لو أنّ تشويا يتحدّانا"
ارتجف بدن سابورو بطريقةٍ غير ملحوظة، وتلك السّنوات البائسة الوحشيّة التي قضاها داخل كوروس تتبادر إلى ذهنه، بترتيبٍ ووضوحٍ سَحقَا دواخله، ولم ترقه أبدًا فكرة أن يكون شقيقه قد مرّ بمثلها أو ربّما أسوأ منها!
حاول نفض تلك الأفكار السّوداء عن عقله، ونطق بتكهّنٍ يعلم بأنّه مستبعد:
"لا شيء يضمن أنّهم قد أجروا عليه تلك التجارب، ربّما هو فقط نسيَ ملامح وجهك؛ لقد مرّت إحدى عشر سنةً منذ آخر لقاء بينكما"
وجّه صاحب الخصلات الطّويلة أنظاره ناحية سابورو، ورمقه بنظرةٍ ذات مغزى، قائلًا بصوتٍ يشوبه الغضب:
"هل من الممكن أن ينساني هوكايرو بظنّك؟ أنا عرفته على الفور سابورو.. لم يتغيّر كثيرًا! وأنا كذلك لم أتغيّر إلى الحد الذي يجعله لا يذكرني مطلقًا"
سكت الآخر مجددًا، ونظراته تعانق الأرضيّة الخشبية تحت قدميه، ليستأنف الزعيم كلامه:
"من المستحيل ألا يتعرّف هوكايرو عليّ إن لم يكونوا قد أجروا عليه تجربةً ما، تعلم جيدًا أن علاقتنا لم تكن ضعيفةً أبدًا، أيّها الأخ الغيور!"
تلك الجملة الأخيرة عادت بالأشقر إلى الوراء.. زعيمه وماسارو كانا يطلقان عليه هذا اللقب لشدّة تعلقه بشقيقه الأكبر، وحونه كان يكره أنّ الزعيم يسرق كلّ وقته مع هوكايرو.
زفر الأكبر بحزنٍ جاهد لإخفائه:
"أنتَ تعلم أنّهم يجرون تجارب مختلفة على رهائنهم وأعضاء عصابتهم، هناك شيءٌ يُحاك في الخفاء، ولا زلنا لا نعرف الهدف من وراء تلك التّجارب"
غرس سابورو أنامله في خصلاته الشّقراء الباهتة بضياعٍ شديد، ولم يعد يرغب بسماع المزيد ولا حتى الخوض في هذا الحديث، فقد بدأ يأخذ منحىً مختلف مدافعًا هو والزّعيم كلٌّ منهما عن استنتاجه ليرضيا بذلك نفسيهما.
من ناحية صاحب الخصلات الكحلية، كان يتمنى أن يكون هوكايرو فاقدًا لذاكرته حقًا! ففكرة أن رفيق عمره قد نسيه تشعره وكأنّما قلبه تمزق أشلاءً، لن يستطيع تقبّل ذلك مهما بدا قويًّا وغير مبالٍ.
يمكنه أن يكون غير مهتمٍّ بأيِّ شيءٍ حوله أغلب الوقت، لكن هوكايرو كان أمرًا مختلفًا قطعًا.
أمّا سابورو فقد كان يرجو أن يكون تكهّن زعيمه خاطئًا؛ فهو له من التّجارب مع كوروس مايكفيه ويزيد ليعلم ما حلّ بشقيقه، ولا يريد حتى تذكر جزئيّة التجارب تلك التي تبعث الرعب في كيانه، كانت أسوأ فترةٍ في حياته هي ما قضاه داهل كوروس، وكاد يُجن لولا ماسارو!
لا يريد حتمًا أن يمرّ هوكايرو بكل هذا، لا يريده أن يتألم ولا بأيّ شكلٍ من الأشكال.
ذاك الجوّ بين الأثنين الأكبر سنًّا جعل شعور التوتّر يغلب على تاكومو، لكنه لم يدم عندما وجّه إليه الزعيم دفّة الحديث:
"هل من جديدٍ بشأن ساواكي؟"
هزّ الأصغر رأسه إيجابًا وتفوّه بما كانوا يخشونه:
"لقد عَلِم السّيد ساواكي بأمر السّيد ماتسودا يا زعيم"
توسعت عينا المعنيّ في صدمة، بينما شدّ الموضوع انتباه سابورو ليتمّ انتشاله من مستنقع تفكيره، هاتفًا بـ:
"كيف؟"
–"لقد كنّا تسعى جاهدين لألا يعلم بهذا الأمر فكيف حصل على معلومةٍ كتلك؟ تدخّله سيزيد الطّين بلة؛ كوروس تستهدفه في الأصل"
خرجت الكلمات قلقةً من بين شفتي الزعيم، ليطرق تاكومو قليلًا مفكرًا، قبل أن يلقي ما بجعبته:
"إنّه توما! هو من حصل على تلك المعلومات"
–"سكرتير السّيد ساواكي هاه؟"
قال سابورو بتساؤلٍ مرتاب، ليكمل تاكومو محاولًا ربط الأمور ببعضها:
"
كما قلتما لي، توما بدأ العمل عند السيّد ساواكي بعد تلك الحادثة مباشرةً، وأنا كنت قد بدأت مهمّتي بعد ذلك بعامين.. في البداية كان كلّ شيء طبيعيًّا، إلا أنّه وكما أخبرتكما من قبل أصبح السّيد مهتمًّا بكوروس فجأة، وقد تطوّع توما لجمع المعلومات عنها، وها هو يأتيه بمعلومةٍ بشأن ضحايا العصابة أيضًا!"
عقد الزعيم حاجبيه مستغربًا:
"لكن كيف له أن يحصل على مثل تلك المعلومة المهمّة؟ الشّخص العادي لا يمكنه الوصول لمعلومات العصابات وأفرادها، وغالبًا ما يتمّ نشرها عبر شبكاتٍ خاصة بالسّوق السّوداء، لا يمكن لأحدٍ أن يحصل على تصريحٍ لدخولها بسهولة"
أكمل سابورو:
"والغريب أن السّيد ماتسودا مختطفٌ من قِبَل كوروس وليس عضوًا نشطًا فيها!"
تكلم تاكومو:
"هذا بالتّحديد ما جعلني أشكّ بأمره؛ معلوماته حول كوروس كثيرة وتكاد تحون دقيقة، كما أنّه في الآونة الأخيرة يذهب لأماكن مختلفة خارج الشّركة وفي وقت الدّوام أيضًا"
–"على ذكر هذا.. لقد زار البارحة المقهى الذي أعمل فيه وجلس مع رجل لا يبدو وكأنّه رجل أعمالٍ أو ما شابه، تحدّثا لبعض الوقت ثمّ جاء وطلب قهوةً مع كعكة البندق"
ذكر سابورو ما حدث بالأمس، ووضع الأصغر يده على ذقنه بوضعيّة تفكير:
"تحدث مع أحدهم إذًا؟"
تنفس الأشقر بعمق وهو يدلّك صدغه:
"ماذا سنفعل الآن يا زعيم؟ الأمور بدأت تسير بغير إرادتنا"
ردّ المعني بهدوءٍ وهو يفكّر:
"أولاً، يجب إخراج السّيد ماتسودا وهوكايرو وميوكان من قبضة كوروس، ومن ثمّ سنشرح كل شيءٍ للسّيد ساواكي وأجعله يقابل تاكاتو، ونضع خطة لتدمير كوروس نهائيًّا"
قال تاكومو ساخرًا من الابتذال الذي نطق به من يفترض أن يحون زعيمهم:
"خطّة محكمةٌ بالفعل!"
أمّا سابورو فقد أعلنت أعصابه انهيارها أخيرًا في هذه اللحظة، نهض من مجلسه بصخبٍ صارخًا في وجه زعيمه:
"أنا لم اعد افهم شيئًا! لمَ ميوكان حي؟ لقد مات هو الآخر في تلك الحادثة الأخيرة قبل أربعة أعوام!!"
رمقه الزعيم ببلاهة ناطقًا:
"إيه؟ ألم أخبرك؟"
............................♡*
لم تكن الغرفة مظلمة، لكن تفكير من بداخلها كان سوداويًّا، يتخيّل عقله أشد السيناريوهات سوءًا عمّ سيفعله تشويا به.
شُدّت كلتا يديه إلى مقبضين مثبّتان على الجدار المقابل لباب الغرفة، كحال قدميه المحطتان بسلاسل مثبّةٍ في الأرض.
لا يزال يُحسّ بألم ساقه المكسورة، متذكرًا الصّرخة المتوجّعة التي فلتت من ثغره عندما قيّدها هوكايرو شادًّا عليها بقسوة.
وكم ناقض نفسه في بعض لحظات الضّعف ليلة البارحة، متمنيًا لو لم يماطل مهمّته وقام بتصفية هدفه من اللحظة الأولى! لما كان معلقًا هنا الآن ينتظر مصيره.
لكن على أيّ حال كان تشويا ليجد ذريعةً أخرى لتعليقه في هذه الغرفة.
لطالما كان الأمر كذلك، يترقّبون له أبسط زلة لينال جرّاءها عقابًا وخيمًا لا مبرر لوحشيّته، ومن هنا فَهِم ريازاكي أن كوروس مهتمّة به هو على وجه الخصوص وإلا لكان منذ زمنٍ في عِداد الموتى!
كان دائمًا متمسكًا بالأمل، لعلّ الحياة ترأف به وينجو منهم بطريقةٍ أو بأخرى ولكن، هل كان الأمل موجودًا يومًا؟
أم نحن من أوجدناه ليكون مبررًا لنهوضنا الدائم وعدم الاستسلام؟
إنه على ذات الحال منذ أربعة أعوام خلت، منذ أن استيقظ ليجد نفسه في هذه الغرفة نفسها مشتتٌ لا يعلم من يكون ولا أين هو...
كانت تلك أيضًا أول مرّة يرى فيها تشويا، معذبه الذي بدأ تعنيفه مباشرةً من غير رحمة أو شفقة.
لم يعرف لمَ هو في هذا المكان ولم يشرح له أحدٌ أيّ شيء ولم يلتفتوا لحقيقة أنّه فاقد لذاكرته ونفسه، إلى أن علِم بطريقة ما أنّه داخل إحدى اخطر عصابات طوكيو...
~ flash back ~
نيران مشتعلة في المكان حوله، ولكنّها لم تكن كبيرة إلى حدّ التهام كلّ شيء، فوضى عارمة أمام أنظاره الضّبابية، يشعر بأنّ جسده بارد جدًا وهناك سائلٌ دافئ يتدفّق من رأسه ليُحِسّ به يتخطّى أهدابه وصولًا إلى مقلتيه الفاترتين.
لمح بالكاد شخصًا واقفًا أمامه في وضعيّة دفاعية، وكأنّه يحميه من شيءٍ ما.. التفت إليه ذاك الشّخص فجأة بوجهٍ مخضّب بالدّماء، بدا وكأنّما يحدّثه، لكن كلماته لم تصل إليه.
استشعر حضور شخصين آخرين قرفصا بجانبه، امتدّت يد أحدهما تمسح على رأسه باكيًا، دموعه تتساقط بغزارةٍ على وجهه لتختلط بدمائه.
صوت نحيبٍ بعيد نجح في اختراق مسامعه مسببًا له طنينًا حادًا، وفي لحظةٍ ما تشبّث به الشّخص الذي كان يمسح على رأسه بقسوةٍ رافِضًا تركه ممددًا هناك، عندما تمّ سحبه بعيدًا عن المكان رغمًا عنه.
لم يشعر بشيءٍ بعدها سوى ألمٍ حاد يفتك به على حين غرّة، رؤيته اصبحت مشوّشة أكثر شيئًا فشيئًا ليغرق في الظلام خلال ثوان...
.
.
.
فتح عينيه بصعوبة ليعاود إغلاقها وفتحها مجددًا بحركةٍ بطيئة، حتى اعتادت أجرامه الفضيّة الضّوء السّاطع فوقه.
ثقلٌ غريبٌ يخدّر جسده عن الاتيان بأيّ حركة، لكنّه سرعان ما أدرك أنّه كان يحلم، لينطق ببحةٍ في صوته:
"حلم؟"
داهمه دوارٌ لفّ رأسه فجأة، فمدّ يده ببطء ناويًا تحسّس موضع الألم، أوقف يده في منتصف الطّريق يتأمّلها في صدمة غمرت ملامحه وهو يراها ملفوفةً بالكامل بضمادات صُبِغت بـ.. دمه!
تساءل عمّ حدث معه لكن لم يستطع التّذكر، بالإضافة إلى طنين خافت ومضَ برأسه.
شرد بعينيه في المكان لبرهة كما الضّائع، متنبهًا أخيرًا بأنّه لا يعرف من يكون!
تأمل الغرفة حوله وحتى مع ضياعه لم تبد له غرفةً عاديّة ولا غرفة مستشفى، السرير الذي يستقرّ عليه بزاويةٍ أقصى يسار الغرفة وبجانبه خزانةٌ معدنيّة مليئة بمعدات لم يستطع ريازاكي تبيّن ماهيتها، لا وجود لأي نافذةٍ في هذه الغرفة.. لم يكن بإمكانه معرفة الوقت إن كان ليلًا أو نهارًا!
حاول النّهوض ببطء، لكن سرعان ما عاود الاستلقاء عند شعوره بألمٍ فضيع سرى بجسده، نزع الغطاء الخفيف البالي عنه لتتوسّع عيناه في حيرة عندما التقت بجسده الذي لم يختلف حاله عن حال ذراعاه، متسائلًا عن إمكانيّة العيش بإصاباتٍ كهذه؟ ولكنّه بالفعل كان مثالًا حيًّا!
يريد من أي أحدٍ أن يُقبِلَ عليه الآن ليخبره بما قد حدث له.. من هو؟ كيف حصل على هذه الإصابات؟ إنّه لا يذكر شيئًا.
حاول أن يبحث في ذاكرته عن أيّ شيءٍ يخصّه، اسمه على الأقل.. لكن صداعًا داهمه لتتسلل يديه الضعيفتين محاوطًا رأسه بهما يضغط عليه بقوة متأوهًا.
ووسط معاناته اللحظيّة التقطت أذناه صرير الباب الحديدي الصدئ جرّاء فتحه من قِبَل أحدهم، ومن ثمّ وصله صوتٌ ثقيل قائلًا:
"لقد استيقظت اخيرًا، انتظرتك أسبوعًا كاملاً!"
لم يُعره صاحب الفضيّتان أدنى اهتمام لانشغاله بألم رأسه الشّديد، بيد أنّه سمع ذات الشّخص ينطق مرّة أخرى:
"لقد فقدت ذاكرتك، لا تحاول استحضار أيّ شيء فهذا مضيعة"
مضت بضع دقائق كان الشّخص المجهول فيها صبورًا حتى هدأ ريازاكي، رفع الأخير رأسه للماثل عند الباب يتبيّن هيأته.
رجلٌ طويل القامة في منتصف عقده الثالث ربّما، عينان حمراوان حادّتان متّشحتين بدهاءٍ خبيث، عكس ما تظهره نبرته المرحة، خصلات رماديّة طويلة تصل إلى منتصف ظهره، ابتسامةٌ لعوبة تزيّن ثغره.
كل ذلك كان بعيدًا عن هالته التي تنبعث من على بعد أمتار توحي بالخطر المحدق! وقد نجحت بالفعل في إيصال رسالة إلى ريازاكي مفادها الحذر من هذا الرّجل.
على الأقل حتى يعلم ماهية العلاقة التي تربطهما، وما هي نواياه تجاهه.
حاول الشّاب تدارك خوفه وليد اللحظة وألم جسده الذي لا يمزح، وسأل الرّجل علّه يعطيه إجابة تروي عطشه بمعرفة هويّته:
"عذرًا يا سيد، أخبرني من أنا؟ ومن تكون أنتَ بالنسبة لي؟"
عقب هذا السؤال، بدأت حياة ريازاكي تنحدر من سيء إلى أسوء، ومعه بدأ عذابه الذي سيستمرّ وقتٍ غير معلوم...
// Ryazaki p.o.v //
مع الذّعر الذي بدأ يجتاح نفسي وشعوري بالتّيه وعدم الاطمئنان، استجمعت شجاعتي وسألت الرّجل عن نفسي وعن علاقته بي، وأن كان يعرفني قبل اليوم.. متمنيًّا إجابة شافية صادقة، وبحق أشعر بعدم الرّاحة تجاهه.
رأيت ابتسامته تتوسّع مقتربًا منّي في خطواتٍ واسعة قلّصت المسافة بيني وبينه بسرعة، ساعدني على الجلوس باعتدال، ولوهلة كنت سأشكر لفتته تلك لولا أن تراجعت عن ذلك عندما قبض على معصمي يشدّ عليه بقوةٍ ناظرًا في عينيّ نظرةً مشبّعة بالخبث والكراهية، لدرجة أنّني أخسست بحمراويه تتوهّج للحظة.
طال صمته وهو على ذات وضعه، ومرّت من الثّواني ما زادت قلقي ثمّ أطلق ضحكةً غريبة تردّد صداها بين جدران الغرفة الكئيبة، ليردّ على سؤالي الذي ظننته سيبقى معلقًا دون إجابة:
"أنـا.. أكــون كــابوسك!"
وبسرعة نفضتُ يده بعيدًا عنّي متراجعًا إلى الوراء بحركةٍ أسرع آلمتني، لامس ظهري الجدار خلفي لأُحسّ ببرودته وقسوته تغنر جسدي.
بدأت أطرافي ترتجف ولم أعلم ما إن كان السّبب نابعًا من ارتعابي أم من جو الغرفة البارد والملابس الخفيفة التي ارتديها.
ما المشكلة التي حدثت وأوقعتني في قبضة هذا الشّخص؟
لاحظ الواقف أمامي ارتجافي الخفيف، ليسخر قائلًا:
"ماذا هل خِفت؟ ليس هذا ما وصلني بشأنك!"
ثمّ التفت محدقًا في الفراغ وقد زاغت نظراته، متمتمًا وكأنّه يخاطب نفسه:
"نعم، لقد كان مخطئًا"
طرقٌ على باب الغرفة الصدئ أيقظه من شروده، رمى نظرةً نحوي قبل أن يسمح لمن خلف الباب بالدّخول:
"تعال هوكايرو.. جئتَ في وقتك"
فُتحَ الباب مصدرًا ذاك الصرير المزعج، دخل شابٌ بخصلاتٍ بندقية وعينان بلون المحيط وقد رجّحت أنّه في العشرينات من عمره.
هيأته قوية بهالةٍ مسالمة مريحة عكس كل ما رأيته مذ فتحت عيناي، ومع ذلك افصحت ملامحه عن إرادةٍ مسلوبة وتعبٍ بلغ ذروته.
وهنا قابلت هوكايرو لأول مرّة...
دلف الشّاب بخطواتٍ خفيفة ثابتة، وقف قبالة من يبدو أنّه سيّده ليتكلم:
"أنا طوع امرك سيّد تشويا، ماذا يجب أن أفعل؟"
البرود.. هو كلّ ما اعتلى نبرة صوته الذّابلة عندما نطق بهذه الجملة، عادت تلك الحمراوين ترمقانني بخبثٍ أظنّه من طباع صاحبها، مجيبًا بما جعلني أتصلب:
"أحضر الأصفاد من الخزانة! لا أريد أن يفسد هذا الصّغير عملي الفنّي بحركته المفرطة"
القشعريرة غمرت كياني لدى سماعي ما تفوّه به، بات الأمر جديًّا وقد شعرت بالخطر الحقيقي.
تسارعت أنفاسي وأنا أتتبّع تحركات المدعو هوكايرو نحو الخزانة الوحيدة في هذه الغرفة مطيعًا أمر سيده.
ماذا سيحل بي؟ ما الذي يخطّطون له؟ هل سأنجو؟
كلها أسئلةٌ راودتني ولم تزدني إلا صداعًا أشد، حاولت تمالك نفسي وهو الشيء الوحيد الذي كنت أفعله منذ استيقاظي.. وليتني لم استيقظ!!
بنفاذ صبر ورجفة ظهرت في صوتي سألته:
"ما الذي يعنيه هذا؟ ماذا ستفعل بي؟ أخبرني من أكون على الأقل!"
وحتى بنصف استدارة لم يكلف نفسه عناء الإلتفات إليّ، لكنّه أجابني بينما يقلب بعض الأوراق في يده:
"لا داعي للقلق.. إنّه فقط تعذيبٌ لطيف احتفالًا بقبولك كعضوٍ رسمي في عصابة كوروس"
ما هذا الرّجل؟ أنا الآن واثقٌ تمامًا من كونه مريضٌ من نوعٍ ما.. إنّه مجنونٌ بالكامل!
تعذيبٌ لطيف؟ عجِز عقلي عن فهم هذه الجملة المكونة من كلمتين، وكأنّما قد قيلت بلغةٍ لا أفهمها.. لا يمكنني المقاومة بوضعي هذا، ما الحل؟
تردّدت كلمة عصابة في رأسي أكثر من غيرها، هذا يفسّر جنون هذا الشّخص وقوله لعبارةٍ گ " تعذيب لطيف " بكل ذاك الهدوء، بينما أنا؟ أشعر بالألم قبل حدوث شيءٍ حتى!
ترك الأوراق في يده وشغّل ضوءًا أقوى من السّابق كان مستقرًا فوق رأسي تمامًا، وأغمضت عينيّ كردّ فعلٍ طبيعيّ مقابل شدّة الإضاءة، وكم أعطى انطباعًا بأنّي على وشك دخول عمليّةٍ جراحيّة...
اقترب منّي هوكايرو هذه المرّة وجعلني أرقد على بطني ليكون ظهري هو المقابل لهما، قيّد يداي ورجلاي إلى السّرير حتى لا أكثر الحركة.
أقصد أنا بالكاد أستطيع دعم نفسي بجسدٍ محطّم كهذا!
شعرت بضيقٍ شديد في صدري، أنا أختنق!
اتجه تشويا صوبي وبالكاد ألمحه من فوق كتفي، وهو يملي عليّ ما أظنّه حياتي الجديدة:
"من اليوم أنتَ ريازاكي، فردٌ في أقوى عصابات المدينة " كوروس "! أوامري أنا والزعيم قاطعةٌ لا جدال فيها إن كنتَ قدّر حياتك، الهرب ليس خيارًا واردًا لأعضاء عصابتنا سواءً إنضموا إلينا طوعًا أو إكراهًا؛ لأن الأمر سينتهي بطريقةٍ بشعةٍ لا تعجب أحدًا!!"
............................♡*
يتبع...