● الخريف.........نوفمبر........الأربعاء
أدْخلتُ المفتَاح في ثقب القفل بتمهل محاولة كتم صوته قدر الإمكان و فتحتُ الباب ثم دفعته لينغلق خلفي بِبطئ مصدرا أزيزه المألوف معلنا عن فشلي الذّريع في إبقاء البيت هادئا. نزعت حذائي، وضعت حقيبتي فوق الدرج و علقت مفاتيحي بجانب حامل مفاتيحها مكملة نصف زهرة النسري. ثم إِتّجهتُ مسرعة نحو غرفتها.
لقد أمضينا البارحة ليلة لَيْلاء لم تعرف فيها أجفاني النوم و قلبي يرتجف خوفا عليها. في الواقع لقد كانت محمومة ورفضتْ أن أصحبها إلى المشفى و أمام عنادها بقيت أنا معلقة من فرط الوجف أراقب كل سكناتها حذرا من أن يصيبها مكروه في حال سهوت عنها و لم تكد يداي تجفان من الماء و أنا أعصر المنشفة تلو الأخرى.
ما كنتُ لأتركها اليوم وهي سقيمة البتة لو كان الخيار بيدي، لكننا وحيدتان هنا و هي أصرت على ذهاب إحدانا للجامعة والحضور حتى لا نضيع وسط هذا الكم من المحاضرات و التدريبات.
أجل إنها ضربية الغُربة، تجبرنا على تحمل مسؤولية ترك أرض الوطن في كل التفاصيل، كأنها تخبرنا أنه بعيدا عن الأوطان ، لا شيء يأتي بالمجان ، كل شيء مسعّر حتى كرامة الأشخاص أحيانا.
-السلام عليكم
قلتها من بين غبار الطريق الذي لم أتكبد عناء نفضه عني. توقعت أن تكون نائمة لكنها ليست كذالك ، بل يبدو أنها مستيقظة منذ مدة .
-وعليكم السلام
- كيف حالك اليوم؟
-بخير الحمد لله
-لم تغادري السرير في غيابي كما وعدتني أليس كذلك؟
-اجل، طبعا...
حسنا هذه كذبة واضحة ، تماما كإخباري بأن السماء زرقاء صافية في الخارج .
أنا أعرفها : إخفاء يديها اسفل اللّحاف، الاندفاع في الإجابة و خاصة إشاحة بصرها عني .... هي حتما غادرت الغرفة بأكملها ليس السّرير فقط.
-و ماذا عن دوائك هل تناولته ؟
-كيف كان اليوم في الجامعة بدوني؟
هي تتهرب منَ الإجابة عن السؤال بسؤال. لن تنسى دوائها إلا اذا كانت مشغولة بشيء ما أليس كذلك ؟
-سننظر في أمر نِسيان الدواء لاحقا. أما الجامعة فلم تفقد وتدًا من أوتادها لتسقط بغيابك.
قلتها بجفاء و أنا أوجه لها ما إستطعت من الألحاظ الواخزة لكنني كنت أصطنع البرود لا أكثر لأنه في حقيقة الأمر كان يوما مملا للغاية بدونها، تلك فقط طريقتي في جعلها تفهم انني منزعجة منها دون إخبارها مباشرة.
هاهي أطلقت تلك القهقهة الطويلة التي لا تنطلق من حنجرتها سوى أمامي ... هي بالطبع تفهم مقصدي.
-لم أسئلك عن جدران الجامعة آنسة رهف. أعلم أنّك تعفّنت من الضّجر في غيابي، لكن كبريائك العزيز لا يسمح لك بالإعتراف بأنّني بهجة حياتك التي لا يمكنك العيش بدونها.
نظرت لها بينما أحاول طمس أثار الإبتسامة و وضعتُ يدي على عيني متظاهرة بحجب شيء ما.
-أحسنت سيدة تشابلن، لقد سطعت شمس نرجسيّتك باكرا اليوم. على كلٍّ، لقد نسختُ لك المحاضرات أعرف أنّ عقلك يعجز عن الاستيعاب إلاّ إذا كانت النسخة ورقية. لا داعي لشكري، انا في المطبخ يجب أن تتغذيْ.
- من الجيد أنك اخترتِ الطب ،مع أنني أرى أنّ وظيفة الأمومة تليق بكِ اكثر أيتها الطبيب....
تمنيتُ لو تجاهلتها، لكنني رميتها بالوسادة بالفعل قبل أن تتفوه بالمزيد من التراهات.
-دفتر ملاحظاتي في الحقيبة ألقي نظرة عليه. سأشرح لك ما إستعصى عليك فهمه. في جميع الأحوال لم نتَلقَّ ذلك الأمر الجلل.
- حسنا .
ما كان هذا ؟ اجابة واضحة بدون تعاليق ساخرة؟ من مهى؟ كان من المفترض أن تلقيَ عليّ إحدى سخافاتها المعتادة أو تناديني بسقراط زماني كوني عرضت عليها مساعدة للتو! أتكون الحمى أعادت إليها نصف عقلها الذي فقدته خلال ولادتها أم ماذا ؟
- ماذاا؟؟
صرخت بصدمة فور أن أضأت مصباح المطبح يا إلهي كنت أتوقع ان ترمي بكل تعاليمي -وأنا أوصيها بالحفاظ على صحتها- عرض الحائط وتتصرف كالنّاطح صخرة يوما ليوهنها، لكن ليس لهذه الدرجة.
كنت أعلم أنها لن تفوت فرصة لإغاضتي. كيف لم أفكر أنها تخفي شيئا عندما صمتت؟ وكأنني لن أكثشف الامر.
إتجهت لغرفتها أطوي الأرض بقدماي. سمعت خطواتٍ مسرعةً في الداخل. حرّكتُ المقبض بعنف دون جدوى كما توقعت لقد أوصدت الباب.
-مهى، ألم اخبرك بأن ترتاحي؟ تظنّنين نفسك ستنجين إذا أغلقت الباب. ألم أخبرك انني سأنظف المطبخ حين أعود؟ ما هذا الإهمال! هل أنت مستغنية عن صحتك؟ لن أسهر على راحتك في المرة القادمة هل تسمعين؟ مهى !
تزامنت كلماتي المسترسلة مع طرقاتي المتتالية على الباب و وأنا أنهال عليها بالتوبيخ. إلتقطت أنفاسي بعد موجة العتاب ليأتيني صوتها متمسكنا:
- حسنا، حسنا، كفى، أصدعتني! لقد أصابني السأم و لم أشحن الانترنت لإننا مسافرتان بعد أربع ايام كما تعلمين، لذا لم أجد بُدا من القيام بشيء ما ثم إن حالة المنزل كارثية ككل مرة بعد الإختبارات. أهذا جزائي لأنني أردت مساعدتك؟
وأنهت سؤالها بنبرة مستعطفة و تخيّلت ملامح وجهها من خلف الباب و عيونها البريئة التي لا أستطيع مقاومتها عادة لكن لا .
- أجل، لن تستعطفيني هكذا هل تسمعين ؟ لن يسقط المنزل اذا انتظرني حتى أعود و أُوظبه ثم انك بتِّ تهذين من الحمى طوال الليل. من أين تأتين بمثل هذه الطاقة كي تغسلي جبل الأطباق ذاك وكومة الملابس تلك؟ أريد أن أعلم !
- كنت فقط أشعر بالملل.
هل يجعل منها الملل قادرة على القيام بكل أعمال المنزل؟ أقصد إن كان الأمر كذلك فسأعمل على أن تشعر بالملل مرتين على الأقل في الأسبوع ، شرط ألا تكون مريضة، لن أخبرها بهذا طبعا ، عليّ الإستمرار في تقمس دور المنزعجة حتى تندم على فعلتها.
- كان عليك إختيار مهمّة أسهل على الأقل. لمَ لمْ تجمعي حقائبك مثلا؟ أو فقط لمَ لمْ تعودي لنوم فحسب؟
- من أخبرك أنني لم أحزمها؟
تراجعتُ خطوة إلى الخلف و أنا أرفع يديّ و قلتُ:
- انا أنسحب. يا إلهي لمَ انا أعيش مع متهورة مثلها ؟
عدت إلى المطبخ بعد أن نزعت حجابي وجمعت شعري أنوي طبخ حساء حار لتلك المستهترة علّها تطيب. حتى أحسست بخطوات شخص يقترب من الطاولة بحذر.
-إجلسي لن أرميك ببرطمان الملح لا تخافي.
سمعت صوت جذب كرْسيّ بسرعة وفور أن جلستْ عليه رفعت ثلاثة أصابع وقلت في لهجة مهددة :
- سأستدير خلال ثلاث ثوان. إن لم تكوني متدثرة كما ينبغي فسأرسل وراءك قدر الحساء كاملا لا الملح فقط.
- للأسف لن تفعلي هذه المرة عزيزتي أنا أضع الرّداء بالفعل، أجّلي إستعراض مهاراتك في التصويب قليلا.
ضحك كلانا ثم أردفتْ:
- رهف انا أشتاق لثريّة وعادل كثيرا لا أطيق صبرا للعودة.
قدرة هذه الفتاة على التنطّط بين المواضيع خارقة حقا، من أين أتت بهذا الآن ؟
- متى ستقررين منادتهما بأمي وأبي؟ أنا حقا لا أفهم كيف تتحمل الخالة ثرية فتاة وقحة مثلك.
- لن أفعل طبعا نحن أكثر من أصدقاء لم أناديهما برسمية إذن ؟
تنهدتُ في قلة حيلة وأنا أجفف يدي في ميدعة المطبخ، هي تعتبر منادات والديها بأمي و أبي رسمية ! أي عقل تستخدم ، أشعر أحيانا انه علي ان أقوم بفحص أشعة لأتأكد من وجود مادة رمادية في دماغها.
لكنها أضافت :
-أوشك الأسبوع على الإنتهاء فقط نتأكد من إجتيازنا لجميع الاختبارات ثم نعود وننعم بعطلة لمدة أسبوع.
أجبتها و أنا أتكئ بنصف جسدي على رخام المطبخ.
-إنها عطلة إستثنائية من حسن حظنا.
- متى تنتهي هذه السنة أريد إجازة لسنتين على الاقل
- بقي أربعة أشهر فقط
- كلا أربعة أشهر ونصف
- أجل
أطلقتْ تنهيدة طويلة وعادتْ إلى سريرها تمارس هوايتها الثانية "النوم" و إن تساءلت عن الاولى فهي بالطبع إغاضتي.
.
.
.
.
.
● يوم الجمعة.............العاشرة والنصف مساءً
-أَلا تَنْوِين النّوم؟
-بعد قليل سأفعل، نامي أنتِ أمْ أنَّ الضّوء يزعجكِ؟
-لا، اكملي ما تفعلينه.
تطاولتْ من فوق السرير تحاول رؤية ما أقوم به ثم تساءلتْ:
-مهلا لحظة هل هذا الدفتر الأسود نفسه؟ مضت مدة منذ آخر مرة كتبت فيه .
-أجل بالفعل لذا قررت الكتابة اليوم ،إنها الصفحة الأخيرة بالمناسبة.
-حقا، أنهيته قبل أن يُتمَّ العشر سنوات، من يدري؟ ربما يتمها بين يدي صاحبه الحقيقي.
هذه ليست جملة بريئة، أنا أعلم
- ما الذي تلمحين إليه ؟
- لا شيء ، لا أفهم سبب كل هذا الرفض ؟ أنت تتحججين بدراستك ومستقبلك أمام العائلة لكنني أعرف تماما السبب الحقيقي؟
- وماهو يا عبقرية زمانك ؟
- إنه الطفل صاحب العينين الرّماديتين أليس كذلك ؟أنت تقفين في وجه الزواج من أجل وهم قد لا يكون حقيقة رهف .
- ربما معك حق ، لكنني أؤمن بأقدار الله أكثر.
- أقنعي نفسك بذلك و إبقيْ وحيدةً كئيبة تخونين زوجك القادم مع ابطال الروايات في إنتظار مصادفة زوج من الكوارتز الذي قد لا يظهر أبدا.
-تزوجي أنت آنسة مهى وأُتركني و وِحدتِي وَ شَأنَنا .
.....صمتتْ
ما كان عليّ قول مثل هذه الجملة ،خاصة بعد ما علمْته في تلك الليلة عندما كانت تهذي بسبب حرارتها. لكنني هكذا دائما لا أفكر فيما أنوي قوله، فتسبق الكلمات إدراكي و أقع في هذه الأخطاء، سأقطع هذا اللسان يوما ما.
لطالما كنا عذراوتَيْن في الحبِّ معا منذ فُتحت أمامنا سُبل الهوى. لكنها صدمتني حقا ولا أعرف منذ متى وهي واقعة في صمتها؟ منذ متى أقتحم الغرام بابها و عشش هناك حتى صارت تهذي بإسم محبوبها في لحظات غفلتها؟
كنت سأوبخها لعدم إخباري في البداية، كنت سأغضب و ربما أحزن لإخفائها مثل هذا الخبر عني ، كنت أظن أنني بلغت المكانة التي تسمح لها بفرش مكنونها أمامي دون تفكير و كنت أتوقع أن تركض لإِعلامي فور إدراكها للأمر ثم نجلس انا وهي معا رأسا لرأس نحلل شخصية المحظوظ الذي سيملكُ علَيْها قلبها.... لكن ..... لكنني الآن أقدر كتماناها. بل بالعكس لست منزعجة منها ابدا.
هي فقط تحاول حماية صداقتنا حتى على حساب نفسها و مشاعرها و أنا أعي تماما غايتها، و أقدر جهدها المبذول في إخفاء ذلك، أنا رغم جهلي ، أعلم كم هو صعب و أعلم أيضا أن الحب لا يمكن إخفاءه، لأنه يظهر في لمعة العينين و نبض القلب و توتّر الكلمات على اللّسان قبل خروجها. لكني لم أكن لألاحظ لولا تلك اللحظة الفاهية التي أفصحت لي فيها شفتاها عما ماطلت و جاهدت هي في طمسه منذ شهور و ربما سنوات .
لأن ما يجمعني و مهى أكثر من مجرد صداقة أو شراكة في السّكن، إنها رفيقتي في غُربتي، وأنيستي في وحدتي، وأختي التي لم تنجبها بطن أمي، قطعة من روحي وفلذة من فُؤادي، هي التي شدّت على كفّي في نكبتي وأسندت ظهري في ضعفي وهواني، هي خَلِيلتي التي عوّضتني بها الحياة عن فقِيدتي.
كالمزن الذي يمر من فوق الأراضي العجاف فيرويها، بل كالرُّدين الذي يُرمى فيصيب ثقبا فيسدُّه و يوقف تسرب كُنهه.
لذا كل ما أريد فعله الآن هو الذهاب إلى سريرها و تطويقها بين ذراعاي ، التربيت على ظهرها ثم إخبارها انّ كل شيء بخير وأنني أحترم مشاعرها وأنني سأكون عكازها هذه المرة الذي تتكىء عليه في محنة الحب فيسندها و يتجذر في الأرض كي لا تقع. لكنني أخشى جَرحها و أخشى أن يحزِنها منّي ما علمت فأتراجع و يصبح كل ما أستطيع فعله هو الخرس.
الخرس ولا شيء غيره حتى يحين الوقت المناسب.
تنهدت و انا أطالع ظهرها الذي أولته لي لتخفي وجهها أطفأتُ المصباح ثم جلستُ في سريري.
- تصبحين على خير
- وأنت من أهل الخير
رددتْ وكان صوتها منطفِئًا على عكس العادة. شعرت بقلبي يحتضر لهذه النبرة المنكسرة التي لا تخرج منها عادة لكنني كتمتُ الآه في داخلي ونمت.
نمت ليلة أخرى كأنني لا أعرف شيئا. وكأنني طبيبة عمياء تبحث عن جرح لا نزف له، كلما قلّبتُ قلبها تأوه في إباء.
.
.
.
.
.
.
🌸مُزْهِرَةٌ بِوُجُودِكُمْ فِي طِينِ الْقُلُوب🌸
♡♡