__________
CHAPTER'B': زُرقة الليل
__________
يَبدو أن دراستي للفلك لم تكن تهِينُني بالجامعة فقط.
استمرت خناجر حدقتيّه بنهش روحي وسفك دمائي .
بينما اجثو على ركبتيّ و اطراف اناملي تحسسان برودة الارضية ، كُنت أرى أن اضواء تلك الغرفة سُلطتْ عليه وتركتني بظلمة عاتمة السواد.
سمعتُ خطوات سريعة آنذاك قادمة من ذاك الباب المسدود الذي دُفع بقوةٍ بعد ثوانٍ.
بدأ يرتفع عن مستوايَ شيئا فشيئا تارِكاً إيايَ أنزف بالهاوية التي رماني بها ، أبقيتُ عينيَّ عليه.
لَم تُراقبه عينايَ الحالمَتان ، بل الحاكِمتان بهذه الهاوية.
حاوطت سواعدي كفّا رجل ثالث هناك ، لم احس بها إلاّ حينما اَحكم قبضته حول ذراعيَّ مجبرا إيايَ على الوقوف.
جَرني ببعض قِواه إلى الباب لكني توقفت عند الخطوة الفاصلة عن خروجي من هنا ، و ثبتْتُ حدقتيّ على الرئيسين
"إحفظا معالم هذا الوجه جيدا ، لن تكون هذه آخر مرّة ترونه بها"
نفذْت أمر ذاتي...
لكنّي عصيت أمر الحارس الذي زفر ثم دفعني ليُهيمن علي وَ يُنفذ أمر مرؤوسيْه
انساقَ جسدي له ونزلت تلك السلالم أحفظ كُل جُزء من هذا الكابوس ، كي أدوّنه على دَفتر يومياتي بنهاية الصفحة التي كتبت بها سهري لحفظ سيناريوهات الأفلام ، مشاركتي رايف فيديوهات تمثيلي وارساله التصفيقات ثناءً على تمثيلي.
عند الباب ، تركني ذاك المهيب.
ربما سمح لي أن ارمي حُلم طفولتي ، مراهقتي، وشبابي في هذا المبنى ، دون وداع لأعود له يوماً
وطأت قدمي خطوَة للخارج ثم استدرت ، أتأكد من أني تركت حلم التمثيل هناك.
ابتسامة ذاك الحلم رغم تعبه جعلت دموعي تحضن وجنتيَّ ، لم أمنعها هذه المرة ليس لأني استسلم لمُرادها ، بل لتأخذ مني نصيبا يمنعها من العودة لي مرّة أخرى ، لم يَتلاشى ذاك الفقيد ولكني أعلم أنني سأبيت دهورا أرقبه إن لم أتحرك.
خطت أقدامي طَريقا مستقيما على ذاك الرصيف الذي يُقابله من الجهة الثانية سدّ ومن جميع النواحي ضياء شمس المغيب ، تنفست الصعداء ثم فتحت حقيبتي لآخذ سيجارتي والولاعة.
وفور إلتقاطي لهمَا سَمعت اشعارًا من رايف....
ألم يكُن هو الوَحيد الذي يَعلم أني مَريضة سَرطان أخبرني شيء من فؤادي هذه الكلمات سامحة للشك أن يملأ جوانبي.
رميت السيجارة والولاعة واخذت الهاتف بيدين مرتجفتين ، أعدتُ ادخال كلمة السر ثلاث مرات متتالية لكنها لم تكن صائبة سوى بالأخيرة ، مررت اصابعي صعودا ونزولا بين تطبيقات الهاتف لأجده فأرفع لوحة المفاتيح وأكتب دون تفكير
- لقد خسرت اليوم أهم فرصة بحياتي والسبب مرضي الذي لا يعلمه احدٌ سواك صحيح؟ -
استغرق التطبيق وقتا ليُجيبَني ثم رأيت مكالمة منه ، رفعت الهاتف مباشرة لأذني وكل خلية مني تتوق لسماع تبريراته واخباري أني مُخطئة.
ولكني لم أسمع صوتَ شخص عادي
بل تصفيقا متتاليا قبل تفجير قنبلة موقوتة بحياتي
" واااا ، لقد فازت ممثلتنا العظيمة بجائزة اغبى ممثلة بالتاريخ"
فور سماعي لكلماته ، اظهرت اسناني للمارّة هناك.
لقد أخبرني الحقيقة فما عساي أقول؟
وددْت لو استطعت الردّ عليه ، كانت شفتاي تنتظر الإذن من عقلي ، لتلومه.....او تشتمه....لكنه نسى من الذي يُكَلّمه اصلا.
انطلقت قهقهاته المتتالية حين أدرك أنه المنتصر ، حين عجزت عن النبس بحرف واحد.
"ألم يُعلمك والدك أن الثقة أثمن من أن تقدميها لِذكاءٍ اصطناعي؟ "
سألني وسط الضحكة التي قطعت أنفاسه و أفسحت المجال للدموع بالتّراص بين جَفناي.
عزمت أن لا ارمش بتلك اللحظات ، حتى وإن لم أكن ارى سوى ألوان السماء لا تفاصيلها.
"هل أنتَ رايف؟"
من المتكلم بهذا؟ هل شفتاي تُسيطر على عقلي أم أن عقلي يتكلم باستخدامهما.
اِستمرّ الآخر بالضّحك ، بل وتعالى صَوته هذه المرّة.
رُبّما هذه إجابة سؤالي.
كل كلماته الدافئة....
كل احتضاناته لي بها.....
كل سعادة شاركتها معه...
كل وجد سردته له....
كان مجرّد....
خُدعٍ
ما عادت جُفوني تَثق بي ، رَمشَت حين منعتها عن ذلك ، انسابت مدامعي عبر درب مُختلط بالمياه التي سالت من أنفي ، ثم تَلاها ذاك الشلال الذي قمعته....
فتستقبله الدماء التي غَادرت أنفي لتُزيّن رَقبَتي وفَكّي.
فورَ استشعاري لمذاقهما المالح والحلو استطعت الكلام ، رُغم خسارتي و ضُعف صَوتي.
"شُكرا لِتعليمي ما لم يُعلمه والدي لي ، لكنه علمني أن التلميذ يمكن أن يتفوق على معلمه"
يرتجِف صوتي حين أذكر والدي ، لكنه هذه المرّة ثبّت نبرتي و وهبني بعض الطّاقة لأرمي ذاك الهاتف بعيدا ، دون انتظار ردّ رايف.
"آسفة لك يا نفسي"
رفعتُ ساعديّ باتجاه أنفي ، ابتغاء مسح أثر الخيانة المستقرِ على وَجهي ، نظرت إلى أناملي نعم ، صارت تحمل معظم الكريات الحمراء التي تنقصني.
عندها نزلت بها لخصري وأحطته بهماَ ، عساي أعوض غياب والدي ، رايف ، و اليَوم
حُلمي أيضا شَريكُ لهماَ
رُغم تلطخ نهايات اصابعي بالدماء.... لكنّها ظلت تواسيني ، فتأخذ هذه الصدمات للشمس التي ستأفل
وَرُبما يَأفل هذا اليوم المرُّ معها.
مشَيتُ مقترِبة منها اقترابا يسمحُ لي بِإعطائها ماضيَّ كذلك ، و أخْذ القوّة من الزُرقة التي تأتي بعد غيابها
لكن زُرقة السماء أيضا غَدرتني
مرّة اخرى فور ظهور ذاك اللون الذي يَروقني بالأعالي ، ارجلي ارتجفت ، وصَعب علي اخذ بعض الأوكسيجين من نسيم نهاية المساء.
واصلت السير بخطواتٍ تُلَخص ما واجهني اليوم ، بعدها رفعت رأسي وقرأت أسماء المباني هناك و لوحات التوجيه
"يبدو أنني لست ببعيدة عن المستشفى"
توقفتُ لآخذ أنفاساً طويلة ، ثم حركت قدميّ بعشوائية لتُبعد الحذاء الذي كان يُحيطها.
انحينت لأصل لزوجيّ الحذاء ، و حملتهما بين يديّ ثم عَزمتُ أن أصل إلى هناك ، ولو إحتجت لإرغام عضلات رجليّ العاريتين على زيادة عدد الخطوات ، وحتى البُعد بينهما ، لأقصى بُعد وأكبر خطواتٍ
اَنظر لتلك السيارات التي تتخطاني واحدة تليها الأُخرى ، اُحاول أن استرجع ثقتي بذاتِي و أُرغمُها على العَدْوِ رُغم تباريحِ الأوْجاعِ
تزيدُ وتيرة تنفسي ، و قلبي يَكاد يَخترقُ صدري
برودَة الرَصيف تُساندُ الألم وتُخبرني أن انهار هاَ هُنا ، ثم وقفت مرّة أخرى حين كان يَفصلني عَن المُستشفى طريق يَعج بالسّيارات.
سَمحت لجسدي المُنهك بالراحة قبل تلك الخطوات التي سأرسمها حين تتلون إشارة المرور بالأخضر.
في هذه الدقائق ، عرفت ما وجب علي معرفته منذ مُراهقتي ، مع ارتجاف كُل ضلع مِني ، وتَشوّش رُؤيتي وسَمعي ، و صعوبة أخذ النفس على كُل شَيء بهذه الدُنيا.
أن لا خيانةَ أعظم من خيانة جوارحك.
لا يُضاهي ألمها وقسوتها غدر الصديق ، او هجر الحبيب ، ولا حتى فُقدان أعز الاشخاص.
المَارّة يعبرون الآن ، أردت بِشِدّة أن اكون بَينهم لكني.....اتلقى عقاب لعصيان رَغبة جسدي قبل قليل.
وقفت أُشاهدهم يَملؤون ممر الراجلين بينما تنتظرنهم السيارات ، طالت مدّة ذهاب وعودة بَشر مُختلفين بينما أُحاول المشي كأنني لا اُجيدُ ذلك.
ارجو جوارحي أن تَغفر ذَنبي ككلّ مَرة لكِنها سئمت أعذاري المُعتادة ، وإقتبست مني الأنانية التي اشتركت بها شَخصيتاي.
اوه....
بعد عشرات المحاولات...
خَطوتُ خُطوة...
النّزول من الرّصيف كان أعظم انتصار حققته ، رمقت قدميّ حين صارتا بالطّريق ، عَزمت على إكمال السيْر ، لكن فَرحة الخروج من العذابِ الذي اخذته كانت أعظم ، أعظمَ لدرجَة أنها شَلّت خُطواتي.
أغلقت عينيّ بقوّة ثم أردت الأخذ ببعض القوّة من اطباق اسناني على بَعضها.
لَم تَمرّ سوى ثوانٍ ، وصَار خياَل المارّة لا يُذكرُ أمامِي ، وحَلّ مَحلّها أضواءُ بيضاَء تَدنو منِي دنوًّا.
اشحت نظري عنها رافعة إيّاه لاشارة المرور التي قابلتني.
لقد نسيتُ أن العالم اليوم يعاقبني بشتى انواع الكُرب
يَعلو صَوت بوق السيّارة التي سَلطت علي ضياءً ناصِع ، لَم يَحجب رُؤيتي للمارّة المُشاهدين لي فَقط.
لَقد أعمى عقلي عن اتخاذ قرار العضو الذي سَيحميه بالكف التيِ رَفعتها لأستطيع الابصار.
مع مرور الثواني لم تستطع أناملي تغطية سطوع الضوء ، كلما اقترب اُغلقت عينايَ أكثر و لوّن الشحوب وَجهي أكثر.
ظننت أنها نهايَتي سَتكون هاهُنا...
في طَريقي لِاستغلال ما تَبقى من حياتي..
عندما تبقى شِبر واحد على فنائي ، ظهرت الموت بَين الحَشد بالرّصيف ، راكضة إليّ ، شَعرت بسَلاسِلها تُكبّلُ خصري
هَل يُحكم حاصد الأرواح على خصري كي لا أهرب؟
وإن فَعل ، لما سلاله لَيّنة هيّنة هكذا؟
أليست ذِراعٌ بَشرية؟
هَل يُشْفق عَلي الكوْن أخيرا؟
أم يُريد أن تَخدعني الموت كذلك؟
أظن ذَلك ، يَستحيل أن يَكون للمَنيّة شَعر أشقَر يميل لِلَون السّيارة التي أحضرته لهنا.
وَجعلته يكذب علي هو الآخر ، حينَ استرق النظر لمحيايَ اليائس المليئ بالحيرة بينما يُحكم يَده حولي
ثمّ بحركةٍ سريعةٍ ، ساَقني للرّصيف الذي يُقابل المستشفى ، مَكان انطلاقته الثابة.
سقطنا سَوياّ هناكَ.....
هَل برودَة الاسفلت هي التي تَمنعني من الفرار ،أم جَبروتُه هو الفَاعل
لِما على الموت أن تتجسّد بشَعر أشقر وملامح بريئة ، في حين أنها تُريد خداعي؟
لَم أرى أنيَابه ، وَ لم يَصعد بي للسماوات العُلياَ
استمرّ بدراسة مَلامحي كأنما لم يرى بشَرا يائسا قَطعا
لكنْ
عَاد الضّجيجُ والحَركة بالعالمِ بعدَ أن كُتمَ قبْل قَليل ، ثمّ لَم اتحَسس سوى ذِراعه التي حَاوطتني
وَ نظراته التّي تَخترقُ كل انشٍ مرعوبٍ منّي.
لكِني شَعرتُ بأنظَار الغرباءِ حولي.
لازالوا يَرونني....
ويرونهُ
إذن...
" هل أنا حيّة؟ "
.
.
.
.
.
.
يُـونِي