الصندوق الذي لم يكن يجب أن يُفتح

الصندوق الذي لم يكن يجب أن يُفتح

38 0

لم يكن الموت أكثر ما أخافها...

بل الصمت الذي تركه خلفه.

في صباحٍ رمادي، كانت السماء تمطر بخفة، وكأنها تبكي هي الأخرى. وقفت ليان أمام قبرٍ جديد، تحدق في الاسم المحفور على الرخام:

"عبد الرحمن... أبٌ رحل، تاركًا خلفه ما لم يُقال."

لم تستوعب بعد أن الرجل الذي كان يمسك يدها كلما خافت من الظلام، لن يعود أبدًا.

كانت أصوات المعزين تتلاشى شيئًا فشيئًا، بينما بقيت هي جامدة في مكانها، تشعر أن العالم كله يتحرك إلا قلبها.

اقتربت منها خالتها هدى وربتت على كتفها قائلة بصوت منخفض:

"يلا يا بنتي... البرد راه يزيد."

هزت رأسها بصمت.

لم يكن لديها كلام.

كانت تشعر أن أي كلمة ستخرج منها ستتحول إلى بكاء.

---

بعد ساعات...

دخلت المنزل لأول مرة دون أن تسمع صوته يقول:

"ليان... رجعتي؟"

كان المنزل ساكنًا بطريقة مخيفة.

حتى ساعة الحائط التي كانت تزعجها كل ليلة، بدا صوتها اليوم أشبه بعدٍّ تنازلي لشيء مجهول.

وضعت حقيبتها قرب الباب.

خلعت حذاءها ببطء.

ثم مشت نحو غرفة أبيها.

وقفت أمام الباب.

كانت تعلم أنه لم يعد هناك أحد يمنعها من الدخول...

لكن قدميها رفضتا الحركة.

بعد دقائق، دفعت الباب.

صريرٌ خافت ملأ المكان.

رائحة عطره ما زالت عالقة في الهواء.

دفتره الأسود فوق المكتب.

نظارته بجانب كوب قهوة نصف ممتلئ وقد جف منذ أيام.

وسترته معلقة كما تركها آخر مرة.

اقتربت منها.

وضعت وجهها عليها.

وأغمضت عينيها.

للحظة...

أقسمت أنها شعرت بدفء حضنه.

لكنها حين فتحت عينيها...

لم تجد سوى الفراغ.

---

مرت الأيام ببطء.

المعزون انصرفوا.

الهواتف توقفت عن الرنين.

أما ليان...

فكانت تقضي ساعات طويلة تحدق في السقف.

حتى جاء ذلك الصباح.

دخلت خالتها الغرفة وهي تحمل صندوقًا كرتونيًا.

قالت:

"هذا كان في المستودع... ربما فيه أغراض عمك."

أومأت ليان دون اهتمام.

وضعت الصندوق بجانب السرير وغادرت.

ظل هناك ساعات.

كانت تنظر إليه بين حين وآخر.

شيء ما بداخله كان يناديها.

لكنها تجاهلت الأمر.

حتى منتصف الليل.

حين عجزت عن النوم.

جلست على الأرض.

سحبت الصندوق نحوها.

أزالت الغبار عن غطائه.

فتحته ببطء.

في البداية...

بعض الكتب القديمة.

دفاتر.

آلة تصوير قديمة.

سلسلة مفاتيح صدئة.

ثم...

وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا مخفيًا في الأسفل.

كان مقفلًا.

لكن المفتاح كان مربوطًا بخيط أسود بجانبه.

ترددت.

ثم أدارت المفتاح.

طَق.

انفتح الصندوق.

تجمدت.

داخله عشرات الرسائل.

مرتبة بعناية.

ومربوطة بشريط أزرق باهت.

وفوقها ورقة صغيرة بخط أبيها.

ارتجفت يداها وهي تلتقطها.

كان مكتوبًا:

"إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة... فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا."

توقفت أنفاسها.

أكملت القراءة.

"سامحيني لأنني أخفيت عنك الحقيقة طوال هذه السنوات."

شعرت بقلبها يضرب صدرها بعنف.

أي حقيقة؟

"كنت أخاف أن تخسريني... لذلك فضلت أن تكرهيني يومًا، على أن أفقدك مبكرًا."

بدأت دموعها تنهمر.

"هناك أشياء لن يفهمها أحد غيرك."

"ستجدين الرسائل بالترتيب."

"لا تقرئي الأخيرة إلا عندما تعرفين كل شيء."

"وإياك... ثم إياك أن تثقي بكل من حولك."

توقفت ليان عن القراءة.

نظرت حولها.

وكأن أحدًا يراقبها.

أغلقت الباب بسرعة.

أعادت النظر إلى الصندوق.

وجدت تحت الرسائل صورة قديمة.

فيها رجل يشبه والدها...

وامرأة جميلة تبتسم للكاميرا.

وبينهما طفلة صغيرة.

لكن...

المرأة ليست أمها.

حدقت في الصورة طويلًا.

همست:

"من هذه؟"

قلبت الصورة.

وكان خلفها تاريخ يعود إلى ثلاثة وعشرين عامًا.

وتحت التاريخ جملة قصيرة:

"اليوم الذي تغير فيه كل شيء."

ارتعشت أصابعها.

أعادت النظر إلى الرسائل.

ثم سحبت الأولى.

وقبل أن تفتحها...

رن هاتفها فجأة.

رقم مجهول.

ترددت.

ثم أجابت.

ساد الصمت لثوانٍ.

قبل أن يأتيها صوت رجل خشن يقول:

"إذا فتحتي الرسائل... فاعلمي أن حياتك لن تبقى كما كانت."

ثم...

أغلق الخط.

سقط الهاتف من يدها.

وشعرت لأول مرة...

أن وفاة أبيها لم تكن نهاية القصة.

بل كانت...

بدايتها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما لم يخبرني به أبي

المؤلف Ghazal Al-Saqr
2026/06/30 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة