بدأت بسؤالـي الذي لطالمـا كان يشغـل تفكيري.. ويجعلني أوقن أن الملـك سيڤينشـارت مجرد أحمـق يملك متسـعًا من الوقت ليفكـر بأشياء حمقـاء مثله، فسألت:
"هل تريـد تزويجـي حقًّا بابنـك ماريو بعد أعـوام طوال، فقط لترسـخ علاقة دولتـك بدولتـي؟"
فرد بعـد أن قام بمسـح لحيته بيـده:
"نعم، يمكنـكِ قول ذلك."
ما الذي يمكنـني استنباطه من هـذا الرد الملتـوي الآن؟ إذا كان حـقًّا هذا هو السبب الرئـيسي لهذه الصفقـة الخرقاء، فلا يمكننـي اعتبار هذا الـذي يجلس أمامـي ملـكًا أبدًا. قلت بعد صمـت استمر دقيـقتين:
"ولكن توجـد طرق أخرى لتوطيـد العلاقة أيهـا السيد، كتقـديم مبلغ مالـيّ لكم، أو مشاركـتكم بعض خيرات سـويسرا."
قام يضـحك هذا الأبله مـرة أخرى، لعله أدرك كـم تعدى مراحـل الحماقـة التي يمكن للإنسان الطبيعـي أن يصلها، فهو الآن أشبـه بالمجانـين حقًّا، لا أدري كيف لهـذا الإنسان أن يرشـح ملكًا من الأساس. رد بعد أن انتـهى من ضحكتـه المقـيتة:
"ركـزي يا عزيزتي مالر، ما معنى توطيـد العلاقة في السياسـة؟ هي أن تتعاون الدولتـان.. وتـتبادلا خيـراتهُمـا. إذًا هذا نفس ما قلته لـتوّك."
لا يمكنني أن أسـمح له بأن يحرجـني، ففي النهايـة أنا أتيت هنا لأطلـب الخلاص من هذا الزواج اللعـين، ولم أقتنع حتـى الآن أن الزواج هو الطريقـة الوحـيدة. سألتـه بثقـة:
"أتوجـد طريـقة أخرى غير الزواج؟"
فأغلق عينيـه قليلًا، ثم فتحهـما ببطء، وأخرج رزمـة من الأوراق من الملف الذي كان بجانبـه، وبدأ يقرأ عشوائيًّا وينقـل ناظريه على الأوراق واحدة تلو الأخـرى. وبعد خمـس دقائق تقريبًـا، نظر باتجاهـي وقال:
"في الواقـع، إن الهـدف من هذا الـزواج ليس توطيـد العلاقـة بصفـة أساسـية، وإنمـا هناك غايـة أهـم."
أجل، لقد علـمت ذلك منذ البدايـة، من المستحـيل أن يتم زواج بيـن أمراء من دول مختلفـة لأجل سبـب تافه يمكن تحقيقـه بطرق أخـرى عديدة. لم أنطـق بأي شيء، فقال مكمـلًا:
"لعلمـك يا مالر، لقد كـشفنا بالفعل أن مـورال هو جاسوسكـم."
لا يهمنـي ذلك كثيرًا، وأعلم أني أبـي سوف يـقتلنـي لو علـم بشأن هذا، ولكنني لن أخبـره على أية حـال. ما يهم الآن.. ما هي الوسيـلة الأخرى أيها المُسـن؟ فأردف بعد أن أخذ نفـسًا طويـلًا:
"لتحقـيق هذه الغاية.. هناك طريقـتان، وإحداهمـا هي تزويـجكِ."
فقلت مـسرعة:
"يمكنـني مساعدتك في تنفيـذ الطريقة البديـلة!"
نعـم! هذا ما كنـت أسعى إليه، لحسن حـظي أن هناك مخرج من هـذا المأزق الذي كنت سأقـع فيه! كنت أنتظر بلهـفة لمعرفة الوسيلـة الأخرى لأنفذهـا بأسرع ما يمكن. نطـق مبتسـمًا:
"الوسيلة هـي أن تجلبـي لي ابنة مـورال."
ابنـة الجاسوس مـورال؟ وما الذي يريده منهـا؟ يمكنني بالطبـع معرفة كل شيء عنهـا عند عودتي لقـصري في سويسرا بمساعـدة كاز، ولكن انتابنـي الفضول بعض الشيء، هل سيقوم بتزويجـها عوضًا عني أم مـاذا؟ فأردف قبل أن اسـأل:
"ستساعـدكِ جاسوستـنا التي خصصناهـا لذلك، إن أردتِ."
فسألـت بفضول:
"حسنًا، ولكن ما الـذي ستجـنوه من ابنته؟ أتعلـم عنها شيـئًا؟"
"إن كنـتِ ترغبين في الحفـاظ على سلامتكِ وعلى سلامـة دولتكِ، فنفّـذي ما قلتـه لكِ أيتها الأمـيرة الجمـيلة."
مـقرف جدًّا.. لا أعرف كيف قبلـت به زوجتـه، ولكن لا بأس.. ما دام كل شيء يصب فـي صالحـي. خرجـت بعد أن استأذنت من ذاك الأحمـق، ثم اتجهـت نحو كـاز الذي ظل واقفًا، وأخبرتـه أن يأتي بمعلومـات عن ابنة مورال من القصـر، ويحاول بقـدر الإمكان ألا يلاحـظه والداي على وجـه الخصوص.
أعرف أننـي ربما قد أكون متهـورة، وأنني سأعـرّض حياة فتاة أخـرى للخطر، ولكن.. أنا أيضًا مرغومـة على فعل أمـور لا أوافق عليـها! لمَ أنا فقط من يجـب عليّ أن تحمل هـذا؟ بينما الشـعب غارق في سبـات عميق، معتقدين أن من هـم في القصور والمناطـق الفاخـرة الملكيـة يعيشـون حياة هنيـئة ومُترفـة دومًا.. لا متاعـب ولا مصاعـب كالمـلائكة تمامًـا. الشعب هـو الوحيـد في الحيـاة الذين يعانون من نقـص في الأموال، ويواجهـون الشدائـد المربكـة القاتلـة التي لا يـمكن حلها.. وعندمـا تعطيهم مبلغًا بسيـطًا من المال، تُحل كل مشاكـلهم السخيفـة تلك. لن أقوم بإهـدار حياتي وشبـابي من أجل طفـل سيناديني فيمـا بعـد بـ"أمي"! أنا آسفـة يا والديّ، أنا حقًّا لا أريـد أن أتزوج من صبـي يصغرني بسنـوات عـدّة. سأجد تلـك الفتـاة.. وسأقدمـها لسيڤيـنشارت، حتى أنجـو من هذه الورطـة بسـلام.
☆ ☆ ☆
بعد أن خرجـت مالريـغ من حدود القـصر بالكامل، بقي سيڤينـشارت في القاعـة الشبيهة بالمكـتبة يقلـب بين الأوراق بعيـنين ناعـستين لمـدة عشرين دقيقـة. ثم فُتـح الباب بخفـة، فالتفـت ببطء ليرى زوجتـه راڤـا.. وكـان الانزعـاج باديًا على محـيّاها، فاقتربـت منه بسرعة، وعندما صارت أمام ناظـريه تمامًا، سحبـت الأوراق المرمـية أمامه عشوائـيًا بقـوة، ثم قالت بنبـرة حادة غاضـبة:
"أخبرنـي الحارس بما دار بينـك وبين تلك الخرقـاء، كان بمقدورنا الإتيـان بابنة مورال بأنفسنـا، دون الحاجـة للاستعانـة بسويسـرية ريفيـة مجنونـة! أتعـي ما تفعـل؟"
قام يحـدق فيها لفترة ليسـت بطويلـة، ثم قال بهـدوء:
"قد يكـون بوسعـنا استغلالـها في أمـر آخر يا عزيزتـي."
أخذت راڤـا نفسًا عميـقًا تستعيـد فيه هدوءهـا، ثم جلسـت على الكرسـي بجانبه، عندئذٍ قالت وهـي تعيد حـزمة الأوراق إلى الطاولـة:
"دائمًـا ما تملك أهدافًـا متعددة يا سيڤين."
ضحك بخفـة وهو ينظر إليها وعيناه ناعستـان، ثم أجاب بصوت هامـس:
"بالتأكيـد، ويجب عليـنا أن نكون على أتـم الاستعـداد أيتها الحسـناء."
فقامـت راڤـا تقهقـه بخفة.. ثم شـدت شعره ممازحـة، وانطلقـت تلف حول المكتبـة وتقرأ بعض الكتـب الفلسفيـة التي لطالمـا أعجبت بها منذ أن تزوجـت بسيڤينشـارت.
ولكن.. هُناك أحد يراقب.
☆ ☆ ☆
ألـمَان
كنت أعلم أن مـالريغ ستأتي اليـوم لتناقـش والدي.. عن تلك الصفقـة التي لطالما أزعجتنـي دائمًا! بعد أن خرجت مالريغ من القصـر، توجهـت إلى القاعـة التي يجلس فيـها والدي، ولكن للمصادفـة.. لمحت أمي التي كـانت غاضبة جدًّا تتجـه إلى القاعـة ذاتها! يا إلهي هل ستقوم أمـي بتوبيـخ أبي أم ماذا؟!
بعد أن دخلت أمـي للقاعة، استرقت السمـع إلى ما كانا يقولانـه، وجاء أخـي الأصغر ماثيـو بعد أن لاحظ أننـي أتجسس على والديّ، فاقترب منـي وقال:
"ما الذي تفعـلينه يا ألمـان؟ هل تتجسسيـن؟"
"لا! ولمَ أنت مسـتيقظ حتى الآن؟ يجب عليك أن تنام."
قمت بدفع ماثيـو بعيـدًا عن القاعة، ثم طلبت من أحـد الحرس أن يأخذوه إلى غرفتـه، فقد يتسبب هـذا الصغير في استيقـاظ ماريـو، ثم سينقلب القصـر كمكـب القمامة.
قامت والدتـي بشتم مالريـغ بألفاظ بذيئـة، لماذا من الأساس تقومـون بهذه الاتفاقيـة المعقدة؟ لا أحد راضٍ عنها سـوى الولايات المتحـدة!
بعد أن انتهـى نقاشهم القصيـر، واختفـى صوت أمي ولم أستطـع أن أسمعه، فتحت الباب بخفـة، ثم أسرعت باتجاه والـدي الذي كان على وشـك النوم، وقلت لـه وأنا مستاءة:
"يا أبـي، هل تعتقـد أن ما نفعلـه صحيح؟"
رفع ناظـره نحوي، ثم قال منزعجًـا:
"هل كنتِ تتربصيـن للتو؟"
لم أجبـه، لا أعرف كيف علـم بذلك، ربما اعتـاد على تجسسي الدائـم عليه هو وأمـي، فأردف:
"لا شأن لكِ يا ألـمان في هذه الأمور."
ما الذي تقصـده؟ لم أعد صغيـرة حتى لا يكون لـي شأن في هـذه الأشياء، فقد أتممت عامـي الثانـي والعشرين بالفـعل، ويجب أن يكون لـي رأي في شؤون البـلاد، أم ينتظر الجمـيع أن يكبر ماريـو ليصبح هـو صاحب المشـورة والرأي السـديد باعتباره أمـيرًا لا أمـيرة؟ إن هذه الصفقـة عبارة عن هـلاك للألمان والولايات المتحـدة وسويسـرا وبضع دول من أوروبا، أنا لا أرى خيـرًا في هذا الاختيـار أبدًا.
حاولت أن أتحـدث معـه، ولكنه لم يقبـل أن يتناقش في هذا الموضـوع بحجـة أنه متعب، ثم انطـلق خارجًـا من القاعـة.
لا يمكننـي أن أتحمل ذلك، سوف نأتـي بفتاة لا درايـة لها بما يجـري، ثم سنقوم بإقحامهـا في أمور سياسـية لا تفقـه فيها شيـئًا. كل هذه أفعال شيطـانية بحتة تمامًا، ويجـب عليّ أن أقوم بـشيء على الأقـل لأمنع حـدوث هذا.. لعلي أنقـذ هذه الفتـاة من هذا الجحيـم، إن لم أستطـع فعل غيـر ذلك.
هودايلو؛ العميرية