كانت شمس الظهيرة في القاهرة تحرق الأسفلت، ورائحة البخور والبهارات تتصاعد من أزقة سوق الأزبكية المزدحمة.
تسحب "إيمان" قدميها بصعوبة وراء صديقتها "بوسي"، ممسكة بحقيبتها الجلدية التي تزن كيلوجرامات من كتب كلية التمريض.
كانت ملامحها الإرهاق الشديد؛ هالات سوداء خفيفة تحت عينيها العسليتين المائلتين للبني،
وشعرها المموج الثائر يخرج من تحت "طرحتها" البيضاء بصعوبة.
- "يا بوسي ارحمني! بقالنا أربع ساعات بنحوم في سوق الأزبكية! رجلي اتملت فقاقيع.. إحنا متخرجين من تمريض عشان نمشي كل ده؟"
لتلتفت إليها بوسي ضاحكة وهي تمسك بقطعة قماش ملونة:
- "يا بنتي افرحي! اتخرجنا خلاص وبقينا ممرضات اد الدنيا ! بنحتفل على طريقتنا.. وبعدين تعالي شوف الراجل ده عارض شوية حاجات فضة شكلها تحفة."
تنهدت إيمان بقلة حيلة ومسحت جبهتها بظهر يدها،
ثم اقتربت من الطاولة الخشبية المتهالكة التي يجلس خلفها رجل عجوز بلحية بيضاء وكوفية قديمة.
كانت الطاولة مليئة بالعملات النحاسية الصدئة، والمكاحل القديمة، والخواتم الفضية.
عيني إيمان علقتا تلقائياً بقطعة فضية رابضة في زاوية معتمة من الطاولة.
خاتم فضي ثقيل، ليس أملساً بل نحتت عليه زخارف هندسية وكلمات عربية غائرة بأسلوب ثلث قديم جداً، يتوسطه حجر عقيقي أحمر داكن، كأنه يجذب الضوء ويثبته داخله.
مدت يدها بفضول وأمسكته. كان الخاتم بارداً بشكل غريب رغم حرارة الجو، ووزنه في يدها يدل على أنه مصنوع من مادة قيمة حقيقية.
- "بكام ده يا عمو؟" سألت إيمان وهي تقلب الخاتم بين أصابعها.
رفع العجوز عينيه النعاستين، ونظر إلى الخاتم ثم إليها، وابتسم ابتسامة غامضة أظهرت بقايا أسنانه:
- "ده؟ ده ملوش تمن يا قمر.. بس لو عاجبك، خذيه بـ خمسين جنيه بس."
شهقت بوسي ضاحكة:
- "خمسين جنيه؟ ده أكسسوار بلاستيك في الممر بأغلى من كده! أكيد الفضة دي فالصو يا عمو."
لكن إيمان كانت تائهة في تفاصيل النقش.
وضعت الخاتم في إصبع سبابتها، فجاء على مقاسها بالضبط كأنه صُنّع لها خصيصاً.
- "خمسين جنيه؟ تمام قشطة جداً.. ينفع حظ معايا للرحلة الجاية في الامتياز."
فتحت إيمان حقيبتها وأخرجت الورقة النقدية وأعطتها للبائع، الذي أخذها ببطء شديد دون أن ينطق بكلمة أخرى، بل اكتفى بنظرة طويلة في عينيها.
بمجرد أن أدارت إيمان ظهرها لتبتعد مع بوسي، سرت برودة مفاجئة من موضع الخاتم في إصبعها.
لم تكن برودة عادية، بل قشعريرة قاسية سارت في عروقها حتى وصلت لقلبها.
بدأ صخب سوق الازبكيه .
وأصوات البائعين،
وأغاني الأغاني الشعبية المنبعثة من المقاهي تتلاشى بالتدريج..
كأن أحداً يخفض صوت العالم!
- "بوسي.. أنا حاسة بدوخة غريبة.."
التفتت لترى بوسي، لكن وجه صديقتها بدأ يتضبب، والأسواق حولها بدأت تلتف وتتداخل ألوانها كأنها ألوان مائية انسكب عليها الماء.
أغلقت إيمان عينيها بقوة وهي تشعر بالأرض تتسحب من تحت قدميها، وصرخة مكتومة تجمدت في حلقها،
قبل أن تغرق في سكون تام وشديد الظلمة.
الضياع بين الأشجار
فتحت إيمان عينيها ببطء شديد.
أول ما استقبلته كان شعاع شمس دافئ يتسلل عبر أغصان شجر كثيفة جداً لم ترَ مثلها من قبل.
رائحة الأرض هنا لم تكن رائحة العادم والأتربة التي اعتادت عليها في القاهرة؛ كانت رائحة طين رطب،
وعشب ندي، وزهور برية حادة الشذى.
جلسَت إيمان بسرعة وهي تمسك رأسها الذي كان يدور:
- "آه يا دماغي.. هو أنا أغمى عليا في الشارع ولا إيه؟ بوسي؟ يا بوسي؟"
نفضت التراب عن فستانها الأبيض الرقيق المطرز بزهور خفيفة، وسوت "طرحتها" البيضاء التي تزحزحت عن شعرها.
وقفت ونظرت حولها بذهول تام.
لا توجد محلات.
لا توجد سيارات،
لا يوجد سوق الازبكيه!
مجرد غابة عملاقة ذات أشجار ضخمة، وأصوات زقزقة طيور غريبة، وطريق ترابي ضيق يتلوى بين الأعشاب.
- "إيه ده؟ هو إحنا رحنا فين؟ هو أنا في حلم؟ لا أكيد ده كابوس وهأقوم منه دلوقت.."
بدأت تضرب خدها بخفة:
"اصحي يا إيمان.. اصحي يا حبيبتي، الشغل في المستشفى أثر على دماغك."
بينما هي في ذروة ذهولها وتحاول استيعاب الموقف، سمعت حركة خفيفة بين الأعشاب القريبة.
انكمشت على نفسها ورجعت خطوة للخلف وهي تصيح بتوتر:
- "مين هناك؟ والله أصرخ وألم عليكوا الناس! مفيش هنا غير ممرضة مهدودة حيلها أصلاً!"
خرجت من بين الأشجار طفلة صغيرة، لا تتعدى العاشرة من عمرها.
كانت ترتدي ثوباً خشناً رمادي اللون، وغطاء رأس قماشي يربط بطريقة قديمة جداً، وكانت حافية القدمين.
توقفت الفتاة الصغيرة وتسمرت عيناها على إيمان.
كانت تتطلع إلى فستان إيمان الأبيض العصري، وطرحتها البيضاء الشفافة،
وحقيبتها الجلدية بكثير من الذهول والخوف.
أخذت إيمان نفساً عميقاً وحاولت ابتسام رسمية للتهدئة:
- "يا حبيبتي خضيتيني! بصي يا شاطرة.. هو إحنا فين هنا؟ دي تصوير سيت كوم ولا كليب مصور ولا إيه؟ فين زمايلي؟ أصل أنا توهت."
تراجعت الفتاة الصغيرة خطوة، ولم تنطق بحرف، بل ظلت تحدق فيها بعينين واسعتين كأنها رأت كائناً فضائياً.
هنا، لمحت إيمان الخاتم الفضي مستقراً في يدها، يلمع تحت أشعة الشمس بنوع من التحدي.
أدركت إيمان في تلك اللحظة أن كل هذا الجنون بدأ منذ أن لبست هذه القطعة الملعونة!
حدقت إيمان في الخاتم الفضي، ثم في الحجر العقيقي المتوهج كأنه قلب ينبض غمرتها موجة عارمة من الشك والإنكار.
هزت رأسها بعنف.
ورفعت يدها لتمسك صدغيها وهي تتنفس بكهربة وذهول:
- "لا لا لا.. إيه الهبل ده؟ يكونش أنا في حلم عميق؟ أكيد أغمى عليا من الشمس والضغط الواطي في الشارع.
وزمان بوسي بتكب عليا إزازة ريحة ولا بتضربني قلمين.. أكيد حلم! أنا هغمض عيني، وأعد لثلاثة، وأفتح ألاقي نفسي في العيادة أو في المستشفى."
أغمضت عينيها بقوة، وبدأت تتمتم بصوت متهدج:
- "واحد.. اتنين.. ثلاثة.."
فتحت عينيها ببطء.
متوقعة أن ترى سقف الغرفة الأبيض ورائحة المطهرات
لكن الواقع صدمها مجدداً
نفس الأشجار العملاقة، نفس النسيم الدافئ الذي يحمل رائحة العشب الندي.
ونفس الفتاة الصغيرة الواقفة أمامها!
تراجعت إيمان خطوة
وظلت تنظر للبنت الصغيرة بغرابه شديدة، كأنها تثبت للكون أن ما تراه غير منطقي بالمرة.
الملابس الخشنة، الوجه المتسخ بالتراب، والنظرات الشاخصة..
لا شيء هنا يمت لعالمها بصلة.
في هذه اللحظة، زالت الرعدة الأولى من قلب الطفلة الصغيرة
وبدأ الفضول الفطري يتغلب على خوفها.
خطت الطفلة خطوات بطيئة ونظرت إلى الفستان الأبيض المطرز بالزهور الزاهية كأنه غيمة حطت على الأرض.
مدّت يدها الصغيرة ذات الأصابع المتربة، وبدأت تلعب بطرف الفستان بفضول شديد.
تلمس القماش الناعم وتفركه بين أصابعها وهي تتنهد بدقائق من الانبهار.
جمدت إيمان في مكانها، وعيناها تتسعان بين الفستان والطفلة:
- "يا حبيبتي.. إنتي بتلمسي ؟ يعني أنا مش بخرف؟ إنتي كائن حي وطبيعي؟"
انحنت إيمان قليلاً ونظرت في عيني الطفلة وقالت بنبرة تجمع بين الجد والرجاء:
- "طب وحياة أغلى حاجة عندك يا شاطرة.. قوليلي إن ده مقلب، أو إننا في القرية الفرعونية أو بتمثلوا مسرحية تاريخية! هو إحنا في سنة كام؟ ومين اللي جابني هنا؟"
لم تفهم الطفلة كلمة واحدة من ما تقوله فقط أكملت لمس الفستان بفضول،
تنفسّت إيمان بصعوبة وهي توزع نظراتها بين الأشجار الكثيفة والرجل الضخم الذي ظهر فجأة بجوار الطفلة.
كان يرتدي جلباباً خشناً من الكتان الغامق، وحزاماً عريضاً ملفوفاً حول وسطه، ولحيته الكثيفة تشوبها خيوط رمادية.
نظرت له إيمان بذهول، ورجعت خطوة للخلف وهي تمسك حقيبتها الجلدية بصلابة كأنها درع حماية:
- "مين حضرتك؟ وإيه الثياب التاريخية دي؟ هو أنا فين بالضبط؟ إحنا في أسطبل عنتر ولا في صعيد مصر ولا إيه القصة؟"
عقد الرجل حاجبيه الكثيفين، ونظر إلى فستانها الأبيض المشجر وحجابها الرقيق بنظرة استغراب شديدة
ثم تحدث بلهجة عربية ثقيلة فيها نبرة أهل الريف أو البدو القدامى:
- "ما هذا اللسان الغريب يا فتاة؟ ومن أين أقبلتِ بهذه الثياب التي تشبه ثياب حراير القصور؟ هل ضللتِ الطريق عن أهلكِ في هذه النواحي؟"
بلعت إيمان ريقها بصعوبة.
لمحت في عينيه حيرة حقيقية وليست تمثيلاً.
بدأت فكرة "الكابوس" تتزحزح قثليلاً لتحل محلها برودة رعب حقيقي بدأ يتسلل لقلبها.
تقدمت إيمان نحوه بخطوات مترددة،
وعيناها لا تزالان تتحركان بين امتداد الأشجار الداكنة والطريق الترابي
كأنها في حاجة ماسة لرؤية سيارة تمر، أو سماع صوت هاتف يرن، أو أي دليل يربطها بالواقع الذي أعرفته.
وقف التاجر يتأمل يدها المرتعشة، ثم التفت إليها بنظرة هادئة متظاهراً الوقار.
قالت إيمان بصوت متهدج:
- "حضرتك... ممكن أسأل سؤال؟"
أومأ الرجل برأسه ببطء، وجذب أطراف عباءته الكتان:
- "تفضلي يا ابنتي."
أخذت نفسًا عميقاً،
ثم قالت بسرعة وكأنها تخشى أن تتبخر كلماتها من شدة الخوف:
- "هو... إحنا فين؟"
نظر إليها الرجل باستغراب، وانعقد حاجباه الشائبان:
- "في أطراف بلاد مصر."
رمشت إيمان عدة مرات، وهزت رأسها بغير اقتناع:
- "لا... أقصد المكان ده اسمه إيه؟
والمدينة فين؟ الشارع الرئيسي فين؟"
رد التاجر بنبرة جافة:
- "لا مدينة قريبة من هنا... أقرب قرية تبعد مسيرة ساعة على الأقدام."
حدقت فيه إيمان لثوانٍ، وساد الصمت إلا من حفيف
الأشجار.
ثم ضحت ضحكة قصيرة مرتبكة مليئة بالشك:
- "لا... أكيد حضرتك بتهزر صح؟ ده مقلب؟"
قطب الرجل جبينه بصرامة:
- "ولِمَ أمزح مع امرأة غريبة في الخلاء؟"
أشارت بيدها حولها في توتر وهستيرية تتصاعد:
- "يعني... فين العربيات؟ فين الطريق المرصوف؟ فين أعمدة الكهرباء؟ حتى شبكة الموبايل مش موجودة!"
سحبت حقيبتها الجلدية بلهفة، وأخرجت هاتفها الذكي بسرعة، وضغطت على زر التشغيل مراراً وتكراراً.
لكن الشاشة السوداء انعكست عليها كمرآة مظلمة دون أي استجابة.
هزته بعصبية وصاحت:
- "هو حتى البطارية قررت تموت دلوقتي؟! دي كانت خمسين في المية!"
راقبها الرجل بصمت مريب.
كان يتطلع إلى هذا الصفيح الأسود الصقيل بكثير من الدهشة والحذر، غير فاهم ماهية الشاشة التي تمسك بها وتعتصرها بين أصابعها.
رفع حاجبه وسأل بصوت ثقيل:
- "ما هذا الذي بيدكِ؟"
تجمدت إيمان للحظة.
نظرت إلى الهاتف المستطيل في يدها... ثم رفعت عينيها إليه:
- "ده... موبايل."
ظل التاجر صامتاً، وعيناه تنظران للقطعة الغريبة بتوجس.
أكملت وهي تحاول الشرح بقلة حيلة كمن يشرح التكنولوجيا لكائن من عالم آخر:
- "يعني... جهاز بنتكلم بيه مع الناس من بعيد.. بنجيب بيه شوية إشارات."
ازدادت حيرة الرجل وارتسم على وجهه خوف خفي:
- "أهو صندوق سحر؟"
تنهدت إيمان بيأس ووضعت الهاتف في حقيبتها وهي تمسح عرقاً بارداً عن جبهتها:
- "والله يا عم الحاج أنا نفسي مش فاهمة هو بقى إيه دلوقتي ولا إحنا فين أصلاً."
ساد الصمت لحظات ثقيلة بينهما.
ثم سألها الرجل بنبرة أكثر هدوءاً ومحاولة لاستدراجها:
- "من أين أقبلتِ يا فتاة؟ ومن أي الأقوام أنتِ؟"
رفعت إيمان يدها التي يلتف حول سبابتها الخخاتم الفضي،
وحجره العقيقي الأحمر الداكن يلمع تحت ضوء الشمس المائل للغروب:
- "أنا... أنا كنت في القاهرة... في سوق الأزبكية بنشتري حاجات أنا وصاحبتي."
أشار التاجر بإصبعه الغليظ إلى الخاتم، وتأمل فضته الثقيلة ونقوشه المتداخلة:
- "وهذا الخاتم؟"
ابتلعت ريقها وقالت بصوت خافت:
- "اشتريته... بخمسين جنيه من راجل عجوز."
صمت الرجل تماماً.
لم تفهم أذناه كلمة
"جنيه"، لكن عقله التقط صورة الخاتم الثمين وفستانها الحريري الناعم.
أما إيمان فأكملت دون أن تنتبه لغرابة كلماتها.
وهي تحاول بكل طاقتها استيعاب الكابوس:
- "أول ما لبسته في إيدي ولفيت ظهري... الدنيا لفت بيا وسقفت.. صحيت لقيت نفسي هنا وسط الأشجار دي! أنا عارفة إن الكلام يضحك ومش منطقي بالمرة... بس والله ده اللي حصل!"
اقتربت منه خطوة واحدة
وقد بدأت نبرة الرجاء والاستعطاف تسيطر على صوتها:
- "حضرتك... أنا مش مستوعبة أي حاجة. أنا كان عندي بيت... وأمي... وأختي... وشغلي في المستشفى... وفجأة لقيت نفسي في غابة مش عارفة أولها من آخرها."
التفتت حولها بعينين دامعتين، وقالت وهي تخنق العبرة:
- "هو أنا اتخطفت؟ ولا في برنامج مقالم؟ ولا أنا بحلم حلم عميق ومش عارفة أصحى منه؟"
لم تجد منه إجابة
بل ساد السكون
فهمس الرجل بصوت خافت وهو يتفحص اضطرابها:
- "وأين أهلكِ الآن؟"
خفضت رأسها بحزن يقطع القلب:
- "لو كنت أعرف... مكنتش سألتك."
ساد الصمت بينهما مجدداً.
كان التاجر يتأملها طويلًا.
ملابسها البيضاء الفاخرة التي لا مثيل لها، طريقة كلامها العجيبة باللهجة المصرية الغريبة
الهاتف السحري في حقيبتها
والخاتم الفضي الثقيل الذي يلمع في إصبعها.
ثم قال في سريرته ونفسه تحدثه بطمع الخبثاء:
(إما أنها فتاة فقدت عقلها وأصابها الهذيان... أو أنها ضلت طريقها من أرض بعيدة، ولا تملك أحداً يحميها أو يسأل عنها في هذه الديار).
وانزلقت ابتسامة خفية مكتومة إلى زاوية فمه بين ثنايا لحيته الكثيفة:
(وفي الحالتين... ستكون صيداً سهلاً وثميناً للغاية).
تظاهر التاجر بالنبل، ومسح على رأس ابنته الصغيرة التي أقبلت تمسك بجلبابه
ثم نظر إلى إيمان وقال بنبرة ملؤها العطف الزائف لجذب ثقتها:
- "لا تبتئسي يا ابنتي.. إن كنتِ تبحثين عن العجائب وتظنين أن في أمر هذا الخاتم سحراً، فإننا متوجهون إلى بلاد الشمال.. ديار العثمانيين، وهناك امرأة تدعى 'ياسمين غربانة'، ساحرة القسطنطينية المشهورة، قد تدلكِ على سر حاجتكِ إن كنتِ حقاً جئتِ من أرض لا نعرفها."
تسمرت عينا إيمان وذهبت منها الدموع لتعوضها لمعة أمل طفولية:
- "ساحرة؟ ياسمين غربانة؟ يعني ممكن تفهم السحر ده وترجعني بيتنا؟"
ابتسم التاجر بضيق أظهر بقايا أسنانه المتآكلة:
- "ربما.. سفينتنا ترسو على الشاطئ القريب وسننطلق مع غروب الشمس.. إن أردتِ، يمكنكِ القدوم معنا لعلها تدلكِ على حاجتكِ."
نظرت إليه طويلًا، ثم إلى الغابة من حولها.
لم تكن تعرفه...
لكنها أيضًا لم تكن تعرف أين تذهب.
هل تهرب؟ إلى أين؟
هل تبقى وحدها؟ ربما تموت قبل حلول الليل.
أغمضت عينيها لثوانٍ،
ثم همست بتردد: "ه... هاجي معاكم. بس لحد ما أفهم أنا فين."
وشعرت بأن الأقدار بدأت تفتح لها باباً للنجاة
غافلة تماماً عن عيون التاجر التي تفحصت الخاتم بمرارة وطمع.
تنحنح التاجر وهو ينظر إلى الشمس التي بدأت تميل نحو المغيب، ثم قال بنبرة هادئة:
- "لن يحسن بكِ الوقوف هنا يا ابنتي... فهذا الطريق تسلكه القوافل، وقد يمر به من لا يُؤمن جانبه. تعالي، سنسير إلى القرية أولًا."
ترددت إيمان، وشدت على حزام حقيبتها الجلدية حتى ابيضت مفاصل أصابعها.
ألقت نظرة خلفها إلى الغابة المترامية... ثم أمامها إلى الرجل وابنته الصغيرة.
لم تكن تثق به.
لكنها كانت تثق بالغابة أقل.
أطلقت زفرة طويلة وهمست لنفسها:
- "يا رب... استرها."
أومأت برأسها بخفة.
- "تمام... همشي معاكم."
ابتسم التاجر ابتسامة صغيرة، ثم أشار بيده إلى الطريق الترابي.
- "من هنا."
...
لم يمضوا سوى دقائق حتى بدأت الأشجار تتباعد شيئًا فشيئًا.
لتظهر أمامها بيوت منخفضة مبنية من الطين والحجارة، وأسقفها من جذوع الأشجار والقش.
تباطأت خطوات إيمان تلقائيًا.
حدقت في البيوت، ثم في الناس...
رجال يرتدون جلابيب طويلة خشنة، تتدلى عند خصورهم سكاكين قصيرة، وعمائم بألوان باهتة تلف رؤوسهم.
نساء بثياب فضفاضة داكنة، يغطين رؤوسهن بأقمشة سميكة، يحملن الجرار الفخارية فوق أكتافهن.
أطفال حفاة يركضون بين الأزقة الترابية وهم يضحكون، قبل أن يتوقفوا فجأة...
وينظروا إليها.
شعرت إيمان بعشرات العيون تستقر عليها في اللحظة نفسها.
تلفتت حولها بارتباك، ثم همست للتاجر:
- "هو... هو أنا فيا حاجة؟"
لم يجبها.
لكنها لاحظت أن امرأة كانت تملأ الماء من بئر توقفت عن عملها تمامًا
وأخذت تحدق في فستانها الأبيض المطرز.
ورجل عجوز رفع رأسه ببطء من فوق عربته الخشبية، وظل يرمق حقيبتها الجلدية بنظرة طويلة.
حتى الأطفال...
اقترب اثنان منهم بحذر، وكأنهما يشاهدان مخلوقًا غريبًا لم يرياه من قبل.
ابتلعت إيمان ريقها بصعوبة.
ثم نظرت إلى ملابسها...
الفستان الأبيض.
الحجاب الناعم.
الحذاء الرياضي الأبيض.
ثم عادت تنظر إلى أهل القرية.
ولأول مرة...
شعرت أنها هي الغريبة فعلًا.
همست لنفسها بصوت يكاد لا يُسمع:
- "يا نهار أبيض..."
ثم التفتت إلى التاجر، وسألته بتوتر:
- "هو... الناس كلها باصة عليَّ كده ليه؟"
نظر إليها نظرة قصيرة، ثم قال بهدوء:
- "لأنهم لم يروا في حياتهم امرأة ترتدي مثل ثيابك."
تجمدت في مكانها.
أعادت النظر إلى الوجوه المحيطة بها...
ولمحت الخوف، والفضول، والدهشة في أعين الجميع.
في تلك اللحظة، تسلل إلى قلبها شعور ثقيل لم تستطع مقاومته.
هذا ليس فيلمًا... ولا مقلبًا.
وهؤلاء الناس... لا يمثلون.
بدأت السماء تكتسي بلون الغروب البرتقالي الداكن.
كانت إيمان تسير بخطوات متعبة ولكن يملؤها الأمل بجوار التاجر وابنته الصغيرة.
متجهة نحو شاطئ البحر حيث تتمايل السفينة الخشبية الضخمة وسط المياه.
نظرت إيمان إلى قرص الشمس الغارب في الأفق، وتنهدت في سرها:
- "مسافة السكة.. هروح للست غربانة دي، ترجعني لزمَني وأرجع بيتنا أكل محشي وأنسى اليوم المترب ده!"
---
بدأت رائحة البحر تتسلل إلى أنف إيمان قبل أن تراه.
كان الهواء أكثر برودة، يحمل معه رطوبة مالحة، وصوت ارتطام الأمواج بالشاطئ يعلو شيئًا فشيئًا.
وما إن تجاوزوا آخر البيوت الطينية، حتى اتسعت عيناها بدهشة.
على امتداد الساحل، كانت ترسو سفينة خشبية ضخمة، ترتفع صواريها العالية في السماء.
وتتدلى منها أشرعة مطوية بلون العاج، بينما يتحرك حولها رجال أشداء يحملون الصناديق والأكياس فوق أكتافهم.
توقفت إيمان تلقائيًا.
حدقت في السفينة طويلًا، ثم همست لنفسها:
- "يا نهار... دي أكبر سفينة شفتها في حياتي."
التفت إليها التاجر وقال بهدوء:
- "هي سفينة القافلة التي ستقلنا إلى الشمال."
هزت رأسها ببطء، ثم تابعت السير وهي تحاول استيعاب كل ما تراه.
لم يكن هناك صوت لمحركات... ولا أضواء... ولا أرصفة إسمنتية كما اعتادت.
كل شيء بدا قديمًا بصورة يصعب تصديقها.
وصلوا إلى المرسى الخشبي، حيث وقف عدد من البحارة بملابس خشنة ووجوه لفحتها الشمس.
وما إن وقعت أعينهم على إيمان حتى خفتت أصواتهم للحظة.
تبادلت عدة نظرات صامتة بينهم، قبل أن يشيحوا بأبصارهم سريعًا.
شعرت إيمان بانقباض في صدرها.
ربما لو رأت هي شخصًا يرتدي ثيابًا من عصر آخر، لحدقت فيه أيضًا.
تنهدت، ثم وضعت قدمها على اللوح الخشبي الموصل إلى السفينة.
أصدر الخشب صريرًا خافتًا تحت وزنها.
شعرت بقشعريرة غريبة تسري في جسدها.
وقفت للحظة، ثم التفتت إلى الشاطئ خلفها.
الغابة البعيدة...
القرية الصغيرة...
كل شيء بدا غريبًا... لكنه أصبح الآن أبعد من أن تعود إليه.
أغمضت عينيها لثانية وهمست:
- "يا رب... لو ده امتحان... قوّيني."
ثم أكملت صعودها.
وقف التاجر خلفها يراقبها وهي تعبر إلى سطح السفينة.
ولأول مرة منذ التقيا...
ارتسمت على شفتيه ابتسامة قصيرة، سرعان ما أخفاها قبل أن يلحظها أحد.
أما ابنته الصغيرة، فظلت تنظر إلى إيمان بعينين حزينتين، وكأنها أرادت أن تقول لها شيئًا...
لكنها اكتفت بخفض رأسها في صمت.
وبينما كانت السفينة تستعد لرفع الأشرعة مع آخر خيوط الغروب...
لم تكن إيمان تعلم...
أنها لم تخطُ إلى وسيلة سفر...
بل خطت أول خطوة في طريق سيقودها إلى مصير لم يخطر لها على بال.
ولم تكن تعلم أن هذه السفينة التي تتجه بها نحو ديار أحفاد القسطنطينية... ليست سوى رحلة ستنتهي بها في سوق العبيد...
.............................
بداية جديدة لرواية جديده ✍️
Emy Emy