لم يكن اهتزاز السفينة مع أمواج البحر هو ما يقض مضجع إيمان، بل تلك البرودة المريبة التي تسللت إلى صدرها.
كانت تجلس في زاوية معتمة على السطح الخشبي، تلتف حول نفسها وحقيبتها بين أحضانها.
عيون البحارة والركاب لم تكن تفارقها، نظراتهم لم تكن مجرد دهشة من ملابسها
بل كان فيها شيء أكثر ظلمة... طمع مبطن وخوف مجهول.
حاولت إيمان النوم لتهرب من هذا الشعور الثقيل، لكن أصوات التهامس القريبة أثارت ريبتها.
تسللت بحذر خلف بعض الصناديق الخشبية العالية لتستمع إلى التاجر وهو يتحدث بصوت خافت مع أحد الرجال ذوي الوجوه القاسية.
"تلك الفتاة... هل أنت متأكد أن أحداً لن يسأل عنها؟"
سأل الرجل الغريب وهو يمسح سيفه القصير.
ضحك التاجر بنبرة خبيثة خالية من الرحمة:
"لا أحد إطلاقاً! إنها مهبولة، عقلها طار وتتحدث بكلمات مجنونة عن أشياء لا وجود لها. زاعمة أنها جاءت من مكان مجهول، وتملك هذا الصندوق الأسود المظلم. بيعها كأمة في سوق العبيد سيكون أسهل شيء، فلن يصدق أحد هذيانها ولن تجد من يدافع عنها."
اتسعت عينا إيمان وتجمد الدم في عروقها.
صدمة الغدر جعلت أنفاسها تتلاحق. "سوق العبيد؟! يبيعوني؟!"
همست لنفسها برعب وهي تتراجع للوراء بخطوات ميتة.
بمجرد أن رست السفينة على اليابسة مع تباشير الصباح الأولى، واختلطت الجلبة بين المسافرين والبائعين، استغلت إيمان لحظة انشغال التاجر بتفريغ بضاعته.
سحبت حقيبتها بقوة وانطلقت بأقصى سرعتها، تخترق الميناء القديم نحو الأشجار الكثيفة الظاهرة في الأفق،
فارّةً بحريتها قبل أن يدركوا اختفاءها.
...
ركضت حتى تقطعت أنفاسها ودخلت في عمق الغابة.
توقفت وهي تتكئ على جذع شجرة عملاقة، تلهث بشدة والعرق يبلل وجهها.
رفعت يدها ونظرت إلى الخاتم الفضي المتوهج بحجره العقيقي، وغليان الغضب يحرق صدرها:
"كل ده بسببك أنت! يا شيخ إلهي تنكسر! قال خمسين جنيه قال.. دي كانت أغلى خمسين جنيه في حياتي!"
وبدون تفكير، سحبت الخاتم بإصبعها ونزعته بغيظ شديد، ثم قذفته بأقصى قوتها بين الأعشاب والأشجار الكثيفة!
تنهدت بحنق وهي تمسح وجهها: "بلا سحر بلا قرف.. هكمل في الغابة دي وأتصرف بنفسي."
لكن سوء الحظ لم يكتَفِ بذلك.
فجأة، سمعت حفيفاً عصبياً بين الأعشاب البرية. التفتت ببطء لتجد ثعلباً برياً جائعاً، يخرج من بين الأغصان،
يشرئب بعنقيه وعيناه الماكرتان تتفرسان فيها، مبرزاً أنيابه بصوت هسيس مخيف.
تراجعت إيمان خطوة، وابتلعت ريقها:
"يا كابتن.. اهدى كدة، أنا ممرضة على فكرة، يعني زميلة في المجال الطبي.. متعملش حاجة تندم عليها!"
زمجر الثعلب وقفز نحوها، لتنطلق إيمان بصرخة مدوية هزت الغابة، وتأخذ أرجُلها للريح ركضاً بأقصى ما تمتلك من قوة.
كانت تجري والفستان الأبيض يتقطع من اسفله بفعل الاغصان الشائكه، والثعلب يطاردها عن قرب.
"يا لهوييييي! الحقونيييي!"
وفي ذروة رعبها وجريها الهستيري، لم تنتبه للرجل الضخم الذي كان يقف في ممر الغابة.
اصطدمت بصدره الصلب كأنه جدار من الإسمنت، لترتد للتقيؤ وتلتصق بعباءته وهي تنتفض من الخوف، متمسكة بذراعه بقوة:
"لحقني وحياة أهلك! ثعلب! ثعلب هيأكلني يا كابتن! اتصرف!"
وقف الجندي بثبات المترجل
مرتدياً درعاً جلدياً وحزاماً يحمل سيفاً مقبضه من النحاس الصقيل.
نظر إليها بنظرة هادئة مستغربة، ثم استل سيفه بلمحة عين وخطا خطوة للحيوان.
بمجرد أن رأى الثعلب هيئة الجندي وسيفه اللامع، تراجع بذعرة وفر هرباً بين الأشجار.
تنقست إيمان الصعداء، وجلست على ركبتيها للقط أنفاسها:
"الحمد لله.. شكراً يا بطل، والله كنت هبقى وجبة غداء سريعة."
وفجأة، توقفت إيمان عن الكلام.
التفتت خلفها ونظرت نحو الطريق الذي جاءت منه... سريان الندم بدأ يأكل قلبها.
"استني كدة.. أنا رميت الخاتم؟ طب ما هو الوسيلة الوحيدة اللي جابتني هنا!
يمكن لو لبسته تاني أو عملت بيه أي حاجة يرجعني لعصري! أنا إيه الهبل اللي عملته ده؟!"
قامت بسرعة، ووجهت كلامها للجندي الذي كان يتابع تحركاتها الغريبة بذهول:
"شكراً يا كابتن، خدمة جليلة والله.. عن إذنك بقى!"
ركضت إيمان عائدة للمكان الذي قذفت فيه الخاتم،
وتبِعها الجندي بخطوات هادئة من بعيد، واقفاً يستند إلى إحدى الأشجار،
يراقبها بعينين ملؤهما الاستغراب الشديد؛ امرأة بملابس حراير بيضاء غريبة، ومجهدة، تجثو على أربعه وتفتش التراب بحرقة!
"أنتِ.. عن ماذا تبحثين في التراب؟"
سأله الجندي بنبرة ثقيلة ومستغربة.
التفتت إليه إيمان وهي تنفض الطين عن يديها وقالت بحدة وضيق:
"مالكش فيه يا عم! امشي أنت في طريقك وشكراً على المساعدة!"
لكن الجندي لم يتحرك، ظل واقفاً يراقبها وهي تجثو وتقلب بين الأعشاب والحجارة.
تمر الدقائق، والشمس تبدأ في رحلة المغيب، وإيمان تبحث دون جدوى.
في النهاية، انهارت قواها
وجلست على الأرض بصعوبة وهي تضرب بكفيها على ركبتيها وندب حظها بصوت عالٍ:
"يا حوستك يا إيمان! يا خيبتك التقيلة! طيرتي الخاتم بيديكِ! هتقعدي في الشارع كدة؟ لا طايقة ماضي ولا طايلة مستقبل!"
خطا الجندي نحوها، وسألها بصرامة هادئة:
"يا فتاة.. ما الذي أضاع منكِ وجعلكِ بهذه الحالة؟"
رفعت إيمان رأسها، ونظرت إليه بتعب.
تذكرت كلام التاجر وقررت ألا تذكر أي شيء عن المستقبل أو السفر عبر الزمن حتى لا يعتبرها مجنونة هي الأخرى.
قالت بنبرة يملؤها الأسى والصق:
"كنت مسافرة.. والتاجر الخاين اللي كنت معاه اتضح إنه عاوز يبيعني في سوق العبيد! هربت منه بالعافية وجريت في الغابة دي.. ومفيش معايا مليم أصفر، وكان حيلتي خاتم فضة قيم، رميته هنا في لحظة غضب.. كنت محتاجاه عشان أبيعه وألاقي أكل ولا مكان ألم نفسي فيه بدل القعدة في الشارع!"
تأملها الجندي لبرهة.
صدق الخوف والضياع في عينيها.
مد يده إلى جرابه النحاسي وأخرج بضع قطع نقدية فضية وذهبيه، ومدها نحوها:
"خذي هذه.. ستكفيكِ لبعض الوقت."
نظرت إيمان إلى الفلوس في يده، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه من فوق لتحت بنظرة اعتزاز بالنفس رغم ظروفها، وقالت وهي ترفض يده:
"لا يا سيدي شكراً، أنا مش باخد حسنة من حد."
ثم ابتسمت بسخرية خفيفة وقالت:
"بدال ما تديني فلوس.. تعالى أنت يا بطل كمال الأجسام ده وساعدني ألاقيه! إيد لوحدها متسقفش!"
تنهد الجندي بقليل من الحيرة أمام طريقة كلامها الغريبة وإصرارها.
لكنه انحنى وبدأ يساعدها في تقليب الأعشاب والتفتيش بين الحجارة.
ظلا يبحثان لدقائق حتى غطت ألوان الغروب البرتقالية الداكنة السماء.
ودخلت الغابة في ظلمة خفيفة، دون أن يظهرا بأي أثر للخاتم.
وقف الجندي، ونفض يديه وقال بنبرة حاسمة:
"لا أثر له.. والليل قد دنا، والسيئة في هذه الغابة عند الظلام لا تؤمن. أضع هذه النقود هنا..."
وضع الصرة النقدية على صخرة قريبة بجوارها، ثم نظر إليها وقال بجدية:
"من الأفضل لكِ أن تتركي هذا البحث وتذهبي للبحث عن مكان يؤويكِ قبل أن تحل الظلمة كاملة."
التفت الجندي ومشى بخطوات واثقة بين الأشجار راجعاً إلى طريقه.
تاركاً إيمان تجلس بمفردها تنظر إلى النقود على الصخرة، ثم إلى المساحة المظلمة حولها...
انسحب آخر خيط من ضوء الشمس خلف قمم الأشجار الكثيفة، لتغرق الغابة في ظلال موحشة لا يقطعها إلا صوت الحشرات وحفيف الأوراق.
وقفت إيمان أمام الصخرة التي ترك عليها الجندي صرّة النقود، تحدّق إليها طويلًا.
كانت كلماته ما تزال تتردد في رأسها.
"خذيها... ستكفيك لبعض الوقت."
تنهدت بضيق، ثم انحنت والتقطت الصرّة بين يديها.
ما إن ارتطمت القطع المعدنية ببعضها حتى دوّى رنينها الخافت في أذنيها، كأنه يطمئنها بأن الأمل لم يمت بعد.
هزّت رأسها وهي تتمتم :
"يعني لو فضلت قاعدة هنا، أول حاجة هتموتني مش الوحوش... ده الناموس والدبان. يلا يا إيمان... اتحركي."
شدّت على الصرّة، وسلكت الطريق الحجري المؤدي إلى البلدة التي كانت تلوح أضواؤها من بعيد.
كل خطوة كانت تبعدها عن الغابة، وتقربها من عالم
جديد لا تعرف عنه شيئًا.
بدأت المشاعل المعلقة على الجدران الحجرية تضيء الطريق، واختلطت رائحة الخبز الساخن برائحة اللحم المشوي والتوابل.
ازدحم المكان بالباعة، وصيحات المنادين، وعربات الخيول، والناس بملابس لم ترَ مثلها إلا في الأفلام التاريخية.
وقفت إيمان وسط الزحام تدور بعينيها في كل اتجاه.
همست لنفسها:
"أنا... بجد في القسطنطينية."
ثم أضافت وهي تضحك بسخرية:
"لو حد قالي من أسبوع إن ده هيحصل، كنت هقوله روح اكشف."
لكنها سرعان ما تذكرت التاجر... وسوق العبيد...
فتلاشت ابتسامتها.
كل ما كانت تحتاجه الآن...
مكان تنام فيه بأمان.
بعد أن سألت أكثر من شخص، واستعانت بالإشارة أكثر من الكلام، دلها رجل مسن على دار صغيرة للمبيت تستقبل المسافرين.
كان البناء متواضعًا، من طابقين، تتدلى أمام بابه فانوس نحاسي يرقص ضوؤه مع الريح.
دفعت الباب الخشبي بحذر.
استقبلتها حرارة الموقد، ورائحة الحطب.
ورفعت امرأة ممتلئة في منتصف العمر رأسها من خلف المنضدة، لتحدق في إيمان من رأسها حتى أخمص قدميها.
كانت نظرتها تقول بوضوح:
"ما هذا الذي ترتديه؟"
ابتسمت إيمان ابتسامة متوترة.
"لو سمحت... ينفع أبيت هنا الليلة؟"
حدقت المرأة فيها لحظة، ثم قالت بالفصحى:
"إن كنتِ تملكين الأجرة."
رمشت إيمان.
"...ها؟"
أعادت المرأة كلامها ببطء.
التفتت إيمان حولها ثم قالت في نفسها:
"إيه ده... حتى العربي عندهم محتاج ترجمة."
أخرجت الصرة، وأشارت إلى النقود.
ابتسمت المرأة هذه المرة.
"حسنًا."
دفعت إيمان بعض القطع الفضية، فأعطتها مفتاحًا خشبيًا.
"الغرفة العليا... جهة اليمين."
تنهدت إيمان براحة.
"الحمد لله... أخيرًا."
ما إن دخلت الغرفة حتى أغلقت الباب بإحكام.
ألقت حقيبتها على الأرض.
ثم ارتمت فوق الفراش.
كان قاسيًا، وخشنًا، لكنه بدا بالنسبة إليها أفخم سرير في العالم.
حدقت طويلًا في السقف الخشبي.
ثم همست:
"أنا رسميًا... بقيت عايشة في العصور الوسطى."
ولأول مرة منذ انتقالها...
نامت دون أن تشعر.
....
تسللت أشعة الشمس الذهبية من النافذة الصغيرة.
لتوقظ إيمان على أصوات أواني النحاس في الطابق السفلي، وصياح الديكة القادم من بعيد.
فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت جالسة وهي تنظر حولها.
ظلّت لثوانٍ تحدق في الجدران الحجرية والسقف الخشبي، قبل أن تضرب جبينها بكفها.
"آه... صح."
تنهدت.
"مش حلم."
غسلت وجهها بالماء البارد الموجود في الإبريق الفخاري، ثم هبطت إلى قاعة الطعام.
كان المكان يعج بالمسافرين؛ تجار، ورحالة، وبعض الجنود.
اختارت طاولة في أحد الأركان وجلست وحدها.
وضعت أمامها قطعة خبز وكوبًا من اللبن، لكنها ظلت تقلبهما بشرود.
"أبدأ منين؟ أدور على الساحرة؟ ولا على الخاتم؟ ولا حتى أعرف أنا فين أصلًا؟"
قطع أفكارها صوت رقيق جاء من جوارها.
- "أأجلس هنا؟ يبدو أن بقية الطاولات قد امتلأت."
رفعت إيمان رأسها.
وقفت أمامها فتاة في مثل عمرها تقريبًا.
ترتدي عباءة زرقاء بسيطة، وحجابًا أبيض ناصعًا، وعلى كتفها حقيبة جلدية صغيرة بدت كثيرة الاستعمال.
لكن أكثر ما شد انتباه إيمان...
ابتسامتها.
كانت دافئة... مريحة... تشبه ابتسامة شخص تعرفه منذ سنوات.
ابتسمت إيمان تلقائيًا.
"آه طبعًا... اتفضلي."
جلست الفتاة وهي تقول بلطف:
- "بارك الله فيكِ."
رمشت إيمان.
ثم همست لنفسها:
"هو أنا هحتاج مترجم عشان أعيش هنا؟"
مدّت الفتاة يدها.
"أنا فاطمة."
صافحتها إيمان.
"إيمان."
مالت فاطمة قليلًا وهي تتأملها.
"أراكِ غريبة عن هذه البلاد."
نظرت إليها إيمان باستغراب.
"يعني... إيه؟"
أشارت فاطمة إلى ثوبها الأبيض.
"ثيابكِ... وطريقة حديثكِ... بل حتى نظراتكِ لكل شيء."
ضحكت إيمان.
"يعني انكشفنا من أول يوم؟"
ابتسمت فاطمة دون أن تفهم.
"عفوًا؟"
وضعت إيمان يدها على وجهها.
"نسيت..."
ثم أشارت إلى نفسها وقالت ببطء:
"أنا... مش... من... هنا."
أضاء الفهم وجه فاطمة.
"آه! لهذا بدا كلامكِ مختلفًا."
ابتسمت إيمان.
"الحمد لله... أخيرًا حد فهم."
ضحكت فاطمة.
"لهجتكِ لطيفة... لكنها غريبة."
رفعت إيمان حاجبها.
"لطيفة؟ دي أول مرة حد يقول كده."
ثم أضافت ضاحكة:
"في بلدي بيقولوا عليا رغاية."
توقفت فاطمة.
"ما معنى... رغاية؟"
ضحكت إيمان حتى كادت تختنق.
"يعني... بتكلم كتير."
ابتسمت فاطمة.
"إذن الكلمة تناسبكِ."
وضعت إيمان يدها على صدرها بتمثيل.
"إيه الخيانة السريعة دي!"
رمشت فاطمة باستغراب.
"خيانة؟"
لوّحت إيمان بيدها.
"ولا حاجة... دي نكتة."
لم تمضِ سوى دقائق حتى بدأ الحديث بينهما ينساب بسهولة.
قالت فاطمة:
"أنا أحب السفر كثيرًا."
"بجد؟"
"نعم. أنتقل مع قوافل الرحالة بين المدن. كل مدينة تحمل حكاية مختلفة."
ابتسمت إيمان بإعجاب.
"الله... يعني إنتِ مرشد سياحي."
قطبت فاطمة حاجبيها.
"مرشد... ماذا؟"
ضحكت إيمان.
"سيبك... قصدي إنكِ بتلفّي كتير."
هزت فاطمة رأسها مبتسمة.
- "هذا صحيح."
ثم سألتها:
"وأنتِ؟"
تجمدت ابتسامة إيمان للحظة.
"أنا..."
خفضت بصرها.
"ضاع مني الطريق."
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت فاطمة بلطف:
"إذن سنجده."
رفعت إيمان رأسها إليها.
كانت الجملة بسيطة...
لكنها لامست شيئًا في قلبها.
بعد الإفطار..
قالت فاطمة فجأة:
"هل خرجتِ لترَي السوق؟"
هزت إيمان رأسها.
"لسه."
ابتسمت فاطمة.
"إذن تعالي معي."
اتسعت عينا إيمان.
"بجد؟"
"ولِمَ لا؟"
ابتسمت إيمان بحماس.
"يلا بينا."
خرجتا معًا إلى السوق الكبير.
ولم تمضِ سوى دقائق حتى توقفت إيمان فجأة أمام بائع فاكهة.
أشارت إلى ثمرة مستديرة صفراء.
"دي مانجة؟"
نظر البائع إليها باستغراب شديد.
ثم تكلم بالفصحى بسرعة.
التفتت إيمان إلى فاطمة.
"هو قال إيه؟"
كتمت فاطمة ضحكتها.
"يقول إنها ليست مانجة."
"أمال إيه؟"
"سفرجل."
تنهدت إيمان.
"هو حتى الفاكهة مختلفة!"
ضحكت فاطمة لأول مرة بصوت مرتفع.
ومنذ تلك اللحظة...
بدأت صداقة لم تكن أيٌّ منهما تعلم كيف ستنتهي.
--
كان السوق الكبير أشبه بخلية نحل لا تهدأ.
تتزاحم الدكاكين على جانبي الطريق،
وتتعالى أصوات الباعة، بينما تمتزج رائحة العطور الشرقية بالتوابل والخبز الساخن.
كانت إيمان تسير ببطء، تدير رأسها يمينًا ويسارًا بانبهار طفلة دخلت مدينة ألعاب لأول مرة.
ثم همست وهي تنظر حولها:
"أنا لو معايا موبايل دلوقتي كنت صورت كل حتة هنا."
التفتت إليها فاطمة.
"ما هو... الموبايل؟"
تجمدت إيمان لثانية.
ثم ابتسمت ابتسامة واسعة.
"ده..."
فكرت قليلًا.
"...حمامة."
رفعت فاطمة حاجبها.
"حمامة؟"
"آه... حمامة سحرية."
ازدادت حيرة فاطمة.
"بتشيل الصور."
ظلت فاطمة تحدق بها لثوانٍ.
ثم قالت وهي تهز رأسها:
"أحيانًا لا أعلم إن كنتِ تمزحين... أم أنكِ عشتِ حياة أغرب من الأساطير."
ضحكت إيمان وهي تربت على كتفها.
"ولا أنا عارفة."
واصلتا السير...
وفجأة...
توقفت إيمان مكانها.
اتسعت عيناها وهي تشير بحماس إلى أحد محال الثياب.
"يا بنت... استني!"
سحبت فاطمة من يدها قبل أن تفهم ما يحدث.
كان أحد الباعة قد علق عشرات الأثواب والقمصان الملونة أمام متجره.
تقدمت إيمان بسرعة، وأمسكت بثوب أزرق مطرز بخيوط فضية.
قربته من نفسها أمام مرآة نحاسية صغيرة.
ثم ابتسمت.
"الله!"
نظرت إليها فاطمة.
"لقد أعجبك؟"
"ده تحفة."
ثم قلبت البطاقة الخشبية الصغيرة المعلقة به.
وما إن عرفت الثمن حتى شهقت.
"إيه ده!"
نظرت إليها فاطمة باستغراب.
"غالٍ؟"
وضعت إيمان يدها على قلبها.
"ده بالثمن ده و لو حسبناها بسعرهم ..اما بسعري أجيب شقة في شبرا."
توقفت.
ثم أغمضت عينيها.
"لا... سيبك... مش هتفهمي."
ضحكت فاطمة.
اقترب البائع وهو يبتسم.
ثم قال بالتركيه:
"هل وقع اختيار السيدتين على هذا الثوب؟"
التفتت إيمان إلى فاطمة فورًا.
"بيقول إيه؟"
ابتسمت فاطمة.
"يسأل إن كنتِ تريدين شراءه."
هزت إيمان رأسها.
"قولي له آه... بس بالسعر ده؟ مستحيل."
ترجمت فاطمة كلامها بأدب.
ابتسم البائع بثقة.
"هذا من أجود الأقمشة، وسعره لا يقبل المساومة."
ابتسمت إيمان ابتسامة جانبية.
"آه... بدأنا."
ثم اقتربت من الثوب، ورفعته في الهواء، وهزته بخفة.
"بصي يا فاطمة..."
ثم همست لها.
"قولي له... القماش ده لو جه عليه دور برد هيعتذر ويمشي."
حدقت بها فاطمة.
"أقول له... ماذا؟"
ضحكت إيمان.
"ترجميها بمعنى محترم."
تنهدت فاطمة.
ثم التفتت للبائع.
"تقول... إن القماش خفيف بعض الشيء."
نظر البائع إلى الثوب كأنه أُهين شخصيًا.
"بل هو ناعم وفاخر."
رفعت إيمان إصبعها.
"قولي له..."
ثم خفضت صوتها.
"أنا زبونة غلبانة."
ابتسمت فاطمة وهي تترجم.
رد البائع:
"ونحن لا نظلم أحدًا."
ابتسمت إيمان بانتصار.
"أهو... يعني هينزل."
قالت فاطمة وهي تضحك:
"لم يقل ذلك."
"هيقوله."
ثم وضعت إيمان كفيها على الطاولة.
"قولي له...
أنا هشتري الثوب... وهدعيله كل ليلة."
كادت فاطمة تنفجر ضاحكة.
"وهل هذه وسيلة للمساومة؟"
"طبعًا."
"وهل تنجح؟"
"في مصر... ساعات."
تنهدت فاطمة.
ثم ترجمت المعنى بطريقة ألطف.
ضحك البائع هذه المرة.
وقال وهو يهز رأسه:
"لسانها خفيف."
سألت إيمان بسرعة:
"قال إيه؟"
ابتسمت فاطمة.
"يقول إنكِ... كثيرة الكلام."
وضعت إيمان يدها على صدرها.
"ده بيمدحني ولا بيعايرني؟"
"أظنه يفعل الأمرين معًا."
ضحكتا معًا.
وفي النهاية...
تنهد البائع مستسلمًا.
ثم خفض السعر قليلًا.
قفزت إيمان من الفرحة.
"أنا كنت عارفة!"
ثم أشارت إلى فاطمة.
"شوفتي؟ دي اسمها خبرة ستات."
قالت فاطمة وهي تضحك:
"بل اسمها أنكِ أتعبتِ الرجل حتى استسلم."
ناولها البائع الثوب.
فأخذته إيمان وهي ترفعه عاليًا.
"الحمد لله...
أول انتصار ليا في القسطنطينية."
ضحكت فاطمة حتى دمعت عيناها.
ثم أمسكت بيد إيمان.
"هيا... قبل أن تغيّري رأيك وتفاوضيه على ثمن الدكان كله."
ضحكت إيمان بصوت مرتفع وهي تسير معها بين أزقة السوق.
......
غادرتا السوق وقد امتلأت يدا إيمان بالأكياس الصغيرة.
كانت تنظر إلى الثوب الجديد كل بضع خطوات، ثم تبتسم لنفسها بسعادة.
قالت وهي تضم الكيس إلى صدرها:
"والله يا فاطمة... أنا حاسّة إني رجعت بني آدمة."
ابتسمت فاطمة.
"الثياب تغيّر حال المرء أحيانًا."
هزّت إيمان رأسها.
"لا... مش الثياب."
نظرت إليها فاطمة باستفهام.
ابتسمت إيمان ابتسامة صادقة.
"وجود حد معايا."
ساد الصمت للحظات.
خفضت فاطمة بصرها، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"وأنا أيضًا سررت بصحبتك."
---
وبينما كانتا تعبران أحد الأزقة، مرّ موكب صغير من الفرسان.
ابتعد الناس إلى جانبي الطريق احترامًا لهم.
أما إيمان...
فظلت واقفة في منتصف الطريق تحدق في الدروع اللامعة بانبهار.
همست:
"الله... دول عاملين زي اللي في المسلسلات."
شدّت فاطمة ذراعها بسرعة.
"ابتعدي!"
وقبل أن تستوعب إيمان، كانت قد سُحبت إلى جانب الطريق.
مرّ أحد الفرسان بجوارهما، ونظر إليهما نظرة سريعة ثم أكمل طريقه.
تنفست فاطمة الصعداء.
أما إيمان فقالت متعجبة:
"إيه ده؟ أنا كنت هتصور معاهم."
رمشت فاطمة.
- " تت... ماذا؟"
ضحكت إيمان.
"ولا حاجة."
ثم نظرت إلى الفرسان.
"بس بصراحة... الجندي اللي قابلته في الغابة كان أوسم."
التفتت إليها فاطمة فجأة.
- "أي جندي؟"
انتبهت إيمان لنبرة الاهتمام.
"آه... واحد أنقذني من ثعلب."
"وهل تعرفين اسمه؟"
"لأ."
"ومن أي كتيبة كان؟"
رفعت إيمان كتفيها.
"هو أنا كنت هطلب بطاقته الشخصية؟"
نظرت إليها فاطمة باستغراب.
"بطاقة... ماذا؟"
ضربت إيمان جبهتها بخفة.
"نسيت... سيبك."
ضحكتا، لكن...
للحظة قصيرة جدًا...
بدت على وجه فاطمة ملامح تفكير عميق، قبل أن تعود ابتسامتها كما كانت.
---
مع اقتراب المساء، وصلتا إلى الميناء.
كانت السفن الخشبية تتمايل بهدوء فوق الماء، بينما كان البحارة يفرغون البضائع القادمة من البلاد البعيدة.
وقفت إيمان مبهورة.
"هو ده البحر؟"
ابتسمت فاطمة.
"ألم تري البحر من قبل؟"
ابتسمت إيمان بحنين.
"شوفته...بس..."
توقفت.
"كان مختلف."
نظرت إليها فاطمة.
"كيف؟"
تنهدت إيمان.
"كان فيه سفن حديد... أكبر من البيوت."
ضحكت فاطمة.
"تبدعين في الحكايات."
ابتسمت إيمان بحزن.
"نفسي أكون بحكي."
---
جلستا على حافة الرصيف الحجري.
كان النسيم باردًا، والشمس توشك على الغروب.
قالت فاطمة فجأة:
"إيمان..."
"همم؟"
"هل لكِ أحد في هذه البلاد؟"
هزّت رأسها.
"لأ."
"ولا قريب؟"
"لأ."
"ولا من يعرفك؟"
ابتسمت إيمان.
"إنتِ."
ابتسمت فاطمة هي الأخرى.
لكنها سألت سؤالًا آخر.
"إذن... إن أصابك مكروه، فلن يبحث عنك أحد؟"
توقفت إيمان لحظة.
ثم ضحكت وهي تلوح بيدها.
"ولا حتى الحكومة."
ضحكت فاطمة.
أما في داخلها...
فقد كانت تحفظ كل إجابة بعناية.
---
في طريق العودة، مرّتا بجانب عجوز يبيع خرائط قديمة.
توقفت إيمان فجأة.
"استني..."
اقتربت من الرجل.
ثم أشارت إلى جزء من الخريطة.
"إحنا هنا؟"
نظر إليها العجوز باستغراب.
ثم أجاب بالفصحى.
لم تفهم إيمان حرفًا.
التفتت إلى فاطمة.
"ترجمي."
ابتسمت فاطمة.
ثم بدأت تشرح لها أسماء المدن والطرق.
وأثناء الشرح...
توقفت إصبعها فوق منطقة بعيدة تحيط بها الجبال.
قالت بهدوء:
"هنا... يقول الناس إن الساحرة غربانة تسكن."
اتسعت عينا إيمان.
"بجد؟"
أومأت فاطمة.
"لكن لا أحد يعود إن ذهب إليها."
ابتسمت إيمان بثقة.
"يبقى لازم أروح."
نظرت إليها فاطمة طويلًا.
ثم قالت بهدوء غريب:
"نعم..."
"...ستذهبين."
قالتها وهي تبتسم...
---
ابتسمت إيمان وهي تهز كتفيها بلا مبالاة.
"أهو... لما أوصل أبقى أبعتلك جواب."
رمشت فاطمة.
"جواب؟"
ضحكت إيمان وهي تلوح بيدها.
"ولا دي كمان لسه مخترعوهاش؟"
ضحكت فاطمة، وهزت رأسها باستسلام.
"أظنكِ جئتِ من مدينة لا تشبه مدن البشر."
وضعت إيمان يدها على صدرها بفخر.
"أهو أخيرًا حد حس بعظمتي."
ضحكتا معًا، ثم واصلتا السير بين الأزقة المزدحمة.
---
منذ ذلك اليوم، أصبحتا لا تفترقان.
كانت فاطمة توقظ إيمان كل صباح قبل شروق الشمس، فتظل تناديها من خلف الباب:
"إيمان... لقد أشرقت الشمس."
فيأتيها صوت إيمان الناعس من الداخل:
"قوليلها تستناني ربع ساعة."
تضحك فاطمة وهي تطرق الباب مرة أخرى.
"وهل تنتظر الشمس أحدًا؟"
فتجيبها إيمان بتثاؤب:
"لو بتحبني... هتستنى."
فتنفجر فاطمة ضاحكة وهي تتمتم:
"ما أعجب هذه الفتاة!"
---
كانت فاطمة تعرف المدينة كأنها تحفظ خطوط كفها.
تأخذ إيمان يومًا إلى سوق العطارين، ويومًا إلى سوق الورّاقين، ويومًا آخر إلى الميناء.
وفي كل مكان...
كانت إيمان تثير موقفًا يبعث على الضحك.
---
وفي أحد الأيام، مرّتا أمام رجل يصنع الحلوى.
كان يسكب العسل الساخن فوق رقائق رقيقة من العجين.
اتسعت عينا إيمان.
"يا خبر... ده بيعمل قطايف!"
نظر الرجل إليها باستغراب، وأجابها بجملة طويلة لم تفهم منها حرفًا.
التفتت فورًا إلى فاطمة.
"المترجمة... لو سمحتي."
ابتسمت فاطمة.
"يقول إن هذه ليست قطائف."
عقدت إيمان ذراعيها.
"أمال اسمها إيه؟"
ترجمَت فاطمة السؤال.
ابتسم الرجل مجيبًا.
ثم التفتت إليها فاطمة وقالت:
"اسمها... الرقاق بالعسل."
هزت إيمان رأسها بثقة.
"يعني قطايف."
"ليست قطائف."
- "هي قطايف."
"ليست."
"طيب... قطايف بنت عمها."
نظرت لها فاطمه بصدمه لا تفهم اي شيئ منها، بينما ظل الرجل ينظر إليهما في حيرة،.
---
اشترت إيمان قطعة صغيرة، وما إن تذوقتها حتى أغمضت عينيها باستمتاع.
"يا سلام!"
ثم أشارت إلى الرجل.
"قولي له... تسلم إيدك."
ترجمت فاطمة الجملة.
ابتسم الرجل بفخر، ثم وضع في يد إيمان قطعة أخرى مجانًا.
شهقت إيمان.
"بجد؟"
أومأت فاطمة.
"يقول إنكِ أضحكته."
ابتسمت إيمان بانتصار.
"شوفتي؟ الضحك رزق."
---
وفي طريق العودة...
قالت فاطمة فجأة، وكأن السؤال خطر ببالها للتو:
"إيمان..."
"همم؟"
"أين تحتفظين بنقودك؟"
نظرت إليها إيمان باستغراب.
"ليه؟"
ابتسمت فاطمة ابتسامة هادئة.
"مجرد نصيحة... الأسواق مليئة بالنشالين."
أخرجت إيمان الصرة من تحت عباءتها، وربتت عليها.
"متقلقيش... مخبياها تحت المخدة كل ليلة."
ثم ضحكت.
"حتى لو حرامي دخل، هيلاقيها قبلي."
ابتسمت فاطمة.
"حسنًا... هذا جيد."
لكنها، دون أن تشعر إيمان...
ألقت نظرة سريعة إلى الصرة.
وكأنها تأكدت من شيء كانت تريد معرفته.
---
وفي مساء ذلك اليوم...
جلستا فوق سطح دار الضيافة، تتأملان السماء المرصعة بالنجوم.
قالت إيمان وهي تستلقي على ظهرها:
"تعرفي..."
"ماذا؟"
"أنا من ساعة ما جيت هنا... أول مرة أحس إني مش لوحدي."
ساد الصمت.
ثم أضافت وهي تنظر إلى النجوم:
"لو رجعت بلدي في يوم..."
التفتت إليها فاطمة.
"...هحكيلهم عنك."
ابتسمت فاطمة ابتسامة هادئة.
"وهل سيصدقونك؟"
ضحكت إيمان.
"لأ."
ثم تنهدت.
"بس هفضل أحكي برضه."
خفضت فاطمة رأسها، وقالت بصوت خافت كأنها تحدث نفسها:
"ربما... لن تعودي أصلًا."
رفعت إيمان رأسها بسرعة.
"قولتي حاجة؟"
انتبهت فاطمة لنفسها، فابتسمت فورًا.
"قلت إن الليل قد تأخر."
نظرت إليها إيمان لحظة، ثم هزت كتفيها.
"أنا أصلًا وداني بتسمع اللي على مزاجها."
ابتسمت فاطمة...
---
حلّ المساء على القسطنطينية، وانطفأت ضوضاء الأسواق شيئًا فشيئًا، ولم يبقَ سوى ضوء المشاعل المتراقص فوق الجدران الحجرية.
عادت إيمان وفاطمة إلى دار الضيافة بعد يوم طويل من التجوال.
ما إن دخلتا الغرفة حتى ألقت إيمان بنفسها فوق الفراش وهي تزفر بتعب.
"أنا رسميًا... رجلي أعلنت استقالتها."
ضحكت فاطمة وهي تخلع عباءتها.
"لقد كنتِ أنتِ من تصرّ على دخول كل سوق نمرّ به."
رفعت إيمان إصبعها محتجة.
"ده اسمه استكشاف حضاري."
ثم تنهدت وهي تدلك ساقيها.
"بس الاستكشاف الحضاري ده طلع مرهق أوي."
ابتسمت فاطمة، ثم تناولت إبريقًا فخاريًا صغيرًا كانت قد اشترته في طريق العودة.
سكبت منه شرابًا دافئًا في قدحين، وتصاعدت منه رائحة النعناع وبعض الأعشاب البرية.
تقدمت نحو إيمان، وناولتها أحد القدحين.
"اشربي... سيريح جسدك بعد هذا اليوم الطويل."
اعتدلت إيمان وهي تتناول القدح.
"إيه ده؟"
"شراب من الأعشاب... اعتادت أمي أن تصنعه للمسافرين."
ابتسمت إيمان بحنان.
"ربنا يبارك لها... ويبارك فيكي."
ثم رفعت القدح.
"في صحتنا."
ضحكت فاطمة.
"وفي صحة قدميكِ أيضًا."
ارتشفت إيمان الشراب، ثم أغمضت عينيها مستمتعة بحرارته.
"الله... حلو."
جلسَت فاطمة أمامها، تراقبها في صمت.
قالت إيمان فجأة وهي تبتسم:
"تعرفي يا فاطمة..."
"ماذا؟"
"أنا من ساعة ما جيت هنا، حسيت إن الدنيا كلها ضدي... إلا إنتِ."
ساد الصمت.
ثم أضافت وهي تبتسم ابتسامة امتنان صادقة:
"بجد... لو مكنتيش قابلتِني، معرفش كان جرالي إيه."
ارتجفت يد فاطمة للحظة وهي تمسك قدحها.
وأخفضت بصرها.
"لا تشكريني..."
رفعت إيمان حاجبها.
"ليه؟"
تداركت فاطمة نفسها بسرعة، وابتسمت ابتسامتها المعتادة.
"لأن الصداقة لا تحتاج إلى شكر."
ابتسمت إيمان.
ثم أنهت ما بقي في القدح دفعة واحدة.
وضعت الكوب جانبًا، وأخذت تتمطى.
"يا ساتر... أنا حاسة إن النوم هاجمني."
ابتسمت فاطمة بهدوء.
"إذن نامي."
لم تمضِ سوى دقائق...
حتى أصبحت كلمات إيمان متثاقلة.
"هو... الشراب ده... فيه..."
تثاءبت.
"...نعناع... ولا... بطارية؟"
ضحكت ضحكة صغيرة، ثم سقط رأسها على الوسادة.
حاولت أن تفتح عينيها مرة أخرى...
لكن جفنيها كانا أثقل من أن يقاوما.
آخر ما رأته...
كان وجه فاطمة.
كانت تجلس بجوارها، تنظر إليها بصمت.
ابتسمت إيمان ابتسامة ناعسة.
"تصبحي... على خير..."
همست فاطمة بصوت بالكاد سُمع:
"وأنتِ أيضًا..."
أغلقت إيمان عينيها...
وغرقت في نومٍ عميق.
سادت الغرفة لحظات من الصمت.
ظلت فاطمة تحدق فيها طويلًا.
ثم تنهدت تنهدًا عميقًا، وكأنها تحمل فوق كتفيها حملًا ثقيلًا.
همست بأسى:
"سامحيني... يا إيمان."
تقدمت ببطء نحو الوسادة.
مدت يدها المرتجفة أسفلها...
وأخرجت الصرة الجلدية.
أغلقتها داخل حقيبتها، ثم وقفت للحظة تنظر إلى وجه إيمان النائم.
بدت وكأنها تريد أن تقول شيئًا...
لكنها اكتفت بإدارة ظهرها.
فتحت الباب بهدوء...
ثم خرجت من الغرفة.
وأغلقته خلفها...
دون أن تلتفت مرةً واحدة.
---
واصلت فاطمة السير في الممر الخشبي بخطوات هادئة، بينما كانت الأرضية تصدر صريرًا خافتًا تحت قدميها.
توقفت لحظة أمام باب دار الضيافة.
التفتت نحو الطابق العلوي...
وكأنها تنتظر أن تسمع صوتًا يناديها.
لكن لم يأتِ شيء.
أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم شدّت حقيبتها وغادرت قبل أن يطلع الفجر.
....
تسللت أشعة الشمس إلى الغرفة عبر النافذة الصغيرة، لتستقر فوق وجه إيمان.
تأففت وهي تدفن رأسها في الوسادة.
"يا ماما... خمس دقايق كمان..."
فتحت عينيها فجأة.
تجمدت في مكانها.
حدقت بالسقف الخشبي فوقها، ثم اعتدلت ببطء وهي تنظر حولها.
"آه... صح."
تنهدت.
"نسيت إني في العصور الوسطى."
مدت يدها تحت الوسادة بعفوية لتطمئن على الصرة...
لكن أصابعها لم تلمس سوى القماش.
عبست.
أدخلت يدها مرة أخرى.
ثم الثالثة...
قبل أن تعتدل فجأة.
"استنى..."
رفعت الوسادة.
لا شيء.
قلبت الغطاء.
لا شيء.
بدأت تفتش الحقيبة، ثم أفرغت كل ما فيها فوق الفراش.
الثوب...
المنديل...
قطعة الخبز اليابسة...
ولا أثر للصرة.
توقف تنفسها لثوانٍ.
ثم همست بصوت مرتجف:
"لا..."
عادت تبحث بجنون.
تنظر تحت السرير...
داخل الجراب...
حتى داخل حذائها.
ثم وقفت في منتصف الغرفة، وشعرها مبعثر، وأنفاسها تتلاحق.
"يا نهار أبيض..."
اندفعت نحو الباب، وركضت إلى الغرفة المجاورة.
طرقت الباب بقوة.
"فاطمة!"
لا رد.
طرقت بعنف أكبر.
"يا بنتي افتحي!"
ثم دفعت الباب...
فانفتح بسهولة.
توقفت مكانها.
الغرفة...
فارغة.
الفراش مرتب.
ولا توجد حقيبة.
ولا عباءة.
ولا أي أثر يدل على أن أحدًا نام فيها الليلة.
همست إيمان بعدم تصديق:
"لا... لا... مستحيل..."
وفي تلك اللحظة...
وصلت صاحبة دار الضيافة وهي تصعد السلم.
قطبت حاجبيها عندما رأت الباب مفتوحًا.
"ما الذي يحدث هنا؟"
التفتت إليها إيمان بسرعة.
"فاطمة... البنت اللي كانت معايا... فين؟"
قالت المرأة ببرود:
"رحلت قبل الفجر."
ارتجفت شفتا إيمان.
"ورحلت... لوحدها؟"
"نعم."
شعرت إيمان وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
همست:
"سرقتني..."
اقتربت منها المرأة باستغراب.
"ماذا قلتِ؟"
رفعت إيمان رأسها بسرعة.
"الصرة... فلوسي... كانت تحت المخدة... اختفت."
ساد صمت قصير.
لكن المرأة لم تبدُ متأثرة.
بل قالت بنبرة عملية:
"حسنًا... إذن أعطيني أجرة إقامتكما."
حدقت بها إيمان.
"إقامتنا؟"
"صديقتك أخبرتني قبل رحيلها أنكِ ستتكفلين بدفع حسابها أيضًا."
اتسعت عينا إيمان.
"إيه؟!"
ثم شهقت وهي تضرب كفًا بكف.
"ده أنا اتنصب عليّا باكيدج كامل!"
لم تفهم المرأة شيئًا من كلماتها، لكنها أدركت من نبرة صوتها أنها ترفض الدفع.
فعقدت ذراعيها وقالت بصرامة:
"أين النقود؟"
ابتلعت إيمان ريقها.
"والله... اتسرقت."
"إذن ادفعي من مال آخر."
ضحكت إيمان ضحكة يائسة.
"يا ريت عندي مال أول أصلاً."
ازداد وجه المرأة قسوة.
"أتريدين أن تقيمي في داري وتأكلي من طعامي بلا مقابل؟"
هزت إيمان رأسها بسرعة.
"لا... والله أبدًا... اديني يوم واحد بس، هشتغل... أنضف... أغسل أطباق... أي حاجة."
لكن المرأة لم تستمع.
صفقت بيديها.
فصعدت امرأتان تعملان في النزل.
أشارت إليهما بيدها.
"أخرجاها."
شهقت إيمان.
"استنوا... يا جماعة، طب نتفاهم!"
أمسكت المرأتان بذراعيها.
"يا ست هقع... براحة!"
سحبتاها عبر الممر، ثم أنزلتاها الدرج رغم احتجاجها.
كانت تحاول التمسك بدرابزين السلم وهي تصرخ:
"ده ظلم! أقسم بالله المجرمة اسمها فاطمة! امسكوا فاطمة الأول!"
لكن الباب كان قد فُتح بالفعل.
وفي اللحظة التالية...
دُفعت إيمان إلى خارج دار الضيافة.
تعثر جسدها وسقطت على ركبتيها فوق الطريق الترابي.
ثم...
أُغلق الباب خلفها بعنف.
وقفت ببطء، ونفضت التراب عن ثوبها، ثم نظرت إلى الباب المغلق.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم رفعت رأسها إلى السماء، وقالت بمرارة امتزجت بسخرية شخصيتها المعتادة:
"حلو..."
تنهدت.
"التاجر باعني..."
ورفعت إصبعًا.
"ودي سرقتني..."
ورفعت إصبعًا ثانيًا.
"والفندق رماني..."
ثم نظرت إلى السماء قائلة:
"يا رب انقذني ... لو ده برنامج مقالب، أقسم بالله خلاص اتعلمت الدرس!"
__________________________________________
اي رايكم في الفصل؟؟؟❤️❤️
ياترى ح يحصل أي لإيمان دلوقتي بعد لما اترمت من الفندق؟؟؟
Emy Emy